الاخبار والسياسة في مصر والعالم العربي والعالمي

edit

 

                                            خلال مؤتمر «الصحوة» الذى شهدته فى طهران. كان هناك حضور قوى للافتات التضامن مع المظلومين فى البحرين، ولا ذكر على الإطلاق لمظلومية الشعب السورى. بل إن مجرد ذكر محنة السوريين الراهنة كان يفتح الباب لسجال أثناء المناقشات تعلو فيه أصوات المدافعين عن نظام دمشق باعتباره رائد الممانعة وحامى حمى المقاومة، والمستهدف من قوى الاستكبار المتحالفة مع الصهيونية. حتى حينما قلت إننا مع المظلومين فى البلدين، فإن ذلك لم يعجب المدافعين عن الرئيس بشار الأسد وجماعته، وظللت ألاحق طوال الوقت بالتحفظات والاعتراضات من جانب بعض الإيرانيين المتحمسين وآخرين من الشبان البحرانيين الذين هربوا من بلادهم ولجأوا إلى إيران، حيث انطلقوا منها للدفاع عن قضيتهم بشتى الوسائل.
أكثر ما أقلقنى فى الموقف الإيرانى أنه غلب الحسابات والمصالح السياسية على الموقف المبدئى. إذ ليس سرا أن ثمة تحالفا استراتيجيا بين طهران ودمشق، وأن ذلك التحالف كان له أثره الفعال فى دعم المقاومة الوطنية اللبنانية ممثلة فى حزب الله وحلفائه. كما أنه أسهم فى تثبيت موقف النظام السورى ومساندته فى مواجهة الكثير من العواصف التى تعرض لها. وفى الوقت ذاته فإنه أفاد إيران من زاويتين، الأولى أنه كسر طوق العزلة التى فرضتها عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها، والثانية أنه مكن إيران من أن تلعب دورا مؤثرا فى الخريطة السياسية للعالم العربى.
 
أهم من ذلك التحالف واسبق عليه أن الثورة الإسلامية فى إيران قامت أساسا ضد الظلم، ولها مواقفها المشهودة فى الدفاع عن المظلومين والمستضعفين، ودفاعها القوى منذ لحظات انتصارها الأولى فى القضية الفلسطينية ينطلق من هذا الموقف المبدئى والأخلاقى. وثورة هذا منطلقها وموقفها ما كان لها أن تسكت على الوحشية والبشاعات التى يتعامل بها النظام السورى مع معارضيه، ليس فقط لأسباب إنسانية وأخلاقية ولكن أيضا لأنهم مسلمون موحدون بالله. تفترسهم بلا رحمة أجهزة النظام و«شبيحته»، وتعاملهم بأسوأ مما يتعامل به الإسرائيليون مع الفلسطينيين. وأشك كثيرا فى أن المسئولين الإيرانيين يجهلون كل ذلك، ويدهشنى للغاية أن يكونوا عارفين، ثم يتجاهلون ويلتزمون الصمت، كما أننى استغرب كثيرا أن يكونوا قد غرر بهم، بحيث صدقوا أن الحاصل جزء من مؤامرات الإمبريالية والصهيونية.
 
فى هذا المشهد كان واضحا أن كفة المصالح رجحت على كفة المبادئ، الأمر الذى يدعونى آسفا إلى القول بأن ذلك يسحب الكثير من الرصيد الأخلاقى للجمهورية الإسلامية، الذى يفترض أنه أكثر ما يميز انتماءها الإسلامى. لا أنكر أن الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد خفف الصورة بصورة نسبية خلال الأسابيع الماضية، حين قال إن النظام السورى يتعين عليه أن يستجيب لرغبات الشعب، لكن هذا التصريح بدا وكأنه مجرد خط أبيض فى لوحة كبيرة غارقة فى الدم، تواجد حقا لكنه لم يغير شيئا من الصورة.
قلت لمن ناقشنى من الإيرانيين أننى متفق مع كل ما يقولونه عن موقف النظام السورى إزاء القضية الفلسطينية والمقاومة اللبنانية وانحيازه إلى صف الممانعة، وذلك كله مما يحسب له لا ريب. ويمكن أن نعتبره الجزء الملآن من الكوب. لكن الشق الآخر الذى يتعلق بالسياسة الداخلية ويعد القمع الوحشى وغير الإنسانى عنوانا له لا يمكن اغتفاره تحت أى ظرف. ولا ينبغى السكوت على القتل والسحل وتقطيع أوصال المعارضين بحجة الحفاظ على الممانعة والموقف القومى، حيث لا يمكن أن يكون النظام شريفا فى علاقاته الخارجية وقاتلا لشعبه فى الداخل. ومن شأن استمرار هذا المنطق أن يكفر السوريون بالممانعة والمقاومة وبالخط القومى إذا أدركوا أن تلك العناوين ضرورية لتسويغ إذلالهم والاستمرار فى قتلهم بصورة يومية. ولولا أصالة الشعب السورى وصدق انتمائه القومى لأشهر المتظاهرون ذلك الكفر منذ بداية انتفاضتهم قبل ستة أشهر. حيث مبلغ علمى أن الجماهير الغاضبة مع كل تلك العناوين، لكنها أيضا مع الدفاع عن حريتها وكرامتها وكبريائها.
 
قلت للشبان البحرانيين الذين عاتبونى لأننى لم أكتب عن معاناة أهلهم، أننى متضامن مع مظلوميتهم، وأرى أنهم ينبغى ألا يكفوا عن المطالبة بوقف الانتهاكات التى يتعرضون لها وبحرية الانتخابات، لكنى لا اتفق مع دعوة البعض منهم لإسقاط النظام فى البحرين، حيث ذلك مطلب يتجاوز بكثير السقف الذى تحتمله خرائط منطقة الخليج. ودعوتهم إلى تمثل التجربة الكويتية، التى كانت قد لحقت بالبحرين فى الممارسة الديمقراطية. ذلك أن المعارضة هناك تعمل من خلال النظام وقد تشتبك معه لكنها لم تطرح فكرة تغييره أو إسقاطه. لم أعرف بالضبط مدى اقتناعهم أو استجابتهم لما سمعوه منى، لكننى أرضيت ضميرى وقلت كلمتى ومشيت.

 

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 160 مشاهدة

 

 

 

عثر ثوار ليبيون على اللاب توب الشخصي لـ “هنيبعل القذافي” الموجود منذ الشهر الماضي في الجزائر التي لجأ إليها مع ولديه وزوجته عارضة الأزياء اللبنانية السابقة، إيلين سكاف، وجد الثوار الكثير من تفاصيل “الفردوس الأرضي” الذي كان يعيشه النجل الأوسط للقذافي، ومنها صور له ولزوجته التقطت وهما على سفر بالخارج، في أوروبا وتونس بشكل خاص.
بعض الصور، وهي من دون تاريخ، كانت في أرشيف خاص داخل اللاب توب الذي عثروا عليه في منزل الزوجين بالعاصمة الليبية طرابلس وتعرفوا على كل ما فيه، وهناك صور أخرى بالعشرات وجدوها خارج الأرشيف، فاختاروا بعضها وقرروا نشره للتأكيد بأن العقيد كان يدعي الثورية، إلى درجة أنه فشل حتى بتغيير نمط الحياة الباذخ لأبنائه الثمانية، وأشهرهم “بلاي بوي ليبيا” كما يسمونه، وهو المشاكس الدولي هنيبعل البالغ من العمر 36 سنة.
ومن الصور ما يظهر فيه هنيبعل وزوجته وهما في باريس، حيث يبدوان في إحدى اللقطات داخل غرفتهما في أحد فنادق العاصمة الفرنسية، وهناك صور لهما في روما، وأخرى في مطعم بتونس، وواحدة تبدو فيها إيلين سكاف قرب مسبح داخل فيلا العائلة على البحر، وقد ارتدت من الثياب ما هو شبيه بالأزياء التي تعرضها عارضات الأزياء ونشاهدها في عروض خاصة.
والأرشيف المصور يؤكد أن العقيد القذافي لم يكن يمنع أولاده من الإثراء من المال العام بأسلوب السهل الممتنع كما كان يزعم، لأن الصور تؤكد أن الزوجين كانا يعيشان حياة من البذخ تحتاج لتستمر إلى مئات الآلاف من الدولارات كل شهر، فالكثيرون كانوا يرون هنيبعل يتنقل مع زوجته في أوروبا باليخت أو بطائرة خاصة حاملا معه شلة من الخدم وينزل في أفخم الفنادق.

كذلك تبدو إيلين سكاف عبر الصور وهي ضاربة تقاليد الليبيين المحافظة بعرض الحائط، مع أنها ولدت قبل 31 سنة وترعرعت في قرية محافظة بلبنان، هي “سبعل” في قضاء زغرتا بالشمال اللبناني.
وكانت إيلين تزوجت مدنياً من هنيبعل في 2003 بكوبنهاجن، حيث كان يتلقى علومه، ثم عقدا زواجا ثانيا بعقد شرعي إسلامي في طرابلس، وهو زواج تلا عامين من صداقة بدأت في 2002 بشرم الشيخ وأثمر عن ولادة طفلهما الأول، هنيبعل جونيور، في 2005 بالمستشفى الأمريكي في باريس، وبعده بأقل من 3 سنوات ولدت طفلة لهما اسمها أليسار، وعلى الطريق قبل نهاية العام هناك طفل ثالث سيبصر النور، لأن سكاف حامل بشهرها السادس في الجزائر.

وعملت سكاف لفترة قصيرة كعارضة أزياء في لبنان الذي اعتادت زيارته بعد الزواج مرة أو مرتين في العام، حيث كانت تتنقل بين بلدتها سبعل أو فيلا تملكها في منطقة أدما، القريبة 20 كيلومترا إلى الشمال من بيروت. .في آخر تسريبات من ليبيا، أظهرت صور مُصادرة من اللاب توب الشخصي لابن العقيد الليبي -هنيبعل القذافي- نبذة عن حياة الرفاهية التي كان يعيشها مع زوجته اللبنانية العارضة ألين سكاف في شتى بقاع الأرض.

وأظهرت الصور -التي وزعها المجلس الانتقالي الحاكم في ليبيا- الزوجين في أحضان بعضهما، علما أن ألين كانت تعمل في مهنة عرض الملابس الداخلية قبل أن تتزوج هنيبعل.
وسربت صور أخرى لألين في مواضع مغرية، كما كشفت بعض الصور تناول الزوجين مشروبات كحولية ممنوعة في ليبيا بقرار من والده معمر القذافي نفسه.
والتقطت إحدى الصور لهما أثناء عشاء رومانسي في أحد المطاعم التونسية.
وظهر في عدة صور كلاب ألين وأخرى على متن يخت في شرم الشيخ بمصر، وأخرى أثناء نزهة في الطبيعة بدا في خلفيتها سيارة هنيبعل من نوع هامر.
وتضمنت ملفات اللاب توب معلومات عن تحويلات مصرفية هائلة بنحو 23 مليون دولار إلى حسابات هنيبعل.
وكان الزوجان قد تسببا في أزمة دبلوماسية بين ليبيا وسويسرا بعدما اعتقلا بتهمة الاعتداء على خادمتين (تونسية ومغربية) داخل أحد الفنادق الراقية في العام 2008، وطالب وقتها القذافي الحكومة السويسرية بالاعتذار والإفراج عنهما.

ويحفل تاريخ هنيبعل بالجرائم والجنح، حيث أُدين بالاعتداء على صاحبته الحامل في فرنسا، وتم اعتقاله لمدة 4 أشهر مع وقف التنفيذ ودفع غرامة قيمتها 500 يورو.

 

زوجة هنيبعل اللبنانية ايلين سكاف على طاولة بلياردو

 

 

 

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 1077 مشاهدة

 

 

      لايزالون يصرون فى إيران على أن ثورات العالم العربى من أصداء الثورة الإسلامية التى قامت هناك قبل ثلاثين عاما. وقد هيمنت هذه الفكرة على أجواء المؤتمر الدولى للصحوة الذى انعقد فى طهران خلال يومى 17 و18 الحالى، ودعى إليه نحو 750 شحصا من أنحاء العالم، بينهم 20 مصريا من ذوى الصلة بالموضوع كنت أحدهم. وأمام حماس الكثيرين لتبنى الفكرة التى بدت محورية فى المؤتمر، ضاعت أصوات من ارتأوا أن الأمر ليس كذلك بالضرورة. وكان الشيخ جمال قطب العالم الأزهرى المعروف أول الذين فتحوا السجال حول هذه النقطة، حيث استشهد بثورة مصر التى شارك فيها الجميع باختلاف توجهاتهم ومعتقداتهم، معبرين عن رفضهم الفطرى للمهانة والظلم. ودفاعا عن حقهم فى الكرامة والحرية، وكان الدكتور إبراهيم الجعفرى رئيس الوزراء العراقى الأسبق أبرز الذين انكروا عليه موقفه وكرر إصراره على أن ما حدث فى مصر وفى بقية الأقطار العربية الأخرى لا يمكن إلا أن يكون صدى للثورة الإسلامية التى قادها آية الله الخمينى. 

أدهشتنى الفكرة، إذ أزعم أنها تبالغ كثيرا فى تأثير الثورة الإيرانية، التى لا أختلف فى كونها حدثا تاريخيا مهما فى القرن العشرين، لكن قيامها لا يصلح تفسيرا لكل الثورات التى حدثت بعدها فى العالم الإسلامى، والعربى ضمنا. يؤيد ذلك أن ثورات العالم العربى تلاحقت بعد نحو ثلاثين عاما من انطلاق الثورة الإيرانية. وهى فترة كافية فى التدليل على انقطاع الصلة بين ما جرى فى العالم العربى وبين الحدث الإيرانى الكبير. ناهيك عن أن ثورات العالم العربى وقعت فى وقت خبا فيه بصورة نسبية وهج الثورة الإيرانية ذاتها. وإذ فهمت أن يتصور الذين قاموا بالثورة الإيرانية فى عام 79 أنهم سوف يغيرون العالم من حولهم، وهى الفكرة التى تراود كل الثوار حين تستبد بهم نشوة النصر، كما حدث عقب الثورة الفرنسية والبلشفية وحتى ثورة عبدالناصر فى مصر عام 1952، لكنى لم أتوقع أن يستمر ذلك الحماس طيلة ثلاثين عاما، بحيث يعقد المؤتمر الدولى الأول للصحوة الإسلامية بعد تلك المدة الطويلة.
 
حين أتيح لى أن أتحدث فى لجنة طلب منى إدارة الحوار فيها، قلت إن انتفاضات الشعوب لها تاريخ فى العالم العربى. ومن أبرز تلك الانتفاضات الشعبية ما حدث فى السودان فى عام 1963، حين نجح الشعب وليس الجيش فى إسقاط حكم الفريق إبراهيم عبود، من خلال إعلان الإضراب العام الذى كان تعبيرا عن المقاومة السلبية والسلمية. وكانت الثورة الإسلامية فى إيران بمثابة انتفاضة كبرى أسقطت فيها الجماهير عرش الشاة عام 79. وفى عام 87 انطلقت انتفاضة الشعب الفلسطينى ضد الاحتلال الإسرائيلى، وتكررت تلك الانتفاضة فى عام 2000 وبعد ذلك (عام 2007) خرجت الجماهير اليمنية إلى الشارع فيما سمى بالحراك الجندى، الذى من عباءته انطلقت ثورة الشعب اليمنى التى لاتزال تطالب برحيل الرئيس على عبدالله صالح، وفى بدايات هذا العام (2011) تفجرت الثورة فى تونس وانتقلت شرارتها إلى مصر، وتوزعت بعد ذلك الشرارات على أقطار عربية عدة. بين كل هذه الثورات الشعبية كانت الإيرانية وحدها التى وصفت بأنها إسلامية، لأسباب يطول شرحها بعضها يتصل بتصدى الفقهاء لقيادتها، والبعض الآخر يتصل بخصوصية المذهب الشيعى الذى ظل طوال أكثر من 12 قرنا فكرة بلا دولة. وحين حانت الفرصة فإن المرجعية الشيعية تشبثت بها ونصت فى الدستور على أن إيران دولة إسلامية تعتمد المذهب الجعفرى الإثنى عشرى. وهى المادة 12 التى اعتبرت أبدية وغير قابلة للتغيير.
 
قلت أيضا إن ثورة الاتصالات أحدثت متغيرات هائلة فى العالم وسعت من مدارك الناس ورفعت من مستوى وعيهم، وتبادل خبراتهم. حتى أصبح خروج جموعهم إلى الشوارع والميادين للتعبير عن الغضب أو إعلان المطالب، ظاهرة إنسانية برزت هذا العام، خصوصا بعد الدوى الذى أحدثته الثورة المصرية فى أنحاء العالم من الولايات المتحدة إلى إسرائيل. وهو ما يجعلنا بإزاء صحوة إنسانية، يشارك فيها كل الباحثين عن حقوقهم والمدافعين عن كرامتهم، باختلاف منطلقاتهم إسلامية كانت أو غير إسلامية.
 
قلت أخيرا إننا ينبغى أن نتواضع فى تقديرنا لأنفسنا ولغيرنا. فلا نكتفى بالنظر فى المرآة لنرى وجوهنا دون غيرها، وإنما يتعين علينا أيضا أن ننظر حولنا لكى نعرف ما يحيط بنا، ولا غضاضة فى أن نتعلم من غيرنا. وفى كل الأحوال ينبغى أن ندرك أننا لسنا بداية التاريخ ولا نهايته، وإنما نحن إحدى حلقاته فقط. وغاية ما نتطلع إليه أن نكون حلقة مشرِّفة لشعوبنا ولديننا.

 

 

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 119 مشاهدة

 

 

             محكوم علينا فيما يبدو أن نظل ندور فى فلك الثنائيات التى تضيع الوقت وتستهلك الطاقات بلا مبرر، فقد أهدرنا وقتا غير قليل فى الجدل حول أيهما أولا الدستور أم الانتخابات. ثم انتقلنا إلى المفاضلة بين الدولة المدنية والدينية، ودخلنا فى مكلمة المبادئ الحاكمة وفوق الدستورية وعلاقتها بالدستور. بعد ذلك وجدنا أنفسنا وسط الجدل حول الانتخابات وما إذا كنا نعتمد النظام الفردى أم القوائم النسبية، فى الوقت الذى بدا البعض يتجادل فيه حول النظام الرئاسى أم البرلمانى. 

الآن دخلنا نفقا جديدا، عبثيا هذه المرة، يتعلق بالطوارئ وهل هى انتهت أم أنها مستمرة حتى منتصف العام المقبل كما يوحى بذلك كلام بعض أعضاء المجلس العسكرى. وهم الذين انحازوا إلى السياسة وليس إلى الشرعية الدستورية. فى حين أن أهل القانون يعتبرون الأمر محسوما ولا يحتاج إلى مناقشة. يوم السبت الماضى 24/9 نشرت الأهرام مقالا محكما للمستشار طارق البشرى فى تبيان انتهاء الطوارئ. وقد تلقيت رسالة بذات المعنى من الأستاذ مدحت أبوالفضل المحامى، ووجدت أنها مفيدة ليس فقط لقوة الحجة فيها، ولكن أيضا لأن فى الإعادة إفادة كما يقال، هذه خلاصة الرسالة:
 
بمقتضى المادة 59 من الإعلان الدستورى تكون حالة الطوارئ قد انقضت بمرور ستة أشهر على صدور ذلك الإعلان ونشره فى الجريدة الرسمية. ولا ينال من ذلك ما جاء فى نص المادة 62 من الإعلان ذاته التى تقضى بأنه يبقى صحيحا ونافذا ما قررته القوانين واللوائح قبل صدوره، وذلك وفقا لما يعرف بمبدأ المشروعية، التى مؤداها أنه لا يصح أن يخالف تشريع أدنى أحكام التشريع الأعلى مرتبة منه.
 
فالمشروعية تعنى أن القواعد القانونية المدونة، أى التشريعات، تتدرج فيما بينها، بحيث تحتل القمة القواعد الدستورية، وتليها القواعد التشريعية أى الصادرة عن السلطة التشريعية، وأخيرا القواعد اللائحية التى تضعها السلطة التنفيذية. بمعنى أنه فى ظل مبدأ المشروعية لا يصح أن يخالف التشريع الأدنى التشريع الأعلى منه مرتبة. أى أن القانون لا يصح أن يخالف الدستور، واللائحة لا يصح أن تخالف القانون، وعلى ضوء هذه القاعدة المستقرة، يتعين تفسير نص المادة (62) من الإعلان الدستورى. وهذا التفسير يؤدى إلى القول بأن القوانين الصادرة من السلطة التشريعية قبل الإعلان الدستورى تكون صحيحة ونافذة ما لم تتعارض مع ذلك الإعلان.
 
وطالما أن الإعلان الدستورى ينص فى المادة 59 منه إنه لا يجوز أن تمتد حالة الطوارئ لأكثر من ستة أشهر، إلا بالاستفتاء الشعبى، فإن مقتضى مبدأ المشروعية أن يكون التشريع الصادر عن المجلس التشريعى المنحل بفرض حالة الطوارئ صحيحا ونافذ المدة المحددة فى الإعلان الدستورى، وهى ستة أشهر، بحيث لا يجوز مدها إلا بالاستفتاء الشعبى، وهذا هو التفسير الصحيح لحكم المادة (62) سالفة الذكر.
 
والقول بغير ذلك مخالف للمبادئ المستقرة قانونا وذلك لما يلى:
 
أولا: أن فى هذا القول خروجا على مبدأ المشروعية، إذ مؤداه سريان نص قانونى مخالف لنص أعلى منه هو نص دستورى يقرر أنه لا يصح استمرار حالة الطوارئ لأكثر من ستة أشهر بغير استفتاء شعبى يجيز ذلك.
 
ثانيا: أن الرأى القائل باستمرار القانون القديم الذى يفرض حالة الطوارئ لمدة تزيد على ستة أشهر بغير استفتاء شعبى، يتعارض مع قاعدة الإلغاء الضمنى للنص التشريعى، وهذه القاعدة تعنى أنه إذا صدر قانونان متعاقبان فى الزمان ومتناقضان فى الأحكام اعتبر القانون القديم منسوخا ضمنيا بالقانون الجديد. ويكون ذلك من باب أولى إذا كان الجديد نصا دستوريا لما هو مقرر من أن السلطة التى تملك الإلغاء هى السلطة التى أصدرت التشريع، أو سلطة أعلى منها.
 
ثالثا: أن هذا النظر يستند إلى تفسير غير صحيح لنظرية عدم رجعية القانون، ذلك أن معنى عدم الرجعية هو عدم المساس بما تم فى الماضى من تكوين أو انقضاء مراكز قانونية، وخلاف ذلك فإنه يكون للتشريع الجديد أثر فورى فيسرى على كل ما يقع بعد نفاذه ولا يستثنى من ذلك إلا المراكز العقدية غير المتعلقة بنظام قانونى يستقل الأفراد فيه بتنظيم أثاره بإراداتهم، أما ما عدا ذلك خاصة التشريعات التى تتصل بالنظام العام فتسرى فور صدورها. وعلى هذا الأساس يسرى بأثر فورى القانون الصادر بفرض سعر الزامى للعملة الورقية. أو قوانين العمل الجديدة. أو المتعلقة بنظام الملكية. والقوانين التى تحكم مركز واختصاص الموظف العام. ومن باب أولى القوانين المتعلقة بالحريات العامة فى الدولة.
 
أذكّر أخيرا بكلمة لواحد من رواد القانون الدستورى فى مصر، الدكتور وحيد رأفت، قال فيها: «إن الإسراف فى القوانين المنظمة للحريات، يكبل الحرية، ويغرس اليأس فى النفوس، ويزيل البسمة من الوجوه، فتصبح الحياة بلا طعم أو أمل»، ترى هل يفسر ذلك لماذا يمضى كل فرد فى مصر وعلى وجهه قتامة. وفى أدائه يأس وتراخ؟
 

 

 

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 113 مشاهدة
نشرت فى 28 سبتمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

 

 

      إذا لم ندرك أن الربيع العربى يتعرض للاختطاف فى المرحلة الراهنة، فمعنى ذلك أننا واهمون أو مغيبون، وأننا ما قرأنا نشرات أخبار الساعة، أو قرأناها ولم نستوعب مغزاها. 
 (1) 
فى 22 فبراير الماضى، بعد نحو عشرة أيام من تنحى الرئيس السابق،  نشر لى مقال تحت عنوان: ماذا يدبرون للثوار فى الخفاء؟ ــ وكانت الفكرة الأساسية فيه تقوم على أن الأمريكيين والإسرائيليين ظلوا طوال الثلاثين سنة السابقة يمدون جسورهم ويثبتون أقدامهم فى مصر، ويخترقون كل ما استطاعوا اختراقه من مواقع أو شرائح اجتماعية، لضمان استمرار نفوذهم والابقاء على مصر فى موقف التابع والمنكفئ. ولم يكن سرا أن تلك الترتيبات تمت تحسبا ليوم يحدث فيه أى تغيير «دراماتيكى» فى مصر، كما قيل آنذاك صراحة. وإذ استشهدت فى ذلك بما توفر لدى من وثائق، فإن السؤال الذى طرحته كان كالتالى: هل ذهب كل ذلك الجهد هباء، ومتى وكيف سيتم استثماره؟
 
ما لم أذكره حينذاك أن صحيفة «نيويورك تايمز» كانت قد نشرت قبل ظهور مقالى بثلاثة أيام (فى 19/2) ان المسئولين الأمريكيين كانوا واثقين فى اليوم الثامن من الشهر ذاته من أن الجيش لن يطلق النار على المتظاهرين فى مصر، وإن أولئك المسئولين قدروا الدور المهم للجيش الذى له روابطه العميقة بالجيش الأمريكى. واستوقفنى فى الكلام المنشور عبارة نسبت إلى المسئولين الأمريكيين قالوا فيها إن ثلاثين سنة من الاستثمار فى مصر كانت لها فائدتها. فيما وجهه الجنرالات الأمريكيون وضباط الاستخبارات من رسائل إلى نظرائهم المصريين عبر البريد الإلكترونى، وخلال الاتصالات الهاتفية التى أجروها معهم. وهى الخلفية التى دفعتنى إلى التساؤل فى ذلك الوقت المبكر عن أهداف هؤلاء وما يدور فى عقولهم بشأننا فى المرحلة المقبلة.
 
لم يكن هناك شك فى أن الأمريكيين وغيرهم فوجئوا بما حدث، وانهم سارعوا منذ اللحظات الأولى إلى الإفادة من رصيد استثمارهم فى مصر طوال الثلاثين سنة السابقة لكى يكونوا فى «الصورة» قبل الإقدام على أى خطوة. ذلك أن المفاجأة باغتتهم وكانت أقرب إلى الصدمة، التى جاءتهم من حيث لا يحتسبون.
 
 
 (2) 
أحتفظ بتقرير نشرته مجلة نيوزويك فى 12/6 عن المأزق الذى واجهته واشنطن بوجه أخص، بعدما فوجئت بتجليات «الربيع العربى» إذ أثار انتباهى فيه التركز على أن رجال المخابرات المركزية الأمريكية أقاموا خلال سنوات «مكافحة الإرهاب» علاقات وثيقة مع شخصيات رئيسية فى الجيوش وأجهزة الأمن والسياسيين فى منطقة الشرق الأوسط. وبسبب تلك العلاقات الوثيقة فإن المخابرات المركزية أصبحت أكثر اعتمادا على أجهزة الاستخبارات المحلية، خصوصا فى مصر  التى كان الرئيس السابق حليفا رئيسيا اعتمد عليه، وكان اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة هو الشخصية المحورية فى تلك العلاقة. التى بلغت ذروتها فى تسعينيات القرن الماضى. وهى الفترة التى قامت فيها المخابرات المركزية تتبع عناصر تنظيم القاعدة فى أنحاء العالم، وإرسالهم إلى مصر لاستجوابهم وانتزاع الاعترافات منهم. الأمر الذى ارتفعت وتيرته واتسعت دائرته بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001.
 
أضاف التقرير الذى كتبه كريستوفر ديكى إن سقوط مبارك أسقط معه اللواء عمر سليمان الذى كانت واشنطن قد رحبت به وراهنت عليه كخليفة له، ولكن خروج الأخير من ساحة المخابرات والسياسة أربك الإدارة الأمريكية لأنها لم تكن مطمئنة إلى الوضع المستجد، وغير واثقة من إمكانية نسج علاقة مخابراتية معه على النسق الذى كان سائدا فى عهد مبارك.
 
الصورة تكررت فى ليبيا. إذ ذكر التقرير أن المخابرات البريطانية والأمريكية صاغت فى تسعينيات القرن الماضى علاقات وثيقة مع رجل المخابرات الليبية المخضرم موسى كوسا (الذى عين لاحقا وزيرا للخارجية)، وأصبحت العلاقة أكثر قوة بعد الحادى عشر من سبتمبر. وفى ظلها تمت عملية «إعادة تأهيل» العقيد القذافى لكى يصبح أكثر قبولا وتعاونا مع الغرب. وحين قامت الثورة فى ليبيا، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قدمت الدعم الجوى للثوار. لكن «كوسا» انشق بسرعة وذهب إلى لندن. وهو ما أدى إلى حرمان الغرب من قناة الاستخبارات الليبية الأولى.
 
الوضع لا يقل خطورة فى اليمن ــ هكذا قال الكاتب ثم أضاف إن القيادة الأمريكية كانت قد عملت على ايفاد شبكة من المستشارين الذين قاموا ببناء وحدة خاصة لمكافحة «الإرهاب» تابعة لمنظومة الأمن المركزى فى البلاد، بقيادة ابن أخ الرئيس على عبدالله صالح. وبعد ثورة الشارع اليمنى فإن المستقبل لم يعد واضحا، لكن الثابت أن الوضع لن يستمر كما كان فى السابق.
 
الخلاصة التى خرج بها  الكاتب من تقريره أن الربيع العربى أفقد الإدارة الأمريكية أهم ركائزها فى المنطقة، ثم إن حالة عدم الاستقرار التى أسفر عنها باتت تشكل بيئة مناسبة لانتعاش «الجهاديين»، الذين يقصد بهم جماعات التطرف الإسلامى التى يعد تنظيم القاعدة من نماذجها، وهو ما اعتبره تهديدا قويا للمصالح والحسابات الغربية.
 
 (3) 
الثورة الليبية كانت فرصة القوى الغربية لاختراق الربيع العربى واختطافه، ذلك أن أجهزة الاستخبارات الغربية التى فوجئت بما حدث فى مصر وتونس قررت ألا تتكرر المفاجأة. وكان تلك خلاصة المشاورات التى تمت بين ممثلى تلك الأجهزة فى كل من الولايات المتحدة وفرنسا وإنجلترا. وحين لاحت نذر الثورة فى ليبيا فإنهم لم يضيعوا وقتا. إذ تحولت تلك المشاورات إلى اجتماعات يومية واتصالات تنسيقية على مدار الساعة. فقد كان الهدف جذابا والصيد ثمينا. إذ إن التدخل السريع فى هذه الحالة يسمح للدول الغربية أن تدخل على الخط وتصبح مباشرة فى قلب الصورة بما يسمح لها بأن تصبح شريكا فى الحدث ومن ثم طرفا مؤثرا فى مسار الربيع ومقاصده. ثم إن ثروة النفط الليبى تمثل عنصرا جاذبا ومشجعا يستحق الهرولة، بما يعيد إنتاج تجربة العراق الذى فازت الإدارة الأمريكية بالنصيب الأوفر فيه. ناهيك عن أن الموقف أفضل كثيرا فى الحالة الليبية، فقد كانت الولايات المتحدة دولة احتلال وطرفا غازيا فى العراق، لكنها مع «الحلفاء الغربيين» تحولت إلى فرقة إنقاذ استجابت لمطلب قيادة الثورة الليبية فى حماية المدنيين من بطش العقيد القذافى وقسوة نظامه. وبرحيله يتخلص الغربيون من حاكم مستبد ومتقلب لا يؤمن جانبه ولا تتوقف مغامراته وحماقاته. إضافة إلى هذا وذاك فإن عملية إعمار ليبيا وتنميتها بعد سنوات التخلف الذى فرضه العقيد على بلاده إبان حكمه، وبعد الخراب الذى تسبب فيه حينما ثار الشعب ضده، تعد هدية كبرى لشركات الإعمار الغربية لابد أن تسهم فى انتعاشها. (المؤسسات الدولية قدرت كلفة إعادة إعمار ليبيا خلال السنوات العشر المقبلة بما يتراوح بين 250 و500 بليون دولار).
 
هذا التحليل ليس من عندى ولكنه خلاصة لما كتبه أحد الخبراء الأمريكيين، هو فيليب زيليكاو فى مقالة نشرها له موقع صحيفة فاينانشيال تايمز (فى 22/8). وصاحبنا هذا باحث ومؤلف، كان شخصية مهمة فى مجلس الأمن القومى الأمريكى على عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الأب كما أنه كان أحد أبرز المسئولين عن أداء الحكومة الأمريكية فى أعقاب هجمات الحادى عشر من سبتمبر، وهى المقالة التى علق عليها وناقشها فى 24/8 باحث آخر هو بيل فان أوكين، وكانت فكرته الأساسية فى المقالة، التى جسدها عنوانها هى أن ليبيا فى الوقت الراهن أصبحت نموذجا لإعادة تقسيم العالم العربى التى تتطلع إليها القوى الكبرى فى الغرب.
 
إلى جانب التحليل سابق الذكر، فقد استوقفتنى فى المناقشة التى دارت بين الرجلين ثلاث ملاحظات هى:
 
● إن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة حين أدركت أن الثورتين المصرية والتونسية بلا قيادة، فإنها سارعت بكل السبل لمحاولة استثمار ذلك الفراغ لصالحها.
 
● إن تلك الدول فى سعيها إلى اختراق الربيع وتقسيم العالم العربى استعانت ببعض أصدقائها العرب، ممن يقودون دولا تقمع الحريات فى بلادهم، لكنهم يقدمون يد العون والمساعدة إلى الشعوب الأخرى المتطلعة إلى الحرية والديمقراطية.
 
● إن الجهد الغربى لن يتوقف عند ليبيا ولا حتى عند سوريا، ولكن الحبل على الجرار كما يقولون بمعنى أن الباب لا يزال مفتوحا لانطلاق انتفاضات فى ساحات أخرى مسكونة بعوامل التوتر واحتمالات الانفجار. وإذ تعلمت الأجهزة الأمنية الغربية الدرس من تجربتى مصر وتونس وعنصر المفاجأة فيهما، فإن تلك الأجهزة والقوى التى وراءها لن تكون بعيدة عن تلك الانتفاضات.
 
 (4) 
من يقرأ التعليقات والتحليلات الغربية للربيع العربى يجد أنها لا تختلف حول أربعة مصادر للقلق هى:
 
1ــ احتمالات تراجع النفوذ الغربى، حيث وصف البعض أجواء العالم العربى الآن بأنها مشبعة بإرهاصات مرحلة ما بعد الحقبة الأمريكية.
 
2ــ ظهور التيارات الإسلامية على مسرح السياسة المفتوح بعد عقود من الحظر والتعتيم. وكان ذلك اشد وضوحا فى مصر وتونس وليبيا على الأقل. وتحظى ليبيا بتركيز خاص لأن قائد المجلس العسكرى فى طرابلس (عبدالحكيم بلحاج) كان قائدا سابقا للجماعة الإسلامية المقاتلة فى ليبيا، وقد هرب إلى أفغانستان إلى أن سلمته المخابرات المركزية إلى القذافى حيث قضى عدة سنوات فى السجن، ولم يطلق سراحه إلا بعدما اشترك مع بعض زملائه فى إجراء مراجعة فكرية أعلنوا فيها عدولهم عن العنف. كما أن المجلس الانتقالى يضم اثنين من أعضاء الإخوان المسلمين.
 
3ــ تأثير ذلك الربيع على مستقبل إسرائيل ومصير معاهدة السلام مع مصر ومعاهدة وادى عربة فى الأردن (صحيفة هاآرتس وصفت الربيع العربى بأنه «كارثة» ــ 15/9).
 
4ــ التداعيات المترتبة على ذلك فى بقية أنحاء الوطن العربى، بما فى ذلك الملكيات التى كان الظن أنها أكثر استقرارا، خصوصا بعدما أصبحت الأصوات الداعية إلى الإصلاح تتردد فى مختلف الأرجاء، من المشرق إلى المغرب مرورا بمنطقة الخليج.
 
الخلاصة أن قوى الهيمنة فى الغرب حين أدركت أن عالما عربيا جديدا يولد ويتشكل، فإنها سارعت إلى الاحتشاد للتعامل مع الوضع المستجد، بالاختطاف أو الاجهاض أو الاختراق. لكن ذلك كله ليس قدرا مكتوبا، وإنما هو سعى يحتمل الاحباط ولا يصمد أمام الاحتشاد المقابل من جانب القوى الوطنية إذا أدركت مكمن الخطر واجتمعت على التصدى له. وهو ما يقتضى تمييزا واضحا بين التناقض الرئيسى والتناقضات الفرعية. والتصدى لقوى الهيمنة الغربية يتصدر المربع الأول، فى حين أن كل ما عداه يظل تناقضات فرعية تأتى فى المرتبة التالية من الأهمية.
 
إن المرء لا يستطيع أن يكتم شعوره بالحزن والحسرة، حين يرى الصدام محتدما وعلى أشده فى الساحة المصرية بين مختلف التيارات والقوى، خصوصا الإسلاميين والعلمانيين وإن الجميع مشغولون بتصفية حسابات التناقضات الفرعية، فى حين أن جبهة التصدى للتناقض الرئيسى لا تكاد تجد من يحرسها ويذود عنها.
 
لا أستطيع الحكم على نوايا الذين يؤججون الخلاف حول التناقضات الفرعية، لكن ما أقطع به أن ذلك الجهد الذى يبذلونه إذا لم يكن سعيا مقصودا لإجهاض الثورة، فهو فى حده الأدنى يمهد الطريق لاختطافها.

 

 

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 104 مشاهدة

 

 

              أصر الرئيس على عبدالله صالح حين قرر العودة إلى صنعاء أن يمر موكبه المتجه إلى قصره فوق جثث أكبر عدد من اليمنيين. وهذا هو التفسير الوحيد لحفلة القتل التى واكبت عودته، والتى أغرقت المدينة فى بحر من الدماء، على نحو لا يمكن تفسيره إلا بحسبانه رسالة تعبر عن التحدى والاصرار على التمسك بالسلطة.

 

لقد عاد الرئيس اليمنى متسللا، إذ أبلغت سلطات مطار صنعاء بأن وفدا سعوديا رفيع المستوى على الطائرة التى أرادت الهبوط فيه. وما ان فتح بابها حتى فوجئ الجميع به يهبط الدرج محاطا ببعض حراسه. وقبل يوم واحد من عودته فتحت القوات الموالية له النار على المعتصمين فى ساحة التغيير، واستخدمت فى ذلك الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والدبابات والقذائف الصاروخية، مما أدى إلى قتل نحو أربعين شخصا وجرح عدة مئات. وهى خطوة لا يستطيع أحد أن يدعى أنها تمت دون علم الرئيس اليمنى، لأن ابناءه وأفراد أسرته هم الذين يقودون قمع المتظاهرين. وفى فصل تمثيلى مكشوف دعا الرجل بعد وصوله إلى وقف إطلاق النار، وإزالة المظاهر المسلحة من صنعاء، حتى قال بعض المتفائلين إن الرجل عاد رافعا غصن الزيتون ومطلقا حمامة السلام. ولأن اللقطة لم تنطل على أحد، فإن القصف العنيف استمر بعد ذلك مخلفا نحو 40 قتيلا آخرين غير عشرات المصابين والجرحى. الأمر الذى يسلط الضوء على ثلاث حقائق هى:
 
● إن الرئيس على عبدالله صالح عاد لكى يستمر فى منصبه ولو مؤقتا، لا لكى يحل الأزمة من خلال المبادرة الخليجية. بالتالى فإن الكلام عن نقله للسلطة الجنائية إن لم يكن من قبيل التضليل وكسب الوقت، فإنه على الأقل ليس واردا فى المرحلة الحالية.
 
● إن المملكة العربية السعودية تدعم موقف الرئيس اليمنى. أو بتعبير أدق هى مع عودته إلى صنعاء. لأنها لو كانت مؤيدة لإجراء حل سلمى للسلطة لنصحته بالبقاء فيها لحل الأشكال، خصوصا أن الرجل كان تحت العلاج هناك منذ ثلاثة أشهر، وإطالة مدة بقائه بدعوى استمرار العلاج يمكن أن تعد عذرا مقبولا يرفع الحرج ويغطى الموقف. لكنه حين يلتقى العاهل السعودى الملك عبدالله بن عبدالعزيز وتوزع صور لقائهما على جميع الصحف، ثم يغادر بعد ذلك بأيام قليلة إلى صنعاء فلا معنى ذلك سوى أن عودته حظيت بمباركة ملكية سعودية. وهذه المباركة محملة برسالة ضمنية تقول إن الرياض لا تؤيد أى تغير للسلطة يتم من خلال الاحتجاجات والاضرابات والاعتصمات التى تدعو إليها القوى المعارضة. وفى هذه الحالة فإن الرسالة ليست موجهة إلى المعتصمين اليمنيين فحسب، وإنما هى رسالة أيضا إلى كل من يهمه الأمر فى المنطقة، خصوصا أهل الخليج، الغاضبون منهم والساخطون.
 
● إن مجلس التعاون الخليجى يؤيد موقف المملكة السعودية، والبيان الذى نشر أمس عن تأييد دول المجلس لأمن اليمن واستقراره ودعوتها إلى الانتقال السلمى للسلطة لا يغير كثيرا من هذه الحقيقة. ذلك إن وزراء خارجية دول مجلس التعاون عبروا عن عميق ألمهم وشديد أسفهم لسقوط القتلى والجرحى. كما عبروا عن تعازيهم مواساتهم الحارة لذويهم وتمنياتهم للجرحى بالشفاء العاجل. كما دانوا اللجوء إلى استخدام السلاح خصوصا الأسلحة الثقيلة ضد المواطنين العزل، ودعوا إلى ضبط النفس والالتزام بالوقف الفورى لإطلاق النار، كما دعوا إلى تشكيل لجنة تحقيق فى الأحداث الأخيرة وإلى التوافق على تنفيذ المبادرة الخليجية لكن أى محلل سياسى يعتبر هذه الكلمات تعبيرا انشائيا خجولا يفتقد إلى الجدية والحزم. هو انشائى لأن وزراء الخارجية الذين عقدوا اجتماعهم الاستثنائى فى نيويورك يدركون جيدا أن عودة الرئيس على عبدالله صالح هى التى فاقمت المشكلة. ولو أن هناك اتفاقا حقيقيا على أن ينقل الرجل السلطة بصورة سلمية، لتم ذلك وهو فى الرياض، حيث يعد وجوده هناك حلا أمثلا للمشكلة. لكنه أعيد خصيصا للأسباب التى سبق ذكرها. واقترنت عودته بذلك التصعيد الدموى الذى شهدته صنعاء، لكى يظهر بمظهر القوة ويكسر أنف الذين طالبوا برحيله. ثم إنه تعبير خجول لأن البيان أدان استخدام الأسلحة الثقيلة ضد المتظاهرين، وتغافل عامدا عن حقيقة أن نظام على عبدالله صالح هو الذى يملك تلك الأسلحة الثقيلة، وأن لا أحد غيره يمكن أن يصوبها نحو المتظاهرين العزل.
 
إذا قال قائل إن موقف دول مجلس التعاون فى حالة اليمن أفضل منه فى حالة البحرين، التى تم فيها إرسال قوات خليجية مشتركة إلى المنامة للإسهام فى قمع المتظاهرين بقسوة اقترنت بممارسات إدانتها المنظمات الحقوقية الدولية، فلن اختلف معه كثيرا. لكننى سأعتبر ذلك بمثابة مقارنة موقف سلبى أهدرت فيه كرامة اليمنيين بآخر بائس أذل بعض البحرانيين. والاثنان درجات ومراتب فى الغلط الذى لم تحترم فى ظله إرادة الشعوب وأهدرت كرامتها. فى حين أن المشهد ينبغى أن يقاس بمعيار احترام كرامة الشعب، وليس بمقدار إهدار تلك الكرامة. ناهيك عن أن المقارنة الايجابية تكون بالأفضل وليس بالأتعس.

 

 

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 110 مشاهدة

 

 

                 روى السفير الإسرائيلى فى مصر إسحاق لفنون قصة الساعات العصيبة التى قضاها أثناء محاصرة المتظاهرين لمقر السفارة ومحاولة البعض اقتحامها. وقال فى حوار نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت (فى 14/9) أنه تابع المشهد عبر شاشة التليفزيون من خلال قناة الجزيرة مباشر، التى بثت تفاصيله ووقائعه على الهواء مباشرة منذ مساء الجمعة وحتى فجر السبت، وحملها فى الوقت ذاته بالمسئولية عن تأجيج الغرئز وإثارة الجماهير وتحريفها ضد السفارة. (هل لهذا الانطباع أثره فى إغلاق مكتب القناة بعد ذلك بنحو 24 ساعة؟!).

 

قال السفير فى الحوار الذى أجرته معه سمدار بيرى إن مغادرته القاهرة ومعه بعض أعضاء السفارة وعائلاتهم كانت المرة الثانية، وإن المرة الأولى كانت عقب انفجار ثورة الغضب فى مصر يوم 25 يناير حيث تقرر وقتذاك تقليص عدد العاملين فى السفارة من باب الاحتياط، وحين وقعت عملية إيلات وتم قتل الجنود المصريين وأحد الضباط انتاب العاملين بالسفارة شعور بالقلق والتوتر. وقرروا العمل من منازلهم لبعض الوقت، ثم عادوا إلى مكاتبهم بعد ذلك. لكن الأمر اختلف حينما اتجه المتظاهرون صوب السفارة وشرع بعضهم فى هدم السور الذى أقيم فى مواجهتها. ثم حين حاول البعض اقتحام مكاتبها. إذ كانت تلك هى اللحظة التى استشعر فيها الخطر. خصوصا ان شائعات راجت وقتذاك تحدثت عن احتمال توجه بعض المتظاهرين إلى بيت السفير. وكانت تلك الشائعات سببا فى المسارعة إلى نقله إلى مكان آمن بعيدا عن بيته، وقال إنه «حين انتشرت الشائعة فإننى لم أكن فى بيتى.. حيث تحركت بسرعة أنستنى حزم أدويتى لعلاج الكوليسترول».
 
حين وقع الهجوم على السفارة أجرى الرجل اتصالات مع كل من كان مستعدا للرد على هاتفه من المسئولين المصريين. إلى جانب أنه كان على اتصال دائم بحكومة بلاده ــ أما الطرف الذى ظل على الهاتف معه طول الوقت فقد كانت السفيرة الأمريكية بالقاهرة آن باترسون، التى ظلت تتابع خطواته حتى وهو يصعد سلم الطائرة العسكرية التى أعادته إلى تل أبيب.
 
لم يفت محررة الجريدة أن تشير فى الحوار المنشور إلى محنة أى سفير إسرائىلى يوفد إلى القاهرة، ذلك أنه يظل محاطا بمشاعر العداء والعزلة. خصوصا فى ظل مقاطعة الاتحادات المهنية والنقابات والمثقفين، حتى أنه بالكاد كان يتنفس بعض الهواء حيث يخرج لتناول القهوة فى أحد المقاهى، ثم يعود بسرعة إلى بيته. وهى المشاعر العدائية أصبحت أكثر وضوحا بعد سقوط الرئيس السابق. وحين سألته المحررة: هل لذعت قلبك صورة مبارك وهو ممدد فى قفص الاتهام بالمحكمة، أجاب قائلا: هذا صحيح، لأننى أتذكره جيدا حينما كنت ألتقيه فى الزيارات الرسمية، وحينما تناولت الطعام على مائدة.
 
قبل سفره اتصل بمكتب وزير الخارجية المصرى، وقال إن الدبلوماسى الذى رد عليه عبر له عن أسفه لما وقع للسفارة، كما أنه تلقى رسائل من رسميين مصريين «قالوا إنه لا كلام عندهم عما حدث». وعندما أبلغ بأن الحراس الإسرائيليين الستة الذين كانوا فى السفارة قد غادروها سالمين، حينذاك استقل السيارة المصفحة التى حملته إلى مطار القاهرة الدولى تحت جنح الظلام، على الطائرة العسكرية كان هناك ثمانون دبلوماسيا وزوجاتهم، إضافة إلى 27 طفلا على الأقل. كان الجميع تحت تأثير الصدمة، ولذلك كان جو الطائرة مسكونا بالتوتر الذى دفع الأطفال إلى بالبكاء. وجعل بعض السيدات ينخرطن بدورهن فى البكاء. ورغم أن الرحلة كانت قصيرة ومدتها نحو ساعة، فإنهم استشعروا أنها طويلة جدا ولم يستعيدوا هدوءهم إلا حينما هبطت بهم الطائرة فى مطار بن جوريون فى الساعة الخامسة والنصف صباحا.
 
استوقفنى فى حديث الرجل قوله إنه يتابع التطورات فى مصر من خلال اتصال يومى يجريه معه نائبه فى السفارة، الذى تم ايداعه فى مكان آمن بالقاهرة. وأنه بعد يوم من الأحداث لاح فى وسائل الإعلام المصرية ندم معلن وجلد للذات، وعبر عدد غير قليل من الكتاب والرسميين والمترشحين للرئاسة عن ذلك الشعور. وبدأت مسيرة استيعاب أن ما حدث لم يكن يجوز أن يحدث.
 
لا أعرف من هؤلاء الذين استشعروا الندم وشرعوا فى جلد ذواتهم بسبب ما جرى للسفارة، لكننى أحب أن ألفت نظر الجميع إلى أننى لم أكن من هؤلاء، حيث لا يشرفنى أن أصطف معهم. ولا أن أعرفهم أصلا.

 

 

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 95 مشاهدة

 

 

  حين دعا أبومازن إلى خروج الفلسطينيين إلى الشوارع وإعلان الإضراب العام يومى 21 و22 سبتمبر الحالى، لتأييد مطلب السلطة الذى وجه إلى الأمم المتحدة لإعلان الدولة، فإن أجهزته خشيت من أن تأخذ الجماهير المسألة على محمل الجد، بحيث تحول ذلك الخروج إلى تظاهرة حقيقية ترفع السقف وتطالب بتغير النظام أو إسقاطه. أرادها لقطة تليفزيونية موجهة إلى الرأى العام العالمى، لكن أجهزته الأمنية خشيت أن تتحول إلى غضبة شعبية تستخرج المخزون فى الأعماق الفلسطينية، فماذا فعلت؟ لجأت إلى الأجهزة الإسرائيلية طالبه تزويدها بأساليب وأدوات تفريق المظاهرات، التى تشتت وتروع دون أن تقتل!

 

 

قصة المفارقة رواها الكاتب الإسرائيلى اليكس فيشمان ونشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت فى 19/9، وقال فى تقديمها إن أجهزة الأمن الفلسطينية خشيت أن يخرج المارد من القمقم، كما حدث فى مصر وتونس وليبيا، بما قد يغرق حلم الاستقلال فى الدم والنار، مضيفا أن وزارة الدفاع الإسرائىلية فوجئت بالطلب الشاذ، ودخل على الخط الأمريكيون الذين يتولون تدريب الأجهزة الأمنية الفلسطينية حيث طلبوا من الإسرائيليين المساعدة والاستجابة للمطلب. وانتهى الأمر بأن وافق المدير العام لوزارة الدفاع على أن تبيع الوزارة جزءا من الضفة للسلطة الفلسطينية.
 
واضح من التفاصيل المنشورة أن القلق من «تسونامى» الربيع العربى لم يكن مقصورا على أجهزة السلطة الفلسطينية فى رام الله فحسب، ولكنه كان موجودا أيضا لدى الإسرائيليين. إذ ظلت الفكرة الأساسية المهيمنة لدى الجانبين هى: كيف يمكن السيطرة على الموقف بحيث لا تؤدى مواجهة المتظاهرين إلى إسالة الدماء والقتل. ليس لأن الدم الفلسطينى له قيمته، فقد سالت منه أنهار دون أن يحرك ذلك شيئا، ولكن لأن الدم فى الظرف الراهن بوجه أخص صار وقود الثورات التى تأججت. وهو ما يحرص الطرفان على تجنبه قدر الإمكان. وعلى الجانب الفلسطينى فإن أبومازن أصدر أمرا خطيا منع المتظاهرين من حمل أى سلاح، وشمل الحظر حراس أشخاص معينين اعتادوا أن يتجولوا شاهرين أسلحتهم. وعلق الكاتب الإسرائيلى على ذلك قائلا بأن السلطة أدخلت نفسها فى شرك صنعته بنفسها. فقد التزمت من جهة بأن توقد شعلة عظيمة الأثر تحدث صداها فى كل مكان، لكن قادتها من جهة ثانية ليسوا متأكدين من أنهم سيتمكنون من إخمادها بعد ذلك، أو سيتحكمون فى ارتفاع اللهب على الأقل.
 
اللافت للنظر فى هذا الصدد أن فيشمان أشار إلى أن الأمور إذا خرجت على السيطرة، فإن أجهزة السلطة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستعدادات التى يقوم بها الجيش الإسرائيلى لأجل ذلك. بما يعنى أن أجهزة السلطة فى رام الله ستعتمد على الجيش الإسرائيلى للسيطرة على تظاهرات الغضب الفلسطينى.
 
الجيش الإسرائىلى كان جاهزا، ليس فقط لقمع الفلسطينيين، فتلك وظيفة أساسية له ولكن أيضا لحماية المستوطنات من تداعيات الغضب الفلسطينى: فقد بنى حول المستوطنات نظام حلقات دفاعية مكونة من رجال حرس الحدود ووحدات شرطة خاصة وجنود تم تدريبهم على تقنيات التعامل مع المظاهرات.
 
نعرف أن الجنود الإسرائىليين مدربون جيدا على التعامل مع المظاهرات. لكن وسائل تفريقها أصبحت تلجأ إلى أمور غير عادية نسمع بها لأول مرة، من ذلك مثلا أنهم يستخدمون سائلا يسمى «العَفَن»، وهو كريه الرائحة بحيث لا تستطيع الأنوف البشرية تحمله. يرش على الجموع من سيارات خاصة. وقد اشترى الجيش 50 طنا من تلك المياة القذرة. التى خزن فى وحدات خاصة يحرسها جنود دائمو الشكوى من بشاعة الرائحة. وفى رأى الكاتب أنه لو أغرقت الضفة بعشرات الأطنان من ذلك العفن. فستصبح المنطقة الأقذر رائحة فى العالم لأجل طويل. كما أنه من الممكن إلقاء العفن على المتظاهرين من الجو، وإذا وقع الكيس على رأس شخص فإنه لن يصاب جسمانيا، لكن الرائحة الكريهة ستحيل حياته جحيما لمدة ليست قصيرة.
 
الجعبة مليئة بوسائل أخرى، إذ لديهم أجهزة يسمونها «الصرخة»، تعمل بذبذبات لا تستطيع الأذن البشرية احتمالها. لديهم أيضا سلاح موجه يطلق رصاصا مطاطيا ورصاصا رمليا وقنابل تخويف ودخان، وغاز مسيل للدموع وغير ذلك من الأساليب التى تصدم وتروع دون أن تقتل. إن أحدا لا يذكر الاحتلال الذى هو أصل المشكلة، لكن السلطة والإسرائيليين مشغولون طول الوقت باخضاع الفلسطينيين وتأجيل لحظة انفجار بركان غضبهم فى انتفاضة ثالثة تتجمع سحاباتها فى الأفق.

 

  • Currently 40/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
12 تصويتات / 138 مشاهدة

 

 

                                                                                                كله تمام فى مصر، لا توجد فى مصر أزمة بنزين، ولا أزمة فى الأدوية، أو أنابيب البوتاجاز. وكل ما يقال عن مثل هذه الأزمات من فعل عناصر الثورة المضادة. وليس صحيحا أن جامعة القاهرة أرسلت إلى الجهات الأمنية تقريرا عن المرشحين للمناصب القيادية فى الجامعات، رغم أننا رأينا بأعيننا تقريرا منشورا صنف الميول السياسية لبعض أولئك المرشحين. وليس صحيحا أن مكتب الجزيرة مباشر أغلق بسبب نوعية المادة التى يبثها، وإنما كان السبب انها لم تستوف التراخيص اللازمة لتشغيلها رغم أن وزير الإعلام يعلن وكل المشتغلين بالإعلام المرئى يعرفون جيدا ان قنوات أخرى لها نفس وضع الجزيرة مباشر، ولم تحصل على التراخيص المشار إليها، ومع ذلك لم يقترب من أبوابها أحد. وطبقا لما نشر أمس (الأربعاء 21/9) فإن الشرطة بريئة من قتل المتظاهرين الذين هاجموا قسم شرطة حدائق القبة أثناء الثورة، لأن الشهود ذكروا أن المتهمين لم يكونوا فى القسم، وأن عناصر غير شرطية هى التى قتلت الضحايا، والمتهمون فى أحداث التظاهر أمام السفارة الإسرائيلية لا يتجاوز عددهم 38 شخصا، رغم أن البيانات المتوافرة لدى منظمات حقوق الإنسان تحدثت عن اختفاء نحو 200 شخص فى تلك الليلة، كانوا ممن ذهبوا إلى التظاهر ولم يعد أحد منهم إلى بيته. ولعلك تذكر نفى الداخلية المستمر لحكاية القناصة الذين أطلقوا النار على المتظاهرين فى ميدان التحرير، وقولهم إن الشرطة ليست لديها قناصة من الأساس، الأمر الذى لا تفسير له سوى أن اولئك القناصة هبطوا من السماء وأخذوا مواقعهم فوق أسطح البنايات المطلة على الميدان.

 

هذا النوع من المعلومات شائع فى خطابنا الإعلامى، الذى أصبح كثيرون يشكون فى صدقيته، واسوأ ما فيه ليس فقط أنه يعبر عن الاستهانة بالقارئ أو المشاهد ويفترض فيه البلاهة أو الغباء ــ أو الاثنين معا ــ وإنما أيضا يقيم جدارا من عدم الثقة بين السلطة والمجتمع.
 
لقد نقلت صحف أمس على لسان رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف قوله إن قانون الطوارئ لا يتعارض مع الديمقراطية، وهو بذلك لم يستهن بعقل القارئ فحسب، وانما هو اساء إلى نفسه أيضا، لأن أحدا لم يكن يخطر له على بال أن يقول رئيس وزراء مصر هذا الكلام بعد قيام الثورة، خصوصا أن الرجل قادم من ميدان التحرير حين احتشدت فيه الجماهير مطالبة بالحرية التى يعد قانون الطوارئ قيدا ثقيلا عليها إن لم يكن مصادرة لها.
 
إن مختلف الشواهد تدل على أن لدينا مشكلة فى التعامل مع الرأى العام. وهذه المشكلة تتلخص فى أن السلطة القائمة لا تملك شجاعة مواجهة الجماهير بحقائق الأشياء. ولذلك تؤثر ان نلتف على الحقائق تارة بإنكارها تماما واخفائها، أو بذكر طرف منها مع التعتيم أو تمييع ما تبقى. لقد خرج علينا وزير العدل فى الأسبوع الماضى بتصريح مثير قال فيه ان دولا خليجية قدمت ملايين الدولارات لتخريب المنشآت وترويع المواطنين والعبث بالأمن القومى المصرى. لكنه لم يسم تلك الدول واكتفى بالإشارة إلى «دولة صغيرة» فقط، وهو ما زاد الأمر غموضا لأن كل دول الخليج صغيرة. وحدث نفس الشىء بالنسبة لمنظمات المجتمع المدنى التى قيل لنا إنها تلقت ملايين الجنيهات من جهات أجنبية، ولم نعرف شيئا عن هوية الذين دفعوا أو هوية الذين قبضوا. ومن ثم ترك الرأى العام حائرا يضرب أخماسا فى أسداس، الأمر الذى فتح الباب للشائعات والأقاويل التى أشاعت بلبلة لا لزوم لها.
 
قرأت مقالا حول تلاعب السلطة فى روسيا بالأخبار واستهانتها بالرأى العام يكاد يصف الذى يجرى فى مصر. المقال نشرته صحيفة كومر سانت ــ فلاست (فى 18/7). ومما أشار إليه أن السلطة فى تسترها على الأخبار والكوارث لا تعلن الحداد العام إلا إذا تخطى عدد الضحايا مائة شخص، أما إذا كان العدد أقل من مائة فإن الحداد يصبح محليا فقط لا تشعر به إلا دائرة محدودة من الناس. كما أن مراسم الدفن وحجم التعويضات يختلف باختلاف جغرافية الكارثة. وهذا الأسلوب أعاد إلى الأذهان أساليب الدولة البوليسية المسيطرة التى كانت قائمة فى ظل الاتحاد السوفييتى. الأمر الذى يعطى انطباعا بأن الدولة زالت ولكن أساليبها فى التعامل مع المجتمع الرأى العام لاتزال كما هى لم تتغير ــ هل يمكن أن نخلص إلى نفس النتيجة، بحيث نقول إننا مازلنا أسرى أساليب صفوت الشريف وأنس الفقى وحبيب العادلى؟ وإذا صح السؤال فإنه يستولد سؤالا آخر هو: هل نحن بحاجة إلى انتفاضة أخرى لكى نتخلص من تلك الأساليب؟ وبذلك تنتفض مرة لإسقاط الرأس، ومرة أخرى للخلاص من الجسم والأدوات والأساليب؟.

 

 

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 100 مشاهدة

 

 

      

                                                                                             هل نتجاوز الخطوط الحمراء، أو ندس أنوفنا فيما لا يعنينا، إذا ما تساءلنا عما بيننا فى مصر والولايات المتحدة الأمريكية؟ هذا السؤال ألح على حين طالعت خبر اجتماع الفريق دافيد جولدفين قائد القوات الجوية التابعة للقيادة المركزية الأمريكية مصحوبًا بوفد من كبار العسكريين الأمريكيين، مع رئيس الأركان المصرى ونائب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الفريق سامى عنان، وهو الاجتماع الذى حضره عدد من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وجرى فيه بحث الموضوعات ذات الاهتمام المشتركة كما ذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط يوم الاثنين 19/9. 

لست أخفى أننى أحد الذين يستريبون من زيارة المسئولين الأمريكيين للقاهرة وتوددهم لها، خصوصا بعد الثورة، وهنا التوجس يتزايد إذا كانوا بين العسكريين. وعندى فى ذلك عدة أسباب منها أننى أعتبر أن الأصل فى عموم السياسيين الأمريكيين هو عدم البراءة. أما إذا كانوا عسكريين فقلة البراءة تتضاعف وتصبح مسكونة بالخوف والقلق. إذ يكفى أن يكون أولئك السياسيون أو العسكريون أصدقاء أعدائنا وفى خدمتهم. وإذا كان عدو عدوى صديقى، كما يقول المثل الشائع، فإن صديق عدوى، (حبيبه إن شئت الدقة)، ليس كذلك قطعا. وبالتالى فإن كل قبلة يبعث بها إلينا فهى إما ضارة أو مسمومة. السبب الثانى للتوجس أن الثورة قامت ضد نظام حليف للولايات المتحدة، وإذا كان رئيسه قد اعتبر كنزا إستراتيجيا لإسرائيل، فلابد أنه كان أكثر من ذلك بالنسبة للولايات المتحدة والغضب الهادر الذى أسقط مبارك ونظامه لابد أن يكون للساسة الأمريكيين منه نصيب. وإذا كان شبابنا قد عبروا عن مشاعرهم إزاء السياسة الإسرائيلية بالصورة التى يعرفها الجميع، فلا يشك أحد أن مشاعر شبابنا إزاء الولايات المتحدة ليست أفضل كثيرا. وإذا كان الغضب فى وجه السفارة الإسرائيلية قد انفجر بعد مقتل الجنود المصريين الخمسة، فإننا لا نعرف متى يمكن أن ينفجر الغضب فى وجه السياسيين الأمريكيين، وإن كنا لا نشك فى أنه قائم ومخزن.
 
إزاء ذلك، فإنه يظل مستغربا بل محيرا ألا يتغير شىء فى علاقات مصر بالولايات المتحدة بعد الثورة. وأن العلاقات الإيجابية التى كانت قبل 25 يناير عادت إلى ما كانت عليه بعد ذلك التاريخ، بحيث إننا لم نستشعر أن هناك أى برود أو توتر فى العلاقات، كأن مبارك لم يسقط وكأن رجاله لايزالون فى مكاتبهم وسياسته الخارجية لم تتغير. الأمر الذى يؤيد الانطباع الذى يروج له البعض من أن رأس النظام سقط حقا ولكن جسمه لايزال مستمرا وخريجى مدرسته لايزالون يتبوأون مواقعهم المتقدمة.
 
لم أجد حتى الآن من يفسر لى كيف يمكن أن تكون علاقات القاهرة وواشنطن «سمنا على عسل» قبل 25 يناير ثم تظل كذلك بعد ذلك التاريخ. لست أدعو إلى اشتباك مع الولايات المتحدة، ولا إلى قطع العلاقات معها، ولكننى أدعو إلى تمايز ومسافة تقنعنا بأن القرار السياسى المصرى قد أصبح أكثر استقلالا بعد الثورة، وأن الإدارة الأمريكية بلغتها رسالة مفادها أن ثمة متغيرا مهما حدث فى مصر، وأن ما كانت القاهرة تقبل به وتحتمله فى السابق قد لا تقبل به أو تحتمله بعد 25 يناير، حين ثار الشعب دفاعا عن كرامته وكرامة بلده أيضا.
 
لو أن الاجتماع الذى تم بين رئيس الأركان المصرى وبين القائد العسكرى الأمريكى تم فى ظروف أخرى لقلنا إن اللقاء تم لمناقشة الشئون العسكرية التى ليس لنا أن نخوض فيها، رغم أننا لا نعرف مداها ولا نفهم مبررها، ولكن الحاصل أن السيد عنان ليس رئيسا للأركان فحسب وإنما هو نائب رئيس المجلس العسكرى الحاكم أيضا، والرجل له دوره فى دائرة القرار السياسى وله نشاطه الذى صار على تماس مستمر مع ترتيب الأوضاع السياسية المستجدة فى البلد، خصوصا مع ما تعلق بخطوات تسليم السلطة للمدنيين. وهو ليس مستمعا فقط ولكن له آراءه الخاصة المعلنة فى شأن المستقبل السياسى، التى قد تتفق مع بعضها ونختلف مع البعض الآخر.
 
فى الجزء الثانى من الحوار الذى نشره الأهرام مع الأستاذ محمد حسنين هيكل أمس (20/9) قال إننا لا نعرف ما يكفى عن موضوعات أساسية تتعلق بالمستقبل. كان من بينها ملف العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وما يتصل به من أثار وتبعات، وقال إن الأوضاع فى مصر مقيدة بكثير من العقد بأكثر مما يتصور الناس. ونبهنا إلى أن الأحوال فى مصر أشبه ما تكون بجبل الجليد، أكثره غاطس تحت الماء وأقله ظاهر فوقها.
 
من مصادفات الأقدار أن عدد الأهرام الذى نشر خبر اجتماع الفريق عنان مع القائد العسكرى الأمريكى على الصفحة الأولى هو ذاته الذى نشر كلام الأستاذ هيكل على الصفحات الداخلية، الأمر الذى دفعنى إلى التساؤل عما إذا كان اللقاء متعلقا بالجزء الظاهر أم الغاطس من جبل الجليد الذى تحدث عنه. الشعب يريد أن يفهم لكى يطمئن على ثورته.

 

 

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 138 مشاهدة
نشرت فى 21 سبتمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

     
  اكتشف البريطانيون أن مجتمعهم متصدع من الداخل على نحو لم يألفوه أو يتوقعوه. وكانت أعمال الشغب التى اندلعت فى شهر أغسطس الماضى عقب قتل الشرطة لأحد الشبان السود، هى اللحظة التى فتحت أعينهم على السوس الذى ينخر فى عظام مجتمعهم، إذ وجدوا آلافا من الشبان البيض والملونين خرجوا إلى الشوارع معبرين عن السخط والغضب، الأمر الذى دفعهم إلى الاشتباك مع المواطنين ونهب المتاجر وسلبها، وتدمير المجتمعات المحلية. وقد بوغتت الشرطة ولم تستطع أن تتصدى لطوفان الغضب والشغب إلا بعد أن تم تعزيزها بقوات إضافية، حين زاد عددها من ستة آلاف إلى 16 ألف شرطى.
 
بعدما أفاقوا من الصدمة التى انطلقت شرارتها الأولى من منطقة توتنهام شمال لندن التى شهدت حادث القتل، انفتح الملف وأصبحت اسئلة المشهد على كل لسان، من فعلها ولماذا وما العمل؟ ولأن الغاضبين والمشاغبين استخدموا وسائل الاتصال الاجتماعى، مثل موقعى «فيس بوك» «وتويتر» وخدمة بلاكبيرى مسنجر، فى ترتيب وتوسيع نطاق عملية السلب والنهب، فإن اسئلة أخرى اثيرت حول حدود وضوابط استخدام تلك الوسائل، والمصالح والمفاسد التى تنشأ جراء ذلك.
 
اليمينيون اعتبروا أن الفوضى التى حدثت تشكل دليلا على أن السياسات الليبرالية التى اعتمدتها الحكومات المتعاقبة دمرت القيم البريطانية وانشأت مجتمعا منحطا وهشا، ومن ثم مسكونا بالنزوع إلى السخط والانفجار. أما اليساريون فقد أرجعوا أسباب الشغب والفوضى إلى شيوع القهر والظلم والتدهور الاقتصادى، والمشاكل المرتبطة بالمخدرات وتقليص إنفاق الحكومة على مشروعات الخدمات العامة. بكلام آخر فإن اليمينيين أرجعوا ما جرى إلى الأسباب السياسية فى حين أن اليساريين رأوا أن المشكلة تكمن فى الأسباب الاقتصادية والاجتماعية.
 
ديفيد كاميرون رئيس الحكومة وصف أعمال الشغب بأنها «مجرد عمل إجرامى»، وتحدث عن الانهيار الأخلاقى البطىء الذى حدث فى بريطانيا وعانت منه عدة أجيال خلال السنوات الأخيرة.
 
وقال إن منظومة القيم السائدة تعرضت للتآكل والانهيار فى بريطانيا، وترتب على ذلك أن الأجيال الجديدة أصبحت تتصف بالأنانية وقلة المسئولية. كما أن الأطفال صاروا بلا أهل، والمدارس أصبحت تخلو من الانضباط والحزم، وأصبح هناك من يكافأ دون جهد، ومن يجرم فى حق المجتمع بلا عقاب. ومن يطالب بالحقوق دون النظر إلى الواجبات، الأمر الذى أسهم فى الانفلات وجعل المجتمع خارجا على السيطرة.
 
فى حديثه عن علاج التصدع فى المجتمع البريطانى عول ديفيد كاميرون كثيرا على فكرة ترميم العائلة والاحتفاظ بتماسكها باعتبارها الحاضنة الأولى للأجيال الجديدة. وقال إن أية سياسات حكومية تضر بالعائلة ينبغى العدول عنها على الفور. ووعد بتحسين أحوال 120 ألف عائلة مضطربة، كما تعهد بشن حرب مفتوحة ضد ثقافة العصابات، وأيد الأحكام القاسية التى أصدرتها المحاكم بحق مناقشة الضالعين فى حوادث الشغب.
 
اثناء مناقشة الموضوع، تحدث كثيرون عن البطالة، وتبين ان نسبتها ليست افضل كثيراً من تلك الموجودة فى العالم العربى، اذ تجاوزت 20% فى اوساط الشباب بشكل عام، الا ان هذه النسبة تصل الى 50% بين السود. كما تبين ان واحدا من بين كل خمسة شبان ممن تتراوح أعمارهم بين 19 و24 سنة لا يحظى بعمل أو تعليم أو تدريب، وأن السخط وانعدام الفرص أمام الشباب الفقراء من العوامل التى تدفعهم إلى الانضمام إلى العصابات والاشتراك فى الأعمال الإجرامية ومن ثم زيادة معدلات البلطجة فى الشوارع البريطانية.
 
الطريف أن وزير الخارجية البريطانى وليم هيج كان قد انتقد أثناء الثورة المصرية لجوء الحكومة إلى قطع الاتصالات ومنع استخدام شبكات الهاتف المحمول، لكن رئيس الحكومة ديفيد كاميرون صرح فى أعقاب حوادث الشغب بأنهم سينظرون فى إمكان ضبط وسائل الاتصال الاجتماعى فى مثل الظروف التى وقعت، حتى لا يساء استخدامها من قبل جماعات الغاضبين. لكنه تعرض لحملة من الانتقادات جعلته يعدل عن ذلك الرأى.
 
الخلاصة أن المجتمعات الديمقراطية لها أسلوب آخر ومنطق مغاير تتعامل به مع حالات الانفلات أو الفوضى التى تثيرها بعض الفئات. هم هناك يحاولون أن يفهموا أسباب الظاهرة من خلال حوار مجتمعى واسع النطاق، ويتعاملون معها من منظور اجتماعى واقتصادى بالدرجة الأولى. لم يكتفوا بمحاسبة المتورطين حتى يأخذ القانون مجراه، وإنما حاسبوا أنفسهم أيضا ومارسوا بشجاعة نقداً ذاتياً لقيم مجتمعهم وسلبياته.
 
لقد أثارت اهتمامى التقارير التى نشرت عن الموضوع، ليس لأسباب معرفية فقط، ولكن لأننا نواجه ظروفا مشابهة. وحين قارنت بيننا وجدت أنهم هناك يناقشون ويحللون، فى حين أنهم عندنا يختصرون الطريق ولا يضيعون الوقت فى التفكير، ويقررون الطوارئ هى الحل.


 

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 116 مشاهدة

 

 

 الوضع السورى تحول إلى مشكلة تتعقد يوما بعد يوم، حتى يبدو كأننا أصبحنا بإزاء حالة مرضية متأخرة يستعصى علاجها، إلا إذا حدثت معجزة لم تخطر على بال أحد. ذلك أنه بعد مضى نحو ستة أشهر على انتفاضة الشعب السورى، وبعد مقتل أكثر من ألفى شخص وإصابة واعتقال أكثر من خمسة آلاف، فإن تصالح النظام مع المجتمع أصبح مشكوكا فيه، بل ميئوسا منه، ذلك أن الدم الذى سال كتب شهادة نهاية النظام التى باتت تنتظر سطورها الأخيرة. ولا يستطيع أحد أن يغفل عن حقيقة «الثأر» الذى أصبح يشكل حاجزا بين الطرفين، لأن ما جرى يصعب نسيانه ويتعذر رأبه أو ترميمه. لأن دم الشهيد لا يجف مهما طال الزمن.

 

كما بات متعذرا اطفاء نار الغضب الجماهيرى فإن وقف آلة القتل أصبح متعذرا أيضا، ذلك أنه طوال الأشهر الستة الماضية فإن النظام لم يتوقف عن استخدام القمع وسيلة لإسكات صوت الغاضبين. وحين ذهب بعيدا فى ذلك النهج، فإن تراجعه عن تلك السياسة لم يعد ممكنا، خصوصا أن جميع أجهزة الأمن التابعة للنظام تلوثت أيديها بدماء الغاضبين، وإزاء استمرار القمع الذى مارسته بالأساليب غير الإنسانية التى شهدناها وذاعت صورها بين الناس، فإن عناصر تلك الأجهزة أصبحت لا تجيد شيئا سوى ذلك الذى تورطت فيه حتى أدمنته.
 
على صعيد آخر، فإن دعاوى الإصلاح التى ترددت على ألسنة مسئولى النظام فقدت صدقيتها بحيث لم يعد يثق فيها أحد. فالكلام عن حوار مع المعارضة، أو عن إلغاء الطوارئ، أو القبول بالتعددية السياسية وإطلاق حرية الإعلام، وغير ذلك من خطوات الإصلاح. ذلك كله لم يعد له معنى. لا لشىء سوى أنه ظل يتردد طوال الوقت فى وسائل الإعلام. ولم يلمس الناس أثرا له فى الواقع. بل إنهم وجدوا دائما أن الأفعال تمضى فى اتجاه معاكس للأقوال.
 
إزاء ذلك فقد أصبح استمرار النظام مشكلة وخطرا على المجتمع، لأنه يعنى استمرار سياسة القمع والإصرار على إذلال الناس وكسر إرادتهم، وتيئيسهم من أى أمل فى المستقبل. وخطورة هذا الوضع لا تكمن فقط فيما يمثله من قهر السوريين والنيل من إنسانيتهم وكرامتهم، ولكن فيما يترتب عليه من آثار اجتماعية واقتصادية وثقافية. إذ يتعذر على المجتمع فى ظل سياسة القمع أن ينهض أو يتقدم، أو أن يتطور فيه التعليم أو الإنتاج أو الخدمات أو حتى جهاز الإدارة. ناهيك عن أن البيئة القمعية هى التى يرتع فيها الفساد، بما يحول البلد فى نهاية المطاف إلى إقطاعية تتحكم فيها النخبة المسيطرة على السلطة، التى لا يحول حائل دون احتكارها للثروة أيضا، كما هو الحاصل فى سوريا الآن. وإزاء ذلك فلا يستغرب أن يصبح البلد طاردا للكفاءات، حتى أصبح المهنيون والمثقفون السوريون يتوزعون على الشتات والمنافى، ويقدمون خدماتهم وعطاءهم لكل أحد، باستثناء بلدهم وأبناء جلدتهم. كما لا يستغرب أن يفرخ القمع سيلا إلى التشدد والتطرف وزيادة فى معدلات الجريمة.
 
إذا كان استمرار النظام مشكلة، فإن سقوطه مشكلة أيضا. ذلك أننا لا نتمنى ألا يقترن السقوط بحرب أهلية بين العلويين القابضين على السلطة وبين الأغلبية السنية التى ضاقت ذرعا بذلك الوضع وعانت منه. وليس ذلك هو اسوأ الاحتمالات، لأن من شأن سقوط نظام دمشق أن يوجه ضربة موجعة إلى حزب الله فى لبنان، وأن يقطع الجسور مع إيران التى اختارت أن تصطف إلى جانب النظام وتدعمه بجميع السبل. وإذا ما تم إضعاف حزب الله وقطع العلاقات مع طهران، فإن الطريق يغدو مفتوحا أمام إسرائيل لكى توجه ضربتها العسكرية إلى المشروع النووى الإيرانى، وهى الخطوة التى طالما ألحت عليها وما برحت تتحين الفرصة للاقدام عليها. وإذا ما حدث ذلك فيعلم الله وحده ما الذى سيحدث بعد ذلك، سواء فى العراق أو فيما يتعلق بإسرائيل ذاتها والقواعد الأمريكية فى المنطقة.
 
ثمة مشكلة كذلك فى خيار التدخل الدولى، الذى يكرر ما حدث فى ليبيا، وهو خيار مرفوض من النخب ومن المجتمع السورى، إذ الجميع لديهم حساسية شديدة ضد ذلك النوع من التدخل. ولئن ضاقت صدور البعض هناك ودعوا قبل عشرة أيام إلى تدخل لحماية المدنيين من القتل، فقد فهمته بحسبانه استغاثة بالمنظمات الإنسانية وليس دعوة لتدخل حلف الناتو. وللعلم فإن الغربيين لن يجازفوا بتكرار تجربة العراق فى سوريا، خصوصا ان مغانم الأخيرة محدودة للغاية، ولا تقارن بما يرجوه الغربيون من مغانم من وراء التدخل فى العراق أو ليبيا. وهى مقدمة بطبيعة الحال على مسألة حماية المدنيين السوريين.

 

إذا صح ذلك التحليل فإن الأفق يكاد يبدو مسدودا أمام احتمالات حل المعضلة السورية. ويبقى بعد ذلك خيار آمن وحيد يجنبها كل تلك المخاطر، هو أن يقوم الرئيس بشار الأسد بعملية «استشهادية» يضحى فيها بمنصبه ويسلم السلطة إلى المعارضة بصورة سلمية. ولا أعرف مدى استعداده لذلك، ولكن الراجح أن المحيطين به وعلى رأسهم شقيقة ماهر لن يسمحوا له بالإقدام على هذه الخطوة حتى إذا رغب فيها، وتلك مشكلة أخرى!
 

 

 

 

  • Currently 25/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
7 تصويتات / 177 مشاهدة
نشرت فى 19 سبتمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

  • قرأت تقريرا عن الوحدات الصحية فى

     

    •  

       

     

     محافظات مصر أغرقنى فى بحر من الخجل وسرب إلى شعورا عميقا بالذنب، ذلك أننى اكتشفت حين وقعت عليه أننا حين انكفأنا على ذواتنا فلم نبتعد عن إخواننا فى العالم العربى فحسب، وإنما ابتعدنا أيضا عن أهلنا فى مصر ذاتها.
     
    كنت أعرف الكثير عن بؤس المحليات وتدهور خدمات التعليم والصحة والإسكان والصرف الصحى، لكننى لم أتخيل أن تتحول الوحدات الصحية إلى «خرابات»، كما ذكر التقرير الذى نشرته صحيفة روزاليوسف فى 14/9، لم أتوقع أن يقام فى المنوفية 50 مستشفى يفترض أنها متميزة ومتكاملة لكنها تظل مغلقة تنعى من بناها، وأن يهدر فى العملية نحو 70 مليون جنيه، وانتابنى الفزع حين قرأت أن مرضى الكبد يقفون فى طوابير طويلة أمام معهد الكبد الذى بات عاجزا عن أن يعالج مرضاه، وأصبح بحاجة إلى مبلغ 200 مليون جنيه لكى يستطيع أن يلبى احتياجات الطلب عليه.
     
    قرأت فى الوحدات الصحية التى بنيت بالطوب الأحمر ثم تركت فارغة، فى عهدة الخفراء وعن القرى التى لا تتوافر لها أى خدمات صحية، أو تلك التى يمر بها الممارس العام مرة كل أسبوع، وتلك التى يضطر مرضاها للسير على أقدامهم عدة كيلومترات تحت الشمس الحارقة، لكى يصلوا إلى مقر الوحدة الصحية ثم لا يجدون فيها الطبيب المختص. وقرأت عن الوحدات التى يطلب أطباؤها من المرضى أن يحضر كل واحد منهم مستلزمات علاجه من السوق قبل أن يقف أمامه. حتى القطن والشاش والمطهرات يشتريها الفقراء حتى يتلقوا العلاج المجانى!
     
    رأيت صورة مكبرة لإحدى المستشفيات فى محافظة قنا. حيث تمدد أكثر من مريض على السرير الواحد، فى حين افترش الزوار الأرض. وصورة أخرى لمبنى مهجور عرف بأنه الوحدة الصحية فى إحدى قرى بنى سويف، التى تم بناؤها منذ 3 سنوات لكن أحدا لم يعتن بتوفير مستلزماته. وهو ما تكرر فى بلدة إدفو بأسوان التى أقيم فيها مبنى من خمس طوابق ليكون مقرا للوحدة الصحية، دون أن تتوافر له أية إمكانيات، ومن ثم لم يعد له دور فى علاج الناس، وأصبح مجرد علامة على الطريق العمومى.
     
    حين يكون ذلك حال الوحدات الصحية، فينبغى ألا نتفاءل بوضع المدارس أو المرافق الأخرى. ذلك أن الذى يترك الوحدات الصحية بتلك الحالة المزرية لن يكترث بالمدارس أو الطرق أو بأى خدمة أخرى تقدم لسكان الأقاليم.
     
    أخجلنى أننا قاعدون فى القاهرة، شبه معزولين عما يحدث خارج حدود العاصمة، يثور بعضنا حين ينقطع التيار الكهربائى وتتعطل المكيفات أو تتوقف خطوط المترو، ولا نكف عن الشكوى من انتشار القمامة فى الأحياء المختلفة، ونصرخ حين يرتبك المرور أو تسقط بعض الأمطار وتعجز البالوعات المعطوبة عن تصريف مياهها، وتلك كلها مشكلات لا يمكن التقليل من شأنها، لكنها إذا قورنت بما تعانيه بقية المحافظات من تدهور فى الخدمات ومن أوضاع مزرية فى قطاعى التعليم والصحة، فإن هذا الذى نشكو منه فى القاهرة يبدو من قبل الترف والبطر.
     
    هم هناك يشكون من صعوبة الاستمرار فى الحياة، فى حين أننا فى العاصمة لا نكف عن الشكوى لأننا نريد تحسين الحياة. والفرق بين الاثنين كالفرق بين إنسان قلق على وجوده، وآخر قلق على رشاقته.
     
    نحن بالنسبة للأقاليم «سياح»، نطل عليها بين الحين والآخر، ونتابع أخبارها فى الصحف، التى لا تنتقل إليها إلا إذا حلت بها كارثة. فأغرقتها السيول أو انتشر فيها وباء أو حدثت فيها فتنة من أى نوع. منذ كان الفرعون هو واهب الحياة والموت للمصريين، حين كان يتحكم فى مياه النيل فيمنح فيها ويمنع، فإن مقامه صار قبلة للناس، وأصبحت حاضره مصر هى كل مصر. ودون أن يَعىِ المصريون فإنهم ثبتوا هذه الفكرة حين أطلقوا على محطة السكك الحديدية بالعاصمة اسم محطة مصر!
     
    إن أغلب فئات المجتمع المصرى ترفع الآن صوتها وتخرج إلى الشارع فى تظاهرات واعتصامات شاهرة مطالبها وأحيانا مهددة ومتوعدة، ولكن ملايين البسطاء والفقراء الذين يعانون من تدهور الخدمات ونقصها فى القرى لم يسمع لهم صوت. ولولا التقارير التى تتسرب بين الحين والآخر فى وسائل الإعلام التى باتت قاهرية بالأساس، لظلت الأقاليم خارج القاهرة محجوبة فى عالم النسيان، وضحية لفساد المحليات. وانشغال المحافظين حكام الأقاليم بأمن النظام الذى عينهم وليس خدمة الناس. إننى لا أعرف نهاية لحبال الصبر التى يتعلق بها هؤلاء، لكنى لا أخفى قلقا من اللحظة التى ينفد فيها صبرهم وينفجر فيها غضبهم المخزون. اتقوا غضب الحليم.

  • Currently 25/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
7 تصويتات / 121 مشاهدة

  •    العلمانيون فى مصر احتفوا بأردوغان، وصفقوا للنموذج التركى، معتبرين أن بروز الرجل وإنجازاته وما بلغته بلاده من علو ونهضة كل ذلك من ثمرات العلمانية المطبقة هناك. وكانت الإيحاءات واضحة فى تلك الحفاوة، حيث لم يكن هدف المديح مجرد التعبير عن الإعجاب بالرجل أو بمجمل التجربة التركية، وإنما أريد به إقناع «الجارة» ــ المقصود أهل مصر ــ بأن العلمانية التى رفعوا شعارها هناك هى الحل. وأن بلدنا الذى يسعى الآن لتأسيس نظام جديد بعد الثورة، إذا أريد له حقا أن ينتقل من ظلمات التخلف والاستبداد إلى نور التقدم والحرية، فعليه أن يتنكب ذات الطريق، وأن يلتزم بالعلمانية، التى هى المفتاح السحرى للمستقبل المشرق.
  •  
  • هذه «الوصفة» ناقشتها من قبل، لكن أصحابها جددوا عرضها علينا أخيرا بمناسبة زيارة أردوغان لمصر، التى اصطحب فيها زوجته وابنتيه المحجبتين. وقد «ابتلع» العلمانيون حجابهن واحتملوه مؤقتا على الأقل، رغم أن العلمانيين الأتراك يعتبرونه انتكاسة وردَّة، وخطرا يهدد العلمانية والجمهورية.. ولأن أصحابنا عادوا إلى ترديد ذات الفكرة، فقد سمحت لنفسى أن أعود إلى تفنيدها وتبيان فسادها. فالزعم بالربط التلقائى والحتمى بين العلمانية وبين الحرية والتقدم يشكل مغالطة لا أصل لها فى علم السياسة أو تاريخ النظم السياسية. ذلك أن العلمانية التى هى بالأساس فكرة غربية برزت لكى تتحدى سلطان الكنيسة.
  •  
  •  ولأجل ذلك تبنت رؤية مادية للعالم المحسوس (فى اللغة الأردية يترجمون العلمانية بمصطلح الدنيوية)، بعضها ينكر الغيب ويخاصم الدين، وبعضها يضعف الغيب ويتصالح مع الدين لكنه يعزله عن المجال العام. وفى الحالتين ليست هناك علاقة حتمية أو ضرورية بينها وبين الديمقراطية. ولئن تعايشت مع الديمقراطية فى المجتمعات الغربية، إلا أنها تحولت إلى سوط للقمع والاستبداد فى بعض الأقطار العربية. والنتائج البائسة التى حققتها فى تونس وسوريا والعراق ليست بعيدة عنا. وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأنه إذا كانت كل دولة ديمقراطية فى الغرب علمانية، إلا أنه ليس كل دولة علمانية ديمقراطية بالضرورة.
  •  
  • من الأمور الجديرة بالنظر فى هذا السياق أن العلمانية فى تركيا، منذ تطبيقها فى عشرينيات القرن الماضى على يد كمال أتاتورك وجماعته كانت لها مشكلة دائمة مع الديمقراطية. وان الانقلابات العسكرية الثلاثة والرابع السلمى تمت كلها باسم الدفاع عن العلمانية ضد إرهاصات التحول الديمقراطى. إلى جانب ذلك فإن محور المعركة التى يخوضها أردوغان الآن فى سعيه لإعداد دستور جديد هو كيفية تحويل تركيا إلى دولة ديمقراطية، يكون الشعب فيها هو صاحب القرار ومصدر السلطات، وليس المؤسسة العسكرية التى نصبت نفسها حارسة للعلمانية وصانعة للسياسة.
  •  
  • إن أى باحث نزيه لا يستطيع أن ينسب إلى العلمانية ما حققته تركيا من نهضة وعلو فى زماننا لأن إنجازاتها تنسب إلى الديمقراطية بالدرجة الأولى. وللعلم فإن العلمانية قادت أردوغان إلى السجن الذى قضى فيه أربعة أشهر بزعم المساس بها، لكن الديمقراطية هى التى أوصلته إلى رئاسة الحكومة التى فى ظلها حدثت النقلة الكبيرة لتركيا، وتحولت إلى قوة اقتصادية صاعدة وقوة سياسية لها حضورها المؤثر والفاعل فى أهم ملفات المنطقة.
  •  
  • لقد كنت ومازلت ضد العراك العبثى حول عنوان الدولة علمانية كانت أم إسلامية. واعتبره عبثيا لأنه يدور بين نخبة من المثقفين نصبوا أنفسهم متحدثين باسم المجتمع ويريدون أن يفرضوا عليه رؤيتهم للمستقبل. كأنما أريد لنا أن نخرج من وصاية أبوية حسنى مبارك وجماعته إلى وصاية النخبة ذات الصوت العالى. ولا أفهم لماذا لا نترك الناس لكى يختاروا بأنفسهم ما يريدون. أعنى لماذا لا نتوافق على ضرورة التركيز على البدء بالديمقراطية، من خلال إطلاق حرية التعبير وحرية تستكمل الأحزاب والنقابات المهنية والعمالية، وفتح الأبواب أمام المجتمع للمشاركة والمساءلة. وتداول السلطة.
  •  
  • واهمون أولئك الذين يعتبرون العلمانية ضامنة بحد ذاتها للحرية والديمقراطية فى المجتمع. وأزعم أن هذا الوهم ينسحب أيضا على الذين يهتفون طول الوقت مرددين شعار «إسلامية إسلامية». ذلك أن الطرفين ينشغلان بهوية الدولة وعنوانها، ولا يلقيان بالا لقوة المجتمع أو ضعفه. ذلك أن ضعفه يمهد الطريق لتغول السلطة واستبدادها، علمانية كانت أو دينية. ولا حل لوقف ذلك التغول إلا بتعزيز حصانة المجتمع من خلال تقوية مؤسساته والتمكين لها. وأردوغان ليس ابن العلمانية، ولكنه ابن شرعى لمجتمع نضجت فيه التجربة الديمقراطية حتى أوصلته إلى ما وصل إليه.


  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
3 تصويتات / 141 مشاهدة

نلاحقهم بالكراهية واللعنة

لا أستطيع أن أخفى شعورا بالارتياح والسرور لأن السفير الإسرائيلى ورجاله وعائلاتهم غادروا القاهرة وعادوا إلى بلادهم. وهو ذات الشعور الذى انتابنى حين علمت بأن بعض رجال الأعمال الإسرائيليين المقيمين فى مصر لحقوا بهم، وأنه بعدما أصبح وجود السفارة الإسرائيلية مشكلة فى وضعها الحالى، فإنهم بدأوا فى البحث عن مكان آخر لها يحميهم من غضب المصريين وكراهيتهم. وينبغى أن نعترف بأن الفضل فى ذلك «الانجاز» يرجع إلى جموع الشبان الشجعان الذين فعلوا ما فعلوه دفاعا عن كرامة هذا الوطن ووفاء لدماء الشهداء الذين قتلهم الإسرائيليون.

 

 ليس عندى أى دفاع عن الفوضى التى أثارها البعض فى المنطقة المحيطة بمقر السفارة، ولا أتردد فى القول بأن الذين تظاهروا أمام السفارة ليسوا هم الذين أحرقوا بعض السيارات أو اقتحموا بعض البيوت لنهب محتوياتها. بل يساورنى شك فى أن بعض الذين ارتكبوا هذه الأعمال دفعوا إليها لكى يشوهوا صورة الهدف النبيل الذى من أجله تجمع المتظاهرون لكى يعبروا عن احتجاجهم وغضبهم.

 

 أدرى أن فلسطين لم تتحرر بإنزال العلم أو هدم السور الذى أقيم لتأمين السفارة، كما أن سيناء لاتزال مرتهنة لدى الإسرائيليين. وللعلم فإن الذين تظاهروا لم يستهدفوا شيئا من تلك الأهداف الكبيرة ولكن ما يهمنى فيما جرى أن الجموع التى تظاهرت نقلت إلى الإسرائيليين رسالة مسكونة بالبغض والكراهية غيرة على كرامة المصريين التى أهدرت ودماء ابنائهم التى سالت، ورفضا لسياسات الاقتلاع والإبادة التى تمارسها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بحق الفلسطينيين.

 

حين بعث الشبان المصريون بتلك الرسالة المدوية، فإنهم أنجزوا ما عجز عنه أو صمت عليه آخرون.

 

 (الكاتب الإسرائيلى الوق بن قارون بين تركيا ومصر فقال إن الحكومة هناك هى التى طردت السفير الإسرائيلى أما فى مصر فالمتظاهرون هم الذين طردوا السفير، فى حين وقفت الحكومة جانبا ــ هاآرتس 11/9). وحين أشهروا رسالة البغض والكراهية فإنهم عبروا عن المشاعر الكامنة فى أعماق المصريين، بل والعرب أجمعين، التى قمعتها لسنوات عدة الأنظمة المهزومة والمتواطئة، ضمن ما قمعته من أشواق وأحلام، تعلقت كلها بالعزة والكرامة ورفض الظلم والهوان. آية ذلك أنه بعد أيام قليلة مما فعله الشبان المصريون، فإن نظراءهم فى الأردن خرجوا إلى شوارع عمان مطالبين بطرد السفير الإسرائيلى هناك.

 

 لقد اشتكى السفراء الإسرائيليون الذين تعاقبوا على مصر طوال الثلاثين عاما الماضية (منذ توقيع اتفاقية السلام فى عام 1979) من شعورهم بالعزلة الناشئة عن كراهية المصريين لهم. ذلك أن المواطن المصرى العادى يعرف جيدا أن التعامل مع الإسرائيليين بمثابة «نجاسة سياسية» ينبغى أن ينفر منها ويتأبى عليها. وإذا كانوا قد اضطروا لكتمان ذلك الشعور فى ظل النظام السابق، فإن ذلك الكتمان لم يعد له الآن ما يبرره. وعن نفسى فإننى منذ وقعت واقعة «الصلح» أصبحت أرفض مصافحة يد أى عربى أعرف أنه لوث يده بمصافحة الإسرائيليين ولم يكن مضطرا إلى ذلك. ولا أريد أن أروى تفاصيل المواقف التى تعرضت لها بسبب هذا القرار، ليس فقط لأنه مما اعتبرته أضعف الإيمان لدى أى مواطن مصرى أو عربى لم يفقد بعد ذاكرته أو وعيه، ولكن لأن غيرى فعل أكثر مما فعلت ودفع حياته وهو يدافع عن كرامة شعبه وعزة بلاده.

 

الظاهرة الجديرة بالملاحظة والدراسة أن أغلب الشبان الذين تظاهروا أمام السفارة كانوا دون الثلاثين من العمر، الأمر الذى يعنى أنهم ولدوا فى ظل اتفاقية السلام، وقد وجدت للظاهرة أكثر من دلالة. من ذلك مثلا أنها تعنى أن السلام لا يتحقق بتوقيع الاتفاقيات وانهزام الحكومات أو انكسارها. ولكنه يظل بلا معنى طالما بقيت أسباب الصراع كما هى. منها أيضا أن كراهية الإسرائيليين باتت متأصلة فى أعماق المصريين «وجيناتهم»، يتوارثونها جيلا بعد جيل. منها كذلك أن «تمثيلية» التصالح مع المصريين وإقامة السلام معهم لم تنطل على أحد، لأن جرائم الإسرائيليين لم تتوقف سواء بحق الجنود المصريين أو بحق عموم الفلسطينيين. من تلك الدلالات أيضا أن محاولة حصار الوجدان المصرى وفصله عن العالم العربى، وتنشئة جيل منكفئ على ذاته ومنفصل عن محيطه، منيت بالفشل الذريع.

 

 إننى أرحب بفكرة البحث عن مقر آخر للسفارة الإسرائيلية، وسأكون سعيدا لو أنهم اختاروا ذلك المقر خارج حدود بلادنا. أما إذا كان لابد أن يكون على الأرض المصرية. فإننى أرشح لهم ــ مؤقتا ــ مقر الرئيس السابق حسنى مبارك فى شرم الشيخ، حتى يصبح «زيتهم فى دقيقهم» كما يقال ــ لأننا نرفض الظلم والذل الذى أصبحت إسرائيل رمزا له، فينبغى أن نلاحقها بالكراهية واللعنة حتى تقوم الساعة.


  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 93 مشاهدة

لو ظهر من الثورة  (رجل واحد ) ما استطاع النظام القديم التحكم بكل شئ كما يحدث الآن  فالثورة  كانت مفأجئه للنظام السابق والذي خاف وانكمش - حتي اتيحت له الفرصة من جديد للانتشار  - وذلك بسبب الاختلافات الشديدة التي ظهرت مع تعدد جبهات الثورة -ومع الايام سوف يعود الوضع اسؤاء من قبل 25 يناير لانه كما يقول المثل (البكاء علي رأس الميت ) وليس بعد دفنه وتفريق الجماعة من حوله والاختلاف علي الميراث قبل تثبيت الاساس علي قلب رجل واحد - فقد كان الافضل وضع رجل واحد يتكلم باسم الثورة لكن هيهات - لابد من التفريق حتي يعلم كل من شارك ماذا يكون نصيبه  واكون ( فيها  لآ أخفيها ) بدل من توحيد الاراء مما شجع  الخلاية النائمة والتي كا نت قد يأست من الامر العودة الي النشاط من جديد بسبب الاختلاف الدائر الآن والتخوين بين هذا وذاك - اذا وجد توحيد للراي سوف يتم اللحاق بالثورة والا فلا  - كما يقول المثل (كائنك بأبوزيد ما غازيت ) توحيد الراي والقرار هو المطلوب الان للاستمرار -  اما الخلاف  فعليه العوض في دم شباب مصر الذي هدر بدون ثمن بسبب الاطماع السياسية فقط وليس مصلحة الوطن كما ادعوا ذلك (1)حرية -  لم تتحقق حتي الآن ( 2) كرامة -  أهدرت في التراب ودفع ثمنها حتي الان المواطن البسيط الذي لا يملك قوت يومه (3) عدالة أجتماعية - لا نصل اليها الا بحب الوطن الغاء لغة أنا - والغاء الشوو الاعلاني في القنوات الفضائية والجرائد اليومية - والتصالح مع النفس وحب الوطن اولآ وأخيرأ - وليس حب المصلحة والاهداف الخارجية التي يعملوا لحسابها علي حساب الوطن والمواطن  -   أخيرا أقول -     تحيا مصر                تحيا مصر          تحيا مصر          

  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 623 مشاهدة
نشرت فى 14 سبتمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

7 أسباب للزعل 
 عندى سبعة أسباب للحزن أعانى منها منذ فوجئت ذات صباح بصدور قرار يقضى بإغلاق مكتب الجزيرة مباشر فى القاهرة. السبب الأول يتعلق بورود فكرة المصادرة والقمع على بال صاحب القرار، وهى الفكرة التى ظننا أننا تجاوزناها وانها سقطت من قاموس حياتنا. ولكن ما جرى أعطى انطباعا بأن عقلية القمع لازالت باقية، وأن بصمات صفوت الشريف وأنس الفقى لاتزال حاضرة فى الساحة الإعلامية. حتى خيل إلى اننا إذا دققنا جيدا فى القرار الصادر فسوف نلمح توقيع أنس الفقى عليه، ولكن اسمه محى ووضع مكانه اسم آخر.
السبب الثانى أن قرار المصادرة الذى ذكرنا بالشريف والفقى، جرى تنفيذه باسلوب بوليسى أعاد إلى أذهاننا أساليب حبيب العادلى وزير الداخلية الأسبق. ذلك أنه ما كان يتصور أحد بعد الثورة أن تتم مداهمة مقر أى قناة تليفزيونية بقوة من رجال الأمن بدعوى انتسابهم إلى المصنفات الفنية، وأن يصطحب هؤلاء نحو 40 شخصا من المخبرين وأمناء الشرطة. وان يقتحموا المقر ويصادروا أحد الأجهزة المهمة. دون أن يقدموا للقائمين على المكان أى أوراق رسمية تبين هويتهم أو هدفهم، ويدعون أن أحد الجيران اشتكى من الإزعاج الذى يسببه الجهاز المذكور له، دون أن يحددوا من الشاكى ولا أن يبرزوا صورة الشكوى. ثم يتبين أن مقرا آخر للإذاعة البريطانية الـB.B.C موجود فى البناية ذاتها ولديه نفس الجهاز، لكن الأول يسبب الإزعاج ويستحق المصادرة، فى حين أن الثانى مسكوت عليه ومرحب به. إلى غير ذلك من الملابسات التى خبرناها وشبعنا منها قبل الثورة، ثم اكتشفنا أنها مازالت قائمة لم يتغير منها شىء وأن الكتاب المرجعى الذى استخدمه الأولون لايزال مطبقا بحذافيره من جانب الآخرين، وان «ريمة لم تغير شيئا من عاداتها القديمة».
السبب الثالث للحزن أننا انتبهنا من متابعة القصة أن مصلحة الاستعلامات، وهى الجهة المنوط بها إصدار التراخيص للمراسلين الصحفيين فى ظل الثورة، مازالت فى قبضة فريق مبارك وأنس الفقى الذى كان يتحكم فى المراسلين والصحفيين قبل الثورة. وإن الذين كانوا مشغولين طول الوقت بتسويق النظام السابق من خلال التضليل والتهليل هم أنفسهم الذين يتلاعبون الآن بعملية التراخيص، فيمنحون ويمنعون استنادا إلى نفس المعايير التى كان معمولا بها فى السباق، والتى تقدم الأمن على القانون كما تقدم النظام على الوطن.
السبب الرابع أن القرار شوه صورة الثورة وأصبح بمثابة نقطة سوداء فى سجلها. وأعطى انطباعا يؤيد شكوك البعض فى أن عقلية النظام السابق لازالت حاضرة وأن فلوله لم يختفوا، ولكنهم صاروا يطلون برءوسهم بين الحين والآخر، بما يزيد من نفوذهم وتأثيرهم. بل إن القرار، قرار إغلاق المحطة، أصبح بمثابة تكذيب لما توقعناه أو تمنيناه بالنسبة لحرية الإعلام وحملة مشاعل الديمقراطية المنشودة.
السبب الخامس أن الخطوة التى اتخذت جاءت دالة على غياب الرؤية السياسية والانحياز إلى القهر والتكميم من خلال إجراءات السلطة وحيلها. ففيما فهمت فإن وزارة الإعلام أو مصلحة الاستعلامات لم تخاطبا المسئولين عن القناة بأية ملاحظات أو تحفظات. وإذا صح ما قيل من أن بعض انشطتها كانت بحاجة إلى تراخيص، فإنها لم تنبهها إلى ذلك، علما بأننا فهمنا أن التراخيص التى جرت الإشارة إليها لم تصدر لأن الجهة الرسمية (الاستعلامات) هى التى ظلت تسوف فى إصدارها طوال أربعة أشهر، وبدلا من أن يتم التواصل مع المسئولين عن القناة من خلال التفاهمات الحضارية، فإن الجهة الرسمية، سواء كانت وزارة الإعلام أو مصلحة الاستعلامات، آثرت أن تلجأ إلى المداهمة والمصادرة وإلقاء القبض على مهندس البث المباشر.
السبب السادس أن وزير الإعلام الذى تصدى لتبرير الإجراء المتخذ رجل اشتغل بالصحافة ويفترض أنه يقدر أهمية حرية التعبير، ويعرف كيف ينبغى أن تعامل المكاتب الإعلامية، وعلى دراية بالأساليب المتحضرة الواجب اتباعها فى التعامل مع الإعلاميين.
أما السبب السابع الذى أحزننى فى المشهد فهو أن وزير الإعلام والجهات الرسمية التى حاولت تبرير القرار تعاملوا مع الرأى العام بدرجة مستغربة من الاستهانة، حيث افترضوا فى الناس البلاهة والغباء. حتى أنهم تصوروا أنهم سوف يصدقونهم إذا قالوا إن أحد الجيران اشتكى من إزعاج القناة، أو إذا قالوا إن القرار لا علاقة له بالمحتوى الإعلامى الذى تقدمه. إذ من العيب أن يقال هذا الكلام ويصبح العيب مضاعفا ومشينا إذا تصور القائلون إننا يمكن أن نصدقه. ليس عندى دفاع عن القناة، لكننى أرجو من أولى الأمر أن يحترموا عقولنا وألا يتعاملوا معها بذلك القدر من الازدراء.

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 191 مشاهدة
نشرت فى 14 سبتمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

لا تجلدونا من فضلكم 

 يبدو أن إسراف المتظاهرين فى التعبير عن غضبهم مساء جمعة «تصحيح المسار» قوبل بإسراف مماثل فى الإدانة والتنديد من جانب السلطة. وإذا كان الأولون يعذرون فى بعض الممارسات ويعاتبون على بعض الممارسات فى تلك الليلة، فإن إسراف السلطة فى التقريع والتنديد يثير الدهشة ويبعث على الحيرة.
إذا صحت قراءتنا للبيان الذى ألقاه وزير الإعلام أمس الأول فى أعقاب الاجتماع المشترك للمجلس العسكرى مع الحكومة، فإن مسألة التظاهر ضد السفارة الإسرائيلية واقتحام بعض مكاتبها هى القضية المحورية التى أثارت الانفعال واستدعت الحديث عن تهديد هيبة مصر وسمعتها، وعن المحنة الخطيرة التى يواجهها الوطن.
لست مع اقتحام مكاتب السفارة الإسرائيلية، لكننى أرى فيما حدث من اقتحام وانزال للعلم وتحطيم للسور وترديد هتافات عدائية ضد الإسرائيليين ومن لف لفهم، تعبير رمزى عن كم البغض الذى يكنه الشعب المصرى للسياسة الإسرائيلية خصوصا بعد قتل المصريين الستة مؤخرا، علما بأن كل ما فعله المصريون الغاضبون لا يمكن أن يقاس أو يقارن بما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين علما بأن الممارسات والجرائم التى ترتكب بحق الفلسطينيين تعد طقسا يوميا، كما أنها أكثر جسامة وأعمق أثرا مما أقدم عليه المتظاهرون المصريون فى كل تجليات غضبهم.
لم أفهم لماذا أثيرت مسألة هيبة الدولة فى البيان، لأننى أزعم أن قتل العسكريين المصريين الستة برصاص الجيش الإسرائيلى فى 20 أغسطس الماضى مع سبق الإصرار والعمد، ينال من هيبة الدولة المصرية، بأكثر مما ينال منها اقتحام بعض الشبان الغاضبين لمكاتب السفارة الإسرائيلية وتعارض ذلك مع اتفاقيات جنيف. التى لم تحترمها إسرائيل يوما ما، وإنما تخصصت فى إهدارها والاستهتار بأحكامها.
ان إسرائيل التى نؤِّنب أنفسنا ونجلد ذواتنا لأن بعض شبابنا اعتدوا على مكاتبها، هى ذاتها التى انقضَّت على سفينة الإغاثة التركية «مرمرة» وتعمدت قتل تسعة من أبنائها، رغم أن السفينة كانت فى المياه الدولية ولم يثبت أنها حملت سلاحا من أى نوع، الأمر الذى اعتبرته الحكومة التركية إهانة لها، واتخذت بحق إسرائيل عدة إجراءات حازمة عقابا لها.
كان يمكن بدورنا أن نعرب عن الأسف لأن بعض شبابنا ارتكبوا خطأ بحق السفارة التى يفترض أن تتمتع بالحصانة حسب القوانين السارية. لكننا كان ينبغى أن نقول إن ما دفع الشبان للإقدام على اقتحام السفارة، هو بالأساس كم الجرائم الإسرائيلية التى ارتكبوها ولايزالون يقترفونها بحق المصريين والفلسطينيين.
يحضرنى فى هذا السؤال سؤال أطرحه راجيا ألا «يزعل» منه أحد، هو: ترى لو أن المجلس العسكرى اتخذ موقفا حازما وشجاعا (قريبا مما اتخذته الحكومة التركية) بعد قتل المصريين الخمسة فى سيناء (السادس أسلم الروح خلال الـ48 ساعة الأخيرة)، هل كان يمكن أن ينفجر الموقف أمام السفارة الإسرائيلية على النحو الذى رأيناه؟ ــ ذلك أننى أزعم أن رد الفعل الرسمى المصرى جاء بكثير دون مشاعر الغضب والمهانة التى شاعت بين المصريين بعد إذاعة خبر قتل الجنود فى سيناء، وبالتالى فإن الجماهير المصرية تصرفت بصورة تلقائية وحاولت أن تصوب القرار الرسمى، وتوصل الرسالة إلى السلطات الإسرائيلية كاملة وغير منقوصة قدر الإمكان.
بكلام آخر فإننى لست معنيا كثيرا برأى «الخواجات» فينا، لكنى معنى أكثر بالدفاع عن كرامة الشعب الذى أراق الإسرائيليون دماء أبنائه ورفضوا أن يعتذروا عن جريمة جيشهم، علما بأن الخواجات سوف يحترموننا أكثر إذا ما تمسكنا بالدفاع عن حقوقنا، وليس إذا تهاونا وفرطنا فى تلك الحقوق.
بقيت عندى ثلاثة اسئلة هى: هل يعقل أن يتحدث البيان الرسمى عن مخطط داخلى وخارجى يستهدف اسقاط مصر وإحراجها أمام المجتمع الدولى، دون أن يحدد لنا من وراء ذلك المخطط الجهنمى؟ ثم: لماذا غاب الأمن عن حراسة السفارة الإسرائيلية أثناء المظاهرة، وبماذا يفسر انقضاضه بعد ذلك على المتظاهرين، وبماذا نفسر هذه المفارقة؟ أما السؤال الثالث فهو كالتالى: هل هناك علاقة بين إسراف البيان الرسمى فى التنديد بالمتظاهرين، وبين الضغوط التى نقلها الأمريكيون إلى الجهات المعنية فى مصر، وإنذارها بأنها ستواجه عواقب وخيمة إذا لم توفر الحماية الكافية للسفارة الإسرائيلية كما ذكرت صحيفة «هاآرتس» أول أمس (السبت 10/9).

  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 140 مشاهدة

أسئلة سيناء المعلقة  

 ما يحدث فى سيناء غير واضح وغير مفهوم، ويبدو أن البعيد عن العين ليس بعيدا عن القلب فقط كما يقول المثل الشائع، ولكنه أيضا قد يستعصى على الفهم. فالأقوال متضاربة بشأن الاضطرابات التى تشهدها. حيث لا نعرف إن كانت بسبب أنشطة المهربين أو المتطرفين والتكفيريين، أم أنها نتيجة تراكمات قديمة خلفتها أنشطة أجهزة الشرطة بأساليبها القمعية المعروفة التى لا تعرف حدودا أو حرمة. ويبدو أن الغموض الذى يحيط بما يجرى فى سيناء شمل الشريط الحدودى بينها وبين غزة، بالأخص موضوع الأنفاق التى كانت إحدى تجليات عبقرية الفلسطينيين حين هزموا بها الحصار وأفشلوه إلى حد كبير. حتى غدت تلك الأنفاق بمثابة جبهة أخرى للمقاومة التى انتصروا فيها على الذين أرادوا إذلالهم وتجويعهم.
تهمنى الأنفاق الآن لارتباطها بقضية أكبر، خصوصا أنها أصبحت عنوانا شبه دائم فى الصحف اليومية، كما أن ما نطالعه من أخبار وتقارير بشأنها يحيرنا. إذ تحدثنا تارة عن حملة لتدميرها، وتارة أخرى عن تفرقة بين أنفاق تهدد الأمن المصرى وهذه تتابع وتتعرض للتدمير والإغلاق، وأنفاق مستثناة من التدمير، هى التى تستخدم لتوفير احتياجات المحاصرين فى غزة. كما أن ثمة أخبارا تتحدث عن أن حملة التدمير بدأت فعلا لكنها أوقفت بعد ذلك.
ليس التضارب مقصورا على ما تنشره الصحف المصرية فحسب، لأننى وجدته منعكسا أيضا على الصحف العربية التى تصدر فى لندن. فقد نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» فى 3/9 على لسان السفير المصرى لدى السلطة الفلسطينية فى رام الله، ياسر عثمان، قوله أن مصر لن تستهدف جميع الأنفاق الواصلة بينها وبين قطاع غزة فى الحملة الأمنية المفترضة التى تشمل سيناء ورفح «مؤكدا أن الحملة لن تمس بأى حال الأنفاق التى تمثل شريان حياة للقطاع المحاصر، وإنما الأنفاق التى تضر بالأمن القومى المصرى». بعد يومين فقط (فى 5/9) نشرت صحيفة «الحياة» اللندنية الخبر التالى: نفى مصدر مصری موثوق أن يكون هناك مخطط لتدمير الأنفاق على الحدود بين مصر وغزة، وقال «إن ما يتم هو أعمال حفر فى المنطقة العازلة على الحدود، بعيدا عن المنطقة السكنية». موضحا أن «هذه المعدات مرتبطة بمكافحة الإرهاب وليس لتدمير الأنفاق أو سدها».
أضاف الخبر المنشور أن قرارا كان قد صدر عن الشئون المعنوية فى وزارة الدفاع المصرية لتدمير الأنفاق الموجودة على الشريط الحدودى بين مصر وغزة بسبب اعتقاد خاطئ بأن المجموعات المسلحة التى هاجمت قوات من الجيش المصرى منتصف الشهر الماضى كانت قادمة من غزة الأمر الذى أثار حفيظة القيادات العسكرية المصرية لكن تم التراجع عن هذا القرار عندما اتضح أن المعلومة غير صحيحة، وأن جماعات مسلحة موجودة فى سيناء هى التى قامت بالعملية.
حين حاولت أن أتحرى الحقيقة من بعض ذوى الصلة الذين أثق فى معلوماتهم تبين لى ما يلى:
ـ إن هناك ضغوطا إسرائيلية وأمريكية شديدة تلح فى الدفع باتجاه تدمير الأنفاق التى أفسدت الحصار، بحجة أنها تستخدم فى تهريب السلاح للمقاومين الفلسطينيين فى غزة. وهذه الضغوط تزايدت بعد ثورة 25 يناير، التى تدعى المصادر الإسرائيلية أن قبضة الجيش والشرطة المصرية على سيناء تراخت بعدها، وتزعم أن ذلك أدى إلى زيادة عمليات تهريب السلاح من ليبيا بوجه أخص. وهناك من يقول إن التقارير الإسرائيلية التى تتحدث عن هذه المسألة مبالغة فيها إلى حد كبير، وأنها استهدفت ابتزاز القيادة المصرية واختيار مدى استعدادها للتجاوب مع الطلبات الإسرائيلية بعد الثورة.
ـ لا شىء يهدد الأمن القوى المصرى من خلال الإنفاق، على العكس تماما مما تروجه بعض الأبواق التى سعت دائما لتخويف المصريين وإثارتهم ضد الفلسطينيين، حتى هروب بعض الأشخاص المطلوبين عبر تلك الأنفاق ــ إذا حدث ــ فإنه لا يشكل تهديدا للأمن القومى رغم أنه يعد عملا غير مشروع، علما بأن ذلك الهروب حاصل أيضا داخل سيناء ذاتها، وقيل ان تظهر الأنفاق فى الأفق.
ـ إن السلطات المصرية أقدمت بالفعل على تدمير بعض الأنفاق ربما استجابة نسبية لبعض الضغوط، لكنها لا تتجه إلى إغلاقها تماما. أولا لأن ذلك متعذر من الناحية العملية، حيث تنتشر الأنفاق على طول مسافة تصل إلى تسعة كيلومترات، وثانيا لأن اقتصاد سيناء أصبح يعتمد الآن على الإتجار مع قطاع غزة. ومن شأن إغلاق الأنفاق أن يثير البدو فى المنطقة ويفتح الباب لمزيد من الاضرابات والقلاقل. وثالثا لأن الأنفاق أصبحت بمثابة رئة يتنفس من خلالها الفلسطينيون فى غزة. وقد يؤدى إغلاقها إلى نفاد صبر المحاصرين، وقد يستدعى قلاقل على الحدود تحرص مصر على تجنبها.
ما أستغربه أن الجميع مشغولون بمصير الأنفاق وما يحدث تحت الأرض، فى حين أن أحدا لم يفكر فى حل جذرى للأشكال يتمثل فى فتح معبر رفح الذى بسبب إغلاقه اضطر الفلسطينيون إلى حفر الأنفاق. والذى يتيح للحركة على الجانبين أن تتم فى الفور وتحت الأعين المفتوحة، لكننا تورطنا فى مشكلة أصلية، الأمر الذى ترتب عليه حدوث مشكلات فرعية. ثم انصرفنا إلى ما هو فرعى وتركنا المشكلة الأصلية كما هى وهو ذات المنطق الذى تعرف به «جحا» فى القصة الشهيرة، حين سألوه: إذنك من أين؟ ــ عجبى!

  • Currently 35/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
11 تصويتات / 185 مشاهدة

حكايتان مع الأخ العقيد 
 لى قصتان مع العقيد معمر القذافى. واحدة نشرت على الملأ وتابعها عدة ملايين من البشر، والثانية وئدت فى المهد ولم يسمع بها سوى شخص واحد فقط. وقد خطر لى أن أروى القصتين بعدما قرأت ما نشرته جريدة «الشروق» فى عدد 2 سبتمبر بخصوص مدائح نفر من المثقفين المصريين لمواهب العقيد حين كان يتربع على عرش ملك ملوك أفريقيا وعميد الحكام العرب وقدر ليبيا المحتوم. وإذا كان الكلام الذى أعادت «الشروق» نشره يبعث الآن على الخجل والضحك بقدر ما أنه يفضح أولئك المثقفين ويكشف ضعفهم وتهافتهم أمام ذهب العقيد وسلطانه، إلا أن الذين شاركوا فى الفضيحة ينتمون إلى عدة أقطار عربية، وليس من مصر وحدها. إذ منهم سوريون ولبنانيون وجزائريون أيضا. وكلهم كانوا ــ وبعضهم لا يزال ــ من نجوم الثقافة والأدب فى العالم العربى. وقد جمعت شهاداتهم فى كتاب ضخم فى نحو 900 صفحة أصدرته قبل ثلاث سنوات اللجنة الشعبية العامة للثقافة والإعلام بليبيا.

خلاصة القصة الأولى كالتالى: فى آخر أيام شهر ديسمبر من عام ٢٠٠٤، وفى مناسبة رأس السنة الميلادية الجديدة، دعتنى قناة الجزيرة مع اثنين من المثقفين إلى أمسية قيل لنا إن العقيد القذافى سيكون ضيفها. واقترح علينا أن نجرى حوارا معه فى تلك الليلة حول ما جرى خلال العام وتوقعات العام الجديد، ولما وجدت رفيقىَّ فى اللقاء الذى يبث على الهواء مباشرة يتحدثان معه بلغة دبلوماسية حذرة، وكأنهما مبعوثان رسميان، فقد قررت أن أوجه إليه سؤالا صريحا لا حذر فيه، وقلت: يا سيادة العقيد، أنت تصالحت مع الأوروبيين والأمريكيين هذا العام (كنت أقصد تسوية تعويضات حادث لوكيربى وتسليم الوثائق والأجهزة ذات الصلة بالمشروع النووى إلى المخابرات المركزية الأمريكية)، فمتى تتصالح مع الشعب الليبى؟
فوجئ العقيد بالسؤال، كما فوجئ مقدم الحلقة الزميل على الظفيرى، الذى أشار إلىَّ بيده من تحت الطاولة لكى أهدئ الجو. تظاهر القذافى بالثبات ورد قائلا: يا بنى أنت لم تقرأ الكتاب الأخضر، ولو استوعبته لوجدت أن المجتمع الليبى حقق نقلة كبيرة فى حياته بعد ثورة الفاتح. وبعدما أفهمنى أنه يتابع بعض ما اكتبه، ثم واصل حديثه عن إنجازاته وظل يخاطبنى بين الحين والآخر قائلا: يا بنى. ولا أذكر لماذا تطرق إلى موضوع العروبة التى انتقدها واعتبرها دعوة عنصرية، ربما لكى يبرر تحولاته الأفريقية، وفى نهاية كلامه نصحنى بأن أقرأ الكتاب الأخضر وأن أزور ليبيا لكى أرى التحولات التى حدثت فيها فى ظل الثورة.
حين جاء دورى فى الرد، وجدت على الظفيرى يتوسل إلى بعينيه وبإشارة يده أن أمرر الحلقة بسلام، ولكننى طمأنته بسرعة وعبرت للقذافى عن شكرى له على مخاطبتى باعتبارى ابنا له. وأضفت «أننى أدرك أنك أكبر منى مقاما، لكننى أكبر منك سنا»، ثم قلت إننى قرأت الكتاب الأخضر ثلاث مرات ولم أخرج منه بشىء مقنع، وإننى زرت ليبيا ووجدت أن أحلام الليبيين معلقة على اللافتات ولكن لا شىء منها تحقق على الأرض.

بعد ذلك صححت له معلوماته عن العروبة قائلا: إن العروبة ليست عرقا ولا عصبية، ولكنها تقوم على انتماء ثقافى أرقى يرتبط بالتمكن من الفصحى، حيث يعدُّ كل من نطق العربية عربيا ينتمى إلى الأمة. واستشهدت بالحديث النبوى الذى يقول ما معناه ليس العربية منكم بأب وأم، ولكنه اللسان. ثم ذكرته بأن أئمة اللغة وكبار النحاة وواضعى القواميس كان أغلبهم ينتمون إلى أصول أعجمية وليست عربية.

لم يرد الأخ العقيد وتطرق إلى أمور أخرى، لكننى كنت قد قلت ما عندى على شاشة الجزيرة وأمام الملأ، وكانت مشكلتى بعد ذلك أننى لم أنم طوال الليل بسبب اتصالات التشجيع الهاتفية التى تلقيتها من المشاهدين، وأغلبهم من الليبيين المشتتين فى أرجاء الكرة الأرضية. وعلمت لاحقا من السفير المصرى فى طرابلس آنذاك محمد رفاعى أن أحد موظفى السفارة كانت فى اسمه كلمة «هويدى» خشى أن يتعرض للأذى بسبب ما قلت، فاختفى فى بيته ولم يخرج منه لمدة أسبوع بعد بث الحلقة.

قصتى الثانية كانت قصيرة وخلاصتها أن القذافى عنَّ له أن يؤلف مجموعة قصصية صدرت فى كتاب بعنوان «القرية القرية.. الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء»، ولا أعرف الملابسات التى جعلت رئيس هيئة الكتاب آنذاك الدكتور سمير سرحان أن يخصص إحدى ندوات معرض الكتاب لمناقشة المجموعة من القصص. وبطبيعة الحال فإن حشدا من الإعلاميين والمثقفين حضروا الندوة وبعضهم اشترك فيها. وحينذاك سألنى صحفى ليبى من العاملين فى صحيفة «الزحف الأخضر» على ما أذكر، عن رأيى فى قصص الأخ العقيد، فقررت أن اتخابث عليه وقلت إن المجموعة المنشورة كشفت عن الموهبة الأدبية الفذة للعقيد، التى حجبها انشغاله بالعمل السياسى طوال الوقت، لذلك فإننى أتمنى عليه ألا يضحى بها وأن يفسح المجال لاستثمار إبداعات موهبته، بأن يتفرغ للأدب ولا يضيع وقته فى أعباء السياسة ومشغولياتها التى تقتل تلك الموهبة ورجوته أن ينقل هذه الرغبة على لسانى فى الجريدة. سجل صاحبنا الكلام بحسن نية وانصرف. ولم يظهر للحوار، أثر فى الجريدة بطبيعة الحال، كما أننى لا أعرف ما الذى جرى له.

  • Currently 21/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
7 تصويتات / 136 مشاهدة

TAHA GIBBA

TAHAGIBBA
الابتسامة هي اساس العمل في الحياة والحب هو روح الحياة والعمل الصادق شعارنا الدائم في كل ما نعمل فية حتي يتم النجاح وليعلم الجميع ان الاتحاد قوة والنجاح لا ياتي من فراغ »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

589,798

السلام عليكم ورحمة الله وبركات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته