الاخبار والسياسة في مصر والعالم العربي والعالمي

edit

 

 

                           هل نفهم أن الدول النفطية العربية تريد أن تعاقب مصر أو تضغط عليها بسبب ثورة الشعب فى 25 يناير؟ ــ هذا السؤال يفرض نفسه بعد إعلان وزيرة التعاون الدولى أنه خلال الأشهر العشرة الأخيرة فإن جملة ما تلقته مصر من معونات واستثمارات عربية لم يتجاوز مليار دولار، فى حين أنها كانت قد وعدت بثمانية مليارات و200 مليون دولار. علما بأن أحدا لا يستطيع أن يقول بأن تلك الدول «الشقيقة» تعانى من أية أزمة، لأن فوائضها المالية تقدر بما لا يقل عن تريليون و500 مليار دولار. وإحدى هذه الدول التى لم تقدم دولارا واحدا لمصر لها فوائض بحدود 800 مليار دولار، وقد منحها النظام السابق أراضى شاسعة فى مصر، تم شراؤها بعشرات الجنيهات للفدان الواحد، وبيعت بعدة ملايين. 
المعلومات المتوافرة تقول إن المليار دولار التى تلقتها مصر بعد الثورة، نصفها من السعودية ونصفها الثانى من قطر. أما الكويت ودولة الإمارات العربية فقد نقلتا إلى المسئولين المصريين رصيدا لا بأس به من المشاعر الطيبة والدافئة، لكنها لم تترجم إلى مساندة عملية، رمزية أو غير رمزية. والجملة الأخيرة ليست من عندى لكنى سمعتها من مسئول مصرى كبير بعدما التقى نظيرا كويتيا له، كان تلميذا له يوما ما. وحين سألته عن نتيجة اللقاء كان رده على النحو الذى ذكرت.
 
ليس بوسع أحد أن يدعى بأنه لا يعلم بتدهور الوضع الاقتصادى فى مصر بعد الثورة، حيث توقفت السياحة وهربت الاستثمارات وأدى الانفلات الأمنى إلى توقف عجلة الإنتاج. إلى غير ذلك من الأعراض الطبيعية التى تحدث بعد أى ثورة تسقط نظاما وتتطلع إلى إقامة نظام جديد. وليس بوسع أحد أن يدعى أنه لا يعلم بأن البنية الأساسية للصناعة المصرية من الضخامة والقوة بمكان، وأن نقص السيولة النقدية هو الذى يضعف من قدرتها على الانطلاق.
 
لست أشك فى أن وقائع المشهد وتفاصيله معلومة لدى جميع «الأشقاء»، لكنهم يقفون متفرجين على الأزمة الاقتصادية المصرية وهى تشتد يوما بعد يوم، والاحتياطى النقدى للبلاد يتآكل يوما بعد يوم.
 
لا يخفى المرء شعوره بالخزى حين يقرأ أن الرئيس الإسرائيلى شمعون بيريز ناقش مع الرئيس الأمريكى باراك أوباما، كيفية مساعدة مصر اقتصاديا. وسواء كان الخبر الذى نشرته الصحف بهذا الصدد للدعاية والغواية فقط أم أن الرئيس الإسرائىلى كان جادا فى مسعاه، فإن أول ما يخطر على بال المرء حين يقرؤه السؤال التالى: لماذا لم تفكر الدول «الشقيقة» فى مناقشة الموضوع فيما بينها؟
 
لقد رأينا دول الاتحاد الأوروبى وهى تجتمع لبحث الأزمة الاقتصادية فى مسئولية اليونان وفى إيطاليا، لكننا لم نسمع أن محفلا عربيا على أى مستوى حاول أن يناقش الدور العربى فى مواجهة الأزمة الاقتصادية المصرية. ليس فى بالى أن أشير إلى ما قدمته مصر إلى «الأشقاء»، لأننى أزعم أن ذلك كان واجبا أدته إزاء اشقائها. لكننى لا أجد غضاضة فى التذكير بأن «الشقيقة الكبرى» لها حقوق على الآخرين تختبر فى أوقات الأزمات، ذلك أنه إذا قيل إن الصديق يعرف فى وقت الضيق. فإن الشقيق أولى بذلك وأجدر.
 
أدرى أن بعض الدول النفطية لم تكن سعيدة بالثورة المصرية. ومنها من منع الاشارة إلى الموضوع فى وسائل الإعلام المحلية والرسمية، حتى إن إحدى الصحف الخليجية التى تنشر مقالاتى الأسبوعية منذ عشرين عاما أضطرت إلى الامتناع عن نشر كل ما كتبته فى الموضوع خلال الأشهر الماضية. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن أوضاع العاملين المصريين فى تلك البلدان تأثرت بحالة عدم الرضى، فأنهيت عقود البعض وجرى التضييق على المصريين فى التعيينات وتأشيرات الدخول.
 
لم أفهم لماذا يعاقب الشعب المصرى على ثورته على الفساد الذى حل بالبلد وبالظلم الذى عانى منه. ولماذا يؤثر البعض أن يتعاملوا مع نظام فاسد ومستبد، فى حين يعرض عن مساندة الشرفاء والأحرار الذين ثاروا على ذلك النظام. قيل فى ذلك أيضا أن عددا من رعايا بعض الدول الخليجية ــ لا يزيدون على أصابع اليد الواحدة ــ لوحقوا قضائيا فى مصر بعد الثورة، لسبب أو آخر. لكننى أتصور أن العلاقات الاستراتيجية بين الأشقاء لا ينبغى أن تتأثر بمثل هذه الأمور، علما بأنها ليست مستعصية على التسوية.
 
ما يحيرنى فى الأمر أن الجامعة العربية فرضت بعض العقوبات الاقتصادية على سوريا فى حين لم تلاحظ أن فى مصر أزمة اقتصادية تتطلب القيام «بواجب ما». وعندما حاولت تفسير التقاعس عن أداء ذلك الواجب سمعت صوتا للنفس الأمارة بالسوء يقول إن تلك كانت حدود التعليمات التى صدرت من «أولى الأمر»، وحين قرأت فى صحيفة «الأهرام» يوم أمس (الثلاثاء 13/12) أن مستثمرين إيرانيين سينفذون مشروعات بالصعيد بقيمة خمسة مليارات جنيه، فإننى لم أستغرب ذلك لأن إيران دولة تمردت على التعليمات منذ انطلاق ثورتها.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 97 مشاهدة
نشرت فى 14 ديسمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

 

 

                            لم نعد بحاجة إلى ثورة مضادة لإجهاض ثورة 25 يناير، فالذى نفعله بأنفسنا كفيل بتحقيق ما يصبو إليه الأولون، ذلك أنه إذا كان خصمك مقدما على الانتحار فمن الحماقة أن تسعى لقتله. 
 (1) 
ما يحدث فى مصر الآن نموذج فادح لخلط الأوراق، ودرس بليغ فى التفتيت والتمزيق وإهدار الطاقات. آية ذلك مثلا أن الثورة التى رفعت فى البدايات شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، كادت تنسى كل ذلك أو انحرفت عنه، وباتت أهم المفردات التى تتردد فى فضائها الإعلامى والسياسى هى: السلفية والكفار والمايوهات البكينى! ــ وكما فرض الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش على العالم أولوية مكافحة خطر الإرهاب أو الإسلام القتالى فى أوائل العقد الفائت، فإن خطابنا الإعلامى على الأقل نجح فى تعبئة المصريين وشحنهم ضد خطر ما سمى بالإسلام السياسى، وأعانهم السلفيون على ذلك عن غير قصد حين قدموا لهم ــ بدأب مدهش ــ كل خامات الرسائل المنفرة والمفخخة التى روعت الناس وأشاعت بينهم درجات مختلفة من الخوف والقلق.
 
 بشكل مواز مع الجهد المبذول للتخويف والترويع، شهدنا إصرارا مدهشا أيضا على تمزيق صفوف الجماعة الوطنية وتشتيتها، لتصبح معسكرات متقاطعة ومتحاربة، لا يمد أحد فيها يده إلى الآخر، وإنما يتسلح كل واحد بخنجر ليطعن به الآخر.
 
ثمة إصرار على تحويل الخلاف السياسى إلى صراع على الهويات، يضع الإسلامين فى جانب ويضع العلمانيين والأقباط فى معسكر الضد. ويحاصر الأولين فى قفص الدولة الدينية بكل الشرور التى ارتبطت بها فى الخبرة الغربية. فى حين يجعل الآخرين الوكلاء الحصريون للقيم المدنية والحداثة والديمقراطية والليبرالية.
 
حتى حين كتب مثقف بارز بوزن وحجم المستشار طارق البشرى دراسة أزال فيها التعارض المفتعل بين الدولة المدنية والمرجعية الإسلامية، فى محاولة لإقامة مصالحة رصينة بين القيمتين، فإن بعض المثقفين لم يعجبهم ذلك، فرفضوا المصالحة وأصروا على المفاصلة. رغم أن للرجل تاريخا حافلا بالدفاع عن تماسك لحمة الجماعة الوطنية، وله اجتهاداته المنيرة فى توثيق العرى بين المسلمين والأقباط بوجه أخص.
 
من جانبى كنت اعتبر نفسى أحد المسلمين المدافعين عن الحداثة والديمقراطية والمجتمع المدنى، ولى فى ذلك كتب ومقالات منشورة خلال العقود الثلاثة الماضية، إلا أننى فوجئت فى الآونة الأخيرة بدعاة المفاصلة يصرون على استحالة اجتماع تلك القيم مع بعضها البعض، بحيث يتعين على خلق الله الأسوياء أن يختاروا بين الولاء لدينهم أو الانخراط فى صفوف الحداثيين والديمقراطيين. وهو موقف أثار حيرتى، حتى قلت إننا إذا كنا متفقين حول الحداثة والديمقراطية ومدنية المجتمع. فمصدر الخلاف إما أن يكون حول ما تعنيه تلك المصطلحات أو أن يكون حول الإسلام ذاته دينا ودورا.
 
 (2) 
طوال الأسابيع الماضية ظل الاحتراب الداخلى والتراشق بين أطراف اللعبة هو الشاغل الرئيسى للنخبة ومنابر الإعلام، ولم يتذكر هؤلاء أن ثمة ثورة لم تحقق أهدافها، وأن هناك تحديات يتعين على الجميع الاحتشاد لمواجهتها. وتباينت أصداء هذا المشهد فى الخارج. إذ قرأنا تندرا واستخفافا من بعض كتاب الصحف العربية اللندنية بوجه أخص. الذين ما برحوا يتساءلون قائلين: أهذا هو الربيع العربى الذى بشرتمونا به؟. وتحدث معلقون غربيون عن أن مصر والعالم العربى ليسوا من المؤهلين للديمقراطية. ونشرت الصحف الإسرائيلية تعليقات لعدد غير قليل من الكتاب فرقت بين ما هو تكتيكى وما هو استراتيجى. وقال أولئك الكتاب أنه فى المدى القصير (التكتيكى) فإن الوضع فى مصر ليس مقلقا، لكن التحول الحقيقى يمكن أن يحدث على المدى البعيد، خصوصا إذا كان للإسلاميين دور فى الحكم أو مشاركة قوية فى البرلمان. لذلك فإنهم يعتبرون الخطر استراتيجيا وليس تكتيكيا أو مرحليا.
 
أثار انتباهى فى هذا الشق الأخير أن ارتياح إسرائيل إزاء الوضع المستجد فى مصر وصل إلى حد مطالبة الولايات المتحدة بضرورة العمل على إبقاء المشير محمد حسين طنطاوى والمجلس العسكرى فى السلطة والضغط لعدم تسليمها إلى المدنيين. عبر عن ذلك بشكل صريح تقرير نشرته صحيفة «معاريف» واحتل العناوين الرئيسية للصفحة الأولى التى كانت كالتالى: إسرائيل تحذر الولايات المتحدة من مغبة إضعاف طنطاوى ــ إسرائيل للعالم: يجب الحفاظ على طنطاوى.
 
من الإشارات المهمة فى تقرير إيلى برندشتاين وعميت كوهين المنشور فى 28/11 ما يلى:
 
ــ إن وزارة الخارجية الإسرائيلية نقلت فى الآونة الأخيرة إلى العواصم المركزية فى أوروبا وكذلك واشنطون رسالة تقول إنه يجب الحفاظ على المشير طنطاوى والامتناع عن كل ما من شأنه إضعاف صلاحياته وصلاحيات المجلس العسكرى الحاكم فى مصر.
 
ــ وجهت محافل سياسية رفيعة المستوى فى إسرائيل انتقادا حادا ضد البيت الأبيض، الذى كان قد دعا إلى نقل صلاحيات المجلس العسكرى إلى حكومة مدنية فى أقرب وقت. وقال مصدر سياسى كبير إن الولايات المتحدة تكرر خطأها منذ عهد الثورة الأول، حين دعت مبارك إلى ترك الحكم. وهو ما من شأنه ان يضعف ثقة الحلفاء العرب فى السياسة الأمريكية إزاء الشرق الأوسط.
 
ــ السياسة المركزية لوزارة الخارجية التى تم الاتفاق عليها فى أعلى المستويات بالوزارة هى الامتناع عن ممارسة أية ضغوط على الجيش المصرى لنقل الصلاحيات إلى حكم مدنى. وفى إطار هذه السياسة قررت إسرائيل الامتناع عن خطوة كان من شأنها إشعال النار فى الشرق الأوسط. فقد أمر رئيس الوزراء نتنياهو بلدية القدس بأن تؤجل لأسبوع هدم جسر المغاربة الذى يربط بين حائط البراق (المبكى) والحرم. وكان قرار الهدم قد صدر من قبل ولكن رسائل تحذير مصرية تلقتها إسرائيل من مصر والأردن أفادت بأن هذه الخطوة يمكن أن تؤجج نار الغضب فى القاهرة وعمان، والمظاهرات فى البلدين جاهزة لذلك.
 
 (3) 
حين التقى رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكى جون كيرى قيادات حزب الحرية والعدالة فى القاهرة مساء السبت الماضى 10/12 كان السؤال الأساسى هو: ما موقفكم من معاهدة السلام مع إسرائيل؟. وكان الرد الذى سمعه أن الحزب مع احترام الدولة لمعاهداتها مع الدول الأخرى، ولكن المعاهدات ليست أبدية، واستمرارها مرهون بوفاء أطرافها بالتزاماتهم المتبادلة، كما أن للدولة عبر مؤسساتها الشرعية أن تعيد النظر فيها بما يخدم مصالحها العليا.
 
كنت قد ذكرت من قبل أن السيد كيرى أوفد فريقا من مساعديه فى مهمة مماثلة إلى تونس، للتعرف على موقف حركة النهضة من إسرائيل، بعد فوز حزبها بأعلى الأصوات فى انتخابات المجلس التأسيسى. وإن كان العرض مختلفا، لأن الوفد تحدث عن رغبة بعض الإسرائيليين فى استثمار أموالهم فى تونس. ولأنه لا توجد اتفاقات أو معاهدات رسمية بين البلدين حتى الآن، فإن ممثلى النهضة ردوا بأن هذا الموضوع لا يمثل أولوية الآن. وأن الحكومة الجديدة معنية بالوضع الداخلى وكل تركيزها منصب بالدرجة الأولى على إنجاح التجربة الديمقراطية فى البلد.
 
إذا لاحظت أن السيد كيرى جاء بنفسه إلى القاهرة لتحرى الأمر رغم أن الانتخابات لم تنته، وأنه أرسل مساعديه إلى تونس رغم أن انتخاب الجمعية التأسيسية تم ومعالم خريطة القوى السياسية قد استبانت، فلعلك تتفق معى فى أن تلك قرينة دالة على الأهمية الخاصة التى يمثلها الملف الإسرائيلى فى قراءة واشنطن للتحول الحاصل فى مصر. وكنت قد قلت فى محاضرة بتونس مؤخرا إن نجاح التجربة الديمقراطية فى تونس يمكن أن يحتمل ويمر فى الحسابات الأمريكية، لكن الأمر أكثر تعقيدا فى مصر بسبب معاهدة «السلام» وكونها فى الخط الأول فى المواجهة مع إسرائيل.
 
هذا الموضوع لا يزال محل حوار ممزوج بالخوف والقلق ولم يتوقف فى إسرائيل منذ أسقطت الثورة الرئيس السابق (كنزها الاستراتيجى!) فى العاشر من فبراير الماضى. لكن ذلك الحوار اتسم بالسخونة قبل نحو أسبوعين حين أعلن وزير الدفاع السابق وعضو الكنيست حاليا بنيامين بن أليعازر أنه يتوقع مواجهة عسكرية مع مصر. وقد ذكرت صحيفة «إسرائيل اليوم» فى 2/12 أن تل أبيب تلقت احتجاجا مصريا على هذه التصريحات، التى أغضبت أجهزة الأمن الإسرائيلية التى تعتبر الموضوع بالغ الدقة والحساسية.
 
نقلت الصحيفة على لسان بن أليعازر قوله إنه يعلم بأن مصر تعد التالية فى الأهمية بالنسبة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، وأنه شخصيا أسهم من خلال علاقته الخاصة بمبارك فى تعزيز العلاقات بين البلدين، لكن الأوضاع تغيرت، ولا أحد يعرف شيئا عن القيادة القادمة فى مصر. لذلك يجب أن نفتح الأعين جيدا حتى لا نفاجأ بشىء فى المستقبل.
 
 (4) 
لم يعد سرا أن الولايات المتحدة وإسرائيل ومعهما بعض الدول العربية «الشقيقة» لا يريدون لمصر أن تخرج من عباءة نظام مبارك، فى السياسة الخارجية عن الحد الأدنى. فى حين أن إسقاط ذلك النظام كان ولا يزال المطلب الأول للثورة. وإذا أضفت إلى ذلك أن مصر تواجه تحديات داخلية أخرى تتمثل فى ضبط الأمن وتدهور الوضع الاقتصادى، وتحقيق العدالة الاجتماعية. فإن ذلك يدلل على مدى السخف والعبث الذى ورطنا فيه الذين يملأون الفضاء المصرى بالضجيج واللغط والخناق حول أزياء النساء ومايوهات البحر والملاهى الليلية وغير ذلك من الأمور التى لا علاقة لها سواء بتحديات البلد أو هموم الناس، الأمر الذى يمثل شهادة فاضحة على مدى الخلل الذى أصاب ترتيب الأولويات.
 
الأخطر مما سبق هو ذلك الاستقطاب القبيح الذى مزق الجماعة الوطنية إلى معسكرين متحاربين بين إسلاميين فى جانب وعلمانيين وأقباط فى جانب آخر، الأمر الذى حول التنافس بينهما إلى صراع هويات وليس صراعا بين سياسات. وهى المعركة البائسة التى اندفع فيها الغلاة والمهووسون الذين ظلوا عبئا على الثورة وعلى الوطن.
 
لا أستطيع أن أحمل المجلس العسكرى بالمسئولية عن ذلك التشتت أو التلوث الذى أصاب الحياة السياسية فى مصر، وإن كنت أزعم أن من شأن ذلك تسويغ إطالة مدة بقاء المجلس فى السلطة. ولا أستطيع أن اتهم «الفلول» بأنهم وراء ذلك العبث، بعدما تبين أن المجتمع عزلهم فى الانتخابات وأننا اكتشفنا أنهم لم يكونوا سوى «خيال مآتة» أو نمور من ورق. لكننى لا أستطيع أن أعفى من المسئولية طرفين هما النخب السياسية التى أسهمت بشكل أساسى فى خلط الأوراق، والأبواق الإعلامية التى عممت التلوث وأسهمت فى إفساد الإدراك العام. وقد بذل هؤلاء وهؤلاء طيلة الأشهر العشرة الماضية جهدا مشهودا يستحقون الشكر عليه من القابعين فى سجن طرة، لأنهم قدموا للثورة المضادة خدمات جليلة لا تقدر بثمن.

 

 

  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 135 مشاهدة

 

 

                                                                                            هذان اكتشافان جديران بالحفاوة والتسجيل. الأول أن فى مصر أناسا يصرون على أخذ حقهم من الحكومة، والثانى أن المواطن المصرى أصبح له ثمن. ذلك أننا اعتدنا أن نتعامل مع الحكومة باعتبارها الطرف الذى لا يقهر، وأن كلمة «القاهرة» التى سميت بها العاصمة، أصبحت تصف علاقة السلطة بالمجتمع. ولئن قيل إنها قاهرة للأعادى ومقبرة للغزاة، فذلك قد ينطبق على مراحل التاريخ فى عصور مضت، لأنها انتهت قاهرة للشعب المصرى الذى انتفض أخيرا وأعلن رفضه للقهر. 
الاكتشاف الثانى غير مألوف بدوره. ذلك أنه طوال العهود التى عانى فيها المصريون من القهر ظل المواطن معدوم القيمة. وظل حكامه يتصرفون فى مصيره، وكأن ما بينهم وبين الناس عقد ملكية وليس عقد وكالة، بمعنى أنهم يملكون الناس وليسوا وكلاء عنهم. وفى ظل الملكية لا قيمة للفرد مادام أن هناك غيره. ولأن المصريين لا يكفون عن التناسل، فإذا غاب واحد فإن ذلك لا يغير شيئا من الواقع، لأن هناك عشرة يمكن أن يحلوا محله، علما بأن المصريين يتزايدون بمعدل مليون شخص كل عام. (نحو ثلاثة آلاف شخص كل يوم!). وهى خلفية تبرر شعورنا بالدهشة حين نجد أن اختفاء المواطن أصبح أمرا يستحق التوقف والاهتمام، وإذا كانت السلطة طرفا فى المسئولية عن الاختفاء، فينبغى أن تتحمل الغرم الناشئ عن ذلك، وتعوض أهله عن فقده.
 
وهو أمر جديد تماما. ما كان لنا أن نشهده إلا بعد ثورة 25 يناير.
 
ما دعانى إلى الاستفاضة فى هذه المقدمة أننى قرأت فى جريدة الأهرام يوم الجمعة الماضى 9/12 خبرا نصه كما يلى: فى سابقة لم تعهدها مصر، أصدرت محكمة استئناف الإسكندرية حكما يلزم محافظ الثغر بدفع تعويض قيمته ١٠٠ ألف جنيه لأسرة مصطاف غرق الصيف الماضى على شاطئ سيدى بشر، بسبب خلو الشاطئ العام من أدوات الإنقاذ اللازمة. فضلا عن عدم وجود نقطة إسعاف فى المكان، وكانت محكمة الإسكندرية الابتدائية قد قضت بالزام المحافظ بصفته الوظيفية بدفع التعويض السابق، وأيدتها فى ذلك محكمة الاستئناف.
 
وكانت التحقيقات التى جرت فى الحادث قد أثبتت أن رواد الشاطئ حاولوا إنقاذ الضحية واسمه محمود عبدالغفار بعد أن جرفه التيار، غير أن محاولاتهم باءت بالفشل، نظرا لعدم وجود معدات الإنقاذ المساعدة. وهو ما يتحمل مسئوليته المحافظ بحكم منصبه. وقد أرسى الحكم مبدأ غاية فى الأهمية طالما افتقده المواطن العادى، هو أن حياة المصرى ليست رخيصة، وإن على المخطئ أن يتحمل تبعات عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على أرواح رواد الأماكن العامة.
 
صحيح أن الخبر عادى جدا فى الدول الديمقراطية، التى للمواطن فيها قيمته والسلطة خادمة له وتعيش من الضرائب التى يدفعها. صحيح أيضا أن الناس وكل مخلوقات الله كان لهم شأنهم المقدر فى بواكير التجربة الإسلامية، حتى خشى الخليفة عمر بن الخطاب أن يحاسبه الله يوم القيامة إذا ما قصر فى حق البغلة إذا عثرت فى العراق، وحتى إذا ما حدث أحدهم الخليفة معاوية بن أبى سفيان ووصفه بأنه «أجير» استأجره الله كى يقوم على مصالح المسلمين. إلا أننا انفصلنا عن كل ذلك. فلا نحن من الدول الديمقراطية. ولا عاشت معنا قيم تلك العهود الزاهرة فى الخبرة الإسلامية.
 
فرحت حين وجدت أهل المواطن الذى غرق أصروا على أن يقاضوا الحكومة، وأن يختصموا محافظ الثغر باعتبار أنه مسئول بحكم وظيفته عن توفير معدات الانقاذ المساعدة للمصطافين. وبالتالى فإنه يجب أن يحاسب على ذلك التقصير لأن ما جرى يحمله بالمسئولية الأدبية، رغم أن المسئولية الوظيفية المباشرة من نصيب غيره المكلفين برعاية الشواطئ.
 
فرحت أيضا لأن محكمة الإسكندرية الابتدائية أدانت المحافظ وألزمته بدفع تعويض لأسرة المواطن الذى غرق. وشعرت بنشوة حين قرأت العبارة التى وردت فى الحكم وذكرت أن حياة المواطن المصرى ليست رخيصة. وهو ما اعتبرته «خبرا» جديدا نسمع به لأول مرة منذ سنين عدة، كما فرحت لأن محكمة الاستئناف أيدت الحكم بالغرامة، وتضامنت مع رأى المحكمة الابتدائية فيما ذهبت إليه.
 
أدرى أن نصوص القانون تضمن للمواطنين كل ذلك، لكن الذى حدث أن أزمنة القهر جعلت الناس يتهيبون محاسبة السلطة على تقصيرها فى حقهم، ناهيك عن أن السلطة والقائمين عليها ظلوا يعتبرون أنفسهم فوق الحساب والمساءلة. وكانت النتيجة أن جرائم كثيرة ارتكبتها مؤسسات السلطة بحق الناس ولم يعوضوا عما أصابهم، من حوادث احتراق القطارات إلى الجرائم التى وقعت فى ميدان التحرير. والأخيرة كان ينبغى أن يحاسب عليها وزير الداخلية لأن أجهزته إما اعتدت على المتظاهرين أو أنها قصَّرت فى تأمينهم والقيام بواجب حمايتهم.
 
لو أن كل مواطن أثبت أنه تعرض للضرر أو الظلم جراء تقصير من السلطة وخاصم أمام القضاء أكبر رأس فى الجهاز الذى قصر فى حقه أو ظلمه فإن ذلك سيعد ميلادا لمواطن مصرى جديد يدرك أن كرامته ينبغى ألا تستباح فضلا عن أن حياته ليست رخيصة.

 

 

  • Currently 4/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 216 مشاهدة

 

                                                                                  أبدى خطيب الجمعة دهشته واستنكاره للضجيج الإعلامى المثار هذه الأيام حول ارتداء المايوهات وأوضاع الحانات والملاهى الليلية وأزياء السيدات وشواطئ العراة، ثم قال: هل يعقل أن تكون هذه هى موضوعات المناقشة فى بلد استجمع قواه وأسقط الاستبداد، وبدأ يتطلع إلى إقامة نظام ديمقراطى جديد، ثم اكتشف أن عليه أن يواجه قائمة طويلة من التحديات الجسام التى تتراوح بين تركة الفساد وتدهور الاقتصاد والانفلات الأمنى وانتشار البطالة وصولا إلى مشكلة النقص فى أنابيب البوتاجاز وتكدس القمامة فى الشوارع. أضاف الرجل أنه من الغريب والمريب أن يترك الإعلام والمثقفون كل تلك المشكلات الحياتية والمصيرية ليشغلوا الناس بالمايوهات والملاهى الليلية. وبدلا من أن يحثوا الناس على الاحتشاد واستجماع القوى لأجل استعادة المجتمع لعافيته وانطلاقه لبناء المستقبل الذى يليق به. فإن الإعلاميين والمثقفين يلحون على تشتيته وإشغاله بأمور لا تشكل أى أولوية فى حياة المواطن العادى، وهو الذى ثار وخرج إلى الشارع دفاعا عن حريته وكرامته واحتجاجا على الظلم الذى عانى منه طويلا. وما خطر ببال أى من الذين ثاروا أن يكون طرفا فى مناقشة حول المايوهات وملاهى شارع الهرم.
رفع الخطيب صوته عاليا وهو ينظر إلينا وكأنه يتهمنا بالضلوع فيما يستنكره. ثم قال: ألا يوجد فى البلد عقل رشيد يرتب الأولويات ويميز بين الأهم والمهم وبين الكليات والفرعيات، وبين ما هو ضرورى وما هو ثانوى؟ ثم عرض علينا اجتهادات فقهاء الأصول فى التفرقة بين ما هو ضرورى لاستمرار الحياة، وما هو مفيد للحياة ولكنه ليس ضروريا أو لازما، وبين ما هو كمالى به تتحسن الحياة وبغيره لا تتوقف عجلتها. ثم ختم كلامه بالدعوة إلى الإفاقة والرشد وبالدعاء إلى الله أن يلطف بنا فيما نزل، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
كانت تلك من المرات القليلة التى ينشرح فيها صدرى لسماع خطبة الجمعة، ولا أعرف إن كان تطرق الخطيب إلى الموضوع الذى أثاره جاء بناء على تعليمات صدرت إليه هو وغيره من خطباء مساجد الأوقاف، أو أنها كانت بمبادرة شخصية منه. لكننى لا أخفى أنه مس عندى وترا حساسا، وقال كلاما تمنيت أن يتردد بصوت عال فى الفضاء المصرى، خصوصا فى الوقت الراهن الذى أصيب فيه نفر غير قليل من الإعلاميين والمثقفين بلوثة أفقدتهم توازنهم وأنستهم أن فى البلد ثورة أعادت للناس حلمهم، وأن جهد الجميع يجب أن ينصب على كيفية تنزيل ذلك الحلم على الأرض.
لا أستبعد أن تكون حالتى النفسية يوم الجمعة قد أسهمت فى حفاوتى بخطبة إمام المسجد، ذلك أننى كنت قد تابعت مساء الخميس حوارا تليفزيونيا مع القيادى السلفى الذى كان قد سقط لتوه فى انتخابات الإعادة بعدما عاقبه المجتمع على تصريحاته الخرقاء التى يسوّد فيها عيشتنا فاعتبر الديمقراطية كفرا ولم ير فى حياتنا وسلوكنا سوى المنكرات والفواحش. وكان ظنى أن عقاب المجتمع له كفيل بطى صفحته. ومن ثم تجاوزه والانتقال إلى ما هو نافع ومفيد فى حياة الناس ومسيرة الثورة. لكننى فوجئت فى ذلك المساء بأن إحدى القنوات خصصت له برنامجا أعاد فيه كل مقولاته الفجة. ولم يقصر مقدم البرنامج فى استنطاقه واستدراجه، لاستفزاز المشاهدين وتجديد نفورهم من الكلام وصاحبه. وهو ما دعانى إلى القول بأن إعادة تسليط الأضواء على الرجل تعد تصرفا غير مسئول لا يراد به سوى تأجيج المشاعر والإثارة.
صبيحة الجمعة قرأت مقالة لرئيس اتحاد الكتاب المصريين قال فيها ما يلى: لماذا لا نجرب قطع الأيدى ورجم الأحياء؟ لماذا لا نجرب فرض النقاب على كل النساء كما يحدث فى أفغانستان؟... ولماذا لا نغلق الشواطئ والفنادق والمنتجعات ونلقى القبض على السائحات اللاتى يرتدين المايوه؟ كما صرح الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل الذى يعتبر خير متحدث باسم الإسلام الصحيح. لماذا لا نجرب تحريم الموسيقى وإغلاق مدارس الفتيات؟ لماذا لا نجرب حظر قيادة النساء للسيارات، ولا نسمح لهن باستخدام الانترنت إلا فى وجود محرم كما دعا أحد الشيوخ العارفين بأصول الدين؟ لماذا لا نحطم تلك الأصنام القبيحة التى تركها المصريون القدماء؟، التى سها عمر بن العاص أن يحطمها حين فتح مصر؟...إلخ.
على هذا المنوال مضى الكاتب، الذى فهمت أنه يسخر من الإخوان المسلمين والسلفيين، الذين خصهم بالذكر فى مستهل مقالته. لكننى وجدت فى النص دعوة إلى الكآبة والغم لم يخرجنى منها سوى كلام خطيب الجمعة. وحين قارنت ما شاهدت وقرأت بما سمعته من ذلك الخطيب قلت إن ذلك يجسد الفرق بين الهزل والجد، وبين العبث والمسئولية.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 111 مشاهدة
نشرت فى 11 ديسمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

 

اكتشفنا أخيرا أن مجلس الشعب القادم ليس ممثلا للشعب.. والفضل فى ذلك الاكتشاف المفاجئ يرجع للواء مختار الملا عضو المجلس العسكرى، الذى لم يرد أن يصدمنا بهذه المعلومة فسرَّبها إلى مجموعة من الصحفيين الأجانب «واحد بريطانى وستة من الأمريكيين»، وخرج هؤلاء من لقائه لينقلوا إلى العالم الخارجى الخبر قائلين بأن قبضة المجلس العسكرى على الحياة السياسية فى مصر سوف تستمر رغم الانتخابات التى ذكر اللواء الملا أن نتائجها لم تمثل الشعب، وأن الدستور الذى سيوضع سيتحكم المجلس العسكرى فى تشكيله وفى مشروعه الذى يفترض أن يطرح للاستفتاء، الأمر الذى يعنى أننا بصدد تشكيل مجلس افتراضى ليس مؤهلا لشىء. 
ليس معروفا ما إذا كان هذا الكلام يعبر عن الرأى الشخصى للواء المذكور، أم أنه يعبر عن رأى المجلس العسكرى، وأرجح الاحتمال الأخير لأن المجلس إذا لم يكن مؤيدا لهذه الفكرة فقد كان بوسعه أن يسارع إلى تصحيحها، وهو ما لم يحدث، لكن الذى أعرفه أن اللواء الملا أهاننا بكلامه أربع مرات. مرة لأنه عبر عن احتقاره للجماهير التى صوتت فى الانتخابات، ومرة لأنه تعامل مع النتائج باستعلاء لا يليق برجل فى مثل موقعه، ومرة ثالثة لأنه أعلن على الملأ عدم احترامه للإرادة الشعبية. ومرة رابعة لأنه لم يشأ أن يحدث المصريين بذلك، فخاطب الأمريكيين والإنجليز، ومنهم عرفنا أن المجلس لم يأخذ الانتخابات ولا نتائجها على محمل الجد، وإنما اعتبرها لعبة جرى إلهاء الشعب بها، إدراكا منه بأنها بلا قيمة أو جدوى.
 
كان يمكن أن نطعن فى مجلس الشعب ولا نعير الانتخابات اهتماما لو أنها زورت وجرى التلاعب فى نتائجها. ولكن أما وأنها تمت بحرية ونزاهة تحمد للمجلس العسكرى، فإن نتائجها ينبغى أن تؤخذ على محمل الجد، حتى وإن لم تعجب البعض. وفى هذه الحالة فإن شرعية المجلس الذى تسفر عنه الانتخابات لا سبيل إلى الانتقاص منها أو تجاهلها. وإذا جاز لنا أن نتصارح أكثر فإننى أزعم أن شرعية المجلس فى هذه الحالة تفوق بكثير شرعية المجلس العسكرى ذاته. إذ بوسع أعضاء مجلس الشعب أن يتحدَّوا الجميع مستندين إلى أن الشعب اختارهم بإرادته الحرة. وهو ما لم يتوفر للمجلس العسكرى مع الاحترام لكل أعضائه. وإذ يشكر لهم ويقدر موقفهم الذى انحازوا فيه إلى إرادة الشعب. لكن أحدا لا يستطيع أن يدعى بأنهم يمثلون الشعب، علما بأن شرعيتهم جميعا لا تتجاوز حدود اللحظة التاريخية التى أصدروا فيها بيانهم الأول الذى صدر فى العاشر من شهر فبراير الماضى، لو أعلنوا فيه تضامنهم مع مطالب الشعب المشروعة، بل أزعم أن شرعية اللحظة التاريخية والأمر الواقع التى تبدَّت آنذاك، لم تستمر طويلا، لأنها تأكلت بمضى الوقت حتى أصبحت فى أدنى مستوياتها فى الوقت الراهن. وشاءت المقادير أن يتزامن ذلك التآكل مع بروز مقدمات الشرعية الحقيقية البديلة، الممثلة فى بدء تشكيل مجلس الشعب بإرادة الشعب الحرة.
 
إن تصريحات اللواء مختار الملا للصحفيين الأجانب لا تمثل خطأ دستوريا وسياسيا فحسب، ولكنها تعد خطأ أخلاقيا أيضا. لأنه يكاد يقول لنا بصريح العبارة إن الشعب أساء الاختيار وإن ذلك الاختيار دال على أنه ليس مؤهلا بعد للممارسة الديمقراطية. وهو ذاته الكلام الذى ردده مبعوثو سلطة الاحتلال البريطانى فى أواخر القرن التاسع عشر. إذ تذكر المراجع التاريخية أنه عقب الاحتلال البريطانى عين اللورد كرومر قنصلا عاما لمصر فى سنة 1883، وجاء معه آنذاك، السفير البريطانى فى إسطنبول اللورد دوفرين، الذى كلف بوضع نظام حُكم مصر، وقال آنذاك: لا يستطيع أحد أن يدعى أن مصر وصلت إلى درجة من الوعى والنضج تمكنها من إقامة حكومة ديمقراطية صحيحة. وهى عبارة تكاد تكون مطابقة لما قاله اللواء الملا، الذى أخبرنا بدوره أنه لا يستطيع أحد أن يدعى بأن الإرادة الشعبية التى عبرت عنها الانتخابات يمكن أن تقيم مجلسا حقيقيا يمثل إرادة الشعب.
 
مما له دلالته فى هذا السياق أيضا أنه بعد إعلان استقلال مصر رسميا عام 1922، فإن السلطان فؤاد (الملك لاحقا) كلف وزارة عبدالخالق ثروت باشا بتشكيل لجنة لوضع دستور البلاد ضمت 30 عضوبا (نفس عدد المجلس الاستشارى الذى عينه المجلس العسكرى مؤخرا!)، لكن حزب الوفد عارضها بشدة وأعلن أن الدستور يجب أن تضعه هيئة تأسيسية ينتخبها الشعب، ووصفها سعد باشا زغلول آنذاك بأنها «لجنة الأشقياء».
 
القصة لها ذيول وتفصيلات كثيرة، لكنى أرى فيها الكثير مما نطالعه الآن فى ممارسات المجلس العسكرى، حتى أخشى أن يستعير أحد أعضائه عبارة سعد زغلول ليصب جام غضبه على مجلس الشعب القادم، ويسميه «مجلس الأشقياء». وأشدد على أننى أتحدث عن مجلس الشعب، راجيا ألا يلتبس الأمر على أحد، أو يُؤَوِّله أحد الخبثاء.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 76 مشاهدة
نشرت فى 10 ديسمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

 

لا أخفى شعورا بالارتياح إزاء سقوط ممثل الدعوة السلفية فى الإسكندرية، المهندس عبدالمنعم الشحات فى انتخابات الإعادة، وأعتبر ذلك السقوط رسالة وجهها المجتمع إليه، ينبغى أن يقرأها جيدا هو وأمثاله من غلاة السلفيين الذين لم يكفوا عن تخويف الناس بالإساءة إلى الدين والدنيا. حتى إننى قلت حين سمعت بالنتيجة إن الخبر فيها ليس من الذى نجح، وإنما الخبر الحقيقى أن الرجل رسب ولم ينجح.
لا أعرف المهندس الشحات لكننى كلما سمعته أو تابعت كلامه فى وسائل الإعلام أحسست بأنه يوجه إلىَّ إهانة شخصية، باعتبارى أحد الباحثين ذوى الصلة بالشأن الإسلامى. وحين علمت بنتائج الفرز فى جولة الانتخابات الثانية بدائرة النزهة بالإسكندرية، قلت إن إعراض الناخبين عنه بمثابة تصويت عقابى له، جراء أحاديثه التى دأب على إطلاقها خصوصا فى الفترة الأخيرة، وهذه قصة تستحق أن تروى.
فى جولة الانتخابات الأولى حصل المهندس الشحات على نحو 191 ألفا و675 صوتا، أما منافسه المحامى المستقل حسنى دويدار الذى أيده الإخوان فقد حصل على 144 ألفا و296 صوتا. كان الرجل قد عرف بالتشدد منذ كان طالبا جامعيا، وقد عرفناه حين قدمته لنا الفضائيات وتنافست بعض الصحف فى تسليط الأضواء عليه لشذوذ آرائه التى تعد صيدا ثمينا للراغبين فى الاصطياد والإثارة.
 وكان ذلك أوضح ما يكون حين استضافه أحد مقدمى البرامج الشعبوية وأغرقه فى بحر من الأسئلة التى تدور كلها حول آرائه فى الحياة الخاصة للناس، اللبس والخلع والحجاب والنقاب والمايوهات والكباريهات والخمر والميسر واللهو... الخ. وجاءت إجابات صاحبنا كلها بالسلب. حتى بدا وكأنه يريد أن يقلب كل شىء فى المجتمع، بغير تدرج أو ترفق أو رحمة. لم يسأله مقدم البرنامج عن شىء مما يهم جماهير الناس، مثل البطالة أو التعليم أو الصحة أو التنمية لكنه حاصره فى مشكلات النخبة واهتمامات الطبقات العليا. وهى الاهتمامات التى ما برحت تركز عليها أغلب وسائل الإعلام فى الوقت الحاضر، فى وقت لاحق هاجم الرجل الديمقراطية واعتبرها بدعة، وعاد إلى الحديث عن إطلاق اللحى وإغلاق البنوك ومنع المايوهات. ولم نسمع منه شيئا عما يمكن أن يحقق شيئا فى مصالح خلق الله، وكأنه لا يريد أن يغادر ساحة الممنوعات والمحظورات. ولا ان يعطى الناس أملا فى المباحات أو المندوبات (ما هو مستحب أو مرغوب).

قال لى أحد زملائه ممن تخرجوا معه فى قسم الكمبيوتر بجامعة الإسكندرية إن وسائل الإعلام أوقعت به، وان الرجل الذى لايزال فى الأربعينات من عمره لم يحسن التعبير عن نفسه. لم استبعد ذلك لكننى قلت ان أحدا لم يغصبه على ما قاله وانه استسلم للوقيعة ولم يخيب ظن الذين نصبوا له الفخاخ. وفى السياسة فإن المتحدثين لا يعذرون، لكنهم يحاسبون على ما ينطقون به، بل إنهم قد يحاسبونه على ما يسكتون عنه.

كلام المهندس الشحات أحدث مفعوله السلبى حين أعلن على الملأ. وكانت النتيجة أنه فى الإعادة خسر أكثر من 50 ألف صوت. ذلك أنه حصل هذه المرة على 144 ألفا و296 صوتا، مقابل 191 ألفا و675 صوتا فى الجولة الأولى. أما منافسه الذى كان قد صوت لصالحه نحو 170 ألف شخص فى الجولة الأولى، فإنه حصد فى الجولة الثانية أكثر من 28 ألف صوت إضافية، إذ صوت لصالحه 198 ألفا، وضمن بذلك الفوز فى الدائرة.
سمعت من البعض أن تراجع الإقبال على التصويت فى الجولة الثانية جاء خصما من رصيد المهندس الشحات، لكننى قلت إن ذلك التراجع كان يمكن أن ينسحب أيضا على منافسه، لكن الذين ذهبوا إلى التصويت أعرضوا عن الأول وصوتوا لصالح الثانى، بعدما قدم الشحات نفسه بالصورة السلبية التى عممها الإعلام على الناس.

قلت ان المجتمع عاقب الرجل بالإعراض عنه، وأضيف أن ذلك لم يكن إعراضا عن الشخص بقدر ما كان عزوفا عن التطرف وانحيازا إلى الاعتدال. قلت أيضا إننى شعرت بالارتياح لأنه لم ينجح، وأضيف أن لدى سببا آخر للارتياح هو أن أجواء الانفتاح النسبى التى تعيشها مصر الآن سمحت للمجتمع بأن يستمع فى العلن إلى ما كان يقوله الغلاة لاتباعهم فى الخفاء. وإذا كان إعراض الناس عنهم يعد عقابا مناسبا، إلا أن ذلك الإعراض ربما دفعهم إلى إعادة النظر فى أفكارهم وتهذيب خطابهم. وإذا ما تحقق الإعراض فإن المجتمع يكون قد تجنب مفسدة صغرى، أما إذا هذَّب الغلاة خطابهم فإنه يكون قد حقق مصلحة كبرى. ولنا فى الأولى أجر وفى الثانية أجران والله أعلم.


 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 100 مشاهدة

 

 

                                                                                                                لدى كلام كثير فى نقد الفكر السلفى خصوصا فى تركيزه على العقائد والمظاهر، الأمر الذى يجعل كثيرين من اتباعه مشغولين بقضايا الإيمان والكفر وبسلوكيات الناس واخلاقهم. وهو ما يترتب عليهم غيابهم شبه الكامل عن كل ما يتعلق بمقومات نهوض المجتمعات وعمارة الأرض ومصائر الأوطان. بسبب من ذلك فإن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن السلفيين أصبحوا «فزاعة» هذه المرحلة فى مصر، وان كثيرين ممن كانوا يبغضون الإخوان أصبحوا الآن أكثر تعاطفا معهم أو قبولا لهم، إن بدوا وكأنهم «أخف الضررين وأهون الشرين».. وبسبب تلك السمعة فان أحدا لم ينتبه إلى التمايزات الحاصلة بين السلفيين، الذين هم أكثر من جماعة فى مصر، تعددت لديها الرؤى والاجتهادات. ولم يلحظ كثيرون أنه إلى جانب جماعاتهم شديدة الانغلاق فثمة جماعات أخرى منفتحة بصورة تثير الانتباه. والأولون نعرفهم جيدا، لكن الأخيرين الذين يمثلون استثناء لهم حضورهم فى الكويت بوجه أخص. ولأحد رموزهم، الدكتور حاكم المطيرى، كتاب فى 300 صفحة يعبر عن رؤيتهم بعنوان «الحرية أو الطوفان» (صدر فى بيروت عام 2004). وهذه الرؤية نلسمها فى سؤالين طرحهما المؤلف فى المقدمة هما، لماذا لم يعد أكثر علماء الإسلام ودعاته اليوم يهتمون بحقوق الإنسان وحريته وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة؟.. وكيف تم اختزال مفهوم الشريعة لتصبح السياسة الشرعية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة، كل ذلك مقطوع الصلة بالشريعة التى يراد تطبيقها والدين الذى يدعى الناس إليه اليوم؟ تذكرت كتاب الدكتور المطيرى حين قرأت صبيحة يوم أمس الأول 5/12 كلاما على لسان أشرف ثابت عضو اللجنة العليا لحزب النور (السلفى) الذى فاز فى انتخابات المرحلة الأولى بالإسكندرية قال فيه: سأسعى من خلال البرلمان المقبل إلى تنفيذ برنامج الحزب الذى يعتمد على قضايا الإصلاح فى التعليم والصحة، ووضع خطط للارتقاء بالبلاد اقتصاديا وتجاريا، إضافة إلى المشاركة فى إعداد دستور يؤكد الهوية الإسلامية والعربية للدولة. وأشار إلى أن الحزب سيسعى إلى البحث عن تسهيلات للمستثمر الأجنبى.. وأن لديهم خطة لتعديل قانون البنوك يصعب تنفيذه مرة واحدة حتى لا ينهار الاقتصاد. وسيتم تأسيس بنوك إسلامية، وقد تم إعداد مشروع بنك النور الإسلامى الذى تقدم به الحزب إلى المجلس العسكرى كى يسمح له بالعمل إلى جوار البنوك الحالية. وبمجرد نجاح التجربة سنطالب بإلغاء نظام البنوك الحالى. 

نفى الرجل أن حزب النور سيمنع عمل المرأة، أو أنه سيلزمها بارتداء الخمار. وقال: نحن نؤمن بعمل المرأة ولن نطالب بقوانين تفرض الحجاب، وسوف ندعو من خلال البرلمان إلى إصلاح الأخلاق، وعدم اختلاط الرجال بالنساء فى الأماكن المغلقة.
 
لفت نظرى فى الكلام الذى تطرق فيه الرجل إلى أمور أخرى تفصيلية، أنه تحدث عن إصلاح التعليم والصحة وتشجيع الاستثمار. وانهم سيدعون إلى انشاء بنوك إسلامية، لتكون بديلا عن البنوك الحالية. كما أنهم لن يفرضوا قيودا على أزياء النساء. ولكنهم سيدعون من خلال البرلمان إلى إصلاح الأخلاق وعدم اختلاط الرجال بالنساء فى الأماكن المغلقة (للتذكرة فقط فإن الـ88 عضوا الذين مثلوا الإخوان فى مجلس الشعب الذى انتخب عام 2005، أمضوا خمس سنوات فى المجلس لم يتطرقوا خلالها إلى موضوع الحريات الخاصة للناس).
 
وجدت كلام الرجل هادئا وقابلا للمناقشة. ونفيه لفرض أى زى على النساء واضح، وحديثه عن الأخلاق والاختلاط فى حدود الدعوات التى يمكن أن تطلق فى البرلمان، أما موضوع النظام المصرفى الإسلامى الذى يطرحونه فإنهم سيقدمونه كبديل إذ ثبت نجاحه.
 
هذا الكلام نشرته صحيفة المصرى اليوم تحت عنوان ينسب إلى أول سلفى فى البرلمان قوله: سنمنع الاختلاط فى العمل وسنلغى النظام الحالى للبنوك(!!) ــ والفرق كبير بين ما قاله الرجل فعلا والعنوان المثير للخوف الذى صاغته الجريدة.
 
مازلت عند رأيى فى نقد أفكار السلفيين وخطابهم، لكن النموذج الذى بين أيدينا دال على أنهم ليسوا ظالمين فقط ولكنهم مظلومون أيضا، الأمر الذى يثير أكثر من سؤال حول دور الإعلام فى لى الأخبار لتعميق الخوف منهم، فى حين أن التناول المسئول كما يدعونا إلى نقدهم، فإنه يحثنا على تشجيع ما هو إيجابى وبناء فى آرائهم. ليس فقط لأن الأمانة تقتضى ذلك، ولكن أىضا لأن النهوض الحقيقى بالبلد لن يقدر له أن يتحقق إلا إذا كان حاصل جمع العطاء الايجابى لكل فصيل فيه، لكن البعض يفضلون القسمة والطرح، ويحاربون الجمع!

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 115 مشاهدة

 

 

                                                      لا اجد ابلغ من كلمة «المناحة» وصفا للأجواء المخيِّمة على مصر منذ ظهرت نتائج انتخابات المرحلة الاولى. إذ منذئذ لم يعد المرء يسمع فى فضائها الإعلامى سوى نواح الملتاعين وولولة الحزانى والمحسورين، الذين لم يكفوا عن الجؤار استهوالا للمعلوم وارتياعا من المجهول. 
 (1) 
شاءت الاقدار ان ارى الصورة مكثفة. ذلك اننى كنت قد ادليت بصوتى فى الانتخابات، ثم غبت عدة ايام خارج البلاد. وانقطعت صلتى بالصحف المصرية، فى حين اتيح لى ان اتابع بعض البرامج الحوارية عبر الفضائيات. وحين عدت كانت على مكتبى الصحف المصرية التى صدرت خلال الأيام الخمسة التى قضيتها فى الخارج. ولأننى وقعت عليها دفعة واحدة تخيل إلىَّ ان الإعلام المصرى فى فضاء البلد سرادق كبير للعزاء. اجتمع فيه خلق كثير من نخبة المثقفين والسياسيين، الذين ظلوا طوال الوقت يتبادلون العزاء ويلطمون الخدود ويشقون الجيوب، فى حين انتشرت فرق النائحين والنائحات فى ارجاء السرادق الممتد تنعى الثورة التى سرقت ودماء الشهداء التى راحت هدرا، وحلم الدولة المدنية الذى تبخر أو كاد.
 
لم يكن ذلك اعجب ما فى الامر، لأننى لم اصدق عينى حين وجدت ان الفزع السائد فى الصحف المصرية لا نظير له إلا فى الصحف الإسرائيلية، التى اتابع ما تنشره يوميا، فى حين ان وسائل الإعلام فى الدول الديمقراطية المحترمة لم تخل من كتابات رصينة اشادت بإقبال المصريين على الانتخابات وبأجواء النزاهة والحرية التى سادت فيها، كما اشادت بتصويت الاغلبية للاعتدال الإسلامى فى كل من تونس والمغرب. صحيح ان الصحف الأمريكية الموالية لإسرائيل تحدثت عن ارهاصات تحول مصر إلى «إمارة إسلامية»، إلا ان ذلك كان من اصداء الفزع الإسرائيلى من احتمالات صعود الإسلاميين فى الساحة السياسية التى اعتبرتها أكثر الصحف الإسرائيلية «كابوسا» يؤرق الجميع هناك ويلاحقهم فى الصحو والمنام.
 
بدا المشهد مفارقا ومستدعيا لعدة اسئلة منها ما يلى: لماذا أصبحت خصومة اغلب الليبراليين والعلمانيين فى مصر قريبة الشبه من بُغض الإسرائيليين وتوجسهم مما وصف بأنه صعود لما يسمونه بالإسلام السياسى؟ واذا تصورت إسرائيل ان ذلك الصعود يمثل تهديدا وجوديا لها فكيف ولماذا تصور الليبراليون والعلمانيون عندنا ان الإسلاميين يشكلون تهديدا مماثلا لوجودهم؟ ولماذا نجح التوافق بين الطرفين فى تونس والمغرب فى حين انه فشل فى مصر؟.
 
 (2) 
فى 2/12 ابرزت صحيفة «المصرى اليوم» على صفحتها الاولى العناوين التالية: 14 طعنا تتهم الاخوان والسلفييين بالتزوير - صحف أمريكية: مصر تتجه نحو إمارة إسلامية ــ عكاشة: احباط المصريين جعلهم متلهفين على من يوصلهم إلى الجنة. وعلى احدى الصفحات الداخلية نشر مقال ذكر ان «مصير هذا البلد اصبح فى يد 40% من الجهلاء والفقراء».
 
فى نفس اليوم نشر الأهرام حوارا مع الدكتور محمد ابوالغار رئيس حزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى تحت عنوان رئيسى هو: التيار الإسلامى يدير مخططا لاغتصاب البرلمان والحكومة، لم يكن المنشور حوارا حقيقيا مما نعهده فى المدارس الصحفية، لكنه كان آراء بسطها المحرر لكى يكملها الدكتور أبوالغار. حتى وجدنا انفسنا ازاء «دويتو» يتبادل فيه المتحدثان التعبير عن آرائهما. الآراء التى أبداها المحرر (يفترض انها اسئلة) كانت كالتالى: التيارات الإسلامية مارست الخديعة على الأحزاب والقوى الليبرالية وضللتها فى المعركة الانتخابية ــ التيارات الإسلامية تخطط للانقضاض على المشهد السياسى خلال الفترة القادمة ــ يقينك يستقر على استمرار التيارات اللإسلامية فى خروقاتهم للقانون فى المرحلتين التاليتين ــ نتصور ان انغلاق قيادات التيارات الإسلامية على ذاتها يقدر الحياة السياسية صوب الخط.
 
دعك من ركاكة الاسلوب، لأن الأسوأ من ذلك ان المحرر لم يكن مستفهما ولا محاورا، لكنه كان معاديا ومحرضا، ومستخدما مفردات لغة «الفزاعة» التقليدية.
 
آخرون ذهبوا بعيدا، فمن قائل ان السلفيين يتأهبون لحرق مصر وقائل انهم ومعهم الاخوان عبروا فوق دماء الشهداء إلى البرلمان (لم يشيرا إلى الكتلة المصرية التى حصلت على 15% من الاصوات فى المرحلة الأولى) وحذر من التصدع التدريجى والتحطيم الممزوج لمقومات الدولة المدنية.
 
استوقفنى فى هذا السياق ما نشرته صحيفة اليوم السابع فى 18/11 على لسان احد مرشحى الكتلة المصرية، وقوله اننا لن نترك مصر للتيار الإسلامى وسنقاومهم حتى اذا اضطررنا إلى «الكفاح المسلح» لكى نبقى شوكة فى حلوقهم. هو التهديد الذى ما ان وقعت عليه حتى تذكرت تلويحا مماثلا صدر على لسان احد متعصبى الاقباط (مايكل منير) الذى نشرت له اليوم السابع فى 6/10 عقب احداث ماسبيرو الأولى كلاما دعا فيه الأقباط إلى الاقدام على بناء ما يحتاجونه من كنائس دون انتظار أى إجراء قانونى، ثم اضاف قائلا: «وعليكم الوقوف وقفة رجل واحد فى اية قرية لمواجهة الغوغاء إذا ما حاولوا احراق ما بنيتموه، ولو حرقتم هؤلاء قبل ان يحرقوكم فستكون هذه رسالة للباقين تحذرهم من انهم سيحرقون لو حاولوا الاقدام على هذه الخطوة».
 
إلى هذا المدى وصل التصعيد والتحريض والتلويح بالكفاح المسلح والعنف الطائفى. وهى اشارة صادمة تقابل بسكوت مستغرب، لا يكاد يقاس بالضجة التى حدثت فى مصر حين تحدث أحد الدعاة السلفيين عن «غزوة الصناديق»، بعد الاستفتاء على تعديلات الدستور. الامر الذى يثير العديد من علامات الاستفهام والتعجب حول اسباب الصمت على التهديد الاول وتعمد اثارة الرأى العام بعد الحديث الثانى.
 
هؤلاء جميعا وجدوا فى التيار السلفى ضالتهم المنشودة، فاستثمروا غيبتهم عن الواقع وسوء تعبيرهم عن أنفسهم والخلل فى اولوياتهم الذى جعل اهتمامهم بالمظاهر والسلوك مقدما على الانتاج والتعليم والصحة وكل اسباب العافية اللازمة للنهوض بالمجتمع. اسثمروا كل ذلك فى التشهير بهم وبتسفيه الإسلاميين جميعا.
 
 (3) 
مشهد «المندبة» وسرادق العزاء الكبير وعاصفة الشيطنة والتخويف تستدعى عدة ملاحظات فى مقدمتها ما يلى:
 
● إن الحملة انطلقت من افتراض ان الإسلاميين انفردوا بحكم البلد واستهلوا مشروعهم بالتدخل فى حريات الناس وارغامهم على تغيير سلوكياتهم. وهم فى ذلك لا يفرقون بين عقلاء وسفهاء ولا بين معتدلين ومتطرفين. فالكل عندهم سواء، وجميعهم فى سلة واحدة. وتلك كلها افتراضات لم تخطر على بال أحد.
 
● إن كثيرين تعاملوا مع نتائج المرحلة الاولى وكأنها نتائج المرحلة الأخيرة. علما بأن النتائج التى اعلنت حتى الآن قابلة للتعديل والانقلاب خلال الجولتين التاليتين.
 
● إن المتحثين نسوا ان هناك شعبا يقظا وواعيا وذكيا يراقب تحركات الجميع، وان ميدان التحرير لم يغلق ابوابه ولم يمح من الخريطة المصرية. الامر الذى يعنى انه من الآن فصاعدا لن يكون فى مصر حاكم مطلق اليد فى البلد يفعل به وبأهله ما يشاء.
 
● إن دلالة نتائج دائرة مصر الجديدة لم تستوقف كثيرين، لأن لها أكثر من مغزى عميق. فالأغلبية صوتت حقا للدكتور عمرو حمزاوى الاكاديمى الليبرالى كمرشح فردى، والأغلبية ذاتها صوتت لقائمة التحالف الديمقراطى الذى يقوده حزب الحرية والعدالة الإخوانى. الأمر الذى يدل على ان الناخبين لديهم الوعى الكافى الذى دفعهم إلى اختيار من اعتبروه الأصلح بين المرشحين. فأعرضوا عن مرشح الاخوان فى الفردى، وصوتوا للاخوان فى القوائم.
 
● إن نسبة غير قليلة من المثقفين الليبراليين تعاملت بدرجة عالية من الاستعلاء مع جموع المصريين، فزعموا انها اساءت الاختيار، وساروا وراء الذين اشتروا الاصوات بالبطانيات وزجاجات الزيت وبالرشاوى المالية الأخرى. وقد سبقت الاشارة إلى مقولة ان مصير البلد اصبح بين يد 40% من الجهلاء والفقراء. ولم تنس بعد ان واحدة من قيادات آخر الزمان دعت لأن يكون للمتعلم فى مصر صوتان فى الانتخابات وللأمى صوت واحد.
 
● إن احتقار الجماهير والاستعلاء عليها دفع بعض عناصر النخبة إلى القول بأن الناس تزاحموا على الصناديق خوفا من مطالبتهم بدفع غرامات الغياب (500 جنيه). وهو قول مردود بأمرين: الأول ان الناس اقبلوا بكثافة فى التصويت على التعديلات الدستورية رغم انه لم تكن هناك غرامات تهددهم اذا غابوا. الامر الثانى انه تم التلويح بالغرامة لحث الناس على المشاركة، لكى لا ينفرد المنتسبون إلى التيار الإسلامى بالصناديق. وكان المقصود هو حماية الأحزاب الاخرى وحث عناصرها على الاشتراك فى التصويت لضمان تمثيلها فى الانتخابات.
 
● إن الأحزاب القديمة مثل الوفد والتجمع حققت فشلا ذريعا. فى حين ان الأحزاب الجديدة اثبتت حضورها، الامر الذى يعنى ان العبرة ليست بالقديم أو الجديد، ولكنها بقدرة الحزب على الحركة ومدى قبول الناس لأفكاره.
 
● إن الحملة المصرية التى قادها الليبراليون والعلمانيون ضد تقدم الإسلاميين. تفقدنا الثقة فى دعاواهم. وهم الذين ما فتئوا يعظوننا فى احترام الآخر وتداول السلطة، لكنهم انقلبوا على القيم التى دافعوا عنها حين رسبوا فى الاختبار أمام الآخر. ولم يصبوا غضبهم على منافسيهم فحسب، لكنهم دأبوا على اهانة الجماهير والطعن فى ادراكها لمجرد انها لم تنتخبهم.
 
 (4) 
(ما العمل؟ ــ ما الذى يتعين علينا ان نفعله ازاء تصويت الاغلبية لصالح الإسلاميين؟ إذا استبعدنا خيار الانقلاب العسكرى الذى قد يرد على الخاطر فى مثل هذه الحالة، فلدينا فى الإجابة عن هذا السؤال واحد من احتمالات ثلاثة هى: اما ان نقبل بحكم الصناديق ونلتزم بقواعد اللجنة الديمقراطية. فيظلون فى السلطة اذا ما قبلهم الناس، ويتم اسقاطهم واخراجهم منها اذا ما رفضتهم الاغلبية. وحبذا لو ان الإسلاميين نجحوا فى التوصل إلى توافق مع بقية القوى الوطنية حول ما هو مشترك بينهما، الثانى ان نعود إلى سياسة الاقصاء اما بتزوير الانتخابات لصالح الليبراليين والعلمانيين، أو بحرمانهم واعادتهم إلى السجون والمنافى مرة أخرى. الثالث ان نتخلص منهم بأى وسيلة، بإلقائهم فى البحر أو ابادتهم فى غرف الغاز.
 
فى هذا الصدد لا ينبغى ان ننسى ان فكرة التوافق التى طرحت فى بداية الحملة الانتخابية كانت حلا كريما وديمقراطيا يمكن ان يجنبنا الموقف المحزن الذى نحن بصدده. وكان التحالف الديمقراطى الذى ضم 40 حزبا إلى جانب الاخوان والوفد صيغة ايجابية تمكن مختلف القوى السياسية ان تنسق فيما بينها وان تخوض المعركة الانتخابية بقوة الخير للجميع. ولكن الضغوط التى مورست وعمليات التعبئة والشحن التى لم تتوقف لم تبق إلا على 9 احزاب فقط فى نهاية المطاف، وكان انفراط عقد التحالف له تكلفته الباهظة، التى تحمل حزب الوفد عبأها الأكبر.
 
لا اعرف اذا كان من الممكن تدارك ثغرات المرحلة الاولى فى المرحلتين التاليتين ام لا، لكننى اعرف ان بعض السياسيين يفرطون فى ثقتهم بأنفسهم ويفضلون ان يتغير الشعب على ان يمارسوا هم نقدهم لذواتهم لنزواتهم، ويوهمون أنفسهم بأن الشعب لم يفهمهم فى حين انه فى الحقيقة لفظهم ولم يقبلهم.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 108 مشاهدة

                             مافيا لتجارة تأشيرات دخول ليبيا                                                               تسبب فرض تأشيرة علي دخول المصريين الأراضي الليبية، إلى ظهور سوق سوداء لهذه التأشيرة، الأمر الذى نتج عنه معاناة كبيرة يواجهها من يريدون السفر إلى ليبيا، حيث قفزت أسعار هذه التأشيرة من 60 جنيهًا تحصلها السفارة الليبية بالقاهرة كرسوم إلى 2500 جنيه. 

وكشف السفير عبدالمنعم الهونى، مندوب ليبيا، لدى الجامعة العربية ومصر عن وجود هذه المافيا، وأضاف أن السفارة الليبية بالقاهرة أحبطت يوم أمس الأحد محاولة إصدار تأشيرات بطرق غير قانونية مقابل مبالغ مالية كبيرة. 
وقال الهونى في تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام" أنه تم اكتشاف محاولة لإصدار عدد من التأشيرات للمصريين خلافا لقيمتها الحقيقية عبر المتاجرة فيها وزيادة الرسوم المستحقة عنها بشكل غير مقبول، وأنه يجرى حاليا تحقيق إدارى خاص داخل السفارة الليبية لكشف كل الملابسات المتعلقة بهذا الموضوع. 
وأعلن الهونى أن إحدى الموظفات الليبيات في القسم القنصلي بالسفارة تورطت في التعاون مع مافيا يقودها أصحاب شركات مصرية وليبية لتسفير العمالة المصرية إلى ليبيا من أجل إصدار عدد من التأشيرات بمقابل مادي يخالف الرسوم الحقيقية للتأشيرة، موضحا أن الموظفة استقالت من عملها، وهربت بعد العثور معها على 70 ألف جنيه مصري حصيلة نشاطها المشبوه. 
وقال الهونى أن عددا من أصحاب شركات تسفير العمالة المستفيدين من هذا النشاط سعوا لتشويه سمعة السفارة وطاقم العاملين فيها، مشيرا إلى أن قائمة هذه الشركات تضم شركات مصرية وليبية تمارس نشاطها منذ فترة وتوعد بمحاربة كل من تسول له نفسه مخالفة القوانين الليبية وابتزاز العمالة المصرية تحت أي مسمى. 
ولفت إلى أن الرسوم الأساسية لإصدار التأشيرة للمصريين الراغبين في العودة إلى ليبيا لا تتجاوز مبلغ الستين جنيها مصريا، بينما تقوم مافيا بالتأشيرات بإصدار التأشيرة الواحدة مقابل 2500 جنيه مصري خلافا للقانون. 
وأكد الهونى أن السفارة لا تتأخر مطلقا في الاستجابة لراغبى العودة إلى ليبيا من المصريين الذين كانوا يعملون هناك ولديهم اقامات وعقود عمل بالنظر إلى حاجة السوق الليبية لمختلف أنواع العمالة في الفترة الحالية وفى مرحلة إعادة بناء ليبيا بعد الدمار الذي لحق بالبنية الأساسية وكل مرافق ومؤسسات الدولة الليبية خلال المعارك الطاحنة التي خاضها الثوار الليبيون للإطاحة بنظام حكم العقيد الراحل معمر القذافى. 
وأهاب الهونى بالعمالة المصرية والراغبين في الذهاب إلى ليبيا والحصول على تأشيرة دخول إليها بعدم دفع أكثر من الرسوم المستحقة وعدم الاستجابة لأي محاولات ابتزاز من أي طرف كان. 
وأضاف قوله: "نحن نريد أن نسهل عودة المصريين إلى ليبيا وفقا للقواعد المعمول بها، ونسعى لتسهيل إجراءات إصدار التأشيرات لهم على نحو يمكنهم من العودة إلى ليبيا في أسرع وقت"لافتا إلى أنه تم رفع كفاءة القسم القنصلي للسفارة عبر زيادة عدد موظفيه الأكفاء؛ ليقوم بإصدار نحو 500 تأشيرة يوميا بدلا من 300 فقط في اليوم فى الوقت الراهن، للتخفيف على المصريين الراغبين في العودة إلى أعمالهم في ليبيا، مشيرا إلى أنه بحلول نهاية الشهر الجاري ستتمكن السفارة من إصدار نحو ألف تأشيرة يوميا للاستجابة للطلبات المتلاحقة في هذا الإطار. 
وقال الهونى: إن السفارة الليبية لدى مصر تهيب بكل الأطباء المصريين للعودة مجددًا إلى أعمالهم في ليبيا وسرعة الاتصال بالسفارة لإنهاء إجراءات حصولهم على تأشيرات الدخول بسهولة ويسر. 
وأعلن أنه تم خلال الفترة الماضية منح نحو 40 ألف تأشيرة دخول للمصريين للعودة إلى ليبيا، مشيرًا إلى أن سلطات بلاده تسهل عودة المصريين للمساهمة في عملية إعادة الإعمار والبناء خلال المرحلة المقبلة.

 

 

                                                                                                   لا نريد أن يقدم ضابط الشرطة الصغير قربانا لإغلاق ملف قتل 43 مصريا من الذين تظاهروا واعتصموا فى ميدان التحرير، صحيح أن الملازم أول محمد صبحى الشناوى هو الفاعل فى جريمة إطلاق النار على عيون المتظاهرين، لكنه ليس المتهم الأول فى الجريمة لأن الشرطة تتحرك بأوامر وتعليمات. بالتالى فصاحبنا هذا كان مجرد أداة. وما كان له أن يفعل فعله إلا لأن تعليمات صدرت إليه بذلك ممن هو أعلى منه. أو أن التعليمات تسمح له بذلك. وفى الحالتين فهناك «محرض» على الجريمة، هو المتهم الأول فى هذه القضية وفى غيرها من القضايا المماثلة. هذا المتهم لابد أن يكون شخصية مهمة فى الجهاز الأمنى. وهذه الأهمية تجعله دائما قابعا فى الظل بعيدا عن المساءلة وفوق القانون. وأفضل وسيلة لصرف الانتباه عنه وإخراجه من دائرة الاشتباه هى تلبيس التهمة لواحد من الصغار، والتضحية به لامتصاص غضب الرأى العام والإيحاء بأن العدل يأخذ مجراه. 

لقد نشرت الصحف أن الضابط تم حبسه لـ15 يوما. وكان قد اختفى وغير محل إقامته بعد أن فضحه التسجيل المصور. إذ سلم نفسه لوزارته التى أبلغت النائب العام بأنه جاهز للمثول أمام النيابة، التى كانت قد أصدرت أمرا باستدعائه للتحقيق معه. ولابد أن نسجل هنا بأن الفضل فى تحريك القضية يرجع إلى شبكة التواصل الاجتماعى، التى ما إن تلقفت صورته حتى عرضتها على الملأ، مصحوبة بتعليق أحد رجاله الذين أشادوا بكفاءة «الباشا» فى إصابة «عين أم» بعض المتظاهرين. وما إن ظهرت صورته حتى تطوع من حدد عنوان بيته ورقم هاتفه، وتطوع آخرون بتخصيص مبلغ خمسة آلاف جنيه لمن يلقى القبض عليه. الأمر الذى أصابه بالذعر ودفعه إلى الاختفاء. ولو لم يحدث ذلك لطمس الموضوع ولقيدت القضية ضد مجهول، شأن غيرها من القضايا المماثلة.
 
للدقة فإن التسجيل المصور لم يفضح الضابط وحده، لكن الأهم من ذلك أنه فضح وزارة الداخلية وكذب تصريحات وزيرها، الذى ما برح يصرح بأن رجال الأمن لم يطلقوا الرصاص على المتظاهرين. المطاطى منه والخرطوش أو الرصاص الحى. وحاول أن يقنعنا بأن كل الجرائم التى وقعت يتحمل مسئوليتها «الطرف الثالث» الذى يضم عناصر من العفاريت والجن والأشرار، الذين دأبوا عى قتل المتظاهرين وعلى رجال الأمن أنفسهم، ثم الاختفاء بعد ذلك.
 
الصور أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن ضابط الأمن المركزى كان يحمل سلاحا، وأنه أطلق رصاصاته على المتظاهرين، وأن بعض جنوده استحسنوا فعلته، وأنه كان يوجه رصاصاته صوب وجوه المتظاهرين. ولا يتصور أحد أن ذلك الضابط الصغير كان وحده المسلح. أو أنه تطوع من جانبه بإطلاق النار على المتظاهرين. لكنه كان واحدا ممن أرسلوا إلى الميدان لمهمة محددة وتكليفات واضحة. كان إطلاق النار على المتظاهرين من بينها. وهذه التكليفات وجهت إلى كل الضباط الذين أرسلوا حينذاك إلى الميدان بدعوى «تأمينه». وكل واحد منهم كان يحمل سلاحه الذى صرف له ومعه خرطوشه. ولا يتخيل أحد أن يكون الملازم الشناوى هو الوحيد الذى استخدم ذلك السلاح، لأن سقوط القتلى يعنى أن آخرين فعلوا نفس الشىء، ولكن شاء حظ الملازم الشناوى أنه كان الوحيد الذى تم تصويره. وتناقلت المواقع صورته وهو يطلق الخرطوش على أعين المتظاهرين وسمعنا بآذاننا صوت من شجعه على كفاءته فى التصويت. كما لا يتخيل أحد أن يكون الذى جرى قد حدث مرة واحدة، لأن القتلى كانوا يتساقطون كل يوم، بما يعنى أن الرصاص ظل يطلق على المتظاهرين كل يوم من جانب الشناوى وأمثاله.
 
هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إنه ليس من العدل ولا من الأمانة أن يتم تلبيس العملية للضابط الصغير، فى حين يظل الذين أصدروا إليه التعليمات بمنأى عن التحقيق والمساءلة. بل أزعم أن حصر المسألة فى شخصه والسكوت على الذين أصدروا إليه الأوامر يعد تدليسا على الرأى العام وتسترا على المتهمين الأصليين. القابعين فى الأبراج العالية. ليس ذلك فحسب وإنما هو يبعث برسالة إلى أولئك الكبار لكى يواصلوا مهمتهم فى قتل المتظاهرين وقمعهم، ويطمئنهم إلى أنهم سيظلون فى أمان وفى أسوأ الظروف فإن غيرهم سيدفع الثمن.
 
ليس عندى دفاع عن الملازم الشناوى الذى لايزال فى العشرينيات من عمره، لكنى أدعو إلى وضع قضيته فى إطارها الصحيح من خلال مساءلة الذين دفعوه إلى ارتكاب جريمته. وإذا ما تم ذلك وأرشد الشاب عن الذين حرضوه شاهدا أو ضحية.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 119 مشاهدة
نشرت فى 5 ديسمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

 

                                                                                         مشغولون نحن بالتراشق الداخلى فى قضايانا المصيرية. نلحظ ذلك حين نجد أن الفضاء المصرى يمتلئ بالضجيج والتراشق وتبادل الاتهامات بين الجماعات السياسية المختلفة، فى حين أن أحدا لم ينتبه إلى أن السفينة التى تحمل الجميع معرضة للغرق. وربما كانت الصفحة الأولى لجريدة الأهرام التى صدرت يوم السبت 19/11 معبرة عن الفكرة التى أتحدث عنها. ذلك أن الصفحة كلها كانت مكرسة لصراعات الداخل، من مظاهرة ميدان التحرير وصولا إلى فتح ميناء دمياط الذى ظل متوقفا طيلة 11 يوما وتشكيل لجنة دولية لدراسة الآثار البيئية لمصنع موبكو للأسمدة، الذى فجر غضب الدمايطة وأهالى رأس البر. 
لكن الأهرام ذكر فى ذيل الصفحة خبرا خجولا ذكر ما يلى: نتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية للبلاد يبحث مجلس الوزراء حاليا إمكانية الاقتراض بشروط ميسرة من المؤسسات المالية الدولية.
 
أغلب الظن أنها مصادفة، أن يقع القارئ على خبر تدهور الأوضاع الاقتصادية بعد أن يمر بمختلف التقارير التى رصدت مظاهر الاشتباك الحاصلة فى الساحة المصرية. لكنها مع ذلك تظل مصادفة كاشفة تدعو الجميع إلى الإفاقة والانتباه إلى أن الوطن بحاجة إلى احتشاد ينقذ السفينة من الغرق بدلا من الاشتباك الذى يضيف إلى قاعها ثقوبا جديدة.
 
رجعت إلى أهل الاختصاص والمسئولين فى القطاع الاقتصادى فى محاولة لتحرى خلفيات الخبر الذى أعطانا انطباعا سلبيا دون أن يوضح لنا حيثياته أو خلفياته، وكانت خلاصة ما خرجت به ما يلى:
 
ــ إن المقصود بتدهور الوضع الاقتصادى هو العجز الشديد فى السيولة المالية، بما يعنى أن هناك قدرات اقتصادية جيدة لكن النقص فى السيولة يكبل تلك القدرات ويحول دون تحريك عجلة الإنتاج على النحو المطلوب. وكما قال لى مسئول كبير فإن الوضع فى مصر أشبه بسيارة عالية الكفاءة وسليمة مائة فى المائة. لكنها لا تجد البنزين اللازم لتسييرها.
 
ــ إن الدولة فى الوقت الراهن تعمل بأقل من نصف ميزانيتها، حيث يذهب أكثر من النصف للدعم الموجه إلى قطاع البترول أساسا، وإلى خدمة الديون المحلية، وما تبقى بعد ذلك يفترض أن يغطى مختلف الأنشطة المتعلقة بالتعليم والصحة والإسكان وغير ذلك من مجالات تنمية المجتمع.
 
ــ إن عبء الدعم يمثل حملا ثقيلا ومشكلة عويصة، هو حمل ثقيل لأنه يستأثر بنصيب لا يستهان به من الموازنة، الأمر الذى يصعب احتماله طويلا، لأنه أصبح المعوق الأول للتنمية. ثم إنه مشكلة عويصة لأن حلها الأساسى ينبغى أن يوجه إلى قطاع البترول الذى أصبح «بالوعة» الدعم. ومن شأن خطوة من ذلك القبيل إن تحدث أصداء غير مرحب بها، ربما أفضت إلى موجة من الغضب والاضطراب الاجتماعى. يكفى أن من شأنها إذ تؤدى إلى رفع أسعار عدد هائل من السلع.
 
ــ إن التحدى الذى تواجهه الحكومة فى الوقت الراهن، بل المعادلة الصعبة حقا، هى كيف يمكن أن تتصدى لمشكلة الدعم بحيث لا يثقل ذلك كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة فى المجتمع، وكيف يمكن أن يحمل العبء للقادرين بما لا يؤثر على إقبالهم على الاستثمار.
 
ــ إن موارد الدخل التى تأتى من الخارج تراجعت إلى حد كبير خصوصا فى قطاع السياحة. وأثر ذلك على استمرار السحب من الاحتياطى، لكن ذلك له حدوده. وربما كان من العوامل التى أسهمت فى تفاقم الأزمة أن مصر لم تتلق دعما يذكر من الدول النفطية الشقيقة، إذ بخلاف 500 مليون دولار قدمتها السعودية، وبخلاف مبلغ مماثل قدمته قطر، فإن مصر لم تتلق أى دعم آخر، وإن تلقت وعودا كثيرة وكلاما لم يترجم إلى عون عربى حقيقى.
 
ــ إزاء ذلك فليس أمام مصر إلا أحد حلين، الأول أن تتخذ قرارات قاسية فى الداخل، بعد أن تعلن الحقائق على الشعب. وقبل أن تطالب الناس بشد الأحزمة على البطون، يتعين عليها أن تبدأ بنفسها وتضرب المثل فى التقشف والاقتصاد. بعد ذلك عليها أن تشرك الطبقات الثرية فى تحمل العبء الأكبر من المسئولية ــ وبعد أن تستنفد وسائل الداخل وتبدأ بها فلها أن تقترض من الخارج إذا وجدت أن الشروط يمكن احتمالها.
 
قبل نحو أسبوع (فى ٢٣/١١) نشرت صحيفة «الشروق» مقالة لرجل الأعمال حسن هيكل دعا إلى فرض ضريبة عالمية لمرة واحدة (أسماها ضريبة ميدان التحرير) تتراوح بين ١٠ و٢٠٪ على الذين تزيد ثروة الواحد منهم على عشرة ملايين دولار. واقترح أن توجه عائداتها إلى الدول التى ينتمون إليها. وقبل ذلك قرأت أن 138 مليونيرا أمريكيا وجهوا رسالة مكتوبة إلى الرئيس أوباما طالبت بزيادة الضرائب عليهم إسهاما منهم فى تخفيف العجز فى الموازنة العامة. وأتابع فى الوقت ذاته جهود دول الاتحاد الأوروبى لإنقاذ اقتصاد اليونان وتركيا من الانهيار، وان أستغرب صمت أثرياءنا وانفاقهم الباذخ على الوجاهات السياسية والقنوات التليفزيونية فإننى أتعجب من موقف الدول النفطية العربية التى تقف متفرجة على الأزمة التى يعانى منها الاقتصاد المصرى. وفى هذا الشق الأخير كلام كثير ربما كان كتمانه أكرم من البوح به.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 121 مشاهدة

 

 

                                                                                                         لا أعرف عن هذا الرجل سوى اسمه، لكنه يسبب لى وجعا وأرقا مستمرين منذ عرفت قصته، التى تسرب إلى شعورا بالذنب لم يفارقنى طول الوقت. ذلك أنه أحد الذين أسهموا فى انقشاع الظلمة التى حلت بمصر، ودفعوا غاليا ثمن إطلاق سراح 85 مليون مواطن عانوا من الذل والهوان طيلة أكثر من ثلاثين عاما. هو أقل من شهيد وأقل من حى. فالشهيد يموت مرة واحدة وتصعد روحه إلى بارئها. لكن صاحبنا هذا قتلوه وتركوه يمشى على قدميه. فقأوا عينيه وتركوا له بقية جسده وروحه. 

كان طبيب الأسنان أحمد حرارة البالغ من العمر واحدا وثلاثين عاما قد فقد عينه يوم 29 يناير الماضى، حين أعلن شعب مصر غضبته وثورته على الرئيس السابق ونظامه. كان واحدا من الذين أطلق عليهم الأمن المركزى رصاصاته، فأصاب الخرطوش وجهه وعنقه وصدره. اخترقت قرنية عينه اليمنى أربع شظايا، وأصابت واحدة عنقه، وسبب له الخرطوش نزفا فى الرئة. حين نقل إلى المستشفى ظل فى غيبوبة طوال ثلاثة أيام، ولم يستطع الأطباء إنقاذ عينه المصابة، فاستسلم لقدره، وغطى عينه المعطوبة بقطعة من الرصاص كتب عليها 28 يناير، تاريخ اغتيالها وإطفاء نورها. ثم أمضى شهرين تحت العلاج فى بيته، حتى استعاد عافيته واستأنف حياته العادية.
 
يوم 19 نوفمبر، حين انقضت قوات الأمن المركزى على المعتصمين فى ميدان التحرير، الذين كانوا أهالى الشهداء والمصابين، فإن الرجل كان واحدا من الذين استفزهم التصرف واستشعروا المهانة. فخرج مع الألوف الذين انتفضوا يومذاك دفاعا عن كرامتهم واحتجاجا عن ذلك السلوك الأخرق. وكان نصيبه رصاصة أصابت عينه الثانية وأطفأت نورها إلى الأبد.
 
اعرف أن مئات الرجال الشجعان فقدوا حياتهم فى تلك المظاهرات، وأن عدة آلاف أصيبوا إصابات اختلفت فى درجة جسامتها، لكن مبلغ علمى ان واحدا فقط فقد عينيه حتى أصبح عاجزا عن رؤية العالم، هو احمد حرارة، الأمر الذى يحملنا جميعا مسئولية خاصة إزاءه.
 
أيضا لا أستطيع أن أنسى أو أتجاهل أن أولئك الذين ضحوا من أجل أن يستعيد الشعب المصرى حريته لهم علينا حقوق يجب أن نؤديها، سواء من جانب الحكومة أو من جانب المجتمع. ومن العار علينا أن نقصر فى أى من تلك الحقوق، فلا نعوضهم ولا نقدم لهم ما يحتاجونه من رعاية، ولا نوفر لهم الحياة الكريمة التى تعبر عن امتناننا وتقديرنا لما قدموه من تضحيات.
 
لا شأن لى بكلام وزير الداخلية الذى قال فيه إن رجال الأمن لم يطلقوا الرصاص على المتظاهرين، الخرطوش أو المطاطى أو الحى. وسأدَّعى أننى صدقت أن العفاريت الزُّرق هم الذين خرجوا من باطن الأرض وأطلقوا رصاصاتهم ثم عادوا إلى المجهول الذى جاءوا منه. لكن ذلك لا يخلى طرف الداخلية ولا يعفيها من المسئولية. ذلك أنها إذا لم تأمر رجالها بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، فإنها على الأقل فشلت فى حمايتهم من غارات أولئك العفاريت. وفى الحالتين فهى متهمة إما بالقتل العمد وإما بالإهمال الجسيم الذى أدى إلى القتل.
 
من ناحية أخرى، فإن المجتمع لا ينبغى له أن ينسى فضل أولئك الشهداء وغيرهم من المصابين وأياديهم البيضاء عليه. أدرى أن ملايين آخرين أسهموا فى ذلك. لكن الشهداء والمصابين هم أكثر من تحمل الغُرم ودفع الثمن. بالتالى فإن إسهام المجتمع بأسره يظل واجبا أخلاقيا ووطنيا. وإذا كان ذلك واجب كل فرد فإنه أوجب على القادرين، الذين يغيب أكثرهم غيابا شبه كامل عن ساحة المسئولية الاجتماعية.
 
ما تمنينا أن يضطر أهالى الشهداء وغيرهم من المصابين إلى الاعتصام فى ميدان التحرير لكى يوصلوا إلى أسماع المسئولين رسالة الاحتجاج على التقصير والتسويف فى حقوقهم، حتى إذا كانت الأسباب البيروقراطية هى التى أدت إلى ذلك. وحتى نتجنب تعريضهم للإذلال والمهانة، فلماذا لا ننشئ لأجلهم مؤسسة «الشهيد» التى تسهم الحكومة فى رأسمالها بنصيب، ويتولى القادرون إكمال رأس المال المقدر، ويفتح الباب لإسهامات المواطنين من خلال تبرعاتهم وزكواتهم. وبهذه الطريقة نوفر لهم ما يستحقونه من رعاية، ونجنبهم الامتهان الذى تسببه لهم البيروقراطية بقلبها المتحجر.
 
قرأت للدكتور أحمد حرارة عبارة بليغة قال فيها إنه يفضل أن يعيش كفيفا مرفوع الرأس وبكرامة، عن أن يعيش مبصرا مكسور العين. وهو كلام أقدره تماما، لكننى أتساءل: كم شهيدا ينبغى أن يسقط، وكم عينا ينبغى أن تفقأ، حتى نعيش مبصرين ومرفوعى الرأس؟.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 123 مشاهدة
نشرت فى 3 ديسمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

 

 

                                                                                                       ما إن أعلن عن فوز حزب العدالة والتنمية المغربى بالمركز الأول بين الأحزاب المتنافسة فى الانتخابات التى جرت فى بداية هذا الأسبوع، حتى انهالت الأسئلة على الأمين العام للحزب عبدالإله بن كيران حول موقف جماعته من السلوكيات والحريات العامة فى المجتمع المغربى، فكان رد الرجل أن الحزب يضع قضية التنمية ضمن أولوياته، وأنه حريص على حماية الحريات العامة، أما مسألة التدخل فى السلوكيات فليست مطروحة على جدول أعمال الحزب. 

شىء قريب من هذا، ووجه به الشيخ راشد الغنوشى رئيس حزب النهضة فى تونس، الذى ما إن فاز بالمركز الأول ورشح لتشكيل الحكومة حتى أمطره الصحفيون والناشطون بأسئلة مماثلة، تطرقت إلى الموقف من الحانات وارتداء النساء للمايوهات على البحر والملاهى الليلية التى يقصدها السياح طوال العام. حينذاك كان رده أن حزبه له أولويات مختلفة تنصب على مواجهة مشكلاته الرئيسية المتمثلة فى النهوض بالاقتصاد وحل مشكلة البطالة ومكافحة الفساد وغير ذلك.
 
القاسم المشترك بين قياديى الحركتين المغاربيتين يتمثل فى أمرين، أولهما أنهما يتبنيان خطابا يطمئن الناس ويبدد مخاوفهم. أما ثانيهما فإنهما لا يتحركان وحدهما، لكنهما يعملان فى إطار ائتلاف وتوافق مع أحزاب أخرى التقت معهما فى الأهداف والمقاصد الرئيسية.
 
حين يتابع المرء هذه التصريحات المنشورة فى الصحف العربية والعالمية، لا يستطيع أن يقاوم الرغبة فى مقارنتها بالتصريحات التى تصدر عن قادة الجماعات الإسلامية فى مصر على الأقل. وإذا ما فعلها، فإن أول ما يلفت نظره فى المقارنة أنه فى حين أن الأولين يسعون إلى طمأنة المجتمع فإن الأخيرين كثيرا ما يعمدون إلى تخويفه، حتى وإن تم ذلك بغير قصد. فإذا كان الإسلاميون المغاربة يركزون على تنمية المجتمع ومحاربة صور التخلف والفقر، ويشددون على احترام الحريات العامة. فإن الإسلاميين عندنا ــ السلفيون بوجه أخص كثيرا ما يركزون على سلوكيات الناس وأخلاقهم، ولا تمثل لديهم قضية الحريات العامة الأولوية الكافية. ثم إنهم دائمو التلويح بقضية الشريعة، التى ترتبط فى أذهان كثيرين بتطبيق الحدود، بل وصورها بعض المتصيدين بحسبانها مدخلا إلى التمييز الدينى والمساس باستحقاقات المواطنة.
 
أدرى أن ثمة فرقا مهما فى المشكلة بين الطرفين. فصدارة الساحة الإسلامية فى تونس والمغرب معقودة لحركة النهضة فى الأولى، ولحزب التنمية والعدالة فى الثانية. (فى المغرب أيضا جماعة العدل والإحسان المحظورة، وحزب الأصالة والمعاصرة الذى تشكل مؤخرا من بعض أهل السلطة، وقيل إنه شكل لسحب البساط من تحت حزب العدالة والتنمية)، أما فى مصر فالموقف مختلف، لأن الساحة الإسلامية أصبحت تعج بنحو سبعة أحزاب غير تجمعات أخرى تتحرك فى الساحة، وأغلب هؤلاء وهؤلاء حديثو عهد بالسياسة، وأقرب إلى الهواة منهم إلى المحترفين. صحيح أن حركة الإخوان المسلمين أكبر الجماعات حجما، لكنها ليست أعلاها صوتا ولا أكثرها ضجيجا وصخبا. وبسبب ذلك التعدد فإن تضارب التصريحات وتخلف المواقف يصبح أمرا مفهوما.
 
إذا قال قائل إن وسائل الإعلام تتصيد هفوات الإسلاميين فى مصر وتبالغ فيها وقد تحرفها، فلن أختلف معه. وعندى من القرائن والحجج ما يؤيد كلامه. لكن ذلك حاصل أيضا فى كل من تونس والمغرب. وفى الحالتين فإن المتصيدين فى الغالب لا يخترعون ما يخوفون به الناس من الإسلاميين، ولكنهم يلتقطون هفواتهم وسقطاتهم ويهولون منها. وأمثال تلك الهفوات والسقطات أكثر فى خطاب الرموز الإسلامية فى مصر، إذا ما قارناها بأقرانهم فى البلدين المغاربيين. وإذا صح ذلك فإنه يستدعى السؤال التالى: لماذا كان خطاب الإسلاميين عندهم أكثر نضجا ومتقدما منه فى مصر، علما بأنهم هناك تأثروا بالتجربة المصرية فى بدايات انطلاقهم؟
 
تخطر لى عوامل ثلاثة أسهمت فى أحداث ذلك التفاوت. منها مثلا أنهم خاضوا هناك غمار العمل السياسى خلال العقود الخالية، فى الوقت الذى كان فيه رموز الحركة الإسلامية فى مصر إما فى السجون أو فى المنافى، بالتالى فإنهم هناك اكتسبوا خبرة فى مخاطبة المجتمع لم تتوافر لأقرانهم فى مصر.. الذين ظلوا طوال تلك الفترة يخاطبون بعضهم البعض.
 
العامل الثانى أنهم هناك أخذوا ما أخذوه من الحركة الإسلامية فى مصر وطوروه. فى الوقت الذى ظل فيه البنيان الفكرى للحركة الإسلامية فى مصر ثابتا لم يتغير، بسبب انشغال الحركة بالدفاع عن نفسها وتجميع عناصرها، الأمر الذى أدى إلى الحفاظ على الجسم وضمور الفكر والعقل.
 
العامل الثالث أن الحركة الإسلامية فى مصر تأثرت بدرجة أو أخرى بالدعوة السلفية، سواء بسبب انتقال بعض قياداتها وعناصرها إلى السعودية والخليج أو بسبب كثافة النشاط السلفى فى مصر الذى استفاد من فراغ ساحتها، نظرا لظروف حظر الإسلاميين واعتقالهم، وهذا التأثير بدا واضحا فى اهتمام خطاب الإسلاميين فى مصر بالسلوك والمظاهر وعدم اكتراثهم بالهموم الحياتية للناس. وهى السمات الأساسية للخطاب السلفى الذى يختزل التدين فى تلك المظاهر.
 
لقد استفادت الحركة الإسلامية فى المغرب العربى من العطاء الفكرى للتيار الإسلامى فى مصر، فلماذا لا نستفيد بدورنا من نضجهم السياسى الذى سبقونا إليه؟.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 110 مشاهدة

 

 

                                                                                                        لو تمت الانتخابات بالصورة التى رأيتها أمس الأول فمعنى ذلك أننا نجحنا بتفوق فى الفصل الانتخابى الأول. والذى نجح هو الشعب الذى خرج على بكرة أبيه منذ طلوع الشمس لكى يصطف أمام مقار لجان التصويت. من المبكر الآن الحديث عمن حصد النسبة الأكبر من الأصوات، علما بأن الأهم هو حماس الجماهير وإقبالها الواعى على التصويت. وهو ما قلته فى مقام آخر، حيث ليس يهم كثيرا الآن من الذى فاز من بين الأحزاب المتنافسة. لأن الفوز الحقيقى للتجربة الديمقراطية فى المرحلة الراهنة يتحقق بأمرين هما إقبال الناس على التصويت. ثم إجراء الانتخابات بحرية ونزاهة. 

كنت قد تركت بيتى فى السابعة والنصف صباحا، بأمل أن أصل إلى مقر اللجنة قبل أن تبدأ عملها، لكننى كنت واهمًا، ذلك أننى لمحت طابور الواقفين أمام المقر من على بعد كيلو مترين تقريبا. كان ذلك فى الساعة الثامنة إلا ربعا. أدهشنى المنظر ولم أصدق عينى، تقدمت أكثر فوجدت ثلاثة طوابير اصطفت جنبا إلى جنب، واحد للرجال، وآخر للنساء، وثالث لكبار السن من الجنسين. استغربت أن يكون الواقفون فى الطوابير أكثر ممن رأيتهم صبيحة يوم الاستفتاء على تعديلات الدستور. ولم أجد تفسيرا لذلك لأول وهلة. حتى استحضرت ما سبق أن قرأته فى بعض الصحف المصرية، وروجت له بعض القنوات التليفزيونية، من أن السلفيين قرروا أن يتوجهوا بعد صلاة الفجر إلى مقار اللجان لإثبات حضورهم واستعراض عضلاتهم. كما سمعت إحدى المذيعات تتحدث عمن أخبرها بأنهم سيبيتون أمام مقار اللجان وسيصلون الفجر على الأرصفة المواجهة لها. ورغم أن المنطقة التى أسكن فيها لا يرى فيها أثر للسلفيين، إلا بين خطباء بعض المساجد، إلا أننى وصلت إلى أول الطابور لكى أتأكد من صحة ما قرأته وسمعته. تفرست فى الوجوه فلم أجد بينها أحدا يدل مظهره على أنه من «الجماعة». بعد نصف ساعة أصبحت الطوابير بلا نهاية، وجدت أناسا أحضروا معهم مقاعد مطوية واستخدموها فى الجلوس تحت الشمس الدافئة. آخرون واصلوا قراءة الصحف، وحين تعبوا من الوقوف فإنهم افترشوها وأسندوا ظهورهم إلى سور المدرسة. ولاحظت أن البعض تحلق حول جالس أمام طاولة وأمامه جهاز كمبيوتر صغير (لاب توب)، واكتشفت أنه من شباب حزب العدالة والتنمية الذين توزعوا على أبواب المقار الانتخابية لإرشاد الحائرين إلى اللجان التى ينبغى أن يصوتوا أمامها.
 
كان واضحا أن جهدا خاصا بذل لتأمين العملية الانتخابية. إذ شاهدت  ثلاث مجموعات من الجنود تتحرك فى المكان. أغلبهم ارتدوا خوذات وحملوا معهم دروعا واقية. كانت هناك شرطة وزارة الداخلية، والشرطة العسكرية بأغطية رءوسها الحمراء، ومجموعة أخرى من الجنود تميزوا بأن كل واحد طوق ذراعه بلافتة صغيرة من القماش بينت أنه «فرد تأمين الانتخابات».
 
كما أننى لم أجد أثرا للسلفيين الذين خوفونا من استيلائهم على اللجان، فإن شبح البلطجية والفوضوية لم يظهر فى المكان. بالتالى، فإنه باستثناء الحضور الكثيف للقوات المسلحة والشرطة، فإن المشهد الانتخابى بدا نموذجيا منذ الصباح الباكر. ولا أعرف إن كان ذلك مقصورا على حى مصر الجديدة أم لا، لكننى أتحدث عما رأيته بعينى، وأرجو أن يكون قد تكرر فى بقية الدوائر الانتخابية. علما بأننى لا أجد مبررا لتخصيص مصر الجديدة بمثل هذه الاحتياطات، التى ربما كانت مبررة فى وجود الرئيس السابق الذى كان من سكان الحى، ولكن هذا المبرر سقط الآن، بدليل انتشار القمامة والكلاب والقطط الضالة فى المنطقة!
 
ظللت أبحث طول الوقت الذى أمضيته فى الطابور عن تفسير لذلك الحضور الكثيف للناس، الذين كانوا خليطا مدهشا من الرجال والنساء والشبان والفتيات والأثرياء والفقراء. حتى بدا لى كأن كل أهل الحى أصروا على أن يشتركوا فى التصويت. حدث ذلك فى حين أن بعض وسائل الإعلام تحدثت عن احتمالات الفوضى التى تهدد الانتخابات، وعن ملل الكثيرين وقرفهم من الانفلات الأمنى والاعتصامات والمليونيات، وعن حال الكثيرين الذى وقف وحنين بعضهم إلى الزمن الذى مضى، واتجاه البعض إلى مقاطعة العملية الانتخابية.
 
كان مفهوما الحماس الذى دب فى النفوس فى الأشهر الأولى للثورة، ودفعهم إلى الإقبال على المشاركة فى الاستفتاء، بقدر ما كان مستغربا ان يتزايد ذلك الحماس أو على الأقل لا تتراجع مؤشراته بعد مضى تسعة أشهر، رغم أنها لم تكن مبهجة على النحو الذى تأمله الكثيرون.
 
فى تفسير هذه الملاحظة سألت: هل كان الدافع إلى ذلك هو الشوق إلى الديمقراطية التى ظللنا طوال أكثر من نصف قرن نسمع بها ولا نرى لها فى حياتنا أثرا؟ هل يمكن أن نقول إن جرعة الحيوية التى دبت فى أوصال المجتمع المصرى لاتزال تتدفق بذات القدر من القوة، على العكس مما توحيه لنا وسائل الإعلام التى دأبت على إشاعة اليأس والاحباط بيننا؟ وهل يمكن أن نرجع ذلك الحماس إلى شعور الناس بأن الثورة فى خطر، وأنهم أدركوا أن عليهم أن يهبوا للدفاع عنها وإنقاذها؟ ــ لا أستطيع أن أصدر حكما فى ظل خبرة يوم واحد فى حى واحد بالقاهرة. لكننى مع ذلك لا أتردد فى القول بأننا حتى فى حدودنا الضيقة نجحنا. زفوا الخبر لشهدائنا.

 

 

  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 164 مشاهدة
نشرت فى 30 نوفمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

 

 

                                                                                                 قد لا نعرف إلى أين نحن ذاهبون، لكن ربما كان مفيدا لنا أن نعرف على الأقل أين نقف الآن. 

 (1) 
لا مفر من أن نعترف فى البداية بأن الوقت لم يكن معنا. ولكنه كان علينا. بمعنى أن تجاوز مدة الأشهر الستة التى كان يتعين تسليم السلطة إلى المدنيين فيها، (التى أعلن عنها فى 13 فبراير الماضى)، كان مغامرة فتحت الأبواب لمختلف التداعيات التى أسهم بعضها فى إيصالنا إلى ما وصلنا إليه الآن من مزالق وأخطاء. وسيظل ذلك الاعتراف منقوصا إذا لم نقر أيضا بأن الأزمة التى نحن بصددها الآن، ما كان لها أن تقع لو أننا التزمنا بـ«خريطة الطريق» التى وضعتها لجنة تعديل الدستور، التى إذا كان مقدرا أن تنطلق خطواتها التنفيذية فى شهر يونيو الماضى (مع نهاية فترة الأشهر الستة التى تحدث عنها بيان المجلس العسكرى)، الأمر الذى كان يفترض أن يجعلنا هذه الأيام بصدد الدخول فى حسم الانتخابات الرئاسية.
 
ومن مفارقات الأقدار وسخريتها أن توصيات لجنة تعديل الدستور كان لها دورها فى تفجير اللغط الذى أثارته الأقلية حول الانتخابات أولا أم الدستور أولا، ذلك أن كثيرين ينسون أو يتجاهلون أن ما كان مطروحا آنذاك هو تعديل بعض مواد الدستور فقط. ولكن اللجنة فى تصديها للمادة 189 من الدستور الخاصة بإجراءات تعديله أضافت إليها مادة أخرى أعطيت رقم 189 مكررا نصت على أن الأعضاء المنتخبين لمجلسى الشعب والشورى عليهم أن يختاروا أعضاء الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر. وهو ما يعنى أن اللجنة هى التى أطلقت فكرة إعداد دستور جديد، ولكن الأقلية التى كانت قد قبلت بمجرد تعديل بعض مواد دستور عام 1971. اختطفت الفكرة وأثارت بها الجدل الذى لا تزال بعض أصدائه تتردد حتى الآن.
 
وإذا جاز لنا أن نتصارح فى تحديد المسئولية عن الوقت الذى أهدر والأزمة التى صرنا إليها، فإننى أشير إلى طرفين بوجه أخص، أولهما المجلس العسكرى الذى لا ننكر أنه بذل جهدا كبيرا لتسير السفينة خلال الأشهر الماضية، لكن أداءه شابته أخطاء عدة، كما أنه اتسم بالتردد والارتباك. حتى إنه لم يكن يتحرك إلا تحت ضغط الشارع. أسهم فى ذلك أن أعضاءه من العسكريين المحترفين جاءوا جميعا من خلفيات غير سياسية. ذلك أن قطيعتهم مع السياسة كانت شرطا لاستمرارهم فى السلك العسكرى وترقيهم إلى الرتب العليا التى بلغوها. وهو ما يعنى أن ظروف الثورة فرضت عليهم أن يتحملوا مسئولية لم يكونوا مؤهلين لها.
 
الطرف الثانى يتمثل فى عناصر النخبة التى أدارت تراشقها وصراعها طول الوقت من منطلق أيديولوجى وليس سياسيا. بسبب من ذلك فقد صار العنصر الحاكم لمواقفها كان ولا يزال، ما إذا كانت الخطوات المتخذة تعبر عن التوجه الإسلامى أو العلمانى، وليس ما إذا كانت تخدم المصلحة الوطنية أم لا.
 
 (2) 
فى الوقت الراهن نستطيع أن نقول إننا بإزاء أزمة ثقة فى المجلس العسكرى، يمكن أن نرجع أسبابها إلى العوامل التالية: ما تضمنته وثيقة الدكتور السلمى (المادتان 9، 10) التى أعطت انطباعا بأن المجلس العسكرى يتطلع لاستمرار وصايته على المجتمع ـ عدم القطيعة مع النظام السابق، الأمر الذى لاحظه كثيرون، حتى إن رئيس المخابرات الإسرائيلية السابق قال إن الذى تغير فى مصر هو الحاكم وليس الحكم. وكانت هذه الملاحظة أوضح ما تكون فى الطريقة التى تعامل بها المجلس العسكرى مع محاكمات رموز النظام السابق أمام المحاكم المدنية، وأحالته للمدنيين من شباب الثورة إلى المحاكم العسكرية ـ البطء والتردد فى اتخاذ القرارات، حتى إن قرار إصدار قانون إفساد الحياة السياسية استغرق أربعة أشهر لإصداره ـ عدم الشفافية وعدم الاعتراف بالأخطاء أو الاعتذار عنها. وكانت أحداث ماسبيرو فى الشهر الماضى التى قتل فيها أكثر من 20 شخصا وأحداث ميدان التحرير الأخيرة التى سقط فيها 43 شهيدا، نموذجا للنوازل التى صدمت الرأى العام، ولا تزال محاطة بغموض أضعف ثقة الناس فى موقف السلطة. وكانت النتيجة أن أحدا لم يحاسب على تلك الجرائم، الأمر الذى استفز الرأى العام وأهانه.
 
 إزاء ذلك لم ننسَ بعدما جرى فى موقعة ماسبيرو، إلا أننا ما زلنا نعيش صدمة الانقضاض غير المبرر على المعتصمين فى ميدان التحرير يوم السبت 19/11، الذى يمثل ذروة الخطايا السياسية التى وقع فيها المجلس العسكرى. ولا تزال تحيرنا الأخبار التى تسربت عن صدور أمر بضرورة فض اعتصام أهالى الشهداء الذى كان مستمرا قبل ذلك لأكثر من خمسة أيام. وعن أن ذلك الأمر لم يعلم به فى البداية وزير الداخلية ولا رئيس الوزراء. وحين تحول فض الاعتصام إلى كارثة فلم نعرف من الذى أصدر الأمر، وبالتالى فإن أحدا لم يحاسب جنائيا أو سياسيا على ما جرى.
 
هذا الارتباك الذى عبر عنه المجلس العسكرى واكبه ارتباك أسوأ وأعمق فى الساحة السياسية، ليس فقط لأن النخب انقسمت فيما بينها، ولكن أيضا لأن الساحة ازدحمت بلافتات وعناوين عرفنا أسماءها وسمعنا نداءاتها، لكننا لم نعرف أوزانها. وفى هذا الهرج جرى ابتذال مصطلح الثوار، بحيث لم تعد تعرف ماذا يمثلون حقا على أرض الواقع، وهل هم الموجودون فى ميدان التحرير فقط أن لهم وجودهم فى خارجه. كما أننا صرنا نتساءل: هل هؤلاء المحتشدون فى الميدان يتكلمون باسم جماعاتهم أو باسم الثورة أو باسم المجتمع المصرى بأسره؟
 
لقد دلتنا خبرة الانتخابات التى تمت أخيرا فى تونس والمغرب على أن أعلى الجماعات السياسية صوتا وأكثرها ضجيجا وأقواها حضورا فى وسائل الإعلام. هى أضعف القوى السياسية فى الشارع وأقلهم حظوظا من تأييد الجماهير. وذلك مؤشر يدعونا إلى الحذر فى تقييم من يتصدرون الواجهات فى مصر هذه الأيام. ويقدمون أنفسهم بحسبانهم ممثلين للثورة وللرأى العام. وينطلقون من تلك الفرضية للتدخل فى تقدير المصائر السياسية وتشكيل هياكل الدولة. وهو حذر يدعونا إلى انتظار تقييم المجتمع لتلك القوى المفترضة أو المفروضة. وفى بورصة السياسة فلا سبيل إلى إحداث ذلك التقييم إلا من خلال الاحتكام إلى صناديق الانتخابات الذى نحنه بصدده الآن.
 
 (3) 
الفوضى الحاصلة فى الساحة السياسية تشمل أيضا الشعارات والأفكار التى تسوق فى الفضاء الإعلامى. أخص بالذكر أسطورتين، أولاها تتعلق بابتذال مصطلح دماء الشهداء، والثانية تشيع أن ثمة صفقة سرية تمت بين المجلس العسكرى والإسلاميين. لقد تردد المصطلح الأول فى سياق المطالبة بتأجيل الانتخابات، وأصبح يشهر فى وجه كل جهد يبذل خارج ما هو مطروح فى ميدان التحرير من مطالب، خصوصا ما تعلق منها بتشكيل مجلس رئاسى مدنى يدير البلاد بديلا عن المجلس العسكرى. ذلك أننى أزعم أن الوفاء لدم الشهداء والحفاظ على كرامة الجرحى والمصابين يكون بالاعتذار عن الجرم الذى ارتكب بحقهم ومحاسبة المسئولين عن وقوعه. وتعويض الأهالى والمصابين. كما يكون بالتمسك بأهداف الثورة والإصرار على تحقيق الاهداف التى استشهدوا من اجلها. لكن لا أفهم أن يعد إجراء الانتخابات بيعا لدماء الشهداء فى حين يصبح تشكيل المجلس الرئاسى وفاء لتلك الدماء. كأن رافعو ذلك الشعار يقولون إن كل من يخالف رأينا يعد متاجرا بدماء الشهداء. وذلك نوع من الإرهاب الفكرى والسياسى الذى يفترض أن يتنزه الثوار عنه.
 
استغرب الأسطورة الثانية التى بدأ الترويج لها منذ شكلت لجنة تعديل الدستور برئاسة المستشار طارق البشرى، وضمت بين أعضائها السبعة قانونيا من الإخوان وعضوا فى اللجنة التشريعية فى إحدى دورات مجلس الشعب السابق. ولأن المستشار البشرى «يشتبه» فى أنه مسلم غيور على دينه وملتزم، ولأن «التهمة» ثابتة. الإخوانى الأستاذ صبحى الصالح، فقد ثارت ثائرة غلاة العلمانيين و«الليبراليين» الذين اعتبروا إقصاء أمثال أولئك «المشتبهين» و«المتهمين» أمرا مفروغا منه فى فهمهم للديمقراطية. ومنذ ذلك الحين اعتبر هؤلاء أن المجلس العسكرى «متواطئ» مع الإسلاميين، رغم أن لجنة تعديل الدستور ضمت سبعة أعضاء من كبار القانونيين، فإن عاصفة النقد تجاهلت وجودهم، واعتبرت أن الرجلين استغفلاهم وأجريا التعديلات من وراء ظهورهم. وقد حققت الحملة نجاحا فى ترهيب أعضاء المجلس العسكرى. الذين امتنعوا عن إضافة أى اسم من أولئك «المشتبهين» و«المتهمين» فى أى اختيار لاحق، فى حين وزع الليبراليون والعلمانيون على مختلف المجالس التى شكلت، وظل ذلك محل رضى أولئك «الناشطين» (للعلم الحكومة الأخيرة ضمت ثلاثة من حزب الوفد ورابعا من حزب التجمع وخامسا من الحزب الديمقراطى الاجتماعى).
 
رغم ذلك فإن تهمة التواطؤ مع المجلس العسكرى ظلت سيفا مشهرا فى وجهه، حتى اضطر أخيرا إلى نفى التهمة على لسان بعض أعضائه. وحتى الآن فإن الدليل الوحيد على ذلك «التواطؤ» أن المجلس العسكرى سمح للإسلاميين بتشكيل أحزاب لهم ورفع الحظر عنهم شأنهم فى ذلك شأن غيرهم من السياسيين. لذلك فلا تفسير لاستمرار الحملة إلا أنها بمثابة احتجاج على العدول عن نهج إقصائهم المعمول به منذ نحو نصف قرن، بما يعنى أن شرعية وجودهم هى المشكلة التى لا تزال تؤرق جماعات الليبراليين والعلمانيين.
 
 (4) 
وسط الغيوم الداكنة التى تتجمع فى الأفق، التى تثير درجات متفاوتة من الاستياء والاحباط، يبرز ضوء لا يمكن تجاهله، يشى بتحول يغير كثيرا من الانطباعات السائدة عن جموع المصريين، الذين يُقال فى حقهم دائما أن حبال الصبر عندهم لا نهاية لها. وأن قدرتهم على الاختزان وابتلاع الأحزان لا حدود لها. حتى تحدث كثيرون عن استكانة المصريين واستعدادهم للانصياع والامتثال.
 
هذا الانطباع غيرته تماما المظاهرات التى حدثت طوال الأسبوع الماضى، التى انخرطت فيها أجيال كسرت حاجز الخوف، وتمردت على الصمت، ولم تعد تبالى بتحدى الظلم والجهر بكلمة الحق فى وجه أهل السلطان بارتفاع مراتبهم ومقاماتهم.
 
ربما جاز لنا أن نقول إن ثورة 25 يناير لم تعد الوطن إلى أهله بعد طول غياب فقط، ولكنها كشفت الوجه المسكوت عليه من طبائع المصريين، الذى أصبحت أرى فى ميادينهم وشوارعهم شعبا آخر غير الذى تحدث عنه الآخرون.
 
لقد قال رئيس المخابرات الإسرائيلى السابق إن الذى تغير فى مصر هو الحكم وليس الحاكم. وربما كان ذلك صحيحا بصورة نسبية. لكن الذى فات الرجل أن يذكره أن الشعب بدوره قد تغير وربما لم يرد ذلك لأن ما تغير فى شعب مصر هو أكثر ما يقلقهم ويخيفهم.
 
لست أخفى أننى لم أكن سعيدا ببعض تصرفات وهتافات الشباب الغاضب فى ميدان التحرير طوال الأسبوع الماضى، لكن بينى وبين نفسى كنت سعيدا بهم، لأننى وجدت فيهم جيلا ممتلئا بالحيوية واستعادة قوية لقيمة الغضب التى غيبت طويلا فى حياتنا طوال نصف القرن الأخير، حتى ظننا أن ينابيعها قد جفت، إلا أننا اكتشفنا أخيرا أنها توارت فقط ولم تمت ــ الحمد لله.
 

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 128 مشاهدة
نشرت فى 29 نوفمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

 

                                        جولة الانتخابات التى تتم اليوم فى مصر هى اختبار لا يحتمل الرسوب فيه، لسبب جوهرى هو أن الراسب فى هذه الحالة تحديدا ليس المجلس العسكرى وليس الفصائل أو الجماعات السياسية، ولكنى أزعم أن الراسب سيكون الثورة والوطن كله.
 
إذ نحن لسنا بصدد انتخابات نيابية عادية، كما اننا لسنا بصدد تأسيس نظام جديد بديل عن نظام مبارك الذى سقط، ولكننا بالانتخابات نخطو الخطوة الأولى على طريق إقامة جمهورية حقيقية يصنعها الشعب على يديه. صحيح أن النظام الملكى سقط فى عام 1952، وان النظام الجمهورى أعلن منذ ذلك الحين، لكنه كان جمهوريا على الورق وفى الدساتير، ذلك اننا منذ ذلك الحين لم نختر رئيسا من جانبنا، ولكن الرؤساء الثلاثة الذين حكمونا لم يكن لنا فيهم رأى قبل أن يتولوا مناصبهم. إذ جاءوا من حيث لا نحتسب، ثم قيل لنا من باب استيفاء الشكل وسد الخانة: ما رأيكم دام فضلكم؟ ــ فلا نحن الذين اخترناهم ولا نحن الذين غيرناهم (باستثناء الأخير الذى كان لابد من ثورة لإزاحته) ــ صحيح أن الثلاثة لم يكونوا فى مقام واحد، حيث لا يقارن عبدالناصر بالسادات أو مبارك، لكن الثلاثة صحونا ذات صباح على وجودهم على رأس البلد. وجميعهم كانوا من العسكر، والثلاثة حكموا بحزب واحد تغيرت أسماؤه لكنه ظل كيانا واحدا احتكر السياسة، واعتبر نفسه حزبا طليعيا وظل الآخرون ذيولا له، تستخدم فى تزيين المشهد السياسى وتوظف لأجل اتمام الديكور الديمقراطى.
 
ظلت لدينا أنظمة ليس لها من الجمهورية سوى الاسم فقط، وان كانت فى جوهرها «ملكيات» حقيقية، بل وصلت الجرأة ببعض من تولوها أن أرادوا توريثها لأبنائهم، جريا على تقاليد الملكيات المعروفة. ولئن سبقتنا فى ذلك بعض الديمقراطيات «الشعبية» الشيوعية (كوريا الشمالية مثلا) إلا أن التوريث ما لبث أن حدث فى سوريا، ولاحت بوادره فى مصر، وكانت له أصداؤه فى ليبيا واليمن على الأقل. وهى الأنظمة التى يصفها الدكتور منصف المرزوقى السياسى التونسى المرشح رئيسا للجمهورية الجديدة بأنها «جملوكية»، بمعنى أنها جمهورية اسما وملكية فعلا.
 
هذه الخلفية تسوغ لى أن أدعى بأن الانتخابات التى تجرى اليوم تسهم فى تأسيس أول جمهورية حقيقية فى مصر بعد ثورة عام 1952. ولأن الأمر كذلك فقد سمحت لنفسى أن أدعى أنها اختبار لا يحتمل الرسوب. ذلك أن الرسوب يعنى العودة إلى الملكية المقنعة، التى غيرت الزى العسكرى ولكنها أبقت على احتكار السلطة وتأميم السياسة وربما توريث البلد لصالح الأبناء والاحفاد.
 
هناك أربعة شروط لاجتياز الاختبار بنجاح هى: الاقبال على التصويت بذات الحماس الذى شهدناه فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية ــ اتمام الانتخابات فى جو من الحرية والنزاهة التى تغلق الباب تماما على أى تلاعب فى التصويت أو الفرز ــ تأمين العملية الانتخابية فى مواجهة البلطجية ودعاة الفوضى الذين طالما حاولوا إفساد أى عرس ديمقراطى ــ اختيار العناصر الوطنية التى تحمل قيم الثورة على اكتافها وتسعى إلى تنزيل حلم النهوض بالوطن على الأرض.
 
لقد أشاعت بعض الأوساط مخاوف من امكانية النجاح فى تأمين العملية.. لكنى حين وجدت أن انتخابات نقابتى المحامين والمهندسين تمت بسلام ونجاح فى ظل أجواء التوتر الراهنة، اقتنعت بأن النجاح فى الانتخابات النيابية أمر وارد بقوة. ولا استطيع أن أتجاهل فى هذا السياق حقيقة أن ثمة وعيا عاما فى مصر يُطمأن إليه، وان ذلك الوعى كفيل بتحقيق النجاح المنشود بإذن الله.
 
هى مصادفة أن تزامن موعد اطلاق المرحلة الأولى للانتخابات مع غضب الجماهير التى خرجت إلى ميدان التحرير وقد ضاقت صدورها ذرعا بالأخطاء التى ارتكبها المجلس العسكرى، حتى إن بعضهم ذهبوا فى ذلك إلى حد المطالبة برحيل المجلس. ذلك أن الاستجابة لذلك المطلب بصورة آمنة لا تعرض البلاد للانتكاسة أو الفراغ تحتم الاحتشاد لأجل التصويت وإنجاز المراحل الثلاث للعملية الانتخابية فى مواعيدها. لأن تشكيل مجلس الشعب هو الضمان الوحيد لترتيب تسليم السلطة إلى المدنيين، إلى جانب وضع الأساس لإقامة الجمهورية المصرية الحقيقية التى ظل يحلم بها الشعب المصرى منذ قامت الثورة فى شهر يوليو عام 1952. ولأن الأمر كذلك فإننى أكرر أننا بصدد اختبار لا يحتمل الرسوب، ولا بديل عن اجتيازه بتفوق وفى ذلك فليتنافس المتنافسون.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 153 مشاهدة

 

 

                                                                                                     رأى عميد معهد الدراسات الإسلامية بالإسكندرية ما لم يره أحد غيره فى بر مصر. ومن ثم كشف لنا ما كان مخفيا ومستورا ومحيرا للجميع، فقد نقلت عنه صحف الثلاثاء الماضى (22/11) ما وصفته بأنه «شهادة خطيرة» على أحداث ميدان التحرير، خلاصتها أوردتها صحيفة «الأهرام» كما يلى: إن الرجل ــ الشيخ الدكتور جميل علام ــ كشف عن رؤيته مجموعة من الأشخاص فوق أسطح مبانى الجامعة الأمريكية (المطلة على ميدان التحرير)، وهم ليسوا من شباب الثورة. وقال: إن فريقا منهم كان ينهب ويسرق فى الجامعة، وفريقا آخر يقوم بإطلاق النار على قوات الأمن المركزى، وفريقا ثالثا يطلق الرصاص على شباب المتظاهرين. وأوضح أن هذه المجموعة كانت تضم ثلاثين شخصا، وقد تم التحفظ على بعضهم فى ميدان التحرير. أضافت الأهرام أن شهادة الدكتور علام جاءت أثناء المؤتمر الصحفى الذى عقده مساعد قائد المنطقة المركزية. 

قرأت الخبر مرتين لكى أتأكد من تفاصيل «رؤية» الشيخ الدكتور. واستوقفتنى عدة أمور منها أنها شهادة «آحاد»، وعند الأصوليين فهى شهادة ضعيفة لا يؤخد بها فى اعتماد الأحاديث النبوية إلا إذا وجد هناك ما يقويها. ويشكك فى صدقيتها إن الرجل وحده هو الذى أدلى بها، علما بأن وجود ثلاثين شخصا فوق مبانى الجامعة الأمريكية ليسوا بالعدد الهيِّن الذى يراه واحد ويعجز عن رؤيته آخرون. ثم أنه قال إن هؤلاء الأشخاص ليسوا من ثوار التحرير. ولم أفهم كيف تسنى له أن يتأكد من ذلك وأن يميزهم عن ثوار التحرير، الذين لا نعرف لهم زيا موحدا ولا سمتا مميزا ولا علامة بارزة تسمح للناظر بأن يتعرف عليهم بالعين المجردة من على بعد أكثر من مائة متر. ثم لابد أن يلفت نظرنا أنه ظهر فى المؤتمر الصحفى الذى عقده نائب قائد المنطقة المركزية، وكأنه جاء لكى يعطى شهادة براءة للقوات المسلحة والداخلية.
 
الأهم من كل ذلك أن رواية الرجل تقول إن أولئك الأشخاص يمثلون الطرف الثالث الذى دأبت الأبواق الرسمية على الإشارة إليه باعتباره المسئول عن الأحداث الجسام التى تطل علينا بين الحين والآخر. ذلك أننا درجنا على استقبال شهادات مماثلة عبرت عنها تصريحات وبيانات رسمية تقول إن القوات المسلحة بريئة وإن الشرطة وقفت لكى تحرس الناس وتحميهم، وإن المتظاهرين كانوا سلميين ومؤيدين ومن شباب الثورة «الكُمَّل»، لكن المشكلة فى الطرف الثالث الذى دأب على أن يندس وسط المتظاهرين، لكى يعكر الأجواء ويوقع بينهم وبين الشرطة والجيش.
 
هؤلاء «الأبالسة» الذين تنشق عنهم الأرض فى كل مناسبة لم يستطع أحد أن يبصرهم بعينيه ولا أن يقتفى أثرهم أو يدلنا على مكانهم. ولأسباب غير معلومة فإنهم يختفون فى المجهول، تماما كما أنهم يجيئون من المجهول، حتى كاد بعضنا يقتنع بأنهم ينتمون إلى عالم الجن والعفاريت. خصوصا أن أجهزتنا الأمنية التى قيل لنا يوما ما بأنها ترصد دبيب النمل وتحصى أوراق الشجر المتساقط فى البلد فشلت فى أن تعثر لهم على أثر.
 
وحده عميد معهد الدراسات الإسلامية بالإسكندرية الذى نجح فيما فشل فيه الجميع. وبعين «زرقاء اليمامة» التى تقول الرواية التاريخية أنها أبصرت وراء الأفق ما لم يبصره آخرون، بحدة البصر وعبقرية البصيرة، رآهم واستطاع أن يدقق فى ملامحهم جيدا، ويميزهم عن ثوار التحرير المعتمدين.
 
لعلها المصادفة التى جعلت شهادة الرجل مصدَّقة ومطابقة لرواية الأجهزة الأمنية والأبواق الرسمية، كما أنها مصادفة أيضا أن يظهر الشيخ واللواء فى مناسبة واحدة. لكن ملاحظتى الأساسية أن إخراج المشهد اتسم بسذاجة تشى بأن السيناريو أعده مخرج مبتدئ فشل فى السينما فقرر أن يوظف خبرته المتواضعة فى خدمة الأمن الذى هو فى خدمة السياسة.
 
لا أعرف كيف أحصى الشيخ الثلاثين «عفريتا»، وقسمهم بين لصوص يسرقون، ومتآمرين يطلق بعضهم الرصاص على المتظاهرين، فى حين يوجه البعض الآخر نيرانهم صوب عناصر الأمن المركزى. وإذا غضضنا الطرف عن أن الذين يسرقون لا يمارسون مهمتهم فوق السطوح. حيث لا يوجد شىء يسرق، الأمر الذى يجعل إحصاءهم متعذرا، فإن الرسالة التى قرأتها فى الشهادة المنشورة كانت كالتالى: هذا شيخ معمم قادم من الإسكندرية معقل السلفية رأى بأم عينيه ما نحاول أن نقنع الناس به لكنهم لا يصدقون أن العسكر جميعا ــ شرطة وجيش ــ أبرياء من دم المصريين، براءة الذئب من دم ابن يعقوب. إلا أن «الأبالسة» الذين لا يريدون لمصر خيرا هم الذين لا يكفون عن الظهور فى كل مناسبة قاصدين تشويه صورة العسكر والوقيعة بينهم وبين الشعب. وقد رآهم الشيخ المبروك وهم يطلقون النار على الشرطة البريئة والمواطنين الشرفاء فى نفس الوقت، تماما كما فعلوا فى موقعة ماسبيرو وفى ميدان الأربعين بالسويس وإبراهيم باشا فى الإسكندرية.
 
السؤال الذى لم أجد له إجابة فى التقرير المنشور عن «رؤية» الشيخ علام هو: هل هذه «الرؤية» شاهدها الرجل فى اليقظة أم فى المنام؟!

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 139 مشاهدة
نشرت فى 27 نوفمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

 

 

                                      حتى الآن لا يبدو أن المصالحة تمت بين السلطة والمجتمع فى مصر، صحيح أن الحكومة استقالت، وتم تكليف حكومة جديدة، وأن ذلك ما كان له أن يحدث لولا أن المجتمع رفع صوته، وأعلن عن غضبه، واعتصمت جماهيره فى ميدان التحرير وبقية ميادين مصر تعبيرا عن احتجاجها على الإهانة التى لحقت بها. صحيح أيضا أن المجلس العسكرى عبّر عن أسفه على لسان رئيسه تارة، ثم قدم اعتذاره عما جرى فى حديث اثنين من أعضائه فى وقت لاحق، إلا أن البطء فى تدارك الموقف من جانب والتلكؤ فى تقديم الاعتذار إلى حد «تقسيطه» على أكثر من مرة أفقده مفعوله، خصوصا أن المطالبة بالاعتذار صدرت حين تم الانقضاض على معتصمى ميدان التحرير صبيحة السبت الماضى 19/11، حين كانت حصيلة «الغارة» قتل اثنين فقط من المحتجين وإصابة نحو عشرة أشخاص. لكن حينما استمر عدوان الشرطة، ووصل عدد القتلى إلى نحو أربعين شخصا، وأصبح المصابون بالمئات. وبدا أن القمع يزداد شراسة وعنفا يوما بعد يوم، فإن الأمر اختلف كليا، إذ تعمق الجرح واتسعت بحيرة الدم وتضاعف الشعور بالإهانة والنقمة، التى جاوزت وزارة الداخلية والحكومة، وطالت المجلس العسكرى ذاته، وهو الذى تدخل دفاعا عن كرامة المصريين وصونا لدمائهم. لكن بعد تسعة أشهر من تسلمه للسلطة اكتشف المصريون أن كرامتهم لا تزال تهدر وأن دماءهم لا تزال مستباحة، وأن الثمن الذى دفعوه من شهدائهم فى بداية الثورة لم يكن كافيا لتحقيق أهداف الثورة. لذلك فإن خروجهم إلى الميادين والشوارع كان إعلانا عن إصرارهم على إنجاح ثورتهم واستردادهم لكرامتهم. وهى الرسالة التى لم تفهمها الأجهزة الأمنية  ولا المجلس العسكرى للأسف طوال الأسبوع الماضى على الأقل، بدليل أنها واصلت القمع الذى ثار الناس لإيقافه وطى صفحته. 
منذ اليوم الأول دعوت إلى اعتذار علنى ومحاسبة للمسئولين عن إهانة المصريين، ناهيك عن أهالى الشهداء وغيرهم من المصابين. وإذا كنا قد تلقينا اعتذارا خجولا، فإننا لن نقتنع بجديته إلا إذا أعلن المجلس العسكرى بصراحة وبغير مواربة عن أن الذين اسالوا دماء المصريين مجددا سوف يحاسبون جنائيا وسياسيا.
 
أيا كان رأينا فى مطالب ثوار التحرير التى نشرتها الصحف، فإننى أزعم أن رد الإهانة التى لحقت بالمصريين على مدى الأسبوع مطلب كان يستوجب استمرار الاحتجاج والاعتصام. لذلك فإننى لست من مؤيدى الإسراع بإخلاء ميدان التحرير، ما لم يرد لجماهير الثورة اعتبارها، وما لم يدرك المجلس العسكرى أن خطأه فى حقها يجب أن يصحح بلا تردد أو تأخير.
 
على صعيد آخر، فإننى ما زلت عند رأيى فى أن إجراء الانتخابات فى موعدها يشكل ضرورة قصوى، ليس فقط لكى تشكل فى مصر مؤسسة منتخبة تمثل الشعب حقا تستطيع أن تراقب وتحاسب، وتخرجنا من دوامة المزايدات السياسية التى نعيش فى ظلها منذ قامت الثورة. ولكن أيضا لأن تلك هى الخطوة الأولى باتجاه تسلم السلطة من المجلس العسكرى. إذ فى هذه الحالة فإن الوزن السياسى للمجلس المنتخب سيكون أقوى بكثير من وزن المجلس العسكرى الذى أدى دوره مشكورا فى حماية الثورة، ذلك أن المجلس المنتخب أهم بكثير من أى مؤسسة حكومية حتى إذا ضمت عدوا من الرجال الوطنيين والشرفاء. فضلا عن ذلك فإن الانتخابات ستتيح لنا أن نعرف الحجم الحقيقى للقوى التى تتزاحم فى الفضاء السياسى المصرى، الأمر الذى يوفر لنا صورة طبيعية للخريطة السياسية، بدلا من تلك المشوهة والمفتعلة المتداولة الآن.
 
لست من أنصار فكرة تشكيل مجلس رئاسى موازٍ للمجلس العسكرى، ليس فقط لأنه أما أن يكون معينا من قبل المجلس، وفى هذه الحالة فإنه سيكون بمثابة حكومة موازية أو أنه سيضم تشكيلة من القانونيين الذين يتبوؤن مناصب رفيعة فى الهيئات القضائية. ورغم أن ذلك مخالف للإعلان الدستورى، فإنه يورط هؤلاء الخبراء فى الملف السياسى الذى لا دراية لهم به.
 
كما أننى لم أفهم تلك الدعوة التى أطلقها البعض لرحيل المجلس العسكرى، دون أن يقدموا لنا بديلا معقولا عنه، علما بأن التصويت فى الانتخابات هو خطوة فى الطريق إلى رحيل ذلك المجلس.
 
من ناحية أخرى، فإننى لست ممن يؤيدون فكرة تأجيل الانتخابات، التى تعد مغامرة قد تضيع علينا فرصة الانتخابات كلها إذا جدت أمور استدعت ذلك. وأتفق مع القائلين بأن إجراء الانتخابات فى موعدها يعد نوعا من المغامرة، لكنى أضيف أن المغامرة ستكون أكبر إذا ما تأجلت الانتخابات. وفى أحد المقابلات التليفزيونية التى أثير فيها الموضوع قلت إننا نختار فى المشهد الراهن بين سيئ وأسوأ وليس بين جيد وردىء. بما يعنى أنه إذا لم يكن إجراء الانتخابات فى موعدها وضعا مثاليا فإن تأجيلها يضعنا على أعتاب وضع أشد بؤسا.
 
خلاصة الكلام أنه إذا كان الاعتصام ضروريا وإجراء الانتخابات فى موعدها لازما، فلماذا لا يعتصم الناس وينتخبون فى نفس الوقت، خصوصا نتحدث عن المرحلة الأولى فقط. حتى إذا اقتضى الأمر توزيع اللجان الانتخابية على مقرات مؤقتة فى الميادين التى تجتمع فيها حشود الغاضبين، لكن ذلك كله يظل مشروطا بأمر واحد هو أن تستمر «الهدنة» بين الشرطة والمتظاهرين.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 97 مشاهدة
نشرت فى 26 نوفمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

       أيام الزمان الجميل كان شعار الشرطة في مصر هو ( الشرطة في خدمة الشعب ) أما في عهد مبارك والفلول والمجلس العسكري فقد تغير الشعار الي ( الشرطة في قتل الشعب ) ياسلام علي التغير الحالي في مصر هذا هو (التطور الطبيعي للسكوت علي الظلم ) في مصر أتذكر قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة أبن سيدنا عمرو بن العاص حين ضرب أبن القبطي المصري فذهب والد القبطي مسافرآ الي المدينة المنورة من أجل شكوي ذلك لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبعد أن حل المشكله للقبطي وأعطاه حقه كاملآ وقال لأبن القبطي أضرب أبن الاكرمين كما ضربك ففعل ذلك أبن القبطي وأخذ حقه -  لم يكتفي سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه بذلك بل قال له أضرب عمرو بن العاص علي رئسه فأبي ورفض ذلك القبطي وقال يأمير المؤمنين جئت أشتكي من أبن عمرو وليس عمروبن العاص ورضي القبطي بذلك تمامآ - قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن العاص قوله التاريخي الشافي الكافي في العدل لحقوق العباد علي مر الزمان والذي جعلآ دستورآ يؤخذ به بعد ذلك حتي نساه المسلمون خاصة الحكام والقضاة منهم ( متي أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار ) العيب ليس في الزمان ( نعيبو زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا ) ولآالمكان ولكن العيب فينا قبل الحكام الذين قد باعوا أوطانهم بكل شئ رخيص من أجل كرسي الحكم والطمع الذي أعمي عيونهم وأمات قلوبهم - فا الحاكم يقوي الزبانة من حوله لظلم الراعية وأغتصاب كل حقوقهم في العيش بسلام ومحبه وأطمئنان ويسلبون الحقوق ويرعبون خلق الله ويظلمون ويدخلون من يدافع عن الحق غيابات السجون و ينكلون به أشد أنواع العذاب - فقد جعل كرسي الحكم من كل من جلس عليه طاغية عصره وآوانه -  ( لكي الله يامصر وياشعب مصر ) - أن الله يمهل ولآ يهمل - أنظروا في التاريخ جيدآ هل فلت طاغية من عقاب الله بين شعبة قبل أن يلآقي ربه لآ  والدليل هو أقرب طاغية في عالمنا العربي كان القذافي -  لكل طاغية نهاية كما كانت له بداية فلينظر ألي نفسة حينما كان لايسوي شئ بين الناس في هذا الوطن هل فعل به أحد مثل ما يفعل هو الآن - وأن كان قد ضرة أحد- وعوضه الله خيرآ كثير وأعطاه الله الملك والحكم  فلماذا لم يعدل فمن ذاق طعم الظلم غالبآ يحكم بالعدل - وللآسف قد ضاع العدل والآمان والاستقرار في مصر خلال هذة الفتره الزمنية الحالية لكثير من الاسباب أذكر منها سبب واحد  الآ وهو الضمير وأختم بقول الله تعالي في القرآن الكريم  ( إن الله لآ يغير ما بي قوم حتي يغيروا ما في أنفسهم ) ودولة الظلم ساعة ودولة العدل الي قيام الساعة  - والبقاء لله في عالمنا العربي الذي ضاع فيه الحق بسبب الحكام والملوك والسلآطين والرواساء  - فأذكروا الله وعدلوا من أنفسكم حتي ينصركم الله عليهم جميعآ -  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

                                                                                                  ما يحدث فى مصر الآن غير قابل للتصديق، حتى أزعم أنه أقرب إلى اللامعقول منه إلى المبرر أو المعقول. ففى أى بلد محترم ــ أو يزعم أنه كذلك ــ لا يتصور أحد أن يخرج الناس للتظاهر أو الاعتصام السلمى، فيقتل منهم نحو ثلاثين شخصا ويشوه أو يصاب عدة مئات. إننا نرى المتظاهرين فى الدول الديمقراطية وهم يضحكون حين تحملهم الشرطة أثناء فض المظاهرات، فى حين رأينا الشرطة فى ميدان التحرير وهى تجر جثة أحد المتظاهرين وتلقى بها إلى جوار القمامة. وفى كل بلاد الدنيا المحترمة يخرج المتظاهرون وهم مطمئنون إلى أنهم سيعودون إلى بيوتهم آخر النهار. أما عندنا فقد وجدنا بعض الشباب وقد كتبوا قبل خروجهم أرقام هواتف أهاليهم على أذرعهم، لكى يستطيعوا التعرف عليهم فى مشرحة زينهم (التى تحول إليها الجثث) أو فى المستشفيات. كأن الاشتراك فى مظاهرة سلمية أصبح من قبيل الإقدام على عملية استشهادية أو انتحارية، حتى لم يبق أن يكتب هؤلاء وصاياهم قبل مغادرة بيوتهم والالتحاق بالمظاهرة. 

إذا تململت فى مقعدك وقلت إننى أفسدت ملاحظتى حين أشرت إلى الدول «المحترمة»، وكنت واحدا ممن باتوا يشكون فى أننا كذلك، فربما كان معك بعض الحق. لكن لدى اعتبار آخر يقوى من حجتى، ذلك أننا إذا استبعدنا مسألة الدولة المحترمة التى لا ينبغى أن تلجأ إلى ذلك القمع، فإنه يظل من غير المعقول أيضا أن يحدث ذلك فى ظل ثورة انتفض فيها الشعب دفاعا عن كرامته، ثم بعد تسعة أشهر يفاجأ الشعب بأن السلطة الجديدة عادت لتدوس على كرامته مرة أخرى. صحيح أننا سمعنا وقرأنا عن ثورات أكلت أبناءها، وكان المقصود بذلك أن الثوار بعد نجاحهم كثيرا ما يلجأون إلى تصفية بعضهم البعض، أثناء صراعهم حول المغانم، لكننا لم نسمع عن ثورة قتلت شعبها إلا فى ظل ثورتنا المجيدة.
 
حين يحدث ذلك القتل بحق الشعب المسالم، وحين يثبت أن القتلة قصدوا إصابة ضحاياهم فى أعينهم، وحين يتبين أن رجال الأمن يستخدمون قنابل مسيلة للدموع ذات مواصفات خطرة تصيب المتظاهرين بالاختناق وربما أدت إلى موت بعضهم ــ فإنه يصبح من غير المعقول أن يبقى وزير الداخلية فى منصبه نهارا واحدا بعد ذلك. وتصبح مهزلة أن تستمر الحكومة فى موقعها وكأن شيئا لم يكن. ولا يكفى فى ذلك أن تستقيل الحكومة. ذلك أنه بكل المعايير فإن كل المسئولين ذوى الصلة بالموضوع يصبحون مدانين ومتهمين، من الناحيتين الجنائية والسياسية. وتصبح تنحيتهم أمرا مفروغا منه. شريطة ألا تكون التنحية إعفاء لهم من المسئولية فحسب، وإنما أيضا تمهيدا لمساءلتهم ومحاكمتهم على الجرائم التى ارتكبت بحق الشعب، بعلمهم أو بغير علمهم ولكن بأيدى رجالهم، وهو ما يعد ضرورة وطنية لا ينبغى التسويف فيها.
 
فى كل بلاد الدنيا فإن الثورة ضد أى نظام تنتهى باقتلاعه وإقصاء أركانه عند الحد الأدنى، إلا أن ثورتنا المجيدة قام بها الشعب ضد نظام مبارك، ثم سلمها إلى مؤسسات ذلك النظام، وكانت النتيجة أن الثوار أصبحوا يساقون إلى المحاكم العسكرية فى حين أن مبارك ورجاله باتوا يتدللون أمام المحاكم المدنية.
 
لقد غضبت جماهير الشعب المصرى حين أدركت أن شبابها يقتلون على أيدى رجال الأمن، فوزعت شرارات الغضب على كافة أنحاء مصر بعد الذى جرى يوم السبت الماضى، حين انقضت قوات الأمن المركزى على عشرات المعتصمين فى ميدان التحرير من أهالى الشهداء وغيرهم من المصابين فى مظاهرات إسقاط نظام مبارك، وفى نهاية أسبوع من المظاهرات العارمة والاشتباكات العنيفة مع قوات الشرطة والجيش. وهى الاشتباكات التى ظل القتلى والجرحى يتساقطون فيها كل يوم. قيل لنا إن المشير طنطاوى سيلقى أخيرا كلمة انتظرناها منه، تهدئ الثائرين وتطفئ نار الحريق المشتعل. لكننا فوجئنا بأن المشير عبر فقط عن الأسف لما جرى دون أى اعتذار أو إشارة أن محاسبة المسئولين عن جرائم قتل المتظاهرين، وأنبأنا بأنه قبل استقالة الحكومة، ثم حدثنا عن المستقبل قفزا فوق كل ما جرى فى الحاضر.
 
طوال الدقائق التى تحدث فيها المشير لم أر على شاشة التليفزيون سوى بقعة دم كبيرة تطل منها رءوس الشهداء وتتناثر أشلاؤهم أرجائها. وجدت أن «حق الدم» تم تجاهله وأرواح الشهداء طردت من الفضاء، وهدير الغاضبين الثائرين على المهانة والإذلال صار بغير صدى. اعتبرت ذلك نموذجا آخر للامعقول الذى بات عنوانا عريضا مكتوبا على جدران مصر. وأحزننى أننى رأيت بعد ذلك صورة على اليوتيوب للمشير وهو يؤدى التحية العسكرية، لكن الذين وضعوا الصورة لطخوا يده المرفوعة بالدماء، وأوجعنى كثيرا ما سمعته من أن الذين هتفوا ذات يوم بأن الشعب والجيش يد واحدة، غيروا رأيهم وهتفوا هذا الأسبوع قائلين الشرطة والجيش يد ملوثة!

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 87 مشاهدة
نشرت فى 24 نوفمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

TAHA GIBBA

TAHAGIBBA
الابتسامة هي اساس العمل في الحياة والحب هو روح الحياة والعمل الصادق شعارنا الدائم في كل ما نعمل فية حتي يتم النجاح وليعلم الجميع ان الاتحاد قوة والنجاح لا ياتي من فراغ »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

586,498

السلام عليكم ورحمة الله وبركات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته