الاخبار والسياسة في مصر والعالم العربي والعالمي

edit

 

يستحق الحفاوة ذلك التصريح الذى نشرته الصحف السودانية على لسان وزير الخارجية المصرى خاصا بإحياء فكرة المثلث الذهبى الذى يضم كلا من مصر والسودان وليبيا. بذات القدر فإننى أستغرب تجاهل الصحف المصرية لهذا الكلام الذى سجله الموقع الإلكترونى لجريدة «الشروق»، رغم أنه يطرح فكرة استراتيجية بالغة الأهمية، طالما ألح عليها الباحثون المهتمون بالشأن الاستراتيجى فى مصر، واعتبروا أن النجاح فى تحقيقها يمثل إحدى حلقات النهوض بالدول الثلاث، وربما بالمنطقة العربية بأسرها. 
لا أخفى أن الكلام كان مفاجئا أيضا من عدة نواح. ذلك أن أسبابا عدة أعطتنى انطباعا بأن دور وزارة الخارجية المصرية قد انكمش مع تراجع الدور المصرى فى المنطقة، وتولى أجهزة الأمن والمخابرات ملفات السياسة الخارجية. عزز هذا الانطباع أننا لا نكاد نرى حضورا يذكر لوزير الخارجية الحالى السيد محمد كامل عمرو. فى حين نلاحظ أن الذى يتحرك فى المنطقة ثلاثة وزراء آخرين أولهم الوزير السعودى وثانيهم القطرى وثالثهم التركى. لكن ما قاله الوزير المصرى صحح ذلك الانطباع بصورة جزئية، رغم أن الإعلام المصرى لم يأخذه على محمل الجد، حتى أزعم أن الوزير المصرى لو استطاع أن يحرك ملف المثلث الذهبى وينجز فيه شيئا، فإنه سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه. ولك أن تتخيل تكاملا بين مصر بإمكانياتها البشرية الكبيرة على كل المستويات، وليبيا بقدراتها النفطية ورقعتها الجغرافية الشاسعة، والسودان بإمكانياته الزراعية الضخمة وثروتها الحيوانية التى تحسد عليها. هذه العوامل إذا اجتمعت ووظفت لأجل رخاء شعوب الدول الثلاث، فلست أشك فى أنها يمكن أن تحدثا انقلابا استراتيجيا يغير من خرائط المنطقة وموازين القوة فيها.
 
من المصادفات ذات الدلالة أيضا أن يتواجد المشير محمد حسين طنطاوى فى ليبيا فى الوقت نفسه الذى كان فيه وزير الخارجية المصرى فى الخرطوم. ولست متأكدا من علاقة ذلك التزامن بإحياء فكرة المثلث الذهبى، وإن كنت أتمنى ذلك، لكن دعونا نتفاءل به ونعتبره ــ على الأقل من باب التمنى ــ تمهيدا للتقدم نحو تنفيذ الفكرة، يشجعنا على التفاؤل ان السيد محمد عمرو تحدث عن خطوات مرجوة للتكامل مع السودان، تمثلت فى إنجاز الطرق البرية بين شرق النيل وغربه، وعن إقامة مزارع تجريبية على مساحة مليون فدان.
 
لم نعرف الكثير عن نتائج زيارة المشير طنطاوى لليبيا، وإن كانت الصحف قد تحدثت عن تعاون مفترض فى مشروعات إعمار القطر الشقيق، وهو أمر يستحق التشجيع لا ريب، وإن كنت أتمنى أن يكون فى السياق الذى يستهدف إقامة المثلث الذهبى الذى يشكل حلما يستحق أن يحدب عليه الجميع.
 
وإذا جاز لى أن أكون أكثر صراحة فإننى لا أعرف بالضبط حدود ومعالم الرؤية الاستراتيجية لدى المجلس العسكرى، ولست مطمئنا إلى وضوح تلك الرؤية، سواء فى ظل الضغوط الدولية والعربية التى تريد لمصر الثورة أن تكون امتدادا لمرحلة مبارك، على الأقل فى مجال السياسة الخارجية، أو فى ظل انشغال المجلس العسكرى باستتباب الوضع الداخلى، على الأقل حتى تنتهى الفترة الانتقالية وتسلم السلطة إلى المدنيين بعد ستة أشهر. وقد يفهم فى ظل تأقيت مدة المجلس العسكرى إلا بفتح ملفات السياسة الخارجية بعيدة المدى. ولذلك رأينا أن الحكومة مهتمة بما هو عاجل بأكثر من اهتمامها بما هو استراتيجى وضرورى. وهو ما يضع على رأس الأولويات ملفى الاقتصاد والأمن الداخلى، وإذا كان وزير الخارجية قد قام بجولة أفريقية زار فيها دول أعالى النيل، فإن ذلك يظل تحركا وثيق الصلة بقضية الأمن المائى، التى تعد عاجلة واستراتيجية فى الوقت نفسه.
 
الموضوع الذى تطرق إليه وزير الخارجية السيد محمد عمرو أكبر مما نظن، ولن يتقدم السير فيه دون عقبات، لأن أطرافا عدة إقليمية ودولية لن يسعدها إقامة المثلث المنشود. وإذا تذكرنا كيف حوربت الوحدة بين مصر وسوريا، وكيف تم الاحتشاد ضد الوجود المصرى فى اليمن، حتى حارب بعض الإسرائيليين إلى جانب بعض العرب لإنهاك القوات المصرية وإخراجها ــ إذا تذكرنا كل ذلك فلنا أن نتوقع عقبات لا تخطر على البال لإجهاض ذلك الحلم ــ لكن ذلك شأن الأحلام الكبيرة دائما، التى لا تهدى إلى أصحابها، وإنما لابد من دفع ثمن باهظ لها.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 174 مشاهدة

 

جيد أن يتوافق الجميع فى مصر على استعادة روح الثورة، لكن يثير تساؤلنا تصدى الأزهر لهذه المهنة، فى حين يدهشنا أن تفشل القوى السياسية فى إجراء ذلك التوافق من جانبها. 
 (1) 
لا اعرف ما هى القيمة العملية للبيان الذى أصدره الأزهر يوم الأربعاء الماضى 11/1، وعرضه على نحو 60 من الرموز والقيادات والشخصيات العامة، وقيل إن الهدف منه هو استعادة روح الثورة. ذلك أن ثمة اسئلة عديدة حول مبدأ الزج بالأزهر فى الموضوع، وحول خلفية إصدار البيان والجهة التى أعدته. ثم إن إعلانه قبل أسبوعين من حلول ذكرى انطلاق الثورة فى 25 يناير، وما أثير من لغط حول فعاليات ذلك اليوم، يضيف أسئلة أخرى خصوصا انه دعا إلى التعاون بين شباب الثورة وممثلى الشعب المنتخبين لبناء مصر المستقبل، وإلى جانب هذا وذاك فثمة تساؤل عن تفسير سكوت البيان عن ضرورة تصحيح أخطاء المجلس العسكرى ومحاسبة المسئولين عنها، لإتمام المصالحة بين المجلس والمجتمع قبل تسليم السلطة إلى المدنيين.
 
أعرف أن البيان له قيمته الأدبية والمعنوية المقدرة، شأنه فى ذلك شأن ما أصدره من قبل من وثائق، خصوصا ما تعلق منها بالحريات العامة وهوية الدولة المنشودة. لكننى لا استطيع أن أقتنع بأن قراءة البيان بفقراته الاثنتى عشرة يمكن أن تعد إجماعا ملزما للقوى السياسية فى مصر. كما أننى لا استطيع أن أتصور أن الأزهر صار طرفا فى اللعبة السياسية فى مصر، يطالب بأن يجد موقفا إزاء مختلف التطورات،والأحداث السياسية الجارية. وأستبعد تماما ان يتحول الأزهر إلى بابوية جديدة مشابهة لتلك القائمة فى الفاتيكان، لها واجهتها الدينية المعلنة وسلطانها الروحى، لكنها تمارس أدوارا سياسية أكثرها غير معلن، وهو ما سجلته عدة كتب غربية صدرت فى الموضوع.
 
 (2) 
إن كثيرين من المثقفين يدعون إلى عدم تدخل الدين فى السياسة، لكنهم يسكتون على الوجه الآخر الأكثر أهمية، الذى يتمثل فى تدخل السياسة فى الدين، بما يؤدى إلى توظيفه لخدمة الأهواء السياسية. وذلك الفصل بين الاثنين نظرى حتى فى التطبيقات الغربية والعلمانية التى ينطبق عليها ذلك التوظيف السياسى للدين، وهو أوضح ما يكون فى الولايات المتحدة وإسرائيل على سبيل المثال.
 
ولأن التعاليم فى المفهوم الإسلامى لا تنظم علاقات المرء بربه فقط ولكن بعضها ينظم المعاملات أيضا، فضلا عن الأخلاق التى هى الأصل والأساس بطبيعة الحال، فإن علماء المسلمين استندوا إلى تلك التعاليم فى الدفاع عن المجتمع ومواجهة الحكام الظلمة. وهم الذين تحدثوا عن فقه الخروج على الحكام الظلمة، ودعوا إلى مقاومتهم والقطيعة معهم حتى قال بعضهم إن الفقيه إذا دخل على الحاكم الظالم يفقد اعتباره وتسقط شهادته.
 
فى التاريخ المصرى ان السيد عمر مكرم نقيب الأشراف شارك مع العلماء فى عزل خورشيد، الوالى التركى وقام بتنصيب محمد على باشا حاكما على مصر فى عام ١٨٠٥، لكن الوالى الجديد ما لبث أن نفاه وقلص دور علماء الأزهر، كى لا يفعلوا معه ما فعلوه مع سلفه. ومنذ ذلك الحين وأسرة محمد على تتحسب لدور الأزهر وتحرص على احتوائه وتطويعه. ولم يختلف ذلك كثيرا بعد الثورة فى منتصف القرن العشرين، فعبدالناصر أراد أن يستخدم الأزهر ضمن مشروعه الوطنى، والسادات أراد له أن يغطى تصالحه مع إسرائيل. ومبارك لم يستخدمه، ليس تعففا ولكن لأنه كان بلا مشروع، فأخضعه لإدارة جهاز أمن الدولة.
 
اننا نريد للأزهر ان يؤدى دوره مستقلا عن السلطة. ونعلم أنه فى الأصل مؤسسة تعليمية ودعوية. ليس لمصر وحدها ولكن للعالم الإسلامى بأسره. وإذا أراد أن يؤدى دوره خارج ذلك الإطار، فليته يصبح أيضا منبرا للدفاع عن المجتمع وليس السلطة، وصوتا للحق فى مواجهة الاستبداد والظلم السياسى والاجتماعى، ودوره فى مواجهة الحملة الفرنسية على مصر ليسا منسيا. أما إذا لم تمكنه الظروف من أداء ذلك الدور، فإن العالم الإسلامى يظل ينتظر منه الكثير على الصعيدين المعرفى والدعوى.
 
 (3) 
فى أحسن الأحوال فإن بيانات الأزهر أسهمت فى ترطيب الجو العام، ولم تغير شيئا من الواقع. فالاستقطاب حاصل، ولم يتوقف والجهد المبذول لجمع الفرقاء والبحث فى مواصفات لجنة تشكيل الدستور، كما ان اللغط مستمر حول إطار عمل اللجنة وحدود صلاحياتها، الأمر الذى يعنى ان الوفاق الوطنى المنشود لم يتحقق. ورغم ان نتائج انتخابات مجلس الشعب رسمت لنا خريطة القوى السياسية وحددت أوزان تلك القوى إلا أن الانجاز الذى حققته لم يسلم من النقد والتجريح. حتى سمعنا أصواتا لجأت إلى التشكيك فى صدق تعبير المجلس عن ثورة 25 يناير.
 
ما لم تحدث مفاجأة فى المشاورات الجارية فلا مفر من الاعتراف بعجز القوى السياسية عن تحقيق الوفاق المنشود، وهو موقف يدين هذه القوى جميعها، التى استغرب عدم قدرتها على رصد ما هو مشترك بينها فى المرحلة الدقيقة التى يمر بها الوطن. فى هذا السياق أزعم أن التجربة التونسية ملهمة فى مراعاة تحقيق التوافق بين القوى السياسية. إذ من حسن الحظ أن تلك القوى شرعت فى إحداث ذلك التوافق فى وقت مبكر. ذلك أن صراعها ضد نظام الرئيس السابق زين العابدين بن على دفعها فى عام 2005 إلى توحيد جهودها ضده، وتقوية موقفها من خلال نبذ خلافاتها والاتفاق على ما هو مشترك بينها. منذ ذلك الحين أداروا مناقشات شارك فيها الإسلاميون والعلمانيون والقوميون والشيوعيون والناصريون وشكل هؤلاء ما سمى بهيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات. وقد اسفرت المناقشات عن الاتفاق على المواقف المشتركة بينها فى ثلاثة أمور هى: الحريات العامة ــ حقوق المرأة والاتفاق بين الجنسين ــ العلاقة بين الدولة والدين.
 
ولأننى أحسب أن العنوانين الأولين ليسا محل خلاف كبير فى مصر، فإننى سأكتفى بإيراد ما ورد فى موضوع العلاقة بين الدولة والدين، وهو أكثر ما يثير الجدل عندنا. إذ نصت الوثيقة على ما يلى:
 
لقد أبرز تحليل الرؤى والمواقف والتجربة السياسية التونسية المعاصرة حول العلاقة بين الدين والدولة وجود ثلاثة تحديات تواجه الشعب التونسى فى تطلعه إلى انجاز تغير ديمقراطى حقيقى وتأسيس علاقة سليمة بين الدين والدولة وتتمثل هذه التحديات فى:
 
1ــ استبداد السلطة الذى من مظاهره اخضاع الدين الإسلامى للإرادة السياسية للنظام القائم وتوظيفه وفى هذا السياق يندرج سعيه الدائم إلى فرض قراءة للدين على المجتمع بما يخدم مصالحه واحتكار الفضاءات الدينية بالتحكم فى تعيين الأئمة وفقا لولائهم وتحديد مضامين خطبهم وانتهاك الحريات الشخصية للمواطنين والمواطنات بمختلف قناعاتهم الدينية والفكرية والسياسية.
 
2 ــ الاستبداد باسم الدين الناجم عن قراءة أحادية مغالبة للإسلام والذى يؤدى إلى التدخل بالقوة فى حياة المواطنين الخاصة وإلى النيل من حقوقهم وحرياتهم الأساسية ومن المبادئ الديمقراطية.
 
3 ــ الاستبداد باسم الحداثة الذى يعمل على إلغاء الدين من الحياة العامة بوسائل قهرية من داخل أجهزة الدولة وخارجها ويدفع نحو التصادم بين الدولة والدين وهو تصور لا يؤدى إلى إدامة الاستبداد القائم ودعم انتهاك الحريات وحقوق الإنسان وتعطيل المشروع الديمقراطى.
 
إزاء هذه التحديات تلتزم هيئة 18 أكتوبر بالدفاع عن رؤية للعلاقة بين الدولة والدين والهوية تنهل من التفاعل الخلاق بين مقومات حضارتنا العربية والإسلامية ومكتسبات الإنسانية الحديثة وخاصة حقوق الإنسان والحريات الجماعية والفردية باعتبارها شرطا أساسيا من شروط التقدم والتنمية والكرامة.
 
 (4) 
فی هوية الدولة سجلت الوثيقة النقاط التالية:
 
1ــ إن الدولة الديمقراطية المنشودة لا يمكن أن تكون إلا دولة مدنية قائمة على مبادئ الجمهورية وحقوق الإنسان وتستمد مشروعيتها من إرادة الشعب الذى يتولى فى إطار هذه المبادئ انتخاب مؤسسات الحكم بشكل دورى ومحاسبتها ويخضع فيها الحاكم والمحكوم للقوانين والقواعد التى تسنها المؤسسات الدستورية المنتخبة مع ضمان حق كل طرف فى استلهام مقترحاته وبرامجه فى كل المجالات من مرجعيته الفكرية الخاصة.
 
2 ــ إن الممارسة السياسية هى اجتهاد بشرى مهما كانت قناعات أصحابها ومعتقداتهم مما ينفى عنها أى شكل من أشكال القداسة ويجعل المجال السياسى فضاء حرا للحوار والتنافس بين الرؤى وبرامج المكونات السياسية والمدنية على اختلاف مرجعياتها.
 
3 ــ إن الدولة الديمقراطية المنشودة تقوم على مبادئ المواطنة والحرية والمساواة. وبناء على ذلك فهى تسهر على ضمان حرية المعتقد والتفكير ومقاومة كل أشكال التمييز بين المواطنين على أساس العقيدة أو الرأى أو الجنس أو الانتماء الاجتماعى أو السياسى أو الجهوى كما تضمن للمواطنين جميع الحريات والحقوق الأساسية التى تشكل أساس النظام الديمقراطى.
 
4 ــ إن الدولة الديمقراطية المنشودة تلتزم نصا وممارسة بضمان الحرمة الجسدية للإنسان ومنع التعذيب وكل أنواع الانتهاكات البدنية والمعنوية المهينة للكرامة البشرية. وتتعهد هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات بكل مكوناتها بأن تكون برامجها متطابقة مع تلك المبادئ الأساسية كما تلتزم بتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1984 الخاصة بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية وهى تتعهد بوضع الآليات الضرورية لاجتثاث ممارسة التعذيب فى بلادنا.
 
5 ــ إن من واجب الدولة الديمقراطية المنشودة إيلاء الإسلام منزلة خاصة باعتباره دين غالبية الشعب دون أى احتكار أو توظيف مع ضمان حق كل المعتقدات والقناعات وحماية الحرية تجاه الشعائر الدينية.
 
6 ــ إن هوية الشعب التونسى تشكلت عبر صيرورة تاريخية طويلة وهى تثرى وتتطور بالتفاعل الخلاق بين مقوماتها الحضارية العربية الإسلامية ومكتسبات الحداثة وبناء على ذلك فإن الدولة الديمقراطية المنشودة تلتزم:
 
أ ــ الدفاع عن اللغة العربية لغة وطنية فى الإدارة والتعليم والثقافة وتجذيرها فى المجتمع مع ضرورة التفتح على اللغات والثقافات الأخرى.
 
ب ــ تجذير الشعب التونسى من حضارته العربية الإسلامية بكل ما فيها من رصيد ايجابى مع تطويرها لتستوعب مكتسباته الإنسانية الحديثة وتسهم فى إثراء الحضارة الإنسانية فى إطار من التفاعل البناء مع مواجه مشاريع الاستلاب والهيمنة التى تسعى إلى القضاء على تنوع الثقافات وفرض نمط ثقافى وقيمى أحادى.
 
جـ ــ ضمان تدريس مواد التربية الإسلامية خارج أى توظيف سياسى فى إطار منظومة تربوية تكفل حق التعليم ونشر قيم التفكير العلمى والنقد والاجتهاد بما يساهم فى نحت شخصية تونسية متجذرة فى هويتها الوطنية ومتفتحة على القيم العصرية.
 
7ــ إن الدولة الديمقراطية المنشودة تدافع عن القضايا العادلة للشعوب العربية والإسلامية بحكم طموحها إلى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتعمل على توحيد جهودها فى مواجهة الاستبداد الداخلى وكل أشكال الاستعمار والهيمنة الأجنبية من أجل تقرير مصيرها وبناء مستقبلها المشترك.
 
لقد كانت هذه الخلفية التى التقت عليها القوى السياسية المختلفة فى تونس، وراء التوافق الناجح الذى تجلى بعد الثورة، الأمر الذى مكنها من ان تنتقل إلى النظام الجديد بدون ألم، وبعد الفشل الذى منيت به الجهود المختلفة فى مصر خلال العام المنقضى، من حقنا أن نسأل: هل صحيح أن القوى السياسية فى بلادنا محصنة ضد التوافق؟

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 133 مشاهدة

 

صباح يوم الجمعة 28 يناير الماضى خرج الشاب عبدالهادى فرج ابن العشرين عاما من بيته متجها إلى ميدان التحرير. قاوم ضغوط أمه وشقيقاته وأبيه سائق التاكسى، ورفض أن ينصاع لنصائحهم التى دعته للبقاء فى البيت. وبعد ان تفلَّت منهم. لم يستغرق هبوطه من الطابق السادس الذى تسكن فيه أسرته سوى ثوانٍ معدودة، كان بعدها فى الشارع الذى واصل الركض فيه لكى ينضم إلى المتظاهرين الذين كانت هتافاتهم تزلزل الفضاء فى الميدان. لكنه قبل أن يصل إلى مبتغاه تلقّى رصاصة فى ظهره أسقطته على الأرض. ولم تنتصب له قامة منذ ذلك اليوم وحتى هذه اللحظة. فقد أصابته الرصاصة التى انطلقت من قسم شرطة السيدة زينب بشلل رباعى أفقده القدرة على الحركة. وفى حين برأت المحكمة ضباط قسم الشرطة بدعوى انهم كانوا فى حالة دفاع عن النفس ضد المتظاهرين، فإن عبدالهادى فرج صار قعيدا، لا يستطيع أن يتحرك إلا محمولا فى ملاءة. 
كان طالبا فى السنة الثانية بالمعهد التجارى الفنى بالمطرية، وشأن أمثاله من الفقراء الذين يعجزون عن مواصلة تعليمهم الجامعى، ويفضل أهلوهم إلحاقهم بالمعاهد المتوسطة لكى يتخرجوا بسرعة تمكنهم من الحصول على شهادة تحفظ ماء الوجه، ثم يلقون بأنفسهم فى سوق العمل بحثا عن أى مورد للرزق يسد الرمق، ويخفف العبء عن الأب، وربما استطاع أن يسهم فى نفقات البنات. لكن كل تلك الأحلام المتواضعة تبخرت. ليس ذلك فحسب وإنما أصبح عبدالهادى حيا عن الورق وميتا فى الحقيقة. اختفت جذوة الأمل من عينيه، بعدما صار عبئا على أسرته، وهو الذى كان يحلم بأن يكون عونا لها.
 
أمضى سبعة أشهر فى المستشفى الفرنسى بقصرالعينى، لم يفلح خلالها الأطباء فى أن يعيدوا إلى أطرافه شيئا من الحياة، فأعادوه إلى بيته فى الطابق السادس محمولا فى ملاءة لملمت أطرافه، ومنذ ذلك الحين لم ير الشارع الذى كان يذرعه راكضا صباح مساء. وطوال الأشهر السابقة وحتى الآن فإنه يخضع لعلاج طبيعى يخفف من اثر الموت فى عضلات جسمه. وهو العلاج الذى يتكفل به بعض المصريين الشرفاء الذين تبنوه وقدموا له الرعاية الطبية التى يحتاجها. وهذه النماذج النادرة من البشر ضمت نساء ورجالا قرروا أن يقوموا بذلك العمل النبيل، وأن يظلوا جنودا مجهولين ينفقون من أموالهم وأوقاتهم فى صمت الرهبان وإخلاص أولياء الله الصالحين. شجعهم على ذلك أنهم وجدوا أن غيرهم حول الرسالة الجليلة إلى مادة للتهريج والتسويق السياسى. حتى صار حضورهم فى وسائل الإعلام بديلا عن حضورهم إلى جوار الضحايا.
 
بطبيعة الحال فإنه انقطع عن الدراسة، وكما فقد قدرته على الحركة فإنه فقد قدرته على الحلم. رغم أن أحلامه كانت متواضعة اصلا شأن أمثاله من الفقراء. وحين قيل له إن الأمل ضعيف فى علاجه بألمانيا وإن تكلفة العلاج تدور حول ربع مليون يورو، فإن ذلك الحلم الذى طاف بخاطره فى لحظة زمن، اختفى ولم يعد يراوده حتى فى المنام.
 
صارت غاية امنتياته فى الوقت الراهن أن يرى الشارع وأن يشعر بأنه إنسان وليس مجرد كتلة من اللحم والعظم يتوسطها قلب يدق وفوقها عينان وأذنان وأنف وفم، الأمر الذى حوَّله إلى كائن تتاقسمه الحياة والموت، وأفقد الموت الحياة معناها. يريد الذين تبنوه أن يضيفوا إليه جرعة من الحياة، وفكروا فى ان يشتروا له قطعة أرض مجاورة مساحتها ستون مترا، يبنون عليها بيتا صغيرا يسكنه ومتجرا يتقوت منه. بحيث يكون قريبا من الشارع وتصبح لحياته بعض المعنى، فضلا عن انه يجنبه مشقة استحالة الصعود والنزول محمولا على الأعناق من وإلى الطابق السادس.
 
علمت أن هناك ثلاثة آخرين من أمثاله أصيبوا بالشلل بالرباعى، أميتت أجسامهم أيضا وقتلت أحلامهم. واحد فى حى العجوزة بالقاهرة والثانى فى كفر الشيخ والثالث فى الإسكندرية. وقيل لى إنهم يعانون عذابات كثيرة فى حصولهم على العلاج الطبيعى الذى يحتفظ لأجسامهم بعض الحياة، وفهمت أن ثمة مركزا متقدما للعلاج الطبيعى جرى افتتاحه قبل أيام، وتم تزويده بأجهزة متقدمة وحديثة. لكن قيل لى ــ والعهدة على من روى ــ أن الأجهزة الحديثة محجوزة لبعض كبار الضباط من اللواءات، ومشكلة أمثال عبدالهادى فرج أنهم ليسوا لواءات (لست واثقاً ان من بينهم احد ممن قتلوه)، بل ليسوا مواطنين عاديين، ولكنهم بالكاد مواطنون محتملون!

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 150 مشاهدة

 

تبين الآن أن استثمار دولة إسرائيل فى جنوب السودان كان مجديا على المدى البعيد. ذلك ان جنوب السودان ينخرط فى استراتيجية الاحاطة بالعالم العربى، التى تشمل قبرص والأكراد والبربر، وربما ذات يوم إيران ما بعد الإسلامية. ثم إن هذا البلد الوليد (الجنوب) لديه امكانية استثمار الموارد الطبيعية الغنية (النفط أساسا)، ولديه وزن فى المفاوضات الجارية بشأن مياه النيل وحصة مصر منها. وإلى جانب ذلك فإن تأسيس دولة الجنوب يشكل نموذجا يبعث على الإلهام لمقاومة السكان غير المسلمين للامبريالية الإسلامية. 
هذه الفقرة وردت نصا فى مقالة نشرتها صحيفة إسرائيل اليوم (فى 4/1 الحالى) للبروفيسور دانييل بايبس رئيس منتدى الشرق الأوسط فى معهد هوفر. وهو باحث وأكاديمى أمريكى وثيق الصلة بإسرائيل ومشهور بعدائه للعرب والمسلمين.
 
كان كاتب المقالة يعقب على أول زيارة قام بها السيد سلفاكير مارديت رئيس جنوب السودان لإسرائيل، التى وصفها الرئيس الإسرائيلى شمعون بيريز بأنها حدث تاريخى مهم. وقد عبر السيد بايبس عن أمله فى ان تكثف الدول الغربية وإسرائيل من مساعداتها للدولة الجديدة فى مجالات الزراعة والصحة والتعليم والدفاع، بما يمكنها من ان تصبح قوة عظمى فى المنطقة حليفة ليس فقط لإسرائيل وانما للغرب أيضا.
 
كنت قد علقت على زيارة السيد سلفاكير فى حينها، منبها إلى ما تمثله من انعكاسات محتملة على الأمن القومى المصرى والأمن العربى بوجه عام. لكن النص المنشور يسلط الضوء على جوانب أخرى لها أهميتها أحسب أنها ينبغى أن تؤخذ على محمل الجد. ذلك أننا كنا نعلم أن الاستراتيجية الإسرائيلية منذ منتصف القرن الماضى اعتمدت سياسة «شد الاطراف» التى  وضعها بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل. وانصب تركيزها على إثيوبيا وإيران وتركيا. وهو مثلث الجيران الذى استطاعت إسرائيل أن تثبت أقدامها فيه، للضغط على العالم العربى ومصر فى القلب منه بطبيعة الحال. وإلى جانب الضغط من الخارج، فإن الإسرائيليين سعوا منذ ذلك الوقت المبكر إلى إقامة جسور مع الأقليات والجماعات العرقية الأخرى التى تعيش داخل العالم العربى لاستمالتها واستخدامها فى الضغط على الأنظمة والتنغيص عليها. وفى الكتيب الذى أعده ضابط الموساد موشى قرجى حول إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان، (صدر عن مركز ديان بجامعة تل أبيب سنة 2003) إشارة إلى أن تلك السياسة استهدفت التواصل مع الأكراد فى العراق وسكان جنوب السودان، والموارنة فى لبنان، والدروز والأكراد فى سوريا، والأقباط فى مصر.
 
اختلف الموقف فى الوقت الحاضر. إذ خرجت إيران من مثلث التحالف، وخرجت تركيا بدرجة أو أخرى. فى حين لاتزال إسرائيل تحتفظ بعلاقاتها مع إثيوبيا التى استخدمت مع كينيا وأوغندا فى القفز إلى جنوب السودان. ورغم معاهدة السلام التى أبرمتها مصر مع إسرائيل ولحقت بها الأردن، فإن مساعيها للضغط على مصر والعالم العربى لم تتوقف. فنجاحهم مشهود فى كردستان العراق. كما انهم حققوا نجاحا موازيا فى تحقيق هدفهم الاستراتيجى بعدم السماح للعراق بأن يعود إلى ممارسة دوره العربى والإقليمى، والتعبير لوزير الأمن الداخلى الإسرائيلى الأسبق آفى دختر. وهو من قال أيضا فى محاضرته الشهيرة ان إسرائيل موجودة فى دارفور غرب السودان، وانهم ومعهم الولايات المتحدة حريصون على تمكينه من الاستقلال، على غرار استقلال كوسوفو. حيث الهدف النهائى يتمثل فى إضعاف السودان وعدم تمكينه من التحول إلى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية التى يطلق عليها جبهة المواجهة مع إسرائيل.
 
بقيت عندى كلمتان، الأولى أن جهود إسرائيل للإحاطة بالعالم العربى واختراقه بهدف تفتيته لم تتوقف، كما ان استراتيجيتها التى تستهدف الضغط على مصر وإضعافها لم تتغير رغم مضى أكثر من ثلاثين سنة على معاهدة السلام بين البلدين. ولا أعرف ما إذا كان هذا الموضوع يحظى بما يستحقه من اهتمام من جانب الجهات المعنية فى مصر على الأقل أم لا، لكننى أرجو ألا يصرفنا اهتمامنا بالأمن الداخلى عن الانتباه إلى ما يهدد أمننا القومى.
 
الكلمة الثانية انه فى الوقت الذى تسعى فيه إسرائيل إلى مد الجسور مع الأقليات غير المسلمة لتحريضها على ما سماه الكاتب «بالإمبريالية الإسلامية»، فإن بعض المغيبين والسذج عندنا لا يزالون يرددون السؤال البائس: هل نصافحهم ونهنئهم فى أعيادهم أم لا؟!

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 94 مشاهدة

 

ما قيل عن المشاورات الجارية للتنسيق بين حزب النور السلفى وبعض الأحزاب الأخرى التى فى مقدمتها حزب الوفد والكتلة المصرية لا يدخل ضمن الشائعات التى تتردد فى مصر هذه الأيام. ولكنها معلومات صحيحة ليس الدافع إليها مجرد مواجهة نفوذ الإخوان فى انتخابات رئاسة مجلس الشعب وهيئة مكتبه ورئاسة لجانه. وهو ما أشارت إليه جريدة «المصرى اليوم» يوم الأربعاء الماضى 11/1. ذلك إن معلوماتى تشير إلى أن ممثلين لحزب النور أجروا اتصالات مع بعض الشخصيات العامة للتشاور معها فى تبنى الحزب لموقف مستقل عن الإخوان، وفى كيفية تحسين أدائه بوجه عام لتصحيح الصورة النمطية التى روجت لها أغلب المنابر الإعلامية، التى استثمرت بعض التصريحات المسيئة التى صدرت عن أفراد من السلفيين وجرى تعميمها على الجميع. 
ورغم أن نتائج مشاورات التنسيق لم تعرف بعد، إلا أن دلالتها من الأهمية بمكان. من ناحية لأنها تعنى أن حزب النور الذى يمثله حتى الآن نحو 120 عضوًا فى البرلمان، لن يشكل بالضرورة تحالفا مع الإخوان يسيطر الطرفان بمقتضاه على أعمال مجلس الشعب أو اللجنة التأسيسية التى ستكلف بوضع الدستور، وهو الهاجس الذى يؤرق كثيرين من المثقفين والسياسيين فى مصر هذه الأيام. وقد أثبتت المشاورات الجارية ان ذلك السيناريو ليس دقيقا وليس أكيدا.
 
من ناحية ثانية، فإن مبدأ إجراء المشاورات من جانب حزب النور مع الأحزاب الأخرى العلمانية والتى يضم بعضها حزب التجمع اليسارى له أيضا دلالته المهمة، إذ يعنى أن حديث رئاسة الحزب المتمثلة فى الدكتور عماد عبدالغفور عن إمكانية التحالف مع الليبراليين هو الذى تم الالتزام به، على العكس من الموقف الذى تبناه الدكتور ياسر برهامى الذى وصف بأنه المرجعية الشرعية للحزب الذى عارض مثل هذه الخطوة قائلا بأنه: «لا يجوز التحالف إلا مع الأحزاب التى تنصر الحق وتطبق شرع الله».
 
    من ناحية ثالثة، فإن اتجاه حزب النور إلى محاولة تحسين أدائه ومعالجة الأخطاء التى وقع فيها بعض المنسوبين إليه يمثل خطوة ايجابية، تعنى أنهم يتعلمون من اخطائهم ويحاولون إصلاحها. وذلك مؤشر إيجابى رصده زميلنا الأستاذ ضياء رشوان الذى وجه يوم الأربعاء الماضى «تحية واجبة للتيارات السلفية على تطوراتها الايجابية، ومرونتها واستعدادها المستمر للتواؤم مع متغيرات العصر والواقع والأحوال المصرية».
 
هذا التسجيل للتطور الايجابى الذى يسعى إليه عقلاء السلفيين، لا يغير من رأينا فى منطلقاتهم الفكرية وآرائهم التى نتحفظ على أكثرها، بقدر ما نعترض على التعامل الإعلامى غير اللائق معهم، الذى سبق أن انتقدته من قبل فيما كتبته تحت عنوان «شيطنة السلفيين». وربما كانت هذه مناسبة لتجديد الدعوة إلى ضرورة احترام الفرقاء المختلفين فى الساحة السياسية، والتخلى عن أساليب التحقير والكيد والتنديد التى يستخدمها بعض الإعلاميين ورسامى الكاريكاتير هذه الأيام. وهذه الدعوة موجهة إلى الجميع، بمعنى أنها تشمل الذين يطلقون اتهامات التخوين والعمالة بقدر ما تشمل الذين يرمون خصومهم بالضلال والكفر والانحلال أو نحو ذلك.
 
فى هذا السياق، لا نستطيع أن نبرئ بعض المثقفين وأغلب الإعلاميين من المسئولين عن إعادة تشغيل فزاعة الإسلاميين والترويج للانطباعات السلبية والصور النمطية المحملة بالسخرية والازدراء والترويع. فقد كان هؤلاء من حذروا من بحر دم يغرق فيه البلد إذا ما أجريت الانتخابات، وعن عودة قوية لفلول النظام السابق من خلالها. ولم يحدث شىء من هذا ولا ذاك. وبعد ظهور النتائج جرى التخويف من تحالف الإخوان والسلفيين الذين سينقلون التجربة الإيرانية، وفى قول آخر الباكستانية والسعودية الوهابية فى قول ثالث. وما نحن بصدده الآن يثبت أن ذلك لا أصل له. وأحدث صيحة فى مسلسل الشائعات تحدثت عن صفقة بين المجلس العسكرى والإسلاميين تم من خلالها توزيع الأدوار وتبادل المواقع والمصالح، وهى شائعة مضحكة، لأن الذين حصدوا أعلى الأصوات لا يحتاجون لعقد صفقات، ولكن الأطراف الأضعف هى الأشد حاجة إلى ذلك لتحسين موقفها. وستكون المفارقة شديدة والمفاجأة صعبة التصديق إذا صحت التسريبات التى يهمس بها البعض عن أن ذلك حدث بالفعل للتخفيف من آثار الحضور القوى للإسلاميين فى مجلس الشعب.
 
أخشى إذا استمرت تلك التعبئة الإعلامية المغلوطة ان نضطر إلى المطالبة يوما ما بنشر تحذير على الصفحات الأولى للصحف، مماثل لذلك يوضع على علب السجائر يقول: لا تنس أن ما بين يديك كلام جرايد. إذا صدقته فقد يضر بصحتك النفسية.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 99 مشاهدة

لم أكن أعرف أن الزعماء السياسيين لهم أيضا «كرامات»، من تلك التى يتداولها عوام المتدينين فى أحاديثهم عن القدرات الخارقة لشيوخهم التى أودعها الله لديهم.
 
 وليس ذلك وحده أغرب ما فى الأمر، لأن الأغرب أن تظهر تلك الكرامات على يد زعيم شيوعى فى كوريا الشمالية. وهى الدولة الاشتراكية التى تحكمها أسرة واحدة منذ نحو نصف قرن، فقد حكمها كيم ايل سونج منذ عام 1945 ثم ورثه ابنه كيم جونج ايل فى عام 1994 وبعد وفاته فى شهر ديسمبر الماضى، تولى السلطة الحفيد كيم جونج أون البالغ من العمر 28 عاما.
 
لكن الإعلام الكورى أراد أن يحول الحدث إلى اسطورة ترددت أصداؤها فى آفاق الكون. فبثت وكالة الأنباء المركزية يوم الاثنين الماضى 9/1 الخبر التالى: فى نحو الساعة الخامسة وثلاث دقائق مساء (لاحظ الدقة) من يوم 19 ديسمبر عام 2011 ظهرت مئات من الغربان فى السماء من حيث لا ندرى. وحلقت فوق تمثال الجد الرئيس كيم ايل سونج، فى مدرسة تشانجدوك بمنطقة مانجيونجداى، حيث ظلت تصدر أصواتا أقرب إلى النواح كما لو كانت تبلغه بالخبر الحزين الذى التاعت له الأفئدة. ليس ذلك فحسب وانما ذكرت الوكالة فى وقت سابق ان عائلة من الدببة التى عادة ما تدخل فى سبات خلال فصل الشتاء الكورى غادرت مكمنها الثلجى وخرجت إلى الشارع باكية، حزنا على الراحل العظيم، ويعتقد أن العائلة التى ظهرت بحالة يرثى لها كانت تضم أما وأشبالها، حل بهم الجذع فلم يجدوا غير الدموع التى خرجوا يذرفونها أمام الملأ.
 
 
من ناحية أخرى، بدأ الإعلام الكورى فى إضفاء صفات النبوغ والعبقرية على القائد الجديد كيم جونج أول لتعزيز موقفه والإشادة بكفاءته النادرة. فبث التليفزيون شريطا وثائقيا عنه قال انه لا يشق له غبار فى الاستراتيجية العسكرية، حيث أحاط بعلوم الأولين والآخرين فى ذلك المجال، وانه قائد عسكرى متمرس. وأظهره الشريط وهو يقود دبابة ويصدر الأوامر لجنود فى أسلحة الجو والبر والبحر. ولتأكيد نبوغه المبكر ذكر الشريط أن المذكور وضع اطروحته الأولى فى الاستراتيجية العسكرية وهو لم يتجاوز ستة عشر عاما. وانه لا ينام سوى ثلاث أو أربع ساعات فى الليل، فى حين يصرف كل وقته لرعاية شئون البلاد.
 
 
ولأن الزعيم الجديد بذلك النبوغ والندرة فإن الصحف الرسمية دعت الشعب إلى الالتفاف حوله والدفاع عنه «حتى الموت». وكانت إحدى الصحف التى يصدرها لاجئون شماليون قد ذكرت أن سلطات بيونج يانج أمرت السكان بعدم اعتمار قبعات أو لبس قفازات خلال تشييع زعيمهم الراحل فى 28 ديسمبر الماضى، رغم البرد القارص، حتى يقتدوا بخلفه جونج اون الذى سار حاسر الرأس إلى جانب عربة نقل الموتى التى حملت اباه.
ليست جديدة عبادة الزعيم فى كوريا الشمالية، فالجد كيم ايل سونج كانت تطلق عليه أوصاف التعظيم والتبجيل التى تكاد تضارع أسماء الله الحسنى.
 
 وكنا فى السبعينيات نتندر على تلك الأوصاف، التى كانت تنشر ضمن عناوين المواد الإعلانية فى ملاحق جريدة الأهرام مدفوعة الأجر من قبل السفارة الكورية فى القاهرة. والطريف أنهم كانوا يدفعون آلاف الدولارات لنشر تلك المقالات المرسلة من بيونج يانج مترجمة إلى اللغة العربية. وبعد ان تظهر فى الملاحق الإعلانية، فإنهم كانوا يعيدون نشرها مرة أخرى فى الصحف الكورية، باعتبارها مدائح وإشارات من جانب الصحف المصرية بعبقرية الزعيم المحبوب الذى طبقت شهرته الآفاق وتغنى المصريون والعرب بنبوغه.
 
 
هذا النفاق الأخير الذى كان يعتمد على الكذب والتدليس أقل سوءا من النفاق الذى اعتمد على ازدراء الناس واستغبائهم، وافتراض إمكانية تصديقهم لنواح الغربان ودموع الدببة حزنا على وفاة الزعيم، وحين يحدث ذلك فى بلد ملاصق لكوريا الجنوبية، التى قطعت شوطا بعيدا فى تقدمها الصناعى على الأقل. فإن ذلك يثير أكثر من سؤال حول العصر الذى لا يزال يقف عنده نظام كوريا الشمالية، وحول مدى العزلة والتعاسة التى يعيش فى ظلها الشعب الكورى.
 
 
إننا لا نستغرب شيوع النفاق فى بعض المجتمعات غير الديمقراطية، لكننا نندهش لمدى التردى الذى وصل إليه مستوى ذلك النفاق. وإزاء يأسنا من إمكانية تغيير نظام مثل المفروض على كوريا الشمالية، فقد أصبحنا نتطلع لأن يمارس النفاق بصورة أفضل لا تحتقر عقول الناس إلى تلك الدرجة.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 119 مشاهدة
نشرت فى 12 يناير 2012 بواسطة TAHAGIBBA

 

تلوح فى فضاء المشرق إشارات تدعو إلى القلق، على العكس مما يسود المغرب من إرهاصات تبعث على الاستبشار والتفاؤل بالمستقبل، بعد التطورات التى حدثت فى تونس وليبيا والمغرب. آية ذلك أنك إذا مددت البصر صوب المشرق ستجد أن محنة الشعب السورى مستمرة منذ عشرة أشهر، لكنها فى الوقت الراهن أصبحت تكتسب بعدا جديدا. ذلك أن الصراع السياسى الذى بدأ بين المجتمع الذى يتوق إلى الحرية وبين السلطة المهيمنة منذ نحو أربعين عاما بصدد التحول الآن إلى صراع طائفى بين العلويين والسنة. إذ المعروف أن العلويين احتلوا موقعا متميزا فى مراكز السلطة ومراتب الثروة فى ظل حكم أسرة الأسد. ولم يعد سرا أن أغلب ضباط الجيش والأجهزة الأمنية ينتمون إلى تلك الطائفة. كما بات معلوما أن بعض العلويين أصبحوا يشكلون ركائز مهمة فى قطاعات الصناعة والتجارة. الأمر الذى يعنى أن النظام السورى حرص على أن يوسع طول الوقت من دائرة ارتباط مصالح الطائفة العلوية باستمراره فى السلطة. ورغم أن بعض الشخصيات العلوية انضمت إلى الحركة الوطنية وتجاوزت الحدود الطائفية، إلا أن هؤلاء ظلوا استثناء لا يغير من حقيقة التداخل بين مصالح الأغلبية العلوية وبين النظام الراهن. وسواء كانت بعض الأطراف العلوية هى التى تحركت دفاعا عن مكتسباتها أو أن السلطة كان لها دور فى تحريكها، فالشاهد أن العلويين والسنة أصبحوا فى مواجهة بعضهم البعض. على الأقل فى مدينة حمص ثالث أكبر المدن السورية التى يسكن السنة أحياء المدينة القديمة ويقطن العلوية فى الأحياء الجديدة. إذ أصبح الجانبان يتبادلان الخطف والقتل، حتى وصل معدل الجثث من الجانبين التى تصل إلى المستشفى العام للمدينة نحو 250 جثة فى المتوسط شهريا. 
هناك من يتحدث عن انضمام أعداد من العلويين إلى «الشبيحة» الذين يلاحقون المتظاهرين. والأخبار متواترة عن ميليشيات من شباب العلويين المسلحين أصبحت تطوف بقراهم بدعوى حماية الأهالى من هجمات السنة.
 
ثمة أحداث مشابهة تتفاعل الآن فى العراق الذى أيقظ الاحتلال الأمريكى المشاعر الطائفية فيه منذ لحظاته الأولى. وظلت تلك المشاعر تظهر وتخبو طوال السنوات الماضية، مما أدى إلى تقسيم الأحياء وإقامة الأسوار بين المناطق الشيعية والسنية. ولكن الأمر اختلف حين تم انسحاب القوات الأمريكية فى نهاية العام. إذ اختل الميزان بشدة وفوجئنا برئيس الوزراء ينقلب بسرعة على نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمى ويتهمه بارتكاب بعض الجرائم. ويطالب بتقديمه إلى العدالة. تواكب ذلك مع إصرار من جانبه على قمع السنة واستفراد الشيعة بالسلطة، وهو التطور الذى حين انضاف إلى سلسلة الإجراءات الأخرى التى استهدفت إضعاف موقف أهل السنة، فإنه أفرز حالة من الاحتقان وأشاع قدرا من المرارة، ينذر بانفجار الموقف وإطلاق شرارة الحرب الأهلية، التى ظلت قوات الاحتلال تحول دون  تأجيجها حتى لا يحترق العراق بحضورهم.
 
مؤشرات التوتر تتصاعد هذه الأيام، بعدما أصبح أهل السنة فى موقف حرج للغاية، ذلك أن حكومة المالكى المدعومة من إيران تواصل الضغط عليهم وإقصاءهم (جهاز الشرطة كله من الشيعة حتى فى المناطق السنية خلافا لما اتفق عليه). وهم يحاولون اللجوء إلى الجامعة العربية للتحذير من مغبة استمرار تلك السياسة. إن الصراع فى ظاهره يبدو الآن اشتباكا بين كتلتى «العراقية» بزعامة اياد العلاوى «ودولة القانون» التى يتزعمها نورى المالكى رئيس الوزراء، لكنه فى جوهره يضمر انفجارا وشيكا بين السنة والشيعة.
 
على صعيد آخر فالمعلومات شحيحة عن أوضاع منطقة الخليج، لكننا قرأنا قبل أيام عن إعلان رسمى فى السعودية عن 23 اسما لشبان مطلوبين من أبناء المنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية. وقد وجهت إليهم تهم مختلفة بينها إثارة الشغب، ومقاومة السلطات. وقرأنا قبل ذلك اختبارا عن محاكمة 16 شخصا فى جدة للقيام بأنشطة محظورة، وسجنهم لفترات تراوحت بين 5 و30 عاما، ومنعهم من السفر بعد ذلك لفترات تراوحت بين 20 و30 سنة، وقرأنا فى حيثيات إدانة المتهم الأول الذى لم يذكر اسمه ثبوت «خروجه على ولى الأمر ونزع يد الطاعة وإسقاط ما لولى الأمر من ولاية وطعنه فى انعقاد البيعة له، والقدح فى ذمة ولاة الأمر، وتأسيسه تنظيما مناوئا للدولة وتوجهاتها يهدف إلى إشاعة الفوضى والوصول إلى السلطة، وذلك بمشاركة بعض المدعى عليهم تحت غطاء النصيحة والحرية والإصلاح والديمقراطية، والطعن فى عقيدة علماء هذه البلاد المعتبرين وفى ذمتهم والتنقص منهم ومحاولة صرف العامة عنهم». وهى الحيثيات التى شكلت المحور الأساسى لإدانة بقية المتهمين الذين نسبت إليهم الدعوة لفكر تنظيم القاعدة وإشاعة الإرهاب فى المملكة.
 
ثمة صدى آخر لهذه التوترات فى البحرين التى لم يهدأ فيها التوتر بين الشيعة والسنة. إلا خلال فترة قصيرة، عاد بعدها التصعيد خلال الأيام القليلة الماضية، الأمر الذى يعنى أن أسباب الاحتقان لاتزال قائمة، وان الأمل فى التعايش السلمى المنشود لايزال بعيد المنال.
 
إن سحابات الخريف الداكنة لم تنقشع بعد من المشرق.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 137 مشاهدة

 

يبدو أننا بحاجة لأن ندق الأجراس مذكرين بأن الثورة المصرية قامت لتغير المنكر الأكبر المتمثل فى الطغيان الذى حل بالبلاد، وان المعروف الذى ننشده هو أن يتوافق الجميع على إقامة نظام ديمقراطى يتمتع فيه كل مواطن بحقه فى الحرية والكرامة. 
 (1) 
أعذر كل من انتابه الخوف والقلق من استخدام مصطلح الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، الذى ابتذله بعض المتدينين الهواة، خصوصا  انه تحول إلى عنوان لتجارب فاشلة لدى جيراننا، تحولت إلى عبء على المجتمع وعلى السلطة ذاتها. ذلك انه ما خطر ببال أحد من علماء الفقه والأصول أن يختزل «القطب الأعظم فى الدين» بتعبير الإمام أبوحامد الغزالى، الذى هو باب للنهوض بالأمة وصلاح أمرها، بحيث يصبح فى نهاية المطاف نوعا من الركض فى الشوارع لتتبع سلوكيات الناس وازيائهم، أودعوة لإغلاق المحال التجارية فى أوقات الصلاة.
 
هذا التهوين من شأن القيم الدينية الذى يستخف بها ويفرغها من مضمونها، جزء من التدهور المشهود فى حياتنا الثقافية، التى بات الهزل فيها يختلط مع الجد والرعونة والحمق يتقدمان على الرصانة والمسئولية. الأمر الذى أوقعنا فى نهاية المطاف بين شرين، شر المتدينين الهواة، وشر المتربصين والمتصيدين لما يصدر عن الأولين من زلات وسقطات يتم تعميمها والتهويل من شأنها بهدف الإثارة أو التخويف وإشاعة الذعر.
 
فى ظل ذلك التدهور صرنا نتابع حوارات غريبة حول جواز مصافحة الأقباط وتهنئتهم فى أعيادهم. وموقع المايوهات البكينى فى نظام ما بعد الثورة بعدما فاز الإسلاميون بالأغلبية فى الانتخابات.
 
وما إذا كان التصويت لليبراليين حلالا أم حراما، وهل هؤلاء الليبراليون كفار أم لا، وقرأنا لمن قال ان التصويت فى الانتخابات هو فى جوهره تصويت للجنة أو النار.
 
كما شهدنا جدلا حول الخلافة الإسلامية ومدى إمكانية قيامها فى زماننا.. بل قرأنا مرافعة حول مصطلح «ميرى كريسماس»، باعتباره من ضرورات الحداثة والعصرنة، وتحدث آخرون عن التماثيل الفرعونية وهل هى أصنام أم لا.. إلى غير ذلك من الحوارات العبثية التى تجسد الانفصال عن مشاكل المجتمع الحقيقية، وتعبر عن الخلل الفادح فى ترتيب الأولويات والانصراف عن الجد إلى العبث. الأمر الذى ينطبق عليه قول الجاحظ أنه: سقم فى العقل وسخف فى الرأى، لا يتأتيان إلا بخذلان من الله سبحانه وتعالى.
 
 (2) 
حين قال الشيخ محمد الغزالى رحمه الله أن الناس فى بلادنا ينتفضون ويثورون إذا هتك عرض أى فتاة، ولكنهم لا يبالون إذا هتك عرض الأمة، فإنه كان ينتقد الخلل الفادح فى العقلية التى لا ترى المنكرات العامة، وتنشغل بما هو خاص منها وحدها. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن عوام المتدينين، والسلفيين بوجه أخص، يستنفرون لقضية عرى النساء، لكنهم لا يحركون ساكنا إذا صارت الأمة عارية من كل ستر وفاقدة لأسباب المنعة والنهوض. ويستفزهم اختلاء شاب بفتاة لكنهم لا يرون غضاضة فى استفراد طاغية بشعبه وتنكيله بمعارضيه. والقياسات الأخرى كثيرة، وكلها تفضح المدى الذى بلغه قصر نظر بعض المتدينين الذين لا يرون حتى مواضع اقدامهم. ذلك انهم يتجاهلون المنكرات العامة التى تشكل التحديات الكبرى ويشغلون أنفسهم بالمنكرات الخاصة والصغرى، مع ان الأولى ليست أخطر فحسب ولكنها أيضا مقدمة على الثانية من وجهة النظر الأصولية والشرعية. فما يهم المجتمع بأسره مقدم على ما يخص بعض أفراده. ودفع الضرر الأكبر أولى من التصدى للضرر الأصغر.
 
إننا لم نسمع من إخواننا هؤلاء كلاما عن مكافحة الفقر  والظلم والبطالة والفساد ونهب ثروة البلد والطوارئ والتعذيب وغير ذلك من صور المعاناة التى تعذب الملايين وتثقل كاهلهم، فى حين ظلت جموعهم وتظاهراتهم محصورة فى دائرة التفلت السلوكى والأخلاقى والحديث الذى لم يتوقف عن المحظورات والمكروهات. وإذ أفهم أن يكون ذلك أسلوب آخرين فى مجتمعات تقمع فيها الحريات. ويحظر على الناس أن يتكلموا فى الشأن العام، فمن غير المفهوم أن يمضى سلفيونا فى مصر على ذات الدرب بعدما غيرت الثورة من الأجواء، ولم يعد هناك عذر لمنسحب أو صامت.
 
ان التصدى للمنكرات العامة من ذلك القبيل الذى ذكرت هو من أوجب واجبات مرحلة التحول التى نحن بصددها. ليس فقط لأنها  تمثل تحديات رئيسية. ولكن أيضا لأنها تحظى بإجماع لا يكاد يختلف عليه أحد، الأمر الذى يعنى أننا بذلك نحقق مكسبين فى آن واحد. فنعبئ المجتمع لصالح قضاياه الكبرى من ناحية، ونحقق الاجماع الوطنى الذى نفتقده من ناحية ثانية.
 
هناك نقطة أخرى جديرة بالملاحظة هى أن المنكرات العامة التى سبقت الإشارة إليها من الأمور التى لا تحتمل الاجتهاد أو الخلاف الفقهى (الاختلاط والغناء والموسيقى مثلا)، فى حين أن المنكرات الخاصة والصغرى التى ينشغل بها السلفيون أكثرها محل خلاف. ومن الشروط التى تعارف عليها الأصوليون أنه لا ينبغى انكار ما هو مختلف عليه، لأن ما يراه البعض خطأ قد يراه آخرون صوابا مباحا.
 
إن إخواننا هؤلاء مشغولون بالمحظورات وبالخصم من حياة الناس، لكنهم لا يحدثوننا عن المباحات أو أى إضافة تنفع الناس. علما بأن النص القرآنى والأحاديث النبوية كلها قدمت الأمر بالمعروف على النهى عن المنكر. لكنهم اسقطوا الشق الأول حين لم يدلوا الناس على أى معروف، وجعلوا النهى عن المنكر وحده قضيتهم ومحور حركتهم.
 
 (3) 
رغم أن الغموض والشك يحيطان بمن اطلقوا فى مصر فكرة تأسيس هيئة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إلا اننى لم أفهم لماذا تختص هيئة بذاتها بهذه المهمة، فى مصر أو فى غيرها من الدول. بل أكاد أزعم أن تأسيس مثل تلك الهيئة هو جزء من ابتذال الفكرة واستهلاكها. ذلك أن تكوين الدولة الحديثة وفر العديد من الوسائل والهياكل التى تنهض بالمهمة أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكرات، العام منها والخاص. فالمؤسسات المتمثلة فى الأحزاب والنقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدنى المختصة بالدفاع عن حقوق الإنسان، والمجالس النيابية والمحلية المنتخبة، وكذلك الأجهزة الرقابية إذا كانت مستقلة، هذه كلها كيانات ومنابر تقوم من الناحية الموضوعية بمهمة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من زوايا مختلفة.
 
إن هذا التكليف الشرعى الجليل أكبر من أن تنهض به جهة بذاتها فى داخل الدولة، وانما تتوزع مهامه على كل أجهزة الدولة ومؤسساتها الأهلية، التى تتولى مسئولية النهوض بالمجتمع وتحقيق الإصلاح السياسى والعدل الاجتماعى، كما تتولى مكافحة كل فساد أو انحراف فيه، جنبا إلى جنب مع مؤسسات التربية والتعليم والإعلام والوعظ والإرشاد. لذلك فمن الأوفق أن تدعو تلك المؤسسات لأن تتحمل مسئوليتها إزاء تحقيق الإصلاح المنشود، بدلا من أن يترك الأمر لبعض الهواة الذين يتصورون أنهم يقومون بدور الوصاية على المجتمع فينفرون ويفسدون بأكثر مما يصلحون، كما حدث فى التجارب الأخرى المماثلة.
 
 (4) 
بقيت عندى كلمتان فى الموضوع، الأولى أن عملية تغيير المنكر ينبغى أن تمارس بعقل واع ويقظ تتوافر له أربعة شروط هى:
 
١ ــ إدراك المقاصد العليا وتصويب النظر إليها طول الوقت. ويضرب المثل فى ذلك بقصة النبى موسى وأخيه هارون، التى وردت فى القرآن الكريم، حين غاب موسى عن قومه فأغراهم أحدهم ــ السامرى ــ بعبادة العجل فعبدوه. وهو ما فاجأ سيدنا موسى عند عودته، فنهر أخاه وأنَّبه جراء ذلك ــ لكن الأخير رد عليه قائلا «يا ابن أم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى، إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى« (سورة طه: 94). وقد استشهد الدكتور يوسف القرضاوى بالقصة فى حديثه عن فقه الموازنات، حيث وجد أن هارون آثر أن يسكت على عبادة العجل ــ رغم أنها من قبيل الشرك ــ لكى يحافظ على وحدة قومه ويتجنب فتنتهم. وهى الحجة التى قبل بها النبى موسى ولم ينكرها. إذ وجد وجاهة فى الإبقاء على وحدة قومه، وذلك هدف جليل، رغم مروق بعضهم وعبادتهم للعجل من دون الله.
 
٢ ــ ملاحظة أن ثمة ضرورات تفرض نفسها على الواقع على نحو يبرر إباحة بعض المحظورات. إذ كما ان للفرد ضروراته، فكذلك المجتمع الذى قد تفرض عليه ضرورات اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية. وهذه وتلك ينبغى أن تكون لها أحكامها الاستثنائية التى تستمر باستمرار الضرورة.
 
٣ ــ إنه لا غضاضة فى السكوت على المنكر إذا ترتب على تغييره منكر أكبر منه، دفعا لأعظم المفسدتين وارتكابا لأخف الضررين، واستنادا إلى ذلك المبدأ قرر الفقهاء مثلا طاعة الإمام الفاسق إذا أدى خلعه إلى إثارة فتنة أكبر من فسقه.
 
٤ ــ ضرورة مراعاة سنة التدرج، وهو المبدأ الذى سار عليه الإسلام من البداية إذ تدرج بهم فى الفرائض كالصلاة والصيام والجهاد. كما تدرج بهم فى تحريم الخمر وحدوث التدرج فى التشريع يسوغ التدرج فى تنفيذ الأحكام.
 
الكلمة الثانية تخص المكلفين بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ذلك ان التغيير له مراتبه الثلاث المعروفة، ولكل مرتبة أهلها. وحسبما يذكر الشيخ محمود شلتوت، الإمام الأكبر، فى كتابه «من توجيهات الإسلام»، فإن التغيير باليد منوط بالحكام القادرين على التغيير العملى العام وأرباب الأسر فى محيطهم والمربون وسائر الرؤساء الذين ملكهم القانون شيئا من صور التغيير العملى. أما الإنكار بالقول ــ مرتبة التغيير الثانية ــ فهو منوط بأهل الوعظ والتوجيه سواء كانوا من رجال الدين والتربية والقائمين على منابر الإعلام. أما من يعجز عن التغيير بالفعل أو بالقول فعليه أن يعبر عن موقفه بما نسميه الإنكار السلبى، الذى يدفع المرء إلى مقاطعة أهل المعصية ومظانها. ذلك ان المؤمن إذا لم يستطع أن يكون حربا على الباطل وأهله، فلا أقل من ألا يصبح عونا لهم. كما يقول الشيخ محمد الغزالى.
 
إن الخفة التى يتعامل بها بعض المتدينين الهواة من التكاليف والأحكام الشرعية باتت تصد الناس عن سبيل الله، وتوفر للصائدين والكائدين زادا مستمرا للتخويف والترويع من الإسلام وأهله.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 154 مشاهدة

 

سئل صاحبنا عن التحالف مع الليبراليين فأفتى بأن لا يجوز قطعا التحالف مع التيارات المخالفة للشرع. ومن ثم لا يجوز لحزب النور التحالف إلا مع الأحزاب التى تنصر الحق وتطبق شرع الله. ونهى عن تهنئة الأقباط فى الأعياد، قائلا: «إن أعياد المشركين لا يجوز شهودها ولا المعاونة على إقامتها، لأنها مرتبطة بعقيدة فاسدة». وعن اتفاقية كامب ديفيد ذكر المفتى أن حزب النور ملتزم بها، لأن تغيير الواقع المخالف للشرع مرتبط بالقدرة والعجز وبالموازنة بين المصلحة والمفسدة. 
هذا الكلام لو قيل فى جلسة لمجموعة من الأصدقاء، لقلنا إنها ثرثرة وزلات لسان لا تؤخذ على محمل الجد، وهى فى النهاية وجهة نظر المتحدث لا تلزم إلا صاحبها. لكن الذى حدث أن الكلام نشر على الصفحة الأولى من جريدة «المصرى اليوم» يوم الأربعاء الماضى 4/1، منقولا على لسان نائب رئيس الدعوة السلفية الدكتور ياسر برهامى، الذى قيل إنه يعد المرجعية الشرعية لحزب النور. وقد فهمنا من الكلام المنشور أن ما صدر عن الدكتور برهامى على الأقل فى جزئه الأول جاء تعقيبا على تصريح لرئيس حزب النور الدكتور عماد عبدالغفور أثناء أحد البرامج التليفزيونية، تحدث فيه عن إمكانية تحالف حزبه مع الليبراليين فى البرلمان القادم، الأمر الذى إذا صح فإنه يعنى ان رئيس الحزب يتبنى موقفا فى حين أن «مرجعيته الشرعية» ترى رأيا على  النقيض منه تماما. على الأقل فى مسألة التحالف مع الآخرين.
 
ما نقل عن الدكتور برهامى أوقعنى فى حيرة، خصوصا حين قرأت أنه يمثل «مرجعية شرعية» لحزب النور الذى أثبتت الانتخابات النيابية أن له حضورا معتبرا فى الساحة المصرية. وقد تبدد بعض الدهشة حين علمت أنه فى الأصل طبيب أطفال. يغلق عيادته بالإسكندرية كل مساء، ثم يتوجه إلى مسجد قريب منها ليعطى فيه دروسا لآخرين من أنصاره ومريديه. لم استغرب فقط ما صدر عن الرجل، لكنى استغربت أيضا الاهتمام بكلامه وإبرازه على الصفحة الأولى لجريدة الصباح. ولم يكن لذلك من تفسير سوى أن ذلك الأبراز جزء من التنافس الإعلامى على استنطاق السلفيين والحفاوة بما يصدر عن أغلبهم من آراء شاذة وصادمة سعيا وراء التخويف أو الإثارة.
 
ربما كان صاحبنا طبيب أطفال ناجحا، لكنى أشك كثيرا فى بضاعته من الفقه. إذ حين أفتى بعدم جواز التحالف مع الليبراليين، وقال هذا الكلام على سبيل القطع، وكأن القرآن تضمن نصا صريحا خص به الليبراليين وحزب الكتلة، فلعله لم يسمع بامتداح النبى عليه السلام لحلف الفضول، الذى أقامه وجهاء قريش لنصرة الضعفاء وهم على شركهم قبل الإسلام. وقال فى ذلك: «لو دعيت إلى مثله فى الإسلام لأجبت». ولو قرأ الآية الثامنة من سورة الممتحنة التى تدعو المسلمين إلى البر والقسط بالذين لم يقاتلوا المسلمين فى دينهم ولم يخرجوهم من ديارهم، ولو أعاد قراءة النصوص التى تحث على التعاون مع الجميع على البر التقوى. لو فعل ذلك لتردد وتراجع عما أفتى به، أما المصطلحات التى وردت على لسانه خاصة بنصرة الحق وتطبيق شرع الله، فلو انه رجع إلى شىء مما كتب فى تحرير المفهومين، لأدرك أن نصرة الحق باب واسع يحتمل كل ما يخطر على البال من قيم إيجابية تلبى أشواق الناس وتطلعاتهم، وأن تطبيق شرع الله يكون أيضا بتحقيق المقاصد الشرعية المتمثلة فى الحرية والعدل والمساواة، وغير ذلك من القيم الخيرة التى لا يختلف عليها عقلاء البشر وأسوياؤهم. (أرجو أن يرجع إلى ما قاله ابن القيم فى الجزء الثالث من كتابه إعلام الموقعين).
 
استغرب أيضا ما قاله بحق الأقباط والدعوة إلى عدم تهنئتهم فى عيدهم، ليس فقط لأن نبى المسلمين كانت له زوجة قبطية وانه دعا المؤمنين لأن يفشوا السلام بينهم، ولكن أيضا لأن الإسلام الذى أباح للمسلمين أن يتزوج من كتابية، بحيث يصبح أخوال ابنائه وأجدادهم من المسيحيين، لا يمكن أن ينكر عليهم أن يهنئوهم فى أعيادهم. وللشيخ محمد الغزالى كلمة مأثورة فى هذا الصدد، قال فيها إن الإسلام الذى أباح للمسلم أن يعيش مع الكتابية تحت سقف واحد لا يمكن أن يضيق بأن يعيش الجميع فى وطن واحد.
 
استغرب أيضا أن يعلن صاحبنا موافقته على اتفاقية السلام مع إسرائيل، مبررا ذلك بضرورات القدر والعجز والموازنة بين المصلحة والمفسدة. ثم لا يستخدم معيار المصلحة فى التحالف مع الليبراليين أو تهنئة الأقباط فى أعيادهم، رغم أن التوافق مع هؤلاء وهؤلاء أولى وألزم.
 
حين أطالع أمثال تلك الفتاوى المفخخة التى يطلقها أولئك النفر من الدعاة الجدد، وألحظ ما فيها من جرأة وتغليط، تنتابنى الدهشة ويتملكنى العجب، الأمر الذى يدفعنى  إلى القول بأنه إذا كان أبناء الإسلام يقدمونه بهذه الصورة، فالن تشويهه لا يحتاج إلى أعداء.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 135 مشاهدة
نشرت فى 9 يناير 2012 بواسطة TAHAGIBBA

بيعت سمكة تونة بسعر بلغ 56 مليون ين ياباني في مزاد بسوق السمك بشاطىء "تسو كيجي" بالعاصمة اليابانية طوكيو. 
وأفادت مجلة ” لوبوان ” الفرنسية أن السمكة التي تم اصطيادها داخل مياه شاطئ "أموري" بشمال طوكيو يبلغ وزنها 269 كيلو جراما، وقد رسا المزاد على سلسلة مطاعم السمك اليابانية الشهيرة "سوشيزانماي". 
وأشار صاحب المطعم كيوشي كيمورا إلى أن السمكة تعد أغلى سمكة في تاريخ اليابان لتكسر بذلك الرقم القياسي المسجل العام الماضي وهو 33 مليون ين بيعت به سمكة عملاقة بلغ وزنها 342 كيلو جراما. 
يذكر أن اليابان تستهلك 80 في المائة من سمك التونة الحمراء الذي يتم اصطياده على مستوى العالم و المهدد بالانقراض.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 82 مشاهدة

ونحن ندرس فى كلية الحقوق تعلمنا ان المسئولية الجنائية فى القانون المصرى تقوم بكل فعل من شأنه أن يحدث الجريمة. فإذا كان الفعل الايجابى وهو الصورة الغالبة فى الحياة العملية، إلا أن ذلك لا ينفى أن هذه المسئولية تقوم كذلك بأى فعل سلبى من شأنه أن يحدث النتيجة ذاتها. ففى جريمة القتل العمد يسأل عنها من يطلق الرصاص على المجنى عليه إذا اتخذ نشاطه صورة الفعل الإيجابى، كما يسأل من يتخذ فعلا سلبيا كذلك عنها، ومثال ذلك الأم التى تمتنع عن ارضاع وليدها أو السجان الذى يمتنع عن إطعام المسجونين حتى الموت، أو الإطفائى الذى يمتنع عن انقاذ خصمه من الموت حرقا.
إلا أن أساس قيام المسئولية بالفعل السلبى هو ثبوت وجود تكليف قانونى أو عقدى بالقيام بالفعل الذى امتنع عنه. فهذا التكليف هو الذى يوجب تدخل الفاعل السلبى للحيلولة دون وقوع الجريمة، فإذا أخل بهذا التكليف كان قعوده يعادل الفعل الايجابى، ويرتب ذات الأثر الذى يرتبه، فالتزام السجان بالحفاظ على حياة المسجون والتزام الأم بحفظ حياة ابنها فى حضانتها هو أساس هذه المسئولية الجنائية.
فى ضوء ذلك يثور البحث حول ما إذا كان رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الداخلية ملتزمين بالحفاظ على حياة المتظاهرين ومنع وقوع أى اعتداء على أرواحهم، وما إذا كان قعودهم عن التدخل لانقاذهم يشكل جريمة قتل عمد أو ضرب أو خلافه؟ وهو التساؤل الذى يثير مسألتين هما: هل يختص الرئيس أو الوزير حقا بالحفاظ على أرواح الشعب والمتظاهرين على وجه الخصوص. وهل يعد هذا الاختصاص من قبيل التكليفات أو الواجبات القانونية التى يلتزم بها بموجب وظيفته.. ثم هل علم الرئيس أو الوزير بالاعتداء الواقع على أفراد الشعب أو المتظاهرين وامتنع عن اتخاذ أى إجراءات لمنع وقوع الجريمة؟ وذلك على فرض أن مقدوره التدخل لممارسة هذا الاختصاص من الناحية الواقعية.
إن صريح نصوص الدستور الذى كان معمولا به إبان أحداث الثورة يكلف كل مسئول عن أمن الوطن سواء أكان رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو وزير الداخلية، أو حتى قيادات الداخلية التى كانت مخولة فى التصرف بالحفاظ على حياة وأرواح المواطنين، بأن يتخذ من الإجراءات ما يكفل ذا الهدف. وإلا كان كل منهم مسئولا فى حدود قصده أو خطئه ــ بحسب الأحوال ــ عن أثر الامتناع الذى سبب موتا أو إصابة لأى مواطن. بعبارة أخرى فإن عنصر التكليف القانونى قائم بلا ريب فى حق كل منهم ويتعين بمقتضاه أن يبذل من المجهود ما يحقق الحفاظ على حياة الأفراد وسلامتهم.
بقى بعد ذلك، أن تتولى سلطة التحقيق والمحاكمة الوقوف من الوقائع الثابتة لديها على علم الرئيس أو الوزير أو المسئول أيا كان بوقوع الاعتداء على الحياة الخاصة أو السلامة البدنية، وثبوت قعودهم عن واجبهم الوظيفى. ويختلف موقف المسئول هنا فى تحديد مسئوليته، فهو إن قاده الإهمال وعدم المبالاة إلى هذا القعود سئل عن جريمة غير عمدية، أما إذا تعمد القعود بالفعل سئل عن جريمة عمدية، وإذا كان قعوده العمدى قصد به التمكين للمعتدى من بلوغ غايته فى القتل أو الإصابة سئل عن النتيجة التى وقعت جراء ذلك.
تلقيت أكثر من رسالة من أهل القانون نبهت إلى هذه الخلفية المهمة، منها رسالة من الأستاذ مدحت أبوالفضل المحامى، تمنى فيها على المدعين العامين بالحق المدنى فى محاكمة الرئيس السابق ووزير الداخلية وأعوانه أن يقدموا دفاعا احتياطيا يستند على فكرة إنه كما يحدث القتل أو الاشتراك فيه نتيجة فعل ايجابى فإنه يمكن أن يحدث بطريق الامتناع، وذلك إذا ما كان على الممتنع التزام قانونى بالتدخل لإنقاذ حياة المجنى عليه. لان من يترك متعمدا نتيجة معينة تتحقق لانه يريد تحقيقها، مع انه كان بمقدوره منعها بالتدخل لدى الفاعل. فإنه يكون متسببا فيها، طالما أن هذا المنع مقرر بموجب التزام قانونى فى حقه. بمعنى آخر فإنه إذا ما كان من الممكن تفادى مقتل المجنى عليه لو تدخل الشخص فى الوقت المناسب، فإن ذلك يوفر رابطة السببية بين الأمرين طالما كان هناك التزام قانونى يلزمه بهذا التدخل. وهو ما فصله وأفاض فيه الدكتور محمود نجيب حسنى أستاذ القانون الجنائى. فى مؤلفه «علاقة السببية فى قانون العقوبات» (ص398 وما بعدها).

ان تهمة القتل ثابتة بحق الرئيس السابق ووزير داخليته وأعوانه، حتى لو انكروا إصدار أوامرهم بذلك، لأن عدم إصدارهم الأوامر بإيقاف القتل جريمة تدينهم أيضا.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 144 مشاهدة

خلال الأسبوع الماضى تابعت وسائل الإعلام أول جولة خارجية يقوم بها السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطينى فى حكومة قطاع غزة. كانت البداية زيارة للسودان. حيث التقاه هناك الرئيس عمر البشير ونائبه وعقد عدة اجتماعات مع مختلف القيادات السودانية. بعد السودان زار  تركيا التى حظى فيها بترحيب حار، فاستقبله رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. كما التقى مع قيادات كل الأحزاب السياسية القومية والكردية، وحضر جلسة للبرلمان التركى. ومن تركيا اتجه إلى تونس، حيث استقبله هناك رئيس الوزراء حمادى الجبالى، كما التقى مع عدد آخر من القيادات السياسية، وكان السيد هنية (أبوالعبد) على موعد بعد ذلك للقاء أمير قطر فى الدوحة، ولكن الأمير ارتبط بزيارة إلى موريتانيا، فتأجل اللقاء إلى آخر الشهر الحالى.
كل ذلك نشرته الصحف وصار فى علم الكافة، لكن ما لم يقل، ويتملكنى شعور بالخجل والخزى حين أذكره، إن السيد إسماعيل هنية حين غادر غزة يوم 26/12 ، فانه جاء إلى مصر عبر معبر رفح، وأمضى فى القاهرة ثلاثة أيام لم يلتق خلالها بأى مسئول سياسى فى الدولة، ولم يقابله سوى رئيس المخابرات العامة وبعض مساعديه. وقد التقاه الدكتور نبيل العربى بصفته أمينا عاما لجامعة الدول العربية، لا علاقة له بالحكومة المصرية.
السؤال الذى تثيره هذه الواقعة يثير السؤال التالى: لماذا امتنعت الحكومة المصرية والمجلس العسكرى عن ترتيب أى استقبال للرجل، وتجاهلت وجوده، رغم أنه كرم حيثما ذهب؟ هناك ثلاثة احتمالات فى تفسير ذلك التجاهل. الأول أن تكون السياسة الخارجية لحكومة «الثورة» ما زالت ملتزمة بتوجيهات الرئيس السابق الذى قيل إنه كان يحب فلسطين ويكره الفلسطينيين. الثانى أن يخشى المجلس العسكرى إغضاب الأمريكيين الذين قد لا يرحبون بأى اتصال رسمى مع حكومة غزة. الثالث أن يكون الهدف من ذلك هو مراعاة خاطر الإسرائيليين والانحياز إلى موقفهم المقاطع لحركة حماس.
أستغرب الاحتمال الأول، الذى يؤيد ما يردده البعض من أن ما تغير فى مصر هو الحاكم وليس الحكم، وهى قرينة ليست فى صالح المجلس العسكرى، وتدل على مدى ضعفه وتردده. علما بأن مقابلة رئيس الوزراء المصرى لرئيس حكومة قطاع غزة، خصوصا بعد توقيع اتفاق المصالحة بين حركتى فتح وحماس، تأثيرها معنوى بالدرجة الأولى، ويمكن أن تعطى حكومة «الثورة» نقطة مجانية لصالحها.
فيما يتعلق بالاحتمالين الآخيرين، فإننى أزعم أن علاقة تركيا ــ التى احترمت الرجل واحتفت به ــ لها علاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل أقوى بكثير من علاقات القاهرة مع واشنطن وتل أبيب، ومع ذلك فإنها تصرفت بصورة مقدرة تبعث على الاحترام. وأزعم فى ذلك أن الحكومة التركية رغم عضويتها فى حلف الناتو، ورغم تجذر العلاقات مع إسرائيل التى اعترفت بها أنقرة فى عام 1949، وضعت فى الاعتبار احترام مشاعر شعبها، وقدمته على علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب، ورغم أن ما قلته ينسحب أيضا بدرجة أو أخرى على السودان وتونس وقطر، فإن القياس على الحالة التركية يسلط ضوءا أقوى على المفارقة.
هذه الخلفية تسوغ لى أن أقول إن المجلس العسكرى لم يتجاهل السيد إسماعيل هنية فحسب، ولكنه أيضا تجاهل مشاعر الشعب المصرى الذى لا تزال القضية الفلسطينية تحتل موقعا متميزا فى إدراكه، ناهيك عن الشعب العربى الذى تبين لنا أن المجلس العسكرى لا يراه ولم يعد يعمل له حسابا يوما ما.
إذا لاحظت أننا نتحدث عن مجرد استقبال بروتوكولى يعبر عن الاحترام والتقدير لرئيس حكومة فى القطاع انتخبتها أغلبية الشعب الفلسطينى، ولم تتحدث عن تصعيد أو اشتباك مع واشنطن أو تل أبيب. فإن ذلك يكشف عن عمق الأزمة التى تواجهها السياسة الخارجية المصرية إذ بات المجلس العسكرى أعجز من أن يرتب استقبالا للسيد إسماعيل هنية، فى حين أن أى سناتور أمريكى يأتى إلى مصر تفتح له كل الأبواب على مصارعها، ونرى صورته فى الصحف وهو يتحدث متعجزفا عما ينبغى أن تفعله مصر أو لا تفعله.
إذا كان ذلك حاصلا مع رئيس حكومة غزة، فلك أن تتصور الذى يحدث مع من دونه مرتبة فى الوزارة، ولك أن تتخيل الكيفية التى يعامل بها الفلسطينيون ومعاناتهم فى مطار القاهرة أو معبر رفح. وهى شواهد إذا جمعت جنبا إلى جنب فستخلص منها أن كنز إسرائيل الاستراتيجى لم يكن مبارك وحده، وإن ذلك الكنز أكبر بكثير مما تظن.
سيعود السيد أبوالعبد من تونس اليوم أو غدا، ولا تزال هناك فرصة لإصلاح الخطأ الذى وقع أثناء ذهابه، ليس فقط احتراما للرجل ورمزيته، ولكن أيضا احتراما لمشاعر الشعب المصرى والعربى أيضا. هذا إذا لم يرد المجلس العسكرى أن يحسن من صورته ويصلح خطأه.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 146 مشاهدة

 

خرجت الطفلة نوعاما مرجولس ابنة الأعوام الثمانية من بيتها متجهة إلى المدرسة، لكن أحدهم وجد أن ثيابها غير محتشمة بما فيه الكفاية، فاعترض طريقها وأنَّبها ثم شتمها وبصق فى وجهها، فعادت البنت إلى بيتها باكية ورفضت الذهاب إلى المدرسة. وقبل ذلك كانت فتاة متدينة اسمها تانيا روزنبلوط قد صعدت فى أحد الباصات وجلست فى المقاعد الأمامية، فتصدى لها أحدهم وطلب منها ان تنتقل إلى المقاعد الخلفية المخصصة للنساء، لكنها رفضت. واشتبكت مع الرجل الذى أصر على مغادرتها مقعدها، الأمر الذى عرضها للعنف من جانبه، ووصلت القصتان إلى الصحافة، التى فتحت ملف جماعات «الحرديم» الأمر الذى أثار عاصفة من النقد والاحتجاجات، التى صارت خبزا يوميا للصحف وبرامج التليفزيون ومختلف الأحزاب السياسية. 
حدث ذلك فى إسرائيل المشغولة منذ أسابيع بالحرديم وممارساتهم. والمصطلح يطلق على المجموعات السلفية هناك. والكلمة معناها فى اللغة العبرية «الاتقياء»، وهم يتركزون فى مدينة القدس حتى أصبحوا يشكلون ثلث سكانها. ولا يعترفون بأية قوانين تصدرها الدولة، فى حين يعتبرون أن تعاليم التوراة بنصوصها الحرفية هى المرجعية الوحيدة التى يعترفون بها، يشجعهم على ذلك أغلب الحاخامات الذين يغذونهم بالأفكار والفتاوى التى يسترشدون بها.
 
ما حدث للطفلة نوعاما والفتاة تانيا كان جزءا من الحياة اليومية لبلدة بيت شيمش القريبة من القدس، التى يسيطر عليها الحرديم، فيمنعون حركة المواصلات واستخدام التيار الكهربائى يوم السبت، ويفرضون على النساء الخروج بثياب أقرب إلى النقاب، وقد خصصوا لهن المقاعد الخلفية من الباصات، كما يعتبرون أصوات النساء عورة ليس للغريب أن يطلع عليها.
 
شاهدت على اليوتيوب برنامجا تليفزيونيا بمناسبة ما جرى للطفلة التى توقفت عن الذهاب إلى المدرسة. وقد تم تصوير البرنامج فى بلدة شيمش التى تسكن فيها. وفيه ظهر عناصر الحرديم فى الشوارع وعلى النواصى، وقد ارتدوا قبعاتهم وثيابهم السوداء، فى حين اطلقوا لحاهم وتدلت الشعرات المجدولة من سوالفهم. وسجل لهم البرنامج ممارساتهم فى الشوارع واشتباكاتهم مع معارضيهم.
 
يوم 9/11 نشرت صحيفة «هاآرتس» تقريرا عن نفوذ الحرديم المتنامى، ذكر أن عشرات المصانع فى مستوطنة أخرى (منة شعاريم) جرى فيها الفصل بين الرجال والنساء. وطلب إلى العمال العلمانيين (من غير الحرديم) ان يعتمروا القبعات الدينية، وتحولت مدرسة بلماح فى كرمئيل إلى مدرسة دينية. من ناحية أخرى، حذر عسكريون سابقون من أخطار انتشار التظرف الدينى على الجيش، الذى يعد «بقرة مقدسة» فى إسرائيل. وانصب تحذيرهم على احتمال اتساع ظاهرة رفض الأوامر العسكرية بحجج دينية مختلفة. خصوصا أنه سبق لبعض الجنود أن رفضوا إخلاء بؤر استيطانية عشوائية استنادا إلى دوافع دينية توراتية. وكانت قد اتسعت فى الشهور الأخيرة ظاهرة مقاطعة جنود متدينين لاحتفالات عسكرية، بسبب مشاركة مجندات فى الغناء.
 
هاآرتس نشرت فى 11/12 مقالة لجدعون ليفى قال فيها إنه منذ الخريف نشبت فى إسرائيل حرب ثقافية، تشتعل على جبهات أوسع وأعمق كثيرا مما يبدو للناظر، مضيفا أن «مناهج حياتنا توشك أن تتغير من الولادة إلى الموت. ولذلك فقد تصبح هذه المعركة الأكثر مصيرية فى تاريخ إسرائيل منذ إعلان الدولة».
 
من الملاحظات المهمة التى ذكرها أنهم كانوا يدركون أن الهدوء إذا ساد إسرائيل لعدة سنوات فإنه ذلك قد يؤدى إلى تفكك المجتمع الإسرائيلى (الملىء بالمتناقضات). لكن أحدا لم يتنبأ أن فرق إسرائيل فى طوفان الشياطين على النحو الحاصل الآن. ذلك أن الهجوم على النظام القائم حاصل على جميع الجبهات. وهو فى رأيه «تسونامى سياسى وطوفان ثقافى وزلزال اجتماعى ودينى، نحن فى أوله فقط.. حيث يكون لنا فى النهاية بلد مختلف. «ليس الديمقراطية الغربية المستنيرة التى يدعيها لأنها تستبدل الآن بسرعة مخيفة بدولة دينية جاهلة، وأصولية عنصرية وقومية وظلامية».
 
منذ ثلاثة عقود والأحزاب السياسية فى إسرائيل تستعين بالجماعات الدينية المتطرفة لكى تتمكن من تحقيق الأغلبية التى تسمح لها بتشكيل الحكومة. وهو ما أدى إلى تزايد نفوذ تلك الجماعات، التى أرادت لإسرائيل أن تكون دولة يهودية، وكانت النتيجة أن انقلب السحر على الساحر، وتحولت يهودية الدولة إلى شبح يخيف الإسرائيليين ويهدد بتقويض الاستثناء الذى ما برحوا يدَّعونه لأنفسهم.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 163 مشاهدة

هل هناك علاقة بين حملة شيطنة السلفيين وبين المرحلة الثالثة من الانتخابات النيابية؟. هذا السؤال تستدعيه عدة مشاهد تتابعت خلال الأيام العشرة التى سبقت الانتخابات، هذه خلاصة لها: يوم 25 ديسمبر فوجئنا ببيان على شبكة الإنترنت يعلن عن تشكيل كيان جديد باسم هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، أصدره مجهولون أخفوا أسماءهم، لكنهم قالوا إنهم ينتمون إلى حزب النور السلفى. وما إن ظهر البيان حتى نفى المتحدث باسم حزب النور، الدكتور يسرى حماد أى علاقة بالمجموعة. وقال إنها جزء من مخطط للنيل من الحزب وتشويه صورته قبل المرحلة الثالثة من الانتخابات. مع ذلك فقد اهتمت الصحف المصرية بالموضوع وأبرزته على صفحاتها الأولى، وحرصت على متابعة تداعياته. فقرأنا بعد ذلك أن الهيئة أعلنت عن تنظيم مسابقة لاختيار شعار لها مقابل مكافأة قدرها 3 آلاف جنيه. ثم قرأنا تفصيلا للشروط المطلوبة فى «المطوِّعين» الذين سيقومون بمهمة مراقبة سلوك المواطنين ودعوة الناس لإقامة الصلوات فى مواعيدها، بعد إغلاق المحلات التجارية بطبيعة الحال. حيث سيتفرغ كل واحد للعمل 8 ساعات يوميا مقابل 500 جنيه شهريا.
هذه المعلومات استفزت الدكتور عماد عبدالغفور رئيس حزب النور. فقال إن هذه الجماعة المجهولة لو كانت لديها الشجاعة وكانت صاحبة قضية حقا فلماذا لم تعلن عن القائمين عليها، ولماذا آثرت أن يظلوا أشباحا، الأمر الذى يثير شكوكا قوية حول حقيقتها. أحلت السؤال عنهم إلى اللواء عادل عفيفى رئيس حزب الأصالة السلفى. فقال إنها مجموعة مشبوهة وخبث أغراضها مفضوح. وهى فى كل أحوالها قادمة من خارج التيار السلفى، ولا يستبعد أن تكون قادمة من خارج مصر كلها.
لم يكن ذلك وحده المحير فى الأمر، لأن ما حدث بعد ذلك ضاعف من الحيرة والشكوك. فقد نشر صبيحة الأول من يناير أن بعض السلفيين ذوى اللحى والجلابيب البيضاء حاولوا إجبار رجل على ترك سيارة لنقل الركاب فى الزقازيق بحجة أنها للسيدات فقط. وقد حاول الرجل إقناعهم بأن زوجته بين الراكبات وستضل الطريق لو تركها تذهب لوحدها، لكنهم أصروا على إنزاله، الأمر الذى انتهى باشتباك بين الطرفين ومغادرة الرجل وزوجته للسيارة.
فى مساء اليوم ذاته نشر الموقع الإلكترونى لإحدى الصحف الصباحية أن بعض السلفيين أصحاب اللحى الذين يرتدون الجلابيب البيضاء ــ أيضا ــ ظهروا فى مدينة بنها بمحافظة القليوبية، واقتحموا بعض المحال التجارية ومحلات الملابس ومحلات تصفيف الشعر، وطالبوهم بتعيين فتيات ملتزمات والالتزام ببيع ثياب محتشمة، وطالبوا العاملين بمحلات تصفيف الشعر بالانصراف والبحث عن الكسب الحلال. كما ان مجموعة أخرى من السلفيين قامت بتحطيم أشجار أعياد الميلاد الموجودة بالشوارع وأمام المحال التجارية.
حين سألت من أعرف من المراسلين الصحفيين والمسئولين فى المدينتين عن صحة الخبرين، فإنهم نفوا كل التفاصيل المذكورة، ونقل أحدهم على لسان أحد قيادات جهاز الأمن القومى فى بنها قوله: منذ متى تظهر أشجار أعياد الميلاد فى شوارع المدينة؟!
بالتوازى مع الأخبار المختلقة ظهرت على الفيس بوك صورة لمجموعة من السلفيين الذين أطلقوا نفس اللحى وارتدوا نفس الجلابيب البيضاء، وهم يلاحقون بعض الشبان بالعصى بينما جنود الأمن المركزى يتفرجون عليهم. وكان التعليق الذى تحت الصورة يحذر ويخوف من اتساع نطاق الغارة التى يشنها السلفيون على المجتمع، إلا أن واحدا ممن قرأوا التعليق فضح الصورة، وذكر أنها منتحلة ومأخوذة من فيلم سينمائى عرض باسم «دكان شحاتة»!
هذه هى الخلفيات التى دعتنى إلى طرح السؤال أعلاه، لأننى أشك فى أن يكون تكثيف تلك الحملة قبل أيام من الجولة الثالثة من الانتخابات مجرد مصادفة. وهو ما يستصحب أسئلة أخرى هى: (1) هل هناك عقل وراء الحملة أراد إضعاف التصويت للسلفيين، ومن يكون؟ ــ (2) هل الاختلاف مع السلفيين يبرر الدس والاختلاق فى حين أن لدينا أكثر من حجة قوية ونزيهة لنقد الفكر السلفى ورد مقولاته؟ ــ (3) ألا يخشى من أن تؤدى مثل هذه الحملة إلى الترويج للفكر السلفى فى أوساط بسطاء المتدينين، فنكون بذلك قد حاصرناهم فى الانتخابات (التى تنتهى اليوم) ووسعنا من قاعدتهم فى الشارع؟
كنت يوم السبت الماضى 31/12 قد كتبت تعليقا فى المكان تحت عنوان «أحمقان». قلت فيه أنه أحمق من يظن أنه يمكن أن يحمل الناس على تغيير سلوكهم بالأمر، وأحمق من يصدق أن بوسعه أن ينجح فى ذلك. لكننى الآن أضيف أحمقا ثالثا إليهما هو: من ينشر مثل هذه الفرقعات والأكاذيب ويروج لها.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 160 مشاهدة
نشرت فى 4 يناير 2012 بواسطة TAHAGIBBA

 

انتقلنا من سنة الانفجار إلى سنة الاختبار. ذلك أن أحدا لا ينكر أن رياح الثورة التى هبت على العالم العربى فى العام الماضى استنفرت الأمة واستدعتها للوقوف بباب التاريخ. لكن تلك بداية الشوط وليست نهايته. 
 (1) 
قرأت لمن قال إن ما حدث خلال العام أكبر من أن يوصف بأنه ربيع عربى، لأن الأحداث التى تتابعت فى تلك الفترة تكاد تغطى مساحة قرن كامل. فى كمها وعمقها. ومن المحللين السياسيين من قال إن أحدا لو تنبأ فى بداية عام 2011 بما حدث فى تونس ومصر واليمن وسوريا وبالاهتزازات والأصداء التى ترتبت عليه، لاتهم حينذاك إما بالجنون أو الخرق.
 
بسبب من ذلك، فاته فى حين بات العالم العربى مشغولا بما سيحدث خلال العام الجديد، فإن أغلب الباحثين والعلميين الغربيين المهتمين بالشأن العربى لا يزالون مشغولين أيضا بتفسير ما حدث، وتتعدد اجتهاداتهم فى الإجابة عن السؤال لماذا جرى ما جرى، ذلك أنهم فوجئوا بتوالى الانفجارات التى لم تخطر على بال خبراء أجهزة الرصد والتنصت، حتى سمعت من أحدهم قوله إنهم رأوا من خلال ما جرى وجها للعالم العربى لم يروه ولم يعرفوه من قبل. وحدثنى قادم من الولايات المتحدة الأمريكية عن شعور خبراء الشرق الأوسط هناك بالخجل والحرج. لأنهم ظلوا طوال العقود الماضية يتحدثون عن عرب غير الذين ظهروا فى الميادين والشوارع مؤخرا. عرب إرهابيون ومتخلفون ومستسلمون للأنظمة التى تسلطت على مقدراتهم أو عرب مشغولون باللهو والعبث والاتفاق الباذج فى ملاهى أوروبا أو صالات القمار. لكنهم فوجئوا خلال العام المنقضى بعرب آخرين، ثاروا دفاعا عن كرامتهم وضيقا بالاستبداد، فخرجوا مسالمين معبرين عن شوقهم إلى الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعى، وظلت ألوفهم وملايينهم معتصمة بالميادين طوال أشهر عدة، منهم من واجهوا الرصاص بصدور عارية، ومنهم من تنافسوا على الشهادة. وجميعهم أثبتوا شجاعة نادرة وإصرارا منقطع النظير.
 
حين سمعت هذا الكلام وجدت أن العقيد القذافى كان معذورا حين بوغت بالثورة على نظامه، فصاح فى المتظاهرين قائلا: «من أنتم؟» إذ رغم أنه أراد أن يعبر عن احتقاره لهم، إلا أنه فى حقيقة الأمر كان يواجه شعبا لم يعرفه. وهى ذات الخلاصة التى خرج بها أولئك النفر من الباحثين، الذين «اكتشفوا» عربا لم يعرفوهم، بعدما ظلوا طول الوقت يتحدثون عن قشرة مشوهة فى العالم العربى سلطت وسائل الإعلام الأضواء عليها، كما ظلوا يتعاملون مع أنظمة وأجهزة أمنية لا تجيد إلا قمع المواطن العربى والازدراء به.
 
 (2) 
إذا ألقينا نظرة على المشهد من بعيد، فسنجد أننا بصدد زمن تغيرت فيه موازين القوة لصالح الأفراد. آية ذلك مثلا أن شركة «نت فليكس» الأمريكية كانت تستخدم لغة آمرة مع عملائها فيما خص زيادة الأسعار، ولكن العملاء قرروا أن يتحدَّوها. فنظموا أنفسهم وانسحب منهم 800 ألف شخص، مما أدى إلى انخفاض سعر سهمها فى البورصة، وكان ذلك ما فعله بنك «أوف أمريكا» عندما فرض رسوما قدرها خمسة دولارات على البطاقات الائتمانية. فما كان من العملاء سوى إجبار المصرف العالمى على التراجع عن قراره والاعتذار عنه. ومنحت شركة كوكاكولا شكلا جديدا لعلب المشروبات المياه الغازية التى تقدمها فى مناسبة الأعياد، فجعلتها باللون الأبيض. ولكن المستهلكين اعترضوا على ذلك وأجبروها خلال أسبوع واحد على التراجع والعودة إلى اللون الأحمر الذى اعتادوا عليه. وهذا ما فعلته شركة «جاب» الشهيرة للملابس، التى صممت شعارا لها لم يسترح إليه العملاء من خلال رسائل الإنترنت، فتخلت عن الشعار إرضاء لهم.
 
هذه النماذج استعرضها الكاتب الأمريكى توماس فريدمان محرر «نيويورك تايمز»، لكى يدلل عن تعاظم الدور الذى أصبح بمقدور الأفراد القيام به فى ظل ثورة الاتصالات الحاصلة فى العالم، وكيف أنها مكنت أولئك الأفراد من أن يتواصلوا مباشرة مع بعضهم البعض، ويشكلوا فيما بينهم قوة ضغط تتعذر مقاومتها أو تجاهلها من جانب الجهات صاحبة القرار. بكلام آخر فإن التقدم الكبير الذى حدث فى شبكات التواصل الاجتماعى سلح المجتمعات العصرية بدرجة من القوة والجرأة لم تكن متوفرة لها من قبل. ولم يعد ذلك مقصورا على بلد دون آخر إلا فى الدرجة فحسب.
 
هذه الخلفية استحضرها أغلب المحللين الذين تصدوا لتفسير ما جرى فى العالم العربى، حين أشاروا إلى دور ثورة الاتصال فى هبوب الإعصار الذى اجتاحه فى بداية العام الماضى، وفى التجربة المصرية قرائن عدة تؤيد ذلك، تمثلت فى إطلاق صفحة خالد سعيد على الإنترنت، واستخدام شبكة التواصل الاجتماعى فى تنظيم المظاهرات من وراء ظهر أجهزة الأمن، وشن حملات التعبئة سواء ضد النظام السابق أو ضد أخطاء المجلس العسكرى الحاكم.
 
لم يكن ذلك هو العنصر الوحيد بطبيعة الحال، لأن ثمة عوامل أخرى سياسية واجتماعية واقتصادية استفزت الرأى العام وملأت الناس بالسخط والغضب، بحيث ما إن انطلقت الشرارة من تونس التى كانت مهيأة للانفجار حتى توالت الانفجارات فى الأقطار العربية الأخرى. وبدا واضحا هذه المرة أن غضبة الجماهير اتسمت بدرجة عالية من الإصرار والجرأة، التى أراها ماثلة تحت أعيننا فى الجماهير المصرية التى أصبحت بعد إسقاط نظام مبارك تخرج فى مليونيات تتبنى مطالبها بين الحين والآخر. ونراها بصور أوضح فى ثبات الجماهير اليمنية والسورية وتمسكها بالخروج إلى الفضاء العام طوال الأشهر العشرة الماضية.
 
إضافة إلى العوامل الداخلية فإن باتريك سيل الكاتب البريطانى المتخصص فى شئون الشرق الأوسط لفت الانتباه إلى مصدر آخر لتفجير الثورات العربية تمثل فى «الرغبة العميقة لدى شعوب تلك الدول فى التعبير عن الهوية العربية والإسلامية، وعن تحررها من أى وصاية ثقافية وسياسية أجنبية». وأشار إلى أنه فى أنحاء الشرق الأوسط يشعر المرء بوجود ثورة ضد المحاولات الأجنبية لفرض نمط مجتمع غربى على العالم الإسلامى إلى جانب إخضاعه للمصالح الاستراتيجية الغريبة. بحيث قد نكون بصدد فصل جديد وربما أخير فى النضال العربى الطويل ضد الاستعمار الغربى الذى بدأ بعد الحرب العالمية الأولى». (الشرق الأوسط 30/12).
 
 (3) 
قد لا نبالغ إذا قلنا إننا بصدد عالم عربى جديد ولد فى عام 2011، على أيدى الشعوب التى سرت فيها روح أيقظت فيها تطلعات وأحلام ظلت مختزنة ومحبوسة، على الأقل منذ نالت تلك الشعوب استقلالها الوطنى فى منتصف القرن الماضى، وليس صحيحا أن رياح التغيير جاءت مقصورة على بلد دون آخر، لكن الصحيح أنها طالت الجميع، ولكن التفاعل معها اختلف من بلد دون آخر. لذلك لم آخذ على محمل الجد ما قاله الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة فى 21/12 الماضى من أن الجزائر لها خصوصيتها التى تحول دون تأثرها بأجواء الربيع العربى التى طالت بعض الدول العربية الشقيقة، بدعوى أن الشعب الجزائرى «لا يقبل إلا بما ينجزه هو شخصيا». ورغم أنه كان يرد بذلك على دعوات الإصلاح السياسى التى انطلقت فى الداخل، فإن التقارير الصحفية ذكرت أنه بصدد التصريح بالموافقة على خمسة أحزاب جديدة، رغم أنه أمضى 12 عاما فى السلطة لم يصرح خلالها لأى حزب جديد. كما ذكرت أن رئيس البرلمان أعلن أن الرئيس كلفه بالقيام بجولة فى أنحاء الجزائر للتعرف على مطالب الناس وشكاواهم. وما كان لمثل هذه الممارسات أن تقع لولا ضغوط الحراك التى أحدثها الربيع العربى فى أرجاء الوطن الكبير.
 
لا يعيب أى نظام أن يتفاعل مع أشواق الجماهير بالصورة التى يراها ملبية لها بدرجة أو أخرى. لكن ما يعيب النظام حقا أن يتحدى تلك الأشواق أو ينكرها، وقد رأينا أصداء تعبيرات عن تلك الأشواق فى مظاهرات الأردن والسودان واحتجاجات الموريتانيين. كما تابعنا مؤشرات نسبية للتفاعل تمثلت فى تعديل الدستور المغربى والتعديل الوزارى الكبير فى سلطة عمان، والسعى لتحسين صورة دول الخليج العربى، وتحويل مجلسى التعاون إلى اتحاد بين تلك الدول، إضافة إلى الخطوات التى اتخذت لتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين. إلا أن محللا سياسيا سعوديا بارزا هو خالد الدخيل لم يقتنع بهذه الخطوات فانتقد دول الخليج لأنها «بعد عشرة شهور من بداية الربيع العربى، لم تعط أى مؤشر واضح على إصلاح سياسى قادم لاستيعاب موجة الربيع وارتداداتها المتوقعة. وأشار فى هذا السياق إلى أن ثمة أزمة فى البحرين ومعالم أزمة فى الكويت، وصمت فى السعودية والإمارات. وخطوات إصلاحية محددة فى سلطنة عمان وقطر (الحياة اللندنية ــ 18/12).
 
 (4) 
نخطئ فى قراءة الربيع العربى مرتين، الأولى إذا ضاق صدرنا لأننا لم نقطف ثماره بعد. وأذكر فقط بأن ثورة 1919 فى مصر لم تنجز الدستور إلا فى سنة 1923، وتم العمل به فى العام التالى، أى بعد خمس سنوات على قيام الثورة.
 
تخطئ مرة ثانية إذا اعتبرنا أن إسقاط رأس النطام القديم يعنى نجاح الثورة وبداية تأسيس النظام الديمقراطى المنشود. ذلك أن إسقاط رأس النظام هو بداية النجاح الذى ينبغى أن يستكمل بإسقاط أركانه وذيوله. علما بأن هذا وذلك لا يعنى بالضرورة تأسيس النظام الديمقراطى، لأن خبرة التاريخ علمتنا أن بديل النظام المستجد ليس ديمقراطيا بالضرورة، ولكنه قد يكون طاغية آخر. بالتالى فإن بلوغ الهدف الديمقراطى المنشود يستلزم خوض معركة أخرى غير تلك التى أسقطت رأس النظام المستبد والخلاص من أعوانه.
 
بقيت أربع ملاحظات أخيرة وجدتها محل إجماع بين أغلب التعليقات والتحليلات الغربية التى تناولت موضوع الربيع العربى، هى:
 
● إن مستقبل الربيع العربى معلق إلى حد كبير على مدى نجاح أو تعثر الثورة فى مصر. ذلك أن الربيع سيبلغ ذروته إذا نجحت، وسيتحول إلى كابوس ثقيل إذا فشلت.
 
● إن الانتخابات التى جرت فى ظل الوضع المستجد أسفرت عن تأييد واسع للتيار الإسلامى، لذلك فإن الجميع ينتظرون ثمرة ذلك التأييد، وهل سيكون خطوة إلى الأمام أم انتكاسة ورجوعا إلى الوراء، أداء الإسلاميين هو الذى سيرجح هذه الكفة أو تلك.
 
● إن الأوضاع المستجدة فى العالم العربى لا تحمل ودا كثيرا للسياسية الأمريكية، التى طالما ساندت الأنظمة المستبدة فى المنطقة. ولذلك فإن مستقبل العلاقات الأمريكية العربية سيظل فى مهب الريح.
 
● إن حلول الربيع العربى يشكل ضربة موجعة لاستراتيجية إسرائيل التى أفقدها الربيع أهم حلفائها بعد الولايات المتحدة، وعلى إسرائيل أن تفكر فى أمرين قبل أن تتدهور علاقاتها مع العالم العربى الجديد الذى يتشكل الآن. الأول أن تسارع فى التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، والثانى أن تبحث عن حليف قوى آخر بديل عن مصر، وتركيا هى المرشحة للقيام بهذا الدور نظرا لعلاقاتها التاريخية الوثيقة مع إسرائيل، إلى جانب احتفاظها بعلاقات إيجابية مع واشنطن.
 
شىء جيد أن ينهض العرب ليقفوا على باب التاريخ، لكن الاختبار الكبير الذى ينبغى أن يجتازوه بنجاح يتمثل فى أن يقيموا نظامهم الديمقراطى الذى يسوغ لهم أن يحجزوا لأنفسهم مقعدا فى مجرى التاريخ.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 370 مشاهدة

 

بعض فصول التقرير الاستراتيجى الفلسطينى تضمنت معلومات تصدمنا حتى لا تكاد تصدق. وربما كان الجزء الخاص بالتنسيق الأمنى الذى يتم برعاية أمريكية بين أجهزة السلطة فى رام الله وبين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية صارخا فى استدعاء الصدمة وإثارة الدهشة. إذ يذكر التقرير أن ذلك التنسيق بلغ فى عام 2010 مراحل متقدمة وغير مسبوقة منذ توقيع اتفاقية أوسلو فى سنة 2003. آية ذلك أن جهاز الأمن الداخلى الإسرائيلى (الشاباك) تحدث لأول مرة منذ ما يزيد على عشرين عاما عن خلو قائمة ممن يسميهم «المطلوبين» فى الضفة. وقد امتدح رئيس الشاباك يوفال ديسكين فاعلية الأجهزة الأمنية للسلطة ضد حركة حماس، مشيرا إلى أن تلك العمليات وصلت إلى أعلى درجة لها منذ 16 عاما. 
من المعلومات المهمة التى وردت فى هذا الصدد ما يلى:
 
● كشفت حكومة الاحتلال ضمن تقريرها الذى قدمته أمام «لجنة ارتباط الدول المانحة» فى بروكسل، أن أجهزة الاحتلال قامت بـ2.968 عملية مشتركة مع قوات الأمن الفلسطينية فى الضفة الغربية سنة 2010 مقارنة مع 1.297 عملية سنة 2009، أى زيادة بنسبة 129%. كما عقدت 686 اجتماعا مشتركا معها سنة 2010، مقارنة بـ544 اجتماعا سنة 2009، أى زيادة بنسبة 26%، (من الجدير بالذكر أنه على الرغم من كل الإجراءات الأمنية، فقد نفذت المقاومة الفلسطينية فى الضفة الغربية 463 هجوما ضد أهداف إسرائيلية).
 
● اتهم تقرير أصدره «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» فى وزارة التخطيط الفلسطينية فى قطاع غزة السلطة فى رام الله بتنفيذ أكثر من 3000 حالة اختطاف على خلفية سياسية خلال سنة 2010. وذكر أن نحو 1404 حالات من حالات الاعتقال كانت لأسرى محررين، ونحو 49 لأئمة المساجد، ونحو 24 من أساتذة الجامعات، ونحو 36 صحفيا، ونحو 32 من أعضاء مجالس بلدية، وما يقارب 417 طالبا جامعيا، ونحو 9 مدرسين.
 
● كشف تقرير أمريكى، أعده نيثان ثرول بعنوان «رجلنا فى فلسطين»، عن أن قوات أمن سلطة رام الله قامت بمشاركة الجيش الإسرائيلى فى سنة 2009 بـ1.297 عملية مشتركة ضد مجموعات المقاومة الفلسطينية المسلحة، استهدفت فيها حركة حماس وجهازها العسكرى، ومؤسساتها المدنية والاجتماعية بزيادة 72% على عمليات سنة 2008. ونقل ثرول عن التقرير السنوى لجهاز الشاباك أن العمليات الأمنية المشتركة لقوات أمن السلطة وإسرائيل قد خفضت الهجمات الفلسطينية ضد الإسرائيليين فى الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى أقل مستوى منذ عام 2000.
 
● كان للولايات المتحدة دور فاعل فى تنمية هذا الدور وتعزيزه من خلال تقديم المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية، والإنفاق بسخاء على مهمة المنسقين الأمنيين لديها فى الضفة. وقد أنفقت واشنطن منذ سنة 2007 على مهمة المنسق السابق كيث دايتون 392 مليون دولار، فيما رصدت 150 مليون دولار للسنة المالية 2011. ويضم المقر الرئيسى لبعثة المنسق الأمريكى فى غربى القدس 45 موظفا يشكلون الجزء الأساسى للبعثة، معظمهم من الضباط الأمريكيين والكنديين، إلى جانب ضباط بريطانيين وأتراك.
 
● كنتيجة للتنسيق، اعتقلت الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية عددا من أبرز قيادات المقاومة فى الضفة، ولوحظ أن عددا من المعتقلين الذين كان يفرج عنهم من سجون السلطة يعاد اعتقالهم من «إسرائيل» أو تتم تصفيتهم.
 
● لم يقف هذا التنسيق عند ملاحقة المقاومة، وإنما وصل لحد غض السلطة الطرف عن العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة نهاية سنة 2008، وذلك حسبما كشفت عنه تسريبات موقع ويكيليكس سنة 2010، التى قالت إن الحكومة الإسرائيلية بزعامة إيهود أولمرت حاولت تنسيق الحرب على غزة مع السلطة الفلسطينية. وكتبت «هاآرتس» أن وزير الدفاع الإسرائيلى، إيهود باراك، فى لقائه مع عدد من أعضاء مجلس الشيوخ والكونجرس فى مايو 2009، ذكر أن إسرائيل حاولت تنسيق الحرب العدوانية على قطاع غزة 2008 ــ 2009 مع مصر ومع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. جاء ذلك استنادا إلى برقيات السفارة الأمريكية فى تل أبيب، والتى تم الكشف عنها من قبل موقع ويكيليكس. واستنادا إلى برقية كتبها نائب السفير الأمريكى فى «إسرائيل» فى تلك الفترة فإن باراك قال إن الحكومة الإسرائيلية تشاورت مع مصر ومع حركة فتح فى «حملة الرصاص المصبوب»، وسألت إذا ما كانتا على استعداد لتولى السلطة على قطاع غزة بعد أن تحسم إسرائيل حركة حماس، لكنها حصلت من مصر على رد سلبى.
 
ذلك قليل من كثير مسكوت عليه، أورده التقرير الاستراتيجى الذى صدر عن عام 2010، وتلقيته أخيرا من مركز الزيتونة للدراسات فى بيروت، الأمر الذى يعنى أن الجزء الخفى والغاطس حافل بمفاجآت لا تكاد نسمع بها أو نراها، الأمر الذى يثير سيلا من الأسئلة حول مستقبل ذلك التنسيق فى ظل التوافق الأخير بين حركتى فتح وحماس.
 
إن من سخريات القدر أن نفشل فى إقامة أى تنسيق عربى، وأن يكون التنسيق الوحيد الذى «نجح» هو الفلسطينى الإسرائيلى!

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 160 مشاهدة

 

لو كنت مكان المجلس العسكرى لشكلت لجنة خاصة تكون مهمتها الوحيدة الإجابة عن سؤال واحد هو: من المسئول عن تراجع شعبية المجلس العسكرى من قمة ساحقة مساء 11 فبراير إلى منحدر سحيق هذه الأيام. 
مبدئيا أتمنى ألا يجيب أحد بسرعة ليقول إن شعبية المجلس عالية جدا وسط عموم المصريين وأن المجلس سيحصل على أكثر من 75٪ لو تم الاستفتاء عليه غدا. مثل هذه الإجابة لا تقنع أحدا لأن مبارك كان يمكنه بماكينته الاعلامية وقيامها بعمليات غسيل الدماغ الإعلامى وإلغاء ديون الفلاحين المتعثرين اوغرامات المخابز ومنحة عيد العمال أن يحصل أيضا على نسبة أعلى.
 
المجلس الأعلى خسر غالبية الشباب، كما خسر الجزء الأكبر من النخبة، وعليه ألا يستهين بذلك لأن الشباب وهذه النخبة تحديدا هم الذين فجروا الثورة.
 
فكرة لجنة التحقيق الخاصة ليست بدعة وهدفها الاستفادة من الدروس حتى لو كانت مؤلمة.. وعلينا تذكر ماذا فعلت عدوتنا إسرائيل حينما شكلت لجان تحقيق مستقلة فى كل أزماتها الكبرى من لجنة اجرانات بعد هزيمتها عام 1973 إلى لجنة فينوجراد بعد عدوانها الفاشل على لبنان عام 2006.
 
أى مؤسسة عسكرية تفضل السرية، ولذلك يمكن أن تكون مثل هذه اللجنة غير علنية، شرط أن تكون جادة ثم  نستخلص العبر بعد اعلان النتائج.
 
المجال الزمنى لعمل اللجنة هو المسافة بين مشهدين الاول لكل المصريين وهم يتسابقون لالتقاط صور لهم ولاطفالهم مع جنود الجيش فوق الدبابات فى ميدان التحرير بعد يوم 11 فبراير، والثانى هو لافتات الاحتجاج العنيف الذى وصل إلى استخدام ألفاظ نابية ضد قادة المجلس العسكرى هذه الأيام.
 
مبعث اقتراح  هذه اللجنة هو الإحساس أن هذا الاستقطاب الحاد الجارى حاليا بين الشباب وبين المجلس الأعلى قد يبعث رسالة فى غاية الخطورة إلى بعض البسطاء فى القوات المسلحة خلاصتها أن الجيش صار فى جانب وجزء من الشعب ــ حتى لو كان صغيرا ــ صار فى جانب آخر. والأخطر أن يترسخ هذا المفهوم.
 
وجود هذه اللجنة ليس علامة ضعف، بالعكس هو إشارة قوية على رغبة فى إصلاح ما حدث. فى تقديرى الشخصى أن هناك فرصة ماتزال سانحة إذا وصل للشباب وعموم المجتمع رسالة بأن النوايا صافية والرغبة فى الإصلاح حقيقية.
 
لو أن المجلس العسكرى تحرك بسرعة فى القضايا الخطيرة مثل كشوف العذرية ومع الجنود الذين سحلوا الفتاة او الذين ارتكبوا مجزرة ماسبيرو.
 
ما وقعت كل الكوارث التى شهدناها فى الشهور الأخيرة.
 
المؤكد أنه لا أحد من القادة قد أعطى أمرا للجندى الذى سحل الفتاة، لكن لجنة التحقيق ينبغى أن تسأل: كيف وصل الجنود إلى هذه الحالة التى جعلتهم يتبولون على بعض مواطنيهم أو يسحلوا شقيقاتهم؟!.
 
لا يوجد شعب او جماعة منزهة عن الخطأ، لأن هذا ضد طبيعة البشر التى تخطئ وتصيب، والقوات المسلحة جزء من هذا الشعب، وليس كل أفرادها ملائكة، لكن حفاظا على طهارتها وصورتها المحترمة لدى كل الشعب ينبغى أن يحاسب كل من يخطئ أولا بأول.
 
وحسنا تم الإعلان عن محاكمة بعض المتورطين فى كشف العذرية ومذبحة ماسبيرو رغم ان ذلك جاء متأخرا.
 
المجلس العسكرى يستطيع أن يبرهن على حسن نواياه إذا اعترف بأخطائه، وحاسب المسئولين عن هذه الأخطاء، وتعهد بإجراءات محددة تمنع تكرارها فى المستقبل الذى هو شهور قليلة ينبغى ألا تزيد عن أول يوليو المقبل.
 
فى الشهور الماضية كان للمجلس الأعلى ميزة أنه لم يكن عنيدا.. نريده الآن أن يتحلى بميزة أخرى وهى أنه ليس مكابرا.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 199 مشاهدة

 

                                                   الطرف الثالث هو نجم 2011 بلا منازع، حيث فرض نفسه على أدق تفاصيل حياة المصريين، وصار اللاعب الرئيسى فى كل السيناريوهات والمخططات والألاعيب التى لم تتوقف منذ مارس الماضى.
كان الظهور الأول للطرف الثالث والذى يمتلك قدرة هائلة على التلون والتحور والاختباء خلف مسميات عدة فى الثامن والعشرين من يناير الماضى (جمعة الغضب) والذى استخدمه نظام مبارك لتبرير جرائمه فى قتل المتظاهرين وإشاعة الفوضى وفتح السجون وصناعة الانفلات الأمنى.
لقد جرت عملية تصنيع لهذا «الطرف الثالث» فى ورش نظام مبارك من خلال إطلاق السجناء لترويع المصريين فى محاولة يائسة لإجهاض الثورة قبل أن تكتمل وتطيح بالمخلوع وعصابته.
غير أن استخدام «الطرف الثالث» كفزاعة وشماعة لم يكن حكرا على نظام مبارك فقط، فقد ورثه المجلس العسكرى واستخدمه وفق الكتالوج ذاته فيما بعد، ليظهر فى التاسع من مارس الماضى، حين سجلت ذاكرة العام أول واقعة اقتحام خشن من الشرطة العسكرية للميدان لفض الاعتصام السلمى بالقوة، ليسقط شهيد ويصاب العشرات وتتم عملية اعتقالات واسعة، ونسمع لأول مرة عن كشوف العذرية، ويساق المدنيون إلى المحاكمات العسكرية.
 وبعد ذلك بدأت سلسلة من الضربات العنيفة للمتظاهرين كان أشرسها ما جرى فى 8 أبريل، ثم جاء مايو ويوليو ليشهدا أحداثا مشابهة، حتى كان الحضور الأبرز للطرف الثالث فى مجزرة دهس المصريين بالمدرعات أمام ماسبيرو، وهى الجريمة المسجلة بالصوت والصورة، ورغم ذلك يخرج المتحدثون باسم المجلس العسكرى ليتحدثوا عن «طرف ثالث» استهدف الجيش والشعب معا.
ومنذ ذلك التاريخ و«الطرف الثالث» شريك أساسى فى كل الجرائم التى ارتكبت فى حق الثوار والمعتصمين، ليفرض نفسه نجم الشباك فى مذبحة شارع محمد محمود يوم 19 نوفمبر الماضى، ثم يواصل تألقه على مسرح العبث السياسى فى مصر فى جريمة الاعتداء الغاشم على اعتصام مجلس الوزراء.
وللحق فقد أسدى الجنرال «طرف ثالث» خدمات جليلة لجماعة الحكم فى مصر بعد الثورة، على نحو يشعرك بأنه لو لم يكن موجودا لاخترعوه، حيث استخدم كملاذ آمن للتهرب من جرائم واضحة وضوح الشمس، حتى بات عنصرا أساسيا فى معادلة الحكم والإدارة خلال المرحلة الانتقالية، لا يمكن الاستغناء عنه، إلى الحد الذى دفع البعض لاعتباره الطرف الأول والأقوى فى حكم البلاد الآن.
ولم تقف شهرة «الطرف الثالث» عند حدود المحلية، بل فرض نفسه نجما على المستوى الإقليمى والدولى، حتى إن صفحة «بوليتيكال آلش» على فيس بوك تحدثت عن أن صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية وضعته فى صدارة قائمة الشخصيات الأكثر تأثيرا فى الوطن العربى خلال 2011.
وإلى أن يقضى الله أمرا سيظل «الطرف الثالث» محتفظا بمكانته فى مصر، وربما نسمع قريبا أنه وراء المداهمات المخجلة التى نفذتها قوات الجيش والأجهزة الأمنية لمقار المنظمات العاملة فى مجال الحريات وحقوق الإنسان، ولم لا وهو يمتلك كل هذه القدرة على التحول والتحور والتلون؟.
اللهم ارزقنا سنة جديدة بدون طرف ثالث ولا لهو خفى.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 282 مشاهدة

 

فى قلب مدينة فرانكفورت ووسط حديقة عامة أقامت مجموعة من النشطاء خمسين خيمة منذ شهر أكتوبر الماضى للإعراب عن احتجاجهم على سياسات الرأسمالية والمصارف التى تؤدى إلى إفقار عامة الناس. وقد اعتبر هؤلاء أن البنك المركزى الأوروبى رمز لتلك السياسات وطرف فى الأزمة، خصوصا أنه لعب دورا فى فرض سياسة التقشف على الدول التى أثقلتها الديون، واليونان فى مقدمتها. لذلك فإنهم قرروا أن يقيموا مخيمهم بالقرب من مقره فى المدينة الألمانية. ورفعوا فى حركتهم شعار «لنحتل فرانكفورت»، على غرار ما فعله الناشطون الأمريكيون الذين أرادوا الاحتجاج على السياسات ذاتها فاختاروا موقعا قريبا من أهم مركز اقتصادى فى الولايات المتحدة. رافعين شعار «لنحتل وول ستريت». وليس معروفا ما إذا كان خروج النشطاء إلى الشارع والاعتصام فى الأماكن العامة متأثرا بما شهده العالم العربى من احتجاجات مليونية أحيانا منذ بداية العام، انتقلت عدواها إلى دول أخرى كان بينها إسرائيل، إلا أن ما يهمنا فى المشهد هو كيف تعاملت الشرطة والسلطة مع المخيم. صحيح أن الشرطة أخلت أمثال تلك المخيمات فى نيويورك وأوكلاند وبوسطن، وفى بعض المدن الأوروبية الأخرى، إلا أن الوضع اختلف تماما مع نشطاء حملة «نحتل فرانكفورت». لكن ثمة إيضاح يجب أن أسجله قبل التفصيل فى موضوع المخيم الألمانى خلاصته أن أسلوب إخلاء الشرطة لمخيمات المعتصمين فى المدن الأمريكية والأوروبية لا علاقة له بما حدث عندنا. والفرق بين الحالتين أقرب ما يكون إلى الفرق بين المداعبة والحرب. ذلك أن أقسى ما واجهه المعتصمون هناك أن بعضهم تعرّض للىَّ الأذرع والرش بالمياه والحمل على أكتاف بعض رجال الشرطة. وإذا ألقيت نظرة على الصور التى نشرتها الصحف المصرية هذا الأسبوع ستعرف جيدا الفرق بين الحالتين. 
التقرير الذى نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن مخيم لنحتل فرانكفورت استدعى خلفية جديرة بالتنويه، وهى أن للحركات الاحتجاجية فى أوروبا تاريخا طويلا، وأن الشرطة الألمانية لها خبرة جيدة معها، حيث اعتادت التعامل مع تلك الحركات السلمية أو العنفية. وفى صدد المجموعة التى نحن بصددها سجل التقرير أنها كانت منضبطة ومنظمة بحيث لم تكن هناك حاجة لوجود الشرطة أصلا فى المكان، ومن الملاحظات الأخرى التى سجلها ما يلى:
 
● إن المخيم مقام منذ أكثر من شهرين، وقد صرح المتحدث باسم مكتب النظام العام المسئول عن منح التصريحات اللازمة لإقامة التجمعات العامة بأنهم لا يمانعون فى استمرار المظاهرة والاعتصام، ولا غضاضة فى أن يحدث ذلك إذا كانوا قادرين على احتمال وطأة الشتاء.
 
● أقام المعتصمون مطبخا لتقديم وجبات الطعام المتبرع به، كما أقاموا موقعا إلكترونيا وشبكة من العلاقات العامة، وخيمة لعقد الاجتماعات العامة.
 
● أقاموا أيضا منصة للاستعلامات مصنوعة من القطع البلاستيكية والألواح الخشبية، بما يمكن المارة من الحصول على الأوراق الدعائية أو تقديم التبرعات التى تساعد المعتصمين على إقامة حمامات متنقلة ومرافق ضرورية للمخيم.
 
● قام أحد المعتصمين ببناء تمثال من اطارات الدراجات المنحنية والدمى والعلب الفارغة ووضعه فى أعلا المكان بالمتنزه، ولم تتعرض الشرطة له.
 
● يتوافد طلاب المدارس فى المدينة على المكان لزيارة المخيم والتعرف على آراء المعتصمين، وقد لاحظ مراسل الجريدة أن مجموعات الطلاب تتحرك تحت قيادة «مرشد»، ينظم لهم لقاءات مع الشخصيات التى تمثل المجموعات المعتصمة. التى تتعدد آراؤها ولكنها تتفق حول هدف وضع حدود لقوة ونفوذ المؤسسات الرأسمالية والمصارف.
 
● تحدث المعتصمون عن الشرطة بودٍ ملحوظ، وقالوا إنهم لم يكونوا مصدر إزعاج لهم فى أى وقت، وإنما عملوا دائما على حمايتهم. حتى قالوا إن الشرطة المحلية أقرب ما تكون إلى الحلفاء منها إلى الخصوم أو الأعداء.
 
● يحرص المحتجون على عدم عرقلة مرور المشاة كثيرا على الممرات المؤدية إلى المنتزه من موقف ترام قريب، ورغم أن المخيم على بُعد أمتار من مقر البنك المركزى الأوروبى الذى يستهدفه المحتجون، إلا أن أحدا لم يحاول عرقلة العمل به، حتى حين عقد مجلس إدارة البنك اجتماعه فى بداية شهر ديسمبر الحالى، فإنهم لم يتخذوا موقفا منه. وغاية ما هناك أن أحد المحتجين ارتدى قناعا ووقف بالقرب من مدخل البنك، حيث وزع أوراقا دعائية شرحت موقفهم من النظام الرأسمالى الذى دعاهم على الاحتجاج والاعتصام.
 
حين قرأت التقرير خطر لى أن أدعو إلى الانضمام لحملة «لنحتل فرانكفورت»، بعدما وجدت صعوبة فى المطالبة باحتذاء نموذج شرطة المدينة، كما عجزت عن ضمان احتواء سلوك المتظاهرين. لكن خشيت إذا انضممنا إليهم أن نفاجأ بأنهم تعلموا منا بدلا من أن نتعلم نحن منهم! باعتبار أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، كما يقول الاقتصاديون.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 175 مشاهدة

أستغرب اثنين، رجل يقول إنه سيؤدب الناس ويلزمهم بتغيير مسلكهم وملبسهم، وآخر يقتنع بأن بمقدوره أن يفعل ذلك، حتى قلت إنهما أحمقان: من يردد هذا الكلام ومن يصدقه. كان ذلك ردى على كل من سألنى عن رأيى فى تصريحات بعض السلفيين التى أبرزتها وسائل الإعلام وخصصت لها بعض الصحف أعدادا خاصة، ثم انخرط عدد من المثقفين المحترمين فى التعليق عليها.

 
بعدما أخذوها على محمل الجد. وكانت النتيجة أن شاعت البلبلة بين الناس وسرى الخوف فى أوساطهم، حتى حدثنى بعض من أعرف أنهم باتوا يفكرون فى الهجرة بحثا عن «ملاذ آمن» من غارة السلفيين واليوم الذى ينقضّون فيه على السلطة فى مصر.
 
لنحسبها بالعقل ــ هكذا قلت لسيدة متدينة أرجّح أنها أصدق إسلاما من كثيرين من الذين يطنطنون أمام كاميرات التليفزيون ــ لو أن واحدا منهم نجح فى انتخابات رئاسة الجمهورية، رغم أننى أشك كثيرا فى ذلك، وإذا تم انتخاب بعضهم فى مجلس الشعب، هل سيمكن الأول أو الآخرون من تغيير مسلك الناس وملبسهم؟ ــ هل يتصور أحد أنهم سيكونون وحدهم فى الساحة؟ وهل سيمكنون من إلغاء جميع مؤسسات الدولة وكل القوى السياسية الأخرى؟ وهل يعقل أن الشعب الذى خرجت ملايينه احتجاجا على طغيان مبارك ونظامه يمكن أن يسكت على أى طغيان آخر، حتى إذا كان باسم الدين؟
 
قالت: «طالبان» فعلتها فى أفغانستان.
 
قلت: لا وجه للمقارنة بين أفغانستان ومصر. والبرقع الذى ترتديه النساء هناك ــ الأقرب إلى النقاب عندنا ــ جزء من ثقافة المجتمع وقد كان موجودا قبل طالبان وبعد زوال نظامها. ثم إن الحركة كانت تنظيما مسلحا تمكّن من السلطة وفرض فهمه الساذج للالتزام الدينى، الذى تعلمه أعضاء التنظيم فى المدارس الدينية، الأقرب إلى المدارس الإعدادية عندنا.
 
لم يعد انفعال السيدة إلا حين احلت إليها مقالة نشرتها صحيفة هاآرتس (فى 1/12) كتبها آرى شبيط انتقد فيها التطرف الدينى فى إسرائيل، الذى تمثله عدة أحزاب فى البرلمان (الكنيست)، وقال فيها ما نصه: فى إسرائيل طوفان لم يسيق له مثيل من العنصرية إزاء العرب يروج لكراهية العلمانيين واضطهاد النساء، ويهدد بجعل إسرائيل المتنورة إسرائيل الظلامية. وفى حين يجتارون هنا هل يجب على إسرائيل أن تقصف إيران أم لا، يوجد بيننا من يحاولون جعل إسرائيل إيرانا أخرى. (فى التشدد الدينى).. إن متطرفى الله اليهود يخرجون الآن فى هجوم صريح على الأقلية وعلى الفرد وعلى حقوق الإنسان، وهم يحاصرون المحكمة العليا والصحافة الحرة والمجتمع المفتوح، ثم إن حصار طروادة الذى فى داخلنا ليس هو اليسار بل الأصولية الدينية، وظاهر الأمر أن الحكومة الحالية هى التى تفتح الأبواب لحصان طروادة، وهى التى تضعف إسرائيل وتضعضع وجودها. وقد حان الوقت ليفهم اليمين الدينى أنه إذا تحولت إسرائيل إلى إيران، فلن يكون لها أمل فى المستقبل، لأن عراها سوف تنقض من الداخل وتبتلع فى الظلام الدينى الإقليمى.
 
الأدبيات المماثلة فى الولايات المتحدة أكثر، لأن هناك نحو 66 منظمة يمينية بعضها يعلن صراحة أنه من الضرورى إعادة تنصير أمريكا، وأنهم يسعون للوصول إلى السلطة السياسية لفرض الأخلاق الدينية بقوة القانون. وكنت قد فصلت فى هذه المسألة فى مقالة سابقة، عرضت فيها لمضمون كتاب «المسيحية هى الحل»، الذى صدر بالفرنسية البروفيسور مختار بن بركة. ونقله إلى العربية أحمد الشيخ.
 
الفرق بيننا وبينهم ثلاثة أمور: الأول أنهم يتحركون فى حدود احترام القانون والدستور (فى الحالة الأمريكية). الثانى أنهم يمثلون فى المجالس المنتخبة بحجمهم الطبيعى. الثالث أن شرعيتهم محل احترام من القوى السياسية الأخرى، الأمر الذى لا يتعارض مع انتقادهم بطبيعة الحال. هناك فرق رابع أخجل من ذكره هو أن الخلاف مع تلك القوى اليمينية له سقف وحدود، على العكس من الحاصل عندنا يدار الخلاف بأسلوب الروح والإثارة والاستباحة التى لا تعرف حدودا.
 
لن اختلف على من يقول إن السلفيين فى مصر ليسوا شيئا واحدا، ولكنهم أطياف عدة، منهم العقلاء والمهووسون. لكن أغلب وسائل الإعلام عندنا وكذلك بعض المثقفين المحترمين فضلا عن غير المحترمين بطبيعة الحال تحتفى بالمهووسين الذين صاروا نجوما فى الفضائيات ومتحدثين إلى الصحف اليومية والأسبوعية، التى باتت تتنافس على الإثارة التماسا لزيادة التوزيع وممارسة لهواية الدس والوقيعة لأسباب ليست كافية. والضحية فى نهاية المطاف هو المواطن العادى والبرىء الذى أصابه مس من الحمق من كثرة ما رددوا على أسماعه كلام الحمقى. حتى المتدينين أنفسهم أصبحوا فزعين من التدين الذى جاء فى ثنايا الربيع الذى بشِّروا به، الأمر الذى يستدعى السؤال التالى: هل ضاقت الساحة بالعقلاء بحيث لم يعد يسمع لهم صوت؟

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 132 مشاهدة
نشرت فى 31 ديسمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

TAHA GIBBA

TAHAGIBBA
الابتسامة هي اساس العمل في الحياة والحب هو روح الحياة والعمل الصادق شعارنا الدائم في كل ما نعمل فية حتي يتم النجاح وليعلم الجميع ان الاتحاد قوة والنجاح لا ياتي من فراغ »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

586,509

السلام عليكم ورحمة الله وبركات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته