" تموت الأسود واقفة " ؟؟ّ!!
قصة قصيرة
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة )
====================
( آخر ما جادت به قريحة الكاتب ؛ ولم يسبق نشر النص من قبل ) .
أحداث وشخوص النص حقيقية حدثت على أرض الواقع .. وليس من فضل للكاتب على النص اللهم سوى الصياغة الأدبية فحسب ... وإذا تصادف تطابق الشخوص والأحداث على شخص ما ؛ فليس هذا سوى من قبيل المصادفة البحتة فحسب .. والكاتب بالضرورة لا يعني بأنه يقصده .. بل يعني شخصًا معيناً بذاته .
إهداء خاص :
إلى الرجل الرجل ... الرجل العملاق .. بطل النص الحقيقي .
وإلى كل الرجال العمالقة الذين تنطبق عليهم أوصاف بطل النص .
وإلى كل الأسود التي تموت واقفة .
تقديم :
عندما فكرت باختيار عنوان مناسب لنصي هذا ؛ وجدتني أمام اختبار عويص في اختيار العنوان المناسب ..
وكانت العناوين التي فكرت بها هي :
• " نهاية عملاق " .
• " تموت الأسود واقفة " .
• " آخر الرجال المحترمين " .
• " عندما تشيخ الأسود " .
فاخترت منها بدوري :
" تموت الأسود واقفة " .
وللقارئ ( المتلقي ) حرية اختيار العنوان الذي يراه مناسبًا من وجهة نظره .
( الكاتب )
------------------------
" تموت الأسود واقفة " ؟؟ّ!!
... حاول الرجل أن ينهض عن السرير .. أعاد المحاولة المرة تلو المرة دون جدوى .. فلقد أنهكه المرض وهدته سنوات العمر .. وغزت جسده الأمراض تباعًا واستوطنته الهموم والنوائب .
راح يصرخ وينادي بكل ما تبقى به من بقايا قوة واهية .. وما بقي له من أنفاس لاهثة .. وحروف ينطقها بصعوبة بالغة وهو يحاول طلب العون والنجدة والمساعدة .. وقد عز عليه أن أحدًا لم يبادر لمد يد العون والمساعدة له ؛ مع علمه الأكيد ويقينه بأن لا أحد في المكان سواه ؟؟!! .
.. انهمرت الدموع من عينيه مدرارًا كالمطر المنهمر .. تحشرج صوته بأنين الألم ورهبة المكابدة والمعاناة والوحشة وسيل الدموع .
راح من جديد يعيد الكرة بالمحاولة تلو الأخرى .. محاولة النهوض عن السرير .. وهو ما زال يتمتم بما تبقى له من أنفاس وزفرات متقطعة :
" .. ليتني أستطيع النهوض عن هذا السرير اللعين ... لقد سئمت المرض .. سئمت الدواء والعلاج ... سئمت النوم ... سئمت السرير ... سئمت الحياة " ..
" .. فقط ليت بي من القوة ما يساعدني على النهوض عن هذا السرير اللعين ... ليتني أستطيع ذلك .. " .
" لم يبق شبرًا واحدًا على الأرض إلا وغزوته ... ولم يبق قطرًا واحدًا في المعمورة إلا وزرته ... وها أنا أموت على الفراش كما يموت البعير ... ألا نامت أعين الجبناء .. ألا نامت أعين الجبناء .. " .
... صرخ الرجل بأنفاس متقطعة بما تبقى له من بقايا أنفاس متلاحقة متقطعة ...
" لا .. لن أموت كما يموت البعير .. لن أموت على هذا الفراش اللعين .. لا .. لن أموت سوى كما تموت الأسود ... فالأسود دومًا تموت واقفة ... " .
استجمع بقايا بقايا قواه ... بقايا بقايا أنفاسه .. بقايا بقايا عزيمته .. استطاع بالكاد النهوض عن السرير .. وقف إلى جانبه مترنحًا متمايلاً لحظات يسيرة .. تمايل من جديد .. تطوح .. صرخ هادرًا بصوت مدوٍ مجلجل :
" الأسود دومًا تموت واقفة " .. " الأسود دومًا تموت واقفة " ..
ولم يلبث أن سقط على الأرض .. دارت عينيه في محجريها .. راح يتمتم .. يهمس .. يتلاشى صوته تدريجيا .. بينما كان يغمض عينيه بهدوء وسكينة .. بينما كان شريط الذكريات يمر في مخيلته كشريط سينمائي ...
.. منذ مراحل الدراسة الأولى .. ومنذ مراحل الطفولة المبكرة ؛ كانت أمنيته أن يلتحق بالجامعة ... ثمة حلم وأمل كان يراوده ليل نهار بأنه سوف يصبح مهندسًا عظيمًا يشار إليه بالبنان ..
كان يعشق الأرض .. التراب .. الطبيعة .. كان يتمنى أن يصبح ذائع الصيت في يومٍ ما بعد أن يتبوأ المكانة العالية الرفيعة ليس على المستوى المحلي ؛ ولا على المستوى العربي فحسب .. بل وعلى المستوى العالمي .
كان يجد ويجتهد في دراسته ... ويبذل قصارى جهده في المذاكرة والدراسة والتحصيل ... يصل الليل بالنهار وهو على يقين وعلى ثقة بأن الدأب والمثابرة والسهر هي الطرق الأمثل للوصول إلى الهدف والأرب وتحقيق الأماني .
في مراحل الدراسة المتدرجة ؛ لم يكن من الطلاب المتفوقين ؛ ذلك ببساطة لأنه كان على رأس المتفوقين في شتى المراحل الدراسية وحتى الدراسة الجامعية .. وقد شهد له الجميع بالذكاء الخارق والتفوق الباهر حتى التخرج من الجامعة .
.. مؤهله العلمي الجامعي وتفوقه المميز .. أهلاه للتعاقد مع شركة أجنبية للتنقيب عن البترول في إحدى دول البترول الخليجية ؛ وسرعان ما كان يتمم إجراءات السفر للانتقال للعمل هناك كمهندس جيولوجي متخصص في علم الجيولوجيا .. في مجال التنقيب عن البترول .
.. منذ انطلاق صافرة البداية ؛ كان الشاب الطموح يبدى نشاطًا مميزًا منقطع النظير .. مما لفت إليه نظر المسؤولين في الشركة من عرب وأجانب ... فتوطدت علاقته وبشكل جيد مع الجميع .
تناهت أنباء تفوق الشاب ومثاليته وتفانيه في العمل إلى أمير الدولة .. والذي استدعاه بدوره إلى قصره المنيف .. فأكرم وفادته وأجزل ضيافته ... فأصدر أوامره إلى ذوي الاختصاص في الشركة بالاهتمام بالشاب وتكريمه وتعيينه مديرًا عامًا ومسئولًا على جميع المهندسين العاملين في الشركة .. وهو الذي لم يمض على مزاولته العمل سوى عدة أشهر فحسب .
.. فيما بعد ؛ أصبح الشاب المهندس مقربًا جدًا من الأمير .. وأصبح يقضي جل وقت فراغه بصحبته وفي ضيافته في قصره المنيف ... وأصبح صديق الأمير الأثير ؛ خاصة لما أبداه من نشاط وتفانٍ وإخلاص في العمل .. ولما يتمتع به من سمو الأخلاق ودماثة الطبع والأمانة والصدق وحسن الخلق وصفاء السريرة وطهارة القلب ونقاء النفس ونظافة اليد .
.. الشركة التي كان يعمل بها .. كانت تعود لشركة أجنبية كبيرة شهيرة .. أحس الشاب الطموح بأن هناك ثمة شراكة خفية مع الأمير .. وكانت شركة ناجحة بكل المقاييس وتدر في نهاية كل عام أرباحًا خيالية يعود على الأمير نصيب الأسد منها .. وعلى الشاب بعضًا لا يستهان به منها.. كبدلات وإكراميات ومكافآت وحوافز .. عدا عن ذلك الراتب الشهري المجزي والمصاريف النثرية العديدة الأخرى .
كان قد مضى على عمله في الشركة ما يقارب الأعوام الثلاثة .. عندما كانت الشركة تقوم بأعمال " حفر بئر بترول " جديد .. لم تشأ الشركة أن توكل للشاب مهمة قيادة وترأس فريق المهندسين .. فقد أوكلت المهمة لمهندس أجنبي ذو كفاءة وخبرة عريضة في ذلك المجال .. علاوة على أنه كان يحمل نفس جنسية الشركة الأجنبية العاملة..
.. استغرق العمل في مشروع " حفر البئر " أشهراً طويلة .. وعلى أعماق بعيدة جدًا في جوف الأرض ؛ والتي كان من المتوقع العثور على البترول فيها .. ولكن كل تلك الجهود المضنية للعثور على النفط قد باءت جميعها بالفشل .
.. في النهاية .. أصاب اليأس والقنوط والإحباط " كبير المهندسين الأجنبي " .. وكل المسئولين في الشركة .. من العثور على البترول رغم وصولهم إلى أعماق سحيقة لم تصل إليها آبار البترول في العالم كله من قبل .. فقرر الاستسلام للأمر الواقع والاعتراف بالفشل الذريع في مهمته .. وكان لهذا بالطبع أبلغ الأثر في أنفس المسؤولين في الشركة والأمير على حد سواء ؛ لأن هذا سوف يعود عليهم جميعًا بالخسارة الجسيمة ..
وفي النهاية ؛ كان القرار من الجميع بإغلاق فوهة البئر ورفع الراية البيضاء علامة الاستسلام والهزيمة والتخلي النهائي عن المهمة .
المهندس الشاب ... وفي الزيارة التالية لأمير الدولة ؛ كان يقوم بعرضه المثير ومفاجأته العظيمة ؟؟!! .. فقد طلب من أمير الدولة أن يسمح له بتولي القيام بمهمة إتمام المشروع بحفر البئر الذي فشل فيه " المهندس الأجنبي " الشهير وفريقه المتخصص وعلى حسابه الخاص ؟؟ ..
بهت الأمير لطلب الشاب ... وكاد أن يعتبره عرضًا متهورًا من شاب متهور لا زال في ميعة الشباب وتهوره ... فحاول أن يثنيه عن عزمه بشتى وسائل وطرق الإقناع .. كي لا يتعرض لخسارة جسيمة أخرى .. وحتى لا يتعرض الشاب الطموح أيضًا لخسائر جسيمة لا قبل له بها .. ولكنه وجد من الشاب تصميمًا غير عادي وتصلبًا وعنادًا غريبًا .. وثقة في النفس بلا حدود .. فوافق على مطلبه وهو يرثى لحاله ... وكأن لسان حالة يردد في سره " مكرها أخاك لا بطل " ؟؟!! .
الشاب ؛ في قرارة نفسه كان متأكدا .. - من خلال خبرته الدراسية وخبرته العملية - بأن البترول موجود فعلًا .. ولكنه كان يختفي في طبقة سفلية سحيقة من باطن الأرض لم يصل إليها الحفر في المشروع ...
كانت لديه ثقة عظيمة في معلوماته الدراسية وخبرته العملية وثقته بنفسه ... وكان لديه الحافز القوي بأنه سوف ينجح في تحقيق الفكرة التي تراوده بالعثور على البترول في باطن الأرض وعلى المسافة التي كان يقدرها بنفسه .
قام الشاب بتجميع ما لديه من أموال .. وقام بالاستدانة من البنوك لما يكفيه لتغطية من مصاريف ونفقات لاستئناف العمل في إكمال مشروع حفر البئر .. وراح يتم المهمة بهمة ونشاط مع مجموعة مختارة من المهندسين وعمال الحفر الذين كان يثق بهم والذين اختارهم بعناية فائقة ...
.. استمر العمل لوقت طويل .. عدة أيام .. أسابع .. شهور .. ولم يصب الشاب باليأس والإحباط ؛ فلقد كان على يقين وثقة بالله أولاً وأخيرًا .. ومن ثم بنفسه وبمعلوماته وخبرته بأنه سوف يصل إلى مكان تجمع البترول في النهاية ..
كان الأمير - على غير عادته - يقوم بزيارات متقطعة لمكان العمل .. لكي يطمئن على سير العمل من ناحية .. ولكي يطمئن على الشاب الطموح ( المتهور ) حسب وجهة نظره .. من الناحية الأخرى ؟؟!! لأن الأمير كان على يقين بأن الشاب سوف يفشل في تكملة المهمة التي فشلت بها الشركة ذات الخبرة العريضة ؛ وكبار مهندسيها الأجانب ذائعي الصيت من قبل .. ولا يسع الأمير في نهاية كل زيارة قصيرة خاطفة سوى أن يهز رأسه بشكل خفيف .. وأن يتمتم بحروف وكلمات مبهمة وكأنه يرثى لحال الشاب .؟؟!! ولما ستؤول إليه الأمور من فشل ذريع .
لم يصب اليأس قلب الشاب .. ولم يجد الإحباط مكانًا في نفسه وقلبه ... بل كان الشاب ينتصر على الموقف بابتسامته الرائعة الجميلة العذبة ... رغم أن اليأس والإحباط كان قد استوطن في قلوب وأنفس الفريق العامل معه من مهندسين وعمال وفنيين .
الشاب الطموح " المهندس " كان يتابع العمل لحظة بلحظة .. ويشرف بنفسه على سير العمل .. ويحث العمال والمهندسين والفنيين ويشجعهم ويحمسهم .. ويقوم بفحص عينات التربة المستخرجة من باطن الأرض لحظة بلحظة ... فتزاد ابتسامته الغامضة الرائعة اتساعا .. ويزداد حماسة وهمة ونشاطًا ...
إلى أن كان ذلك اليوم ؛ .. عندما كان المهندس يقوم بفحص آخر عينة من التربة المستخرجة من الأعماق السحيقة لباطن الأرض ... وما كاد أن يتم عملية الفحص ... حتى أخذ بالدعاء والتهليل والتكبير ... وغطت الابتسامة الجذلى كامله وجهه .. وراح يندفع نحو المهندسين والعمال والفنيين يقبلهم واحدًا واحدًا .. وهو يصرخ بأعلى صوته :
" الحمد لله ... الحمد لله ... انتهت المهمة .. لقد وصلنا إلى مخبأ البترول ... هيا يا رفاق ... أخرجوه من المخبأ .. هيا .. هيا .." ..
لم يلبث العمال والفنيين والمهندسين أن تحلقوا من حول " المهندس " الشاب .. وراحوا يقبلونه ويهنئونه بالفوز العظيم ... ولم يلبث أن أصدر أوامره بطريقة جميلة مهذبة محببه لقلوب الجميع ... وهو يهدر بصوته الرائع :
" .. هيا يا شباب .. هيا الآن .. استخرجوا البترول من مخبئه العميق ... هيا .. هيا " ..
اندفع الجميع إلى أماكن عملهم .. وما هي سوى لحظات يسيرة ... حتى كان البترول يتدفق بقوة غير معهودة من باطن الأرض .
ما هي سوى لحظات يسيرة .. حتى كان الأمير يصل إلى المكان على عجل .. ويرى الأمر الغريب ويشاهده بأم عينه .. ولم يلبث أن اندفع ناحية الشاب الطموح " المهندس " .. وراح يحتضنه ويقبله بسعادة .. كان المهندس يحتضنه ويقبله بسعادة ؛ بينما كانت عيناه مغرورقة بالدموع .
الفحوصات المخبرية والجيولوجية فيما بعد أثبتت بأن هذا البئر .. يعد من أغزر آبار العالم إنتاجًا للبترول ... ويعتبر البترول المستخرج منه .. من أرقى مستويات أنواع البترول المستخرجة من آبار العالم ..
فيما بعد .. كان لأمير الدولة نصيب الأسد في إيرادات بئر البترول .. ولم يكن نصيب " المهندس " الطموح بأقل منه بأي حال من الأحوال .
في لحظة من اللحظات .. كان أمير الدولة يفكر وبشكل جدي بتعيين الشاب المهندس الطموح الرائع " وزيرًا للبترول " .. لولا أن قانون الإمارة لا يسمح لغير مواطني الإمارة بتولي مناصب الوزارات المختلفة .
.. وبدأ نشاط " المهندس " بالاتساع والتطور المطرد .. فقام بإنشاء الشركات والمؤسسات التجارية في كل مكان .. وأصبح اسمه لامعًا ذائع الصيت وطبقت شهرته الآفاق .. وأصبح الرجل من أثرى أثرياء العالم العربي والغربي على حدٍ سواء .
.. لم يلبث أن امتد نشاط عمله إلى أوربا وأمريكا .. فازدادت شهرته ونمت ثروته بشكل سريع .. وطبقت سمعته الآفاق لسنوات وسنوات طوال ...
.. ويبدو بأن النهاية قد أزفت فلكل بداية نهاية .. فبدأ نجم الرجل بالأفول .. ليس مادياً .. بل صحيًا وجسديًا .. فيبدو بأن جسد الرجل قد كل وأصابه الوهن والإعياء والضعف .. وتناوشته الأمراض والهموم .. فاتحدت الأمراض وتحالفت ضد جسد الرجل المنهك وغزته .. فاستعان بأشهر الأطباء في العالم وأمهرهم .. بدون فائدة ترجى أو جدوى .. فقد أصبح الرجل في سن وعمر متقدم .. ساعدت الأمراض في غزوها للجسد المنهك .. ولم يكن منه سوى أن استسلم للأمر الواقع .. واستسلم للمرض .. بل لرزمة الأمراض التي راحت تناوشه وتهاجمه بضراوة .. ورقد في الفراش ؛ واستسلم لأوامر وتعليمات الأطباء الذين كانوا يقومون بالزيارات البيتية الدورية اليومية له .. والذين وجدوا في النهاية بأن لا فائدة من زياراتهم تلك .. ولا جدوى من علاجاتهم وعقاقيرهم .. فتركوه آسفين .. ليس على الرجل .. بل على تلك المبالغ الباهظة التي كانوا يتقاضونها بعد كل زيارة تطبيب له .
.. انفض الجميع من حوله بالتدريج .. ولم يعد يعوده في مرضه من أحد .. اللهم سوى القلة القليلة ... من المنتفعين والطامعين .. والذين وجدوا في النهاية بأن الرجل قد فطن لطمعهم وجشعهم .. فمنع عنهم الأعطية وحرمهم من العطاء ... فانفضوا من حوله .
.. أخيرًا .. أخيرًا جدًا .. شعر الرجل بأنه يودع الحياة .. بعد أن وجد بأنه لا أمل له في الحياة .. بعد ان أنهكه المرض واستوطنه .. وبعد أن هده التعب وأنهك جسده الذي أخذ في النحول .. وبعد أن انفض الجميع من حوله .. وقد أصبح وحيدًا بلا أنيس ولا جليس ... و ...
... حاول الرجل أن ينهض عن السرير .. أعاد المحاولة المرة تلو المرة دون جدوى .. فلقد أنهكه المرض وهدته سنوات العمر .. وغزت جسده الأمراض تباعًا واستوطنته الهموم والنوائب .
راح يصرخ وينادي بكل ما تبقى به من بقايا قوة واهية .. وما بقي له من أنفاس لاهثة .. وحروف ينطقها بصعوبة بالغة وهو يحاول طلب العون والنجدة والمساعدة .. وقد عز عليه أن أحدًا لم يبادر لمد يد العون والمساعدة له ؛ مع علمه الأكيد ويقينه بأن لا أحد في المكان سواه ؟؟!! .
.. انهمرت الدموع من عينيه مدرارًا كالمطر المنهمر .. تحشرج صوته بأنين الألم ورهبة المكابدة والمعاناة والوحشة وسيل الدموع .
راح من جديد يعيد الكرة بالمحاولة تلو الأخرى .. محاولة النهوض عن السرير .. وهو ما زال يتمتم بما تبقى له من أنفاس وزفرات متقطعة :
" .. ليتني أستطيع النهوض عن هذا السرير اللعين ... لقد سئمت المرض .. سئمت الدواء والعلاج ... سئمت النوم ... سئمت السرير ... سئمت الحياة " ..
" .. فقط ليت بي من القوة ما يساعدني على النهوض عن هذا السرير اللعين ... ليتني أستطيع ذلك .. " .
" لم يبق شبرًا واحدًا على الأرض إلا وغزوته ... ولم يبق قطرًا واحدًا في المعمورة إلا وزرته ... وها أنا أموت على الفراش كما يموت البعير ... ألا نامت أعين الجبناء .. ألا نامت أعين الجبناء .. " .
... صرخ الرجل بأنفاس متقطعة بما تبقى له من بقايا أنفاس متلاحقة متقطعة ...
" لا .. لن أموت كما يموت البعير .. لن أموت على هذا الفراش اللعين .. لا .. لن أموت سوى كما تموت الأسود ... فالأسود دومًا تموت واقفة ... " .
نشرت فى 24 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
" إغتصاب " ؟؟ّ!!
قصة قصيرة
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة )
====================
( آخر ما جادت به قريحة الكاتب ؛ ولم يسبق نشر النص من قبل ) .
أحداث وشخوص النص حقيقية حدثت على أرض الواقع .. وليس من فضل للكاتب على النص اللهم سوى الصياغة الأدبية فحسب ... وإذا تصادف تطابق الشخوص والأحداث على شخص ما ؛ فليس هذا سوى من قبيل المصادفة البحتة فحسب .. والكاتب بالضرورة لا يعني بأنه يقصده .
إهداء خاص :
إلى ذلك الصديق الذي كان يحدثني عن الموقف الذي حدث .. ولم يكن يعلم بأنه يقدم لي هدية مجانية بفكرة نص جديد ؟؟!!
تنويه :
ليس بالضرورة الاعتقاد بأنني أقوم بإعطاء فكرة مبتكرة للتخلص من مثل هذا الموقف الذي تم سرده في النص عندما يتعرض شخص ما لنفس الموقف ؟؟!!
تقديم :
قضية " الاغتصاب " قضية عويصة جدًا .. دارت حولها العديد من النقاشات والمداولات والمؤتمرات والندوات وعلى كافة المستويات .. من أجل الوصول إلى الحلول العملية لمعالجة هذه القضية - ولو بشكل نسبي - وقد تم قتلها بحثًا من قبل علماء النفس والاجتماع والعلوم الحياتية .. وفي النهاية ؛ كانت تصل النتائج في كل هذه وتلك إلى بيان ختامي ؛ هو أشبه ما يكون بـ " شهادة الفشل " والتي تثبت الفشل الذريع بعدم الوصول إلى نتائج جادة تحد من تفشي تلك الظاهرة الخطيرة .. ويبدو بأن هذه القضية ؛ قضية مستعصية ؛ هي بمثابة " العقاب " لمجتمعات الحضارة في عصر العولمة والحداثة والانفتاح .
( الكاتب )
------------------------
" إغتصاب " ؟؟ّ!!
.. أقرب ما تكون هي إلى الرجال منها إلى النساء ؟؟!! .. أقرب ما تكون هي إلى العجائز منها إلى النساء المتصابيات ؟؟!! .. أقرب ما تكون هي إلى نساء الحواري و " الشوارع الخلفية " منها إلى نساء " البيوتات : ؟؟!! .. أقرب ما تكون هي إلى " الدمامة " منها إلى " مسحات الجمال " ؟؟!!
يكاد الأمر يختلط على الرائي فيحسبها " رجل في زي المرأة " ؟؟!! .. أو ليحسبها " رجل على هيئة امرأة " ؟؟!! .. لولا تلك الملابس النسائية " الفوضوية " .. شبه المهلهلة التي كانت ترتديها بابتذال رخيص .. وتلك الحركات النسائية المفتعلة السمجة .. وتلك الكلمات " السوقية " التي كانت تتلفظ بها وهي تمضغ اللبان ( العلكة – الليدن ) بحركات فم ولسان سمج .. يصل لدرجة الوقاحة ؟؟!! .
تسير إلى داخل المبنى الكبير للمؤسسة الضخمة بحركات " البطة العرجاء " ووقاحة بطلات مسلسلات وأفلام بنات الهوى وبنات الليل في الأفلام والمسلسلات العربية الهابطة .
تتسكع في المكان بخطوات أقرب ما تكون هي إلى " مكانك عد " منها إلى " الأمام سر " ؟؟!! .. تتلفت حولها في أرجاء المكان الذي كان يعج بالموظفين والموظفات .. العاملين والعاملات .. وترفع حاجبيها وتمط الشفاه بصفاقة وتعجب وكأنها تتساءل في سرها " أين ذهب الجميع " ؟؟!! .
.. لم يلبث أن وقع بصرها على أحد الرجال العاملين في المبني الكبير والذي كان يعمل " حارساً " للمبنى الكبير ..
راحت تقترب من الرجل ببطء شديد بحركات كلها " خلاعة " و " ابتذال رخيص " ؟؟!!.
سألته " بميوعة " و " دلال رخيص مبتذل " عن سبب تغيب الجميع عن أماكن عملهم ومكاتبهم في المبنى ؟؟! .. أخبرها " الحارس " بأنهم جميعًا هناك في غرفة الاجتماعات حيث كان يعقد اجتماع هام لجميع الموظفين والعاملين مع سعادة المدير العام للمؤسسة .. وأنه لم يبق في المكان من أحد سواه ؟؟!! .
راح يسألها عن حاجتها ومطلبها وسبب زيارتها .. أخبرته بأنها كانت تأتِ دائمًا إلى هذا المكان فيقوم العاملين بمنحها الكثير من المنح والأعطيات وينفحونها بعض النقود والمبالغ النقدية .. وها هي قد جاءت الآن لكي تطلب منهم أن يمنحونها شيئًا من النقود كالعادة ؟؟!! .
راح " الحارس " يؤكد لها بأن لا أحد سواه هنا في المكان ... خاصة وأن وقت العمل الرسمي في المؤسسة قد انتهي قبل وقت وجيز .. وأن الكل الآن في الاجتماع الهام مع سعادة المدير العام ؛ والذي سوف يستغرق المزيد من الوقت .. ولا يمكن أن يخرج أي شخص بالمطلق من الاجتماع .
.. ابتسمت المرأة ابتسامة غريبة وهي تقترب من " الحارس " اكثر فأكثر .. بحركات مبتذلة رخيصة ..
همست له بدلال ممجوج .. بأنه ما دام الأمر كما يقول .. فهي تريد منه أن يمنحها هو بعض النقود .. فهي لا تود أن تغادر المكان خالية الوفاض ؟؟!! .
صارحها الرجل بأنه لا يستطيع أن يمنحها أي مبلغ بالمطلق ؛ لأنه وبكل بساطة لا يملك أي مبلغ مهما كان بسيطا .. فهو مجرد حارس مستجد .. لم يتقاضى أي راتب من المؤسسة بعد .. ؟؟!!.
راحت تلح عليه وتلحف بالطلب وبشدة وإصرار وهي تقترب منه شيئًا فشيئًا .. بينما كان الرجل يرفض طلبها المرة تلو المرة وهو يحاول الابتعاد عنها ؟؟!! .
.. عندما تأكدت المرأة من إصرار الرجل على عدم منحها أي مبلغ بالمطلق .. هتفت به بحزم غريب :
" اسمعني يا هذا ؟؟!! .. إن لم تدفع لي ما أريد .. فسوف أقوم بتمزيق ثيابي بنفسي .. وسوف أصرخ بأعلى صوتي طالبة النجدة .. وسوف أدعي أمام الجميع بأنك قمت بتمزيق ثيابي وبأنك كنت تريد اغتصابي ؟؟!! .
في اللحظات التالية ؛ كان الرجل يمد بكلتا يديه نحو ... نحو ثيابه التي كان يرتديها ؟؟!! .
.. وفي اللحظات التالية مباشرة ..
.. كان الفرار هو سيد الموقف ؟؟!!
فلقد كانت " البطة العرجاء " تفر من المكان جزعة مضطربة مرتعدة وبسرعة متسابقي المسافات القصيرة .. بينما كان الرجل ممزق الثياب .. وهو يصرخ بصوت مدوٍ مجلجل يتردد صداه في جنبات المكان :
" .. أدركوني .. أدركوني ... لقد قامت هذه المرأة بتمزيق ثيابي .. وحاولت اغتصابي ؟؟؟!!! .
نشرت فى 24 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
تهاجر الأسماء من أصحابها
———————————
في أيام دراستي الجامعية كان لي صديق اسمه ( حكمت ) طرقتُ باب مسكنه الواقع في أحد المناطق في بغداد وخرجت لي جدته سألتها عن صديقي حكمت فأجابتني لا يوجد في المنطقة ولد اسمه حكمت ، عند لقائه ذكر لي أن أسمه في المنطقة ( عدنان ) حتى جدته لا تعلم أنه مسجل في هوية الاحوالِ المدنية بهذا الأسم.كثيرة مثل هذه الحالات نسمع بها أو نتعامل معها كما أني نسيت أسم ابنتي آخر العنقود في المركز الصحي طالما تعودنا على تسميتها باسم الدلع .
قبل عشر سنوات كان مقر عملي في أحد الدول العربية ، لاحظت الناس هناك ينادون على الفرد حسب مهنته ومنصبه فمثلاً على سائق الأجرة ينادونه يا سواق والمعلم يا معلم والمدير يا مدير أو إذا كان زميلك في العمل يناديك على منصبك أو على اسم عشيرتك وقبيلتك .
هناك في العراق تعودنا على مناداة أصدقائنا ومعارفنا حسب اسم الأبن أو البنت البكر ، ابو فلان ، أبو فلانة ، ويقتضي الأمر عند تعظيم الشخصية يكنى بالشيخ أو السيد والملا ، معالي الوزير ، السيد النائب ، فخامة الرئيس ، ومن باب عدم الاحترام عندما تنادي الشخص باسمه الأولي متناسيا اسم الولد أو المهنة والمنصب والدرجة الوظيفية فطبيعي جداً ننادي على فلان ( أبو الجكاير ، أبو المحابس ، أبو شامة ، أبو عيون وغيرها ) .
قد يقع ذلك على أصحاب الحرف كالبقال والحداد والمقاول والكاتب بحيث نختصر تعريف الفرد بمهنته دون ذكر اسمه فلا يهتم صاحب الشأن بكافة النواحي حينما يذكره المنادي بمهنته ( كالخطاط ، الشاعر ، الخياط ، الكهوجي ، القصاب ، الحمال ، العربنجي ، الطبال ، الفيترجي )
وهنا يبادر الموضوع السؤال من يقوم بنشر التسمية السائدة هل المجتمع أو الأسرة أوالأصدقاء ؟ حتما تسمية الأصدقاء تختلف عن المجتمع والأسرة أحيانا وذلك يتبع شطارة ودهاء الصديق أو دماثته ونشاطه وحيلته التي تساعد في تسميته وترك أسم الأولي جانباً .
يقوم بعض المجتمعات على التسمية المحببة بالتصغير الأسم ( محميد ، عبيد ، علاوي ) وقد تشترك معهم الأسرة ولكن بنوع أكثر دلعاً للبنت النشيطة والولد الكثير الحركة .
من هنا لابد من الاشارة على منْ يحدد هذه التسميات وَمَنْ يشترك في تأليفها وهل هي مقبولة لدى صاحب الشأن أن قبوله على مضض.
قد تكون اجابات الاستفسارات بمثابة إتمام المقال لكن عليها تقييم ذلك من خلال إتساع الظاهرة أو إنحسارها في نطاق واسع من المجتمع . مقارنة مع الدول الغربية عندما يأخذ اسم الأب هو الأسم الحقيقي لكل أفراد العائلة كذلك الحال بالنسبة للزوجة التي تكتسب اسم زوجها .
الشيوخ والعرافون يتهمون بإلصاق أسم الأم على المرء عند كثير من المناسبات منها إهداء سورة الفاتحة وطلب احضار الأرواح وعلم الغيب.
إذاً هجرة الأسماء لم تكن عملية سهلة من أصحابها بل هناك عوامل مجتمعية وجغرافية تدخلت في هذه الهجرة ليصبح الفرد مجرد من حقيقته بل يكون مجبوراً على التخلي عن اسمه الصريح المعروف لدى ألواح السماء على العكس من الأسم الذي يطلق عليه بناءً على رغبة الأسرة والمجتمع والأصدقاء. ربما رياح الزمن تعري صخرة الاسم الثابتة على سفوح العمر ويبقى الأسم منقوشاً مهما مرت عليه الأكف والأعين والألسن ، يبقى الأسم الصريح ثابتاً على لوحة القبر لن يندرس مهما طال الزمان ، فالشخصية لا تغيره التعرية عن التسمية وكما يقال المرء يكمن في عوده وصلبه .
لا ننسى الألقاب التي يطلقها الأصدقاء مثل ( جوقية ، جوحي ، وبعض التسميات التي تغني الشارع منها ) قد تؤثر في الفرد عند الكبر أو عند استلام منصباً مرموقاً في الدولة أو المحافظة فيظل أصحابه ومعارفه ينعتوه بنفس الأسم رغم عدم قبوله لذلك وسيكون بعد ذلك تسميته نفاقاً وتصدية ، فلا تنابزوا بالالقاب بئس الأسم الفسوق.
——————
عبدالزهرة خالد
البصرة/ ٢٤-٩- ٢٠١٨
نشرت فى 24 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
الرسالة الخامسة عشرة
ها أنا أنظر في المرآة مرة أخرى لأعتذر
الجمعة: 21/9/2018
فراس حج محمد
الحبيبة الباقية ما بقيت الروح، أسعدت أوقاتا والأشواق ترقص في نظرة عينيك، أما بعد:
في مثل هذه الأيام من أيلول دخلنا "متاهتنا اللذيذة"، تلك التي أحببنا أن نسميها "الحبّ". إنها أكبر من هذا وذاك وكل ما مر بين عاشقين. فكل أيلول وأنت الحبّ الذي لا ينضب. سأتجاوز عما حدث في الرسالة السابقة من سوء الفهم، ولن أقف كثيرا عند تلك المعاتبات القاسية في رسائلك الغاضبة، فالأمر يحدث كثيرا بيننا، وبين غيرنا، فعادة المحبين ليست دائما كنهر رقراق، بل يشوبها أحيانا بعض الكدر الظريف الذي يضخ الدم في العروق، ويجدد الشوق، ويقدم أدلته على طريقته في المحبة الراسخة. ولتسمحي لي أن أعتذر لك على طريقتي.
أيتها الحبيبة التي أرى بعيونها، وأقرأ بأفكارها، وأتحسس وجودي على هدي من وجودها، إن طالعتُ صورتي في المرآة فلا أرى غير صورتك، وإن نظرت إلى السماء فلن أرى غير وجهك، ولو رقدت في فراشي فلن يزورني إلا طيفك، ولا يضحك لي من وجوه البشر سوى ملامح النور في فيض محبتك. فهل يعقل أن أكرهك كم ادعيت تجنيا، وربما، دلالا واستفزازا؟ إن فكرت بهذا فهذا قمة جنونك. والأشد جنونا من كل هذا قولك: "أعلم أنك أغلقت كل حساباتك في وجهي لتبقى صورة العاشق الضحية برسائلك، بينما أنت تعبث مع العابثات على حساباتك. كفاك وكن صادقا مع نفسك وانظر في المرآة". وها أنا أستجيب لطلبك وأنظر في المرآة.
كوني على ثقة أيتها المقيمة في حناياي أن الأخريات لا يعشن إلا على الضفاف، فليس مثلك في العالمين امرأة، وإن هذا لا يحتاج تأكيدا ولا تبريرا، فهو أرسخ في الروح والعقل من رسوخ الأصابع في راحة اليد.
قد تستغربين أنني سعيد برسائلك على الرغم من قسوتها، وقد دفعتني للبكاء، هل يوجد هذه الأيام رجل يبكي من العشق والشوق؟ لقد أبكتني رسائلك الأخيرة كما أبكتك رسائلي، وأعترف كذلك أنني سعيد بالكتابة إليك، فهي فسحة للروح لتشعر بالرضا في معمعة الحياة المجنونة، وأحمد لنفسي فعلها إذ كتبت الرسالة السابقة؛ إذ دفعتك للحديث بعد صمت طويل، ألم تفكري أنني ربما كنت أستفزك فيها؟ لقد أفلحت في ذلك، ولكن لا تعدي هذا لؤما، لقد أعمى عيوني صمتك وأفقدني البصيرة أيضا.
كان لتلك الرسالة وقع جميل، مهما قلت عنها أنها متجنية ومجافية لحقيقة نفسك، ولكنها كانت ضرورية، وضرورية جدا، ودعيني أحدثك عن مآلاتها. ثمة قراء يقرؤون رسائلنا بعيونهم وقلوبهم ويرون ما لم نر نحن، رأوا فيها الانتهازية والواقعية وفضح كثير من السلوكيات العامة والخاصة في التعامل مع المعاقين، فادعاء المثالية أمر لا يخفى؛ فكم من نبي في أقواله وهو بالفعل شيطان رجيم. هذا ما كنت أرمي إليه وأنا أكتب رسالتي الأخيرة، ليس ضعفا حديثي عن
الإعاقة، أو استدرارا للعطف، بل على العكس تماما فإنني لم أشعر يوما أنني معاق أو محتاج لمساعدة من أحد، وعشت ما مر من حياتي كما لم يعش الأصحاء المعافون وحققت ما لم يحققوا، وعلى طول هذه السنوات كنت رافضا أن أكون عضوا في الاتحاد العام للمعاقين، لأنني لا أشعر بضرورة أن أتميز عن الأصحاء، وأنني أفضل من كثيرين منهم، ليس بسبب الإعاقة بالطبع ولكن لأسباب أخرى ليس للإعاقة دور فيها.
كانت فكرة في الذات، وأردت أن أبلغها للآخرين، ليلتفتوا إليها، ولعلني نجحت، مع أنك لم تتعاملي مع تلك الرسالة بإيجابيتك المعهودة، وأنا الذي أعرفك جيدا، وقد خبرتك على مدى سنوات. فجاء عتابك حاملا للشك وغارسا في القلب ألسنة من لهب، مع أن هذا العتاب أسعدني أيضاً على رأي من قال: "ولوْ مِنّكْ عتبْ جاني، سعيد الحظ تلقاني".
إن ما تحدثتُ به لا يحمل وجهة نظرك، ولكن هل سيتخذ القراء موقفا سلبيا منك بسبب تلك الرسالة؟ لا أظن أن ذلك سيحدث، فثمة أمور يحسن القراء التفريق بينها أيضا، ولأول مرة أراك منفعلة انفعالا في غير محله، وقد منعتني لأتحدث إليك عن أشياء أجمل من العتاب، لعلني في رسائلي القادمة أحدثك عما كنت أبغي الحديث عنه، وما زال أفكارا عائمة في بطن أجندتي السوداء.
أرجو أن تسامحيني إن زل القلم، أو شطح الفكر بعيدا، فسبب لك بعض الألم. وأخيرا أتعلمين ما هو أجمل ما حدث لي؟ أنك ارتبطت بي لما بعد انتهاء الحياة الدنيا، وسيظل القراء يقرؤون "الشاعر والجميلة".
أحبك حتى آخر العمر، ودمت الضياء الذي يغمر كياني كله. المشتاق لقبلة ثغرك...
فراس حج محمد
نشرت فى 22 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
♠
♠
♠ القصة القصيرة
♠
♠
♠
♠
♠
♠
♠ دعاء رفع الله به بلاء
♠
♠
♠
♠
♠ إشتهر بين زملائه في العمل وبين جيرانه في السكن ، بأنه طيب المعشر كريم الخلق ، لا يقصده أحداً في شئٍ إلا وجد عِندهُ مقصِده ، وظلت أيامه تتنقل من خير إلي خير ، حتى شعر في يوم من الأيام أنه مريض ولزمَ الفراش وجاءه الطبيب ، وهو كذلك له صديق قال: له أنه يشك في أمر لا يحسم إلا بإجراء التحاليل ، وتم فعلاً عمل العديد من التحاليل وحملها إلى طبيبه ، الذي هو في الوقت نفسه صديقه ، لذلك هو يثق فيه ، وعندما أخبره طبيبه أن التحاليل تقول أنه مريض بالسرطان منذ سنوات ودون أن يدري ، حيث أن هذا المرض يتسلل بدون أن يشعر ضحيته بوجوده والمرض فى حالة متقدمة مما يتطلب سرعة إجراء عملية جراحية غاية فى الخطورة ، ونصح له إجرائها فى أكبر مستشفيات إنجلترا ( لندن كلينك ) ، حيث كان يعمل من قبل فيها ، وتم عمل الإتصالات من طبيبه إلي المستشفى ، وفعلاً ذهب إلى هناك ، وبعد تحاليل دقيقة ، تطابقت مع التحاليل التي أجراها في بلده ، أخبرته المستشفى بخطورة الحالة ، وأن نجاح العملية نسبته لا تزيد عن 10% ، وهنا تذكر أن بعض أصدقائه ترك عنده أمانات فطلب من المستشفى الرجوع إلى مصر لرد الأمانات التي عنده ودفع بعض الديون عليه ، فقد يلاقي ربه ولا تنجح العملية ، وأخذ بعض الأدوية كمسكنات على أن يعود بعد أسابيع قليلة ، ورجع إلى مصر وذهب إلى بلدته في محافظة الدقهلية ، لرد ما للناس عنده ودفع ما عليه لرجل باع له قطعة من الأرض ، وهناك وجد شيئا غربياً ، عند محل جزارة إمرأة عجوز تغالب القطط على ما يلقيه الجزار من بقايا تنظيف اللحم ، وأقترب منها وسألها عن حالها ، أخبرته أن إبنها قد مات ، وترك ثلاث من البنات ، ثم ماتت بعده بقليل أمهم من الفقر وسوء التغذية ، فأخذتهم فى غرفتها التي تعيش فيها تحت سلم إحد البيوت ، وهن لم يأكلن اللحم من شهور طوال منذ آخر مرة تصدق أحد الجيران علينا في عيد الأضحى الماضي ببعض اللحم ، وليس عندي من المال ما أحضر لهم به لحم ، لذلك قد قمت بما ترى وأفعل ذات الشئ عند بائع الخضر فأأخذ الذي يذبل ويلقيه في الزباله ، فأخذها إلى الجزار ، وأعطاه ثمن لحم تأخذ منه كل يوم كيلو لمدة سنه ، ثم أخذها إلى بائع الخضر وأعطاه بعض المال وقال له إعطيها كل يوم ما تريد وكل حسابك عندي ، وفعل ذات الشئ مع البقال ، وأخبرها أنه ذاهب لإجراء عملية خطيرة ، لذلك ضمن لها لحماً لمدة سنه ، وإذا منْ الله عليه بالشفاء وعاد فسوف يتولى أمرها وأمر البنات ويأمن لهم حياة كريمة ، وسوف يحضر لها سكناً صحياً لها وللبنات إن شاء الله ، فرحت مما قال ، دعت له المرأة دعاءً أن يمنحه الله الصحة ، ويعود سالماً غانماً جزاء له على معروفه في أيتام لا يعرفهم ، ثم تركها وأعدَ نفسه للرجوع الى المستشفى فى لندن لإجراء العملية ، ولما إجريت له التحاليل قبل العملية ، لتحضيره لها ، فوجىء الأطباء أن السرطان قد إختفى من جسده ، أعادوا التحاليل مرات عديدة ، فكانت النتيجة فى كل مرة سلبية ، مما دفع الأطباء لسؤاله أي دواء أخذته في بلدك قبل الحضور الينا هذه المرة ، قال أنا لم أأخذ شئ إلا ما كتب لي من مسكنات ، تعجب الأطباء ، ثم أخبر أن كل التحاليل تقول أنه سليم 100% ، مما أصبحت معه العملية غير ضرورية ، فعاد إلى بلدته يبحث عن تلك المرأة التى دعت له ليكافئها ، وسأل عنها الجزار ، فقال له بعد أن أعطيتني ثمن لحماً لمدة عام ، لم تأتي هي بعدها لتأخذ اللحم ، سأله عنها وأين تقيم ، قال لا أعرف ولكن رأيتها مع إمرأة تسكن بجانب المحل ، طلب منه أن يدله عليها ، فذهب به إلي هذه المرأة ، فأخبرته أنها ماتت ، فسأل عن البنات فقيل له أخذتهم سيدة في البيت التي كانت حجرتها فيه ، ذهب إلي السيدة وأخبرها أنه متكفل بهولاء البنات ، وطلبت منه تركهن عندها ، فهي وحيدة وليس معها أحد ، وافق على أن يرسل لهن كل شهر مصاريفهم حتى زواجهن ، ويزورهن كلما جاء إلي بلدته ، وذهب إلي الجزار وطلب منه أن يذهب كل يوم باللحم الي عنوان البنات ، وحمد ربه ، على أنه سوف يسدد الدين للمرأة العجوز التي دعت له بالشفاء ، فأستجاب الله لدعائها ، وعاد إلي طبيبه وأخبره عن الذى فعله مع تلك المرأة العجوز التي دعت من قلبها له ، والتي تحقق بدعائها له الشفاء ، فقال طبيبه صدقت فإن الدعاء يرفع البلاء ، والذي أرده الله لك بلاء قدر لك من أجل البنات اليتيمات ، ورُفع بصدق دعاء هذه العجوز ، فكان هو العلاج .
♠
♠
♠ ا.د/ محمد موسى
نشرت فى 22 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
=الشمس
الشمس تجرح عواطف عمر
والمنافقون و الدجالون اكثر
محنة الزمن القاتل و الغادر
تفيض به احلام سارق ماهر
يمتلك ادوات النصب والسحر
روحه ممزوجة بموبقات الشر
حرفته صناعة الموت والقهر
وطنيته زائفةوولاءه مر
صفاته واخلاقه منزوعة الدهر
راياته ودعواته وتكبيره كروفر
مصالحه ونزواته فوق كل اعتبار
يبيع الناس والوطن بسعر دولار
غايته تحطيم الناس والمشاعر
رجولته صيد الغنائم باقتدار
انه وليد الزيف والعتمةباسرار
انتمائاته وحاضناته قبور
ليس من ذوي الرجولة وليس حر
نهايته مزبلة في مستنقع قذر
عبد الامير الشمري
مهندس استشاري
18/9/2018
نشرت فى 22 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
انهيار
الوقت ليل ،والقمر وحيد في السماء ، يتسلل ضوءه القرمزي من فراغات أوراق الدالية ،وبالقرب مني يترقرق الماء الدافق متبعا تعاريج الساقية ، وبين الحين والآخر تسمع خربشة حيوان صغير ،توقظ السكون من هدأته ،أنا الآخر أتوحد مع إغفاءة الكون ، يغمرني الصفاء ،فلا تصدر مني نأمة أو حركة ، أسحق كل ضجيج النهار وأحيله إلى عاطفة ،ويخيل إلي أن روحي تفيض في حضرة القمر ،وهاهو يهبني وجه من أحببت بعد أن شخت،وها هو يرميها في وجهي ، مثل قصاصات صورة عديمة النفع،لا يمكن للمرء أن يحيا بلا قمر يسفك على وجهه ضوء طلاسم الماضي.
الآن لا يعرف كلينا أين يسكن الآخر،فلماذا حدث هذا،الأوهام وحدها هي التي تستطيع تحريك العاشقين،راحت تتدحرج أمامي ككرات من بلور،لها رنين ملائكي يناديني:
-أيها الأحمق تعال ...
صوت واهي يهب من مخزن لم يفتح منذ أربعين عاما،له رائحة بعيدة،تناديني،التفت إلى الوراء والأمام،أبحث عن عزاء اللقاء،أنظر مرة أخرى من وراء السياج ،لا يوجد شيء سوى أشجار السرو ،وبإحساس مجهول من الخوف ،رفعت جسدي عن كرسي البلاستيك،ورأيت نفسي أتجه ببطء إلى مصدر الصوت.
سماء الله واسعة ،وأرضه ضيقة لا تتسع حتى شخصين لا يعشقان الله ،ويخيل إلي أن أمشي إلى الخلف:
- حسن ....حسن
همس لا يمكن لأحد أن يسمعه في العالم غيري، همس روحاني.
هل أصبحت أحد الأشخاص المختلين عقليا،أشتري الوهم بسعادة وأضعه في حاوية رأسي،وقعت في غرام صوتها،مضيت نحو الصوت أدور حول البيت بحثا عنها،واصلت البحث تحت شجرة الصفصاف ، وبين العشب على ضفتي الساقية،لم أعثر عليها على امرأتي الأثيرية.
لحظات نادرة،هانئة ومعتمة،المرأة لا تظهر إلا إذا ناديتها باسمها،ساورني الشك إن كان الصوت من رأسي أم هو حلم ضائع،رحت أراقب بحدس العاشقين ،في هذه اللحظة بالذات ،أسمع عنينا من وراء جذع شجرة السرو،ثم أسمع همس خفي:
- حسن ...أنا آمنة
دفقة حب تلعن نفسي،تصنع مني دمية تسحقها تحت قدميها،فأمشي نحوها وأنا أسحق من الدهشة،الكل نائمون،والقمر يميل قبعته فوق الأشجار،يؤرجح ضوءه على الأرض، بينما رأسي منحنٍ إلى البقعة المتسخة،فأبصرت آثار أقدام ، ونقطة دم تلمع فوق عشبة هندباء،ومن مكان مجهول يصلني صوتا:
- أنا هنا
صوت يصنع نجمة خماسية ،ومزيدا من نقط الدم تتلألأ بضوء جديد،قبل أن أخطو خطوة واحدة، تمثل لي الشيء الوحيد الذي أبحث عنه لا ظل له،زيغ،لم تكن عيناي تقعان إلا على أوهام خبيثة،فيما الصوت يصرخ :
- لا تتأخر ...أقترب...
شعرت بعدم الارتياح إلى حد ما،وبدت عيناي كبيرتان،أظن أن هذا الشيء لا يحدث إلا في الأفلام فقط، انتابني شعور من الخوف والانجذاب معا، وعلى خلاف عندما كنت في الجامعة عندما هربت من أمطار حبي الجنونية، لانه كان يكتم نفسي، فأجلس معها في المقصف صامتا، يتفصد العرق من جبهتي، كأني في محرقة ، فقررت الهروب خوفا من الانهيار.
وكعاشق غبي أتخيل امنة بخيالي الغبي، امرأه تتصاعد من موقد الخيبة، امراة جميلة تجلس تحت شجرة الصفصاف تغير ثيابها، لكن قلبي بدأ يخفق وبدأت ركبتاي تشعران بالوهن وأنا اتتبع اثر نقاط الدم،تقدمت نحوها، المرأة توقظ الشجاعة في قلب الرجل، لكن يبدو ان لحظة الكشف باتت وشيكة،
صرخت بدون صوت
-
امنة اخرجي من هذا المكان
لاتزال مختفية، اقتربت أكثر من المنطقة التي يخيمها أنينا سوداويا، وبءن تلألؤ قطرات الدم وبريق القمر، لمحت المرأة التء غادرتها في اللاذقية،في لحظة انخطاف الحلم خلفا تذكرت لحظة الافتراق، كنت حزينا ومنكسرا، وكانت تمسك بقوس الفرح المشع من قلب عاشقة،لكننا نحن الاثنان كنا نترنح على حافة الهاوية السحيقة.
النار التي خمدت يستعر أواراهامداورة الاتجاه،الحب الذي خفته ورغبت في أن لايعود، يراودني على نفسي مترعا بالخوف، يجبرني على عيش اليوم الذي مضى مرارا وتكرارا، نظرة أخيرة، تنهيدة أخيرة،لأجل شعرها،عينيها فمها ، لكل شيء فيها، قلت لها في ماجهة من يلفظ نفسه الأخير.
- لا استطيع ان استمر معك.....سافارقك وأنا أبكي حبي.
لم يتحرك قيها شيء مستفسرا رفضا أو قبولا، بل تفحصت وجهي تستحم بتدرجات الخيبة، صعدت في أنفها رائحة عمياء ،نخرت قلبها، فسالت من عينيها دمعة غاضبة،صبغت الأرض حول قدميها ببقهة حمراء كالدم، وكمحارب منكسر،توغلت درب الهزيمة، مختفيا في عتمة الزحام.
العينان والأعصاب مشدودة إلى مركز الحلم الذي تحقق، غبطة ترجف حواف القلب،أنا منأكد أنها تراني، تتركني وراء فوضى الحواس، وفجأة وفي لحظة رائعةيتحرك ظل أمامي،أفزعني ذلك في البداية،،كانت الدهشة اسبق من الصدمة،امرأة خرجت من خزانة خيالي، لم تغادرني رغم أني غادرتها، خلعت نعلي وطفت في واديها المقدس،بما لا يقوى عليه كثير من العاشقين،لم تتكلم، ولم اتكلم، انحنيت أتحسس حبي عبر ملمس اصابعها، الحب، والخوف، والرغبة، تنبأت لركام البرد في اصابعها، ولبقعة الدم حول قدميها،تهاوى في داخلي أسى الصدمة، فماذا تفعل وأنت أمام أصوات تأتي من وراء المدى بعد تلك السنين.
فؤاد حسن محمد-جبلة-سوريا
نشرت فى 22 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
" بحر الآلام " ؟؟ّ!!
قصة قصيرة
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة )
====================
( آخر ما جادت به قريحة الكاتب ؛ ولم يسبق نشر النص من قبل ) .
أحداث وشخوص النص حقيقية حدثت على أرض الواقع .. وليس من فضل للكاتب على النص اللهم سوى الصياغة الأدبية فحسب ...
إهداء خاص :
إلى بطلة النص الحقيقية ..
وإلى كل من تعيش المعاناة في " بحر الآلام " .
( الكاتب )
---------------
" بحر الآلام " ؟؟!!
ها أنا أطلقها " زغرودة " مدوية مجلجلة .. نعم يا سيدي .. إنها " زغرودة " الفرح والسعادة .. فمالي أراك تنظر نحوي بغرابة وتعجب هكذا ؟؟!! .. ولِمَ العجب بالله عليك يا سيدي .. ؟؟!!
إن لم تكن قد أعجبتك هذه المقدمة " الزغرودة " أعني ؛ فلتتوقف عن متابعتي في حديثي إليك .. رغم أنني أدرك تمامًا مدى التشوق الذي يعتريك لسماع قصتي وحكايتي .. فهذا هو عهدك ودأبك وديدنك دومًا ... فأنت تحب الاستماع للآخرين كي تخرج في النهاية بصيد ثمين ... نص أدبي جديد تضيفه إلى سجل أدبياتك المتعاقبة المتتالية ...
.. فاكتب يا سيدي .. لتكتب حكايتي يا هذا..
مالي أراك تضيق بي ذرعًا وقبل أن أبدأ بسرد حكايتي .. وقبل أن أبدأ بالحديث إليك ؟؟ .. وها أنا أطلب منك أن تكتب قصتي وحكايتي .. روايتي .. وكنت قد وافقت بدورك على ذلك من قبل عندما عرضت عليك الأمر في حينه..
ولكني ؛ ويا للعجب أراك الآن قد ضقت ذرعًا بي وبحديثي منذ أول " زغرودة " أطلقها كمقدمة .. وقبل أن أنطق بأي حرف ؟؟!! ..
يبدو بأنه قد ساورك الشك بأمر تصرفي هذا ؟؟!! .. ويبدو بأنه قد تبادر إلى ذهنك بأنني امرأة " مجنونة " ؟؟!! .. فهل المجنونات فقط هن من يطلقن " الزغاريد " ؟؟!!.. لو كان الأمر كذلك .. لكانت كل نسوة الكون بلا استثناء " مجنونات " ؟؟!!.
لقد وعدتني أن تستمع لي .. أن تصغي لحديثي .. فانتظر قيلًا يا سيدي ... وهيا ارتشف قهوتك المفضلة بتلذذ.. ودخن سيجارتك الأثيرة بنهم .. وسوف أبدأ الحديث إليك .. ومنذ البداية ...
.. طفلة صغيرة أنا ... لا زلت ألهو مع الأطفال .. ألعب " الحجلة " .. و " الاستغماية " .. وأنط الحبل .. في أزقة الحيّ .. ألهو .. أمرح .. ألعب بمنتهى البراءة والبساطة والعفوية ..
حقًا بأنني كنت طفلة كبيرة بعض الشيء .. ولكنني كنت طفلة بكل المقاييس ..
.. عروس جميلة .. فائقة الحسن والجمال .. رائعة القد والقوام .. تجلس في " الكوشة " على منصة الفرح في صالة الأفراح الكبيرة .. تجلس إلى جانب عريسها .. تبتسم .. تضحك .. تقهقه .. تضاحك هذه .. وتمازح تلك .. وتلهو مع ثالثة .. وترقص مع رابعة .. تنهض من مكان جلوسها إلى جانب العريس .. عريسها تحاول أن تلعب " الحجلة " فوق مربعات البلاط الفخم المزخرف لمنصة الصالة ؟؟!! .. تحاول أن تلعب " نط الحبل " بعد أن تخلع الحزام الطويل لثوب الفرح الأبيض الذي كانت ترتديه ؟؟!!..
.. تلاحق " بالون " ملون سقط من بين بالونات الزينة وتلعب به " الكرة " .. تقع على الأرض بعد أن تتعثر بفستان الفرح الطويل الذي أصبح بدون " زنار " .. تنهض بمرح وسرور .. ألم أقل لك بأنها " طفلة " .. مجرد " طفلة " يا سيدي ... وهذه " الطفلة " هي أنا ؟؟!! .. نعم .. إنها أنا يا سيدي .؟؟!! .
حين أصبحت " عروس " كنت لا أتعدى الرابعة عشرة من عمري .. " طفلة " .. مجرد " طفلة " .. ولكنها " طفلة كبيرة " بعض الشيء ..
أيام .. بل ساعات الفرح .. اللهو والبراءة والسعادة .. انتهت بسرعة .. بسرعة غريبة ؟؟!!
في اليوم التالي ؛ كان عليّ أن أخلع ثوب الزفاف .. فستان الفرح .. وأن أنهض من النوم مبكرًا .. بل مبكرًا جدًا ... لكي أبدأ العمل ؟؟!! العمل في البيت الكبير للأسرة الكبيرة ؟؟!! ..
كانت الأوامر الصارمة المشددة تصدر لي للقيام فورًا للقيام بأعباء العمل في البيت .. البيت كله .. وبخدمة الجميع .. الجميع كلهم وليس عريسي فحسب ؟! .
الأوامر تلك ؛ كانت تصدر عن القيادة المركزية للبيت " حماتي " .. يؤيد قراراتها رئيس أركان الحرب " زوجي " ؟؟!! .؟
لم تراعي " حماتي " أنني ما زلت " عروس " وفي يوم " الصبيحة " .. فراحت تصدر أوامرها المتلاحقة السريعة لي بالنهوض من فراش النوم .. والمبادرة بتنظيف المنزل وترتيب الأشياء وغسل الغسيل وإعداد الفطور وتجهيز المائدة وكنس البيت .. إلى آخر تلك التعليمات الصارمة .. وكأنني الخادمة وليست الزوجة .. ولست " العروس " الطفلة التي كان لها شرف كل تلك الخدمات في يوم " الصبحية " ؟؟!! .
.. لم يكن بوسعي سوى القيام بتنفيذ كل تلك الأوامر حرفيًا وبدون أي نقاش أو جدال .. فأنا " طفلة " مطيعة بطبيعي ..؟؟!! ..
.. ألم أقل لك يا سيدي ومنذ البداية بأنني " طفلة " ؟؟!!
لم تقتصر الأمور على " حماتي " وسطوتها وجبروتها فحسب .. فقد انضم إليها " زوجي " الذي لم يتورع أن ينهال عليّ بالضرب المبرح وفظ الكلام وقذارته وقسوته ؟؟!! .
كان عليّ أن لا أشكو .. ولا أن أتألم .. البكاء فحسب – وبصمت - هو المسموح به ( بيني وبين نفسي ).
لم أدرِ سببًا لما يحدث ولم أدرك كنهه ولم أعرف سبب كل هذا الحقد الغريب والظلم والجور القاسي ..
لم تلبث أن انضمت إلى جوقة التعذيب والتنكيل أخوات زوجي ( الدميمات العوانس ) اللواتي كن يتدخلن بشكل سافر ويقمن بالانضمام إلى " حماتي " و " زوجي " في حملة التنكيل والتعذيب من أجل إهانتي وتقريظي وتقريعي بالألفاظ والسباب وكيل الشتائم .. وقد يتعداه في كثير من الأحيان إلى الضرب .. الضرب المبرح ؛ فأين أنا من كل هذا الجيش العرمرم ؟؟!! .. فأنا مجرد " طفلة " ... طفلة كبيرة بعض الشيء .
عندما شعرت ببوادر الحمل .. عجبت لأمر هذا الشيء الذي كان ينضم للمجموعة ؛ فيقوم بضربي من الداخل ؟؟!! .. لم أعرف سره أو كنهه .. كنت أحسب بأنه أحد أفراد الجوقة الذي انسل إلى داخل أحشائي كي يكمل سيمفونية الضرب والتعذيب ؟؟!! ..
ألم أقل لك بأنني " طفلة " ؟؟!! .
ازداد بي الوجع والألم.. ولم أكن أدرِ سر هذا وذاك .. فلقد هاجمني الألم الشديد من داخلي .. من داخل بطني المنتفخ .. ورحت أتلوى من الألم مما اضطر من حولي إلى نقلي إلى المشفى .. وأنا لا أدرك سر هذا الألم وكنه هذا الوجع .
بعد ساعات قليلة ؛ كنت أدرك السر ؟؟!! فلقد كان يرقد إلى جانبي على سرير المشفى ثمة زائر ؟؟!! لم أدركه سوى بعد عناء شديد وقد تمثل حقيقة واقعة .. على شكل طفل وليد .. بل طفلة وليدة جميلة على وجه التحديد .. كانت كأجمل ما يكون الجمال .
في البداية ؛ حسبتها لعبة .. دمية بلاستيكية جميلة .. رحت أقبلها ببراءة ...
ألم أقل لك بأنني طفلة .. طفلة كبيرة ؟؟! .
حتى وقد أصبحت أمًا - هكذا عرفت في النهاية بعد أن أفهمني الجميع ذلك – لم يكف الجميع عن ضربي وإهانتي وتقريعي وتقريظي .. وكان عليّ أن أتحمل كل ذلك علاوة على القيام بكل أعباء البيت الكبير وخدمة كل من فيه كبير وصغير دون أن أبدي أية معارضة .. دون أن أشكو أو أتذمر .
بكل الوسائل ؛ بكل الطرق ؛ حاولت أن أتودد إليهم .. أن أكسب عطفهم .. أن أستميل قلوبهم .. أن أجعلهم يشفقوا عليّ على الأقل بعد أن عجزت بأن أجعلهم يحبونني ؛ ولكن " لا حياة لمن تنادي " ؟؟!! .
لم تشفع لي عندهم دموعي .. آهاتي .. طفولتي ... ولا حتى كوني قد أصبحت أمًا لطفلة ..
لعل ما بهم هو ما يطلقون عليه " السادية " .. والذي يعني التلذذ بتعذيب الآخرين .. فهم يتلذذون بتعذيبي وإهانتي وإيذائي .
ولعل السبب في كل هذا يرجع إلى تلك الدمامة والقبح في الزوج والحماة وأخوات الزوج جميعًا بلا استثناء ... وكأني بهم يحسدونني على هذا الجمال الذي كنت أتمتع به .. بينما هم في منتهى القبح والدمامة ؟؟؟!! .
كان " زوجي " يثور لأتفه الأسباب .. يعربد .. يزمجر .. يصخب .. يزأر .. يرغي ويزبد بالسباب والشتائم لأقل الأسباب وأتفه الأمور .. ولم يكن هذا يؤلمني بقدر ما كان يؤلمني تعديه على الذات الإلهية بالسباب والشتم ؟؟!! - استغفر الله العظيم - .
سنوات طوال من الظلم والاستعباد والاستبداد .. الضرب والإهانة .. ولم يشفع لي إنجابي للأطفال .. الطفل تلو الطفل .. فأصبح لديّ خمسة أطفال ؛ اثنان منهم من الذكور .. والباقي من الإناث .
لقد قمت بالشكوى للأهل أكثر من مرة ولكنهم كانوا وفي كل مرة يجبرونني على تحمل الأمر والعودة لمنزل الزوجية ..
فكنت أعيش وبحق في بحر مضطرب صاخب .. " بحر الآلام " .
وها أنا الآن أطلقها " زغرودة " مدوية مجلجلة ..
نعم يا سيدي .. إنها " زغرودة " الفرح والسعادة ..
مالي أراك تنظر نحوي هكذا بغرابة وتعجب ؟؟!! .. ولِمَ العجب يا سيدي بالله عليك ؟؟!! .
فها أنا أخيرًا أشعر بالسعادة .. النشوة .. الفرحة .. لأول مرة في حياتي الزوجية الطويلة .
وها أنا أعود من جديد لكي أكون طفلة .. طفلة كبيرة بعض الشيء .. ولم لا أكون كذلك ؟؟!! .. وقد تم إطلاق سراحي ؛ وقد نلت حريتي أخيراً ..
فقد طلقني زوجي " .. وللمرة الثالثة ؟؟!! .....
نشرت فى 20 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
" عندما يبكي البحر " ؟؟ّ!!
( تمتمات يهمسها البحر )
قصة قصيرة
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة )
====================
( آخر ما جادت به قريحة الكاتب ؛ ولم يسبق نشر النص من قبل ) .
أحداث وشخوص النص حقيقية حدثت على أرض الواقع .. وليس من فضل للكاتب على النص اللهم سوى الصياغة الأدبية فحسب .
تنويه :
النص اجتماعي بحت .. فالكاتب لا يقصد بالبحر سوى البحر .. ولم يقصد من خلاله أي بعد سياسي .. اللهم إلا إذا كان للقارئ ( المتلقي ) رأيًا آخر ؟؟؟!!!
إهداء :
إلى " تمتمات " و " همسات " البحر .
مقدمة :
عند العزوف عن سماع البشر .. يحلو للمرء الاستماع إلى حديث البحر ..
.. هي " حوارية مبتورة " بيني " ككاتب " وبين البحر ؛ ولكنها " حوارية " من طرف واحد فحسب .. ليس أنا بالطبع ؟؟!! .. إنه " البحر " بالتأكيد ..
فكل ما في الأمر بأنني سمعت حفيف تلك الدموع التي انسابت بغزارة ... حدث ذلك تمامًا .. " عندما يبكي البحر " ؟؟!! .
( الكاتب )
-------------------
" عندما يبكي البحر " ؟؟؟!!
( تمتمات يهمسها البحر )
.. مالي أراك تجلس هكذا ؟؟!! .. مالي أراك تدقق النظر في مياهي اللانهائية وتتابع أمواجي المتلاحقة ؟؟!! .
مالي أراك تحدق بي هكذا ؟؟!! وكأنك تود أن تغوص في أعماقي كي تدرك سري ؟؟!! .
محال يا هذا .. بل ومن المستحيل .. محال ومستحيل أن تسبر أغوار نفسي وأن تدرك أعماق سري ... وقد فشل في ذلك الأمر الآلاف بل الملايين من البشر من أمثالك من قبلك ؟؟!!
ها أنا أراقبك بشكل جيد وأنت تراقب أموجي المتلاحقة... وتقارن بينها .. بين هذه وتلك .. فهذه موجة صغيرة وتلك كبيرة .. هذه هادرة مزمجرة وتلك هادئة انسيابية .. هذه صاخبة وتلك رقيقة ...
أحسك تصيخ السمع وبشكل جيد لوشوشات وهمسات وتمتمات أمواجي المتلاحقة .. فأراك تبتسم مرة .. وتعبس أخرى .. تصمت لحظة .. وتقهقه أخرى .. وكأنك تشاركني الهمسات والتمتمات والوشوشات .
لا تظن يا هذا بأنك ذكي بما فيه الكفاية .. فأنت وبكل ما تملك من عقل وفكر وعلم لن تدرك سر همساتي ولن تفك شيفرة دمدماتي ...
مالي أراك تبتسم هكذا ببلاهة ؟؟!! .. إذ يبدو بأنك لم تستوعب قولي هذا ؟؟!! .. نعم .. فأنا أهمس مع كل موجة .. وأتمتم مع كل نسمة .. وأتحدث مع كل حركة ؟؟!! .
فهذه المياه التي تراها .. هي ليست مياه أمطار .. ولا مياه أنهار .. وليست مياه ينابيع وآبار ... فهي دموعي ؟؟!! ... نعم ؛ إنها دموعي .. ولِمَ العجب يا هذا ؟؟!! .
إنها دموعي الجارية عندما بكيت ... بكيت بغزارة إلى ما آلت إليه الأمور على شاطئي الذي كان ذهبيًا ذات يوم ؛ فأصبح صدئًا ؟؟!!.
لا تظن بأن هديري وصخبي وجلبتي وضوضائي ودمدماتي هي من أجل إخافة بني البشر من أمثالك ... بل هي لتحذيرهم وتنبيههم إلى خطورة وجسامة ما يقومون باقترافه من آثام وخطايا في حقي وما يقومون به من مخالفات صحية وبيئية في غمار مياهي ؟؟!!
لست أدري لماذا تظلمني أنت وبني جلدتك وتتهمونني بشتى التهم جزافًا ؟؟!! .. وأنا الحنون الذي أحملكم فوق ظهري وأحمل سفنكم متعددة ومتباينة الأغراض والأهداف – والتي تماديتم في تصنيعها وتحويلها من سفن خير إلى سفن شر ومنها " حاملات الطائرات " الضخمة العملاقة التي أكاد أن أنوء بحملها ... ومزقتم أحشائي بالغواصات الحربية القاتلة الضخمة .. وأنا الذي دومًا أهبكم الكثير من الخير الوفير مما في باطني .
وأنا الذي كنت أهبكم الحضن الدافئ للسياحة والسباحة واللهو والمرح والاستجمام والوقاية من قيظ الصيف الملتهب ..
على الأقل ؛ مقابل كل هذا وذاك ؛ كان من الواجب أن تمنحوني كلمة شكر وتقدير .. لا أن يكون جزائي قيامكم بإلقاء القاذورات والمخلفات ومياه الصرف الصحي وجيف الحيوانات والبهائم النافقة إلى مياهي التي كانت ( فيروزية ) فأصبحت كالوحل والطين ؟؟!!
لست أدري لماذا تنعتونني بشتى الصفات والنعوت والتهم الملفقة المرذولة . ؟؟!!
فلم العجب بعد كل هذا وذاك من تمتماتي وهمساتي .. وواقع الأمر بأن همساتي وتمتماتي تعني غضبي وزمجرتي واستيائي منهم ؛ بعد أن كانت تحياتي لهم ... وبعد أن كانت تعني شكري لهم وترحيبي بهم .. فهل بعد هذا وذاك تعجب بأن تكون مياهي هذه .. هي دموعي ؟؟!!
نشرت فى 18 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
" الثمن " ؟؟ّ!!
قصة قصيرة
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة )
====================
( آخر ما جادت به قريحة الكاتب ؛ ولم يسبق نشر النص من قبل ) .
أحداث وشخوص النص حقيقية حدثت على أرض الواقع .. وليس من فضل للكاتب على النص اللهم سوى الصياغة الأدبية فحسب ...
( الكاتب )
---------------
" الثمن " ؟؟!!
في الاجتماع العائلي الكبير في إحدى المناسبات الأسرية ؛ كان النقاش الحاد هو سيد الموقف بين الجميع ..النقاش كان يدور حول شتى الأمور ومختلف النواحي ؛ سواءً الاجتماعية أو السياسية أو الأسرية أو غيرها من الموضوعات التي كان يتم طرحها من المتواجدين وبشكل عشوائي وارتجالي .
ثمة خاطرة غريبة طرأت إلى ذهني بأن أطرح موضوعًا حساسًا مغايرًا .. " الحب " .
لا أقصد بالحب بمفهوم " العشق " والغرام والهيام ؛ بل قصدت حب الكل للكل .. البعض للآخرين .. حب أفراد المجتمع لبعضهم البعض .
كانت هناك العديد من الآراء المتباينة حول موضوع محور النقاش .. طلب بعضهم مني إبداء الرأي خاصتي ..
بعد لحظة تفكير عميق .. أطلقت قنبلتي .. لعلها كانت القنبلة " النووية " .. أو لعلها " الذرية " ففوجئ الجميع من قولي وأصابتهم الدهشة إلى حد الصدمة لغرابة قولي وصمتوا وكأن على رؤوسهم الطير ؟؟!! .
وجهة نظري كانت تتلخص بأنه لا يوجد هناك حب حقيقي .. ولا أحد – بشكل عام – يحب الآخر بصدق ؟؟!! .. بل هو ( حب مجاملة ) - ولن أقول حب نفاق - فحسب ؟؟!! .. وبأن لا أحد ( بشكل عام والمتواجدين بشكل خاص ) يملك الجرأة أن يقول لمن يكرهه بأنه يكرهه ؟؟!! .
وجم الحضور .. صمتوا من جديد وكأن على رؤوسهم الطير .. وعندما أفاق أو استفاق الجميع من هول الصدمة .. وتخلصوا من تأثيرات الدهشة .. بدأوا يصبون جام غضبهم عليّ.. وأخذوا يكيلون لي التهم جزافًا ... وينعتونني بشتى النعوت والصفات .. وبدوري فلم أحاول أن أدافع عن نفسي .. ولم أحاول أن أتراجع عن تقولي ومبدئي .. بل ازددت تمسكًا وتعنتًا لوجهة نظري ... وانفض الاجتماع ..
بعد عدة أشهر من ذلك اللقاء .. استدعتني شقيقتي لمحاولة علاج أمر طارئ ، فابنتها - والتي تمت خطوبتها إلى أحد أقاربها حديثًا - ؛ ترفض وبشدة وإصرار إتمام مراسم الزواج ... رغم كل محاولات الإقناع المكثفة من الأم والأب والأعمام والأقارب .
طلبت مني شقيقتي محاولة إقناع ابنتها بضرورة إتمام مراسم الزواج خشية القيل والقال ؛ وقطعًا لدابر الفتنة وألسنة المتلسنين والمتقولين والمتحذلقين .
وكان لا بد مما ليس منه بد .. انفردت بابنة شقيقتي وبدأت الحديث معها بهدوء ولين ورقة .. ثم تحدثت معها مطولًا بأمر ضرورة إتمام مراسم الزواج خشية حدوث ما لا يمكن تلاشي عقباه في ظل مجتمع لا يرحم ..
تحدثت إلى الفتاة كثيرًا .. استعملت معها كل وسائل الإقناع وهي صامتة لا تتفوه بحرف .. سوى من تركيز بصرها وتحديقها في وجهي ؟؟!! .
.. أخيرًا .. وبعد أن أفرغت جعبتي من كل محتوياتها .. صمت بدوري طويلًا ولم يعد في جعبتي من قول .. وركزت بصري على الفتاة أراقب ردة فعلها على قولي ...
ابتسمت الفتاة الغضة ابتسامة غريبة .. هتفت برقة :
" خالي ... هل يمكن أن تتنازل أنت عن مبادئك ؟؟!! .. وأنا أعرف وبشكل جيد بأنك رجل مبادئ ؟؟!! " ؟؟؟ ...
فغرت فاه الدهشة وأنا أنظر إليها متسائلاً بحيرة ... بينما راحت الفتاة تتم حديثها بابتسامتها الغريبة :
" ألم تقل يا خالي ذات يوم بأن لا أحد يملك الجرأة أن يقول لمن لا يحبه بأنه لا يحبه .. وبأنه يكرهه ؟؟!! " ..
أومأت برأسي علامة الإيجاب ... راحت الفتاة تكمل حديثها :
" .. وها أنا يا خالي أعلنها وبكل صراحة .. وبكل جرأة .. بأنني لا أريد خطيبي ...لأنني وبكل صراحة .. لا أحبه ؟؟!! " .
أطرقت برأسي إلى الأرض طويلًا .. صمت طويلًا .. لم أنبس ببنت شفة ...
أخيرًا ... همست بدوري بصوت كأنه يأتي من وراء الجبال .. أو من داخل القبور .. وثمة دمعة حارقة تترقرق في عينيّ :
" ها أنا أتنازل عن مبدئي ؟؟!! .. وأعلن أمامك بأنني لست برجل مبادئ ؟؟!! .. وها أنا أشهدك على ذلك ؟؟!!.
نشرت فى 18 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
أعرني عيناً
جاء عمر إلى هذه الدنيا ضريراً ، حيث ألِفَ الظلمة ، وألِفَ أن يتكئ دوما على سمعه في كلّ ما يريد أن يتخيله لما يحيط به . كان ينسج عالمه من كل ما تلتقطه أذناه ، ولذا كان كثير السؤال ، ما إن يظفر بمن ينصت إليه حتى يمطره بعشرات الأسئلة . وإن جلس مع أهله في غرفة الجلوس فرض على الجميع ألا يتفوهوا بكلمة جديدة حتى يستوعب ما يسمع مما يدور حوله من أحداث الدنيا ، ويتخيله بذهنه المُحاط بسياج العمى . وكانت أمه تبثُّ في نفسه العزيمة ، وما تعتقد أنّه يمكن أن يغرس العزيمة والإصرار لتخطي محنته. في السادسة التمسوا له شيخاً يحفظه القرآن ، ويقرأعليه كثيراً مما وعته حافظته من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأشعاراً لشعراء العرب القدامى ، وأخبارهم ، وروى له قصة " زرقاء اليمامة" ، لكنّ عمر ما كان يستطيع أإدراك كل ما يُقال ، فكان يبدي ضجراً ومللاً من حياته تلك ، ويتساءل أما من طريقة تجعل العميان يرون ؟ هل العلم الذي يقولون إنّه بلغ مبلغاً عظيماًعاجز عن فعل ذلك ؟ وكانت الأم تشفق على ابنها من أحزانه ، وتسعى إلى أن يعيش عيشاً سوياً كأقرانه ، فرأت أن تدفع به إلى إحدى الجمعيات التي تعتني بالمكفوفين ، علّه لا يجد نفسه غريباً في هذا العالم عندما يجد أنّه ليس الوحيد الذي حُبست نفسه داخل مَحبس العمى . تعلّمَ عمر هناك أشياء كثيرة ، كالقراءة بطريقة "بريل" ، وتجليد الكتب ، وبعض الحرف اليدوية التي لا تحتاج مهارة كبيرة ، وكان يرى أنّ الحياة دون عينين أمر مقيت ، الموت أهون منه ، والأمُّ تحاول أن تخفف عنه بأي طريقة ، روت له قصص كل الذين فقدوا بصرهم من المشاهير الذين عرفتهم ، من أعمى عبس عبد الله بن مكتوم ، إلى بشار بن برد ، وابن الرومي،والمعري ، وطه حسين ، وعبد الحميد كشك ، وابن باز ، وفي عالم الغرب هوميروس شاعر الإغريق ، ، وبرِيل مخترع الكتابة النافرة التي عُرفت باسمه ، إلى هيلين كيلر الكفيفة الصمّاء ، وهؤلاء مبدعون ، وشعراء ، وأدباء ، وعلماء دين . لكنّ ذلك كلّه لم يقنع عمر الذي ظلّ على حزنه وألمه ، فهو لا يعرف الألوان ، أو أشكال العصافير والبلابل التي يسمع تغريدها ، ولايعرف شكل الأشجار ، و لا ما تعنيه زرقة السماء ، أشياء كثيرة لايفيد السمع في أن نتخيلها . وفي تلك الليلة استلقى عمر في فراشه ، وهو يفكر بطريقة تجعله يرى ما يدور حوله ، يدركه بأبعاده ، يجعل الحقيقة تتطابق مع الخيال ، فلا يعاني من ربط تخيلاته بما هو كائن في الحقيقة ، فخطر له أن يستعير عينين ، ليوم أو يومين . فكّر في أبيه لكنه تذكّر أنه مات منذ حين . وخطرت في باله عينا أمّه ، لكنها ترى الأمور كما تحب ، وجرها ذلك إلى أن تمنع أخاه الأكبر من الارتباط بمن أحب ، وأخته تجامل إلى حد جعل القبيح جميلاً ، وفكر في عيني جارهم لكنه لا يرى الدنيا إلا خمراً ، ومضى يستعرض المعيرين حتى أعيته الحيلة ........
استسلم لنوم عميق ، تذكّر في نومه زرقاء اليمامة لأنها رأت الحقيقة دون زيف، وما جرّته عليها عيناها ، فكان جزاؤها اقتلاعهما ، ولكنه أصرّ على تحقيق أمنيته. مضى منسرباً إلى أعماق التاريخ فرأى عيني زرقاء اليمامة ما زالتا في المكان الذي ألقاهما أعداء قومها فيه ، انقض عليهما ، أخذهما ومضى يركض مسرعاً إلى الحاضر ، إنها أول مرة يجرب فيها أن يركض لا أن يمشي بمساعدة أحد ، أو بمساعدة عصاه . وعندما وصل اقتلع عينيه ، ليضع مكانهما عيني الزرقاء ، هذا سيمكّنه أن يرى أبعد مما يرى المحيطون به . وما إن وضعهما حتى رأى من نافذته أضواء المدينة الخافتة ، تضفي جواً حزيناً على الشارع الذي خلا من المارة . خطر في باله أن يفتح "التلفاز" ليرى ما يدور في الدنيا ، ويطابق بين ما كان يسمع ، وما تنقله العيون . هنا طائرة تحطمت وسقطت بمن فيها على صفحة المحيط ، واختلطت الجثث بحقائب السفر . وفي موضع آخر عشرات يلقون حتفهم في حادث قطار. وفي موضع ثالث أخبار القنابل تدك الحجر والشجر والبشر ، وأشلاء متناثرة في كل زاوية من زوايا الشاشة، ورائحة دماء يعبق بها المكان ، وفي محطة أخرى صورٌ مقززة لجنود يركلون جثث أعدائهم بأرجلهم ، وفي مشهد آخر نساء وأطفال يهرولون على أمل النجاة ورشقات الرصاص تحيط بهم من كل جانب ، فيتساقطون كأوراق الخريف. وانتقل إلى محطة أخرى فوجد أناساً يلهون ويغنون غير آبهين بمشاهد الدم والهول والرعب في المحطات الأخرى ، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر ، أو أنّ ما يجري من حولهم لا يعنيهم بشيء ، وفي مكان آخر ضيفان يعلو صراخهما ولا تفهم منه شيئاً ، و بعصبية راحت أصابعه تعبث بنزق بمفاتيح جهاز التحكم ، فراقه جمع من الناس على شاطئ جميل يجعلون أجسادهم تعانق دفء المياه ، وتهاديها من حولهم . و انتقل إلى حيز آخر فرأى عمالاً يشذبون أشجار الحدائق راسمين لوحات تأخذ بالألباب ، ...........
ازداد حزنه وألمه ، لم تدخل الراحة والبهجة إلى نفسه التواقة إلى رؤية الدنيا ، وما يدور فيها . وتمنى أنّه كان طرد كل تلك الأحلام بأن يبصر ، ويرى ما يدور حوله. ما عاد يطيق الاستمرار ، أحس أنّ الدنيا أضيق من علبة كبريت . اقتلع تلكما العينين ، ووضعها في علبة صغيرة ، ومضى إلى شاطئ البحر القريب ، ربطها بحجر وألقاها فيه ، فأخذت طريقها إلى الأعماق ، وهو يتمتم : مَن سمع ليس كمَن رأى !!! مَن سمع ليس كمن رأى !!!
20160831
#جرول.
نشرت فى 18 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
الثقافة بين التعهير والتطهير
فراس حج محمد/ فلسطين
يعد غسان كنفاني رائدا في حركة الترجمة من اللغة العبرية إلى اللغة العربية، فعرّف القارئ العربي بالأدب الصهيوني، وفتح الباب واسعا أمام ترجمة نصوص ومقالات لكتاب يكتبون بالعبرية، وبشروا للمشروع الصهيوني عن طريق الرواية والشعر. وكم كانت هذه الخطوة من غسان ضرورية بالفعل؛ لمعرفة كيف يفكر الآخر أو فتح باب للحوار معه؛ لمعرفة الأصوات التي يمكن استثمارها ومحاورتها خدمة للقضية الفلسطينية، فالمجتمع الإسرائيلي ليس مجتمعا متجانسا، والمثقفون الإسرائيليون ليس كلهم صهيونيين.
وهذا أيضا يتعلق بالترجمة المعاكسة، وهي ترجمة الأدب العربي إلى العبرية وهي مفتوحة ويجب أن تكون متاحة دون النظر إلى حقوق مؤلف أو كاتب؛ إذ إن أغلب النصوص التي يتم ترجمتها منشورة على الشبكة العنكبوتية، وبذلك أصبحت حقا للجميع في أن يستفيد منها شرط أن يذكر المصدر والاسم، فمن حق الكاتب أن ينسب نصه له، ومن حق المترجم أن يترجم نصا أعجبه ويتفق مع رؤى يرتئيها أو لأي أهداف يسعى إلى تحقيقها.
إن ما حدث مؤخرا من ترجمة الدكتور ألون فراجمان لمجموعة من النصوص لـ (45) كاتبة عربية في كتاب حمل عنوان "حرية" دون أن يحصل المترجم على الإذن بذلك، وما صاحب الخبر من سلسلة استنكارات من الكاتبات ما هو إلا زوبعة فارغة من المعنى والمضمون، إذ لا يمكن أن يتهمهن أحد أنهن موافقات على هذا الفعل، أو أنهن قمن بالاتصال بالمؤلف أو الناشر، وعليه فإن مخافة الموافقة ساقطة فعلا، وربما كانت تلك الاستنكارات هي لسد باب الاتهام والتحقيق أولا، لاسيما أنهن كاتبات عربيات يعشن في دول عربية، تدعي أنظمتها أنها تكره إسرائيل ولا تتعامل معها ألبتة، وهي في حالة حرب معها ليلا ونهارا. مع أن هذا ليس هو السبب الحقيقي لهذه الموجة من الغضب العربي النسائي، إنه أشبه بتلك (الزعبرة) المقصودة للفت الانتباه إلى أن هؤلاء الكاتبات أو بعضهن بطبيعة الحال تمت ترجمة نصوص لهن إلى اللغة العبرية، وكأنها نوع من المباهاة المستورة بستار عدائي تمثيلي ليس أكثر. فلسان حالهن يقول كما يقول المثل الشعبي الفلسطيني: "أفَّيهْ وخاطري فيه".
لقد جاءت معظم تلك الاستنكارات خجولة ويبدو عليها رفع العتب، لتضرب صاحبات الاستنكار عصفورين بحجر واحد، إضافة إلى عصفور ثالث سيذهب إلى أولاد العم بقضه وقضيضه وهو الأسمن والأكبر، يتلخص في عمل دعاية مجانية لهذا الكتاب، وتكون دار النشر قد حققت أهدافها بأقل التكاليف، فنحن شعوب عاطفية، يستفزها ذكر إسرائيل وسرقاتها، ونصبح وطنيين وأخلاقيين كأننا لم نسرق ولم نعتد على أحد، فكم من صحيفة عربية ومجلة عربية وموقع إلكتروني عربي ودار نشر عربية تستنزف الكتاب وتعتاش على أفكارهم، ويستغلونهم ولا يدفعون حقوقهم، نسكت عن ذلك ونصمت، وفي حالة الترجمة إلى العبرية من أستاذ أكاديمي يريد التعريف بالأدب النسوي العربي لطلابه تقوم مثل هذه الزوبعة التافهة جدا.
لعل أكبر نكتة ليست طريفة مطلقا استناد أولئك الكاتبات إلى وهم التطبيع، ونسين أن بعضهن زار فلسطين بإذن الاحتلال، ألا يعد هذا تطبيعا مكشوفا مفضوحا؟ ألا تقوم بعض الكاتبات
والكتاب أيضا بالتحايل مع دور نشر أجنبية أوروبية وأمريكية لترجمة أعمالهن في الخفاء إلى اللغة العبرية؟ والأسماء كثيرة وكبيرة. كم كاتب عربي وكم كاتبة عربية اتخذ موقفا حازما ضد الدعوة والمشاركة في الفعاليات الثقافية الفلسطينية كموقف الروائية المصرية سلوى بكر التي فازت بجائزة محمود درويش للإبداع عام 2017 ورفضت أن تأتي لاستلامها؟ إن هذا الاستنكار الخجول لهو نفاق ثقافي وخديعة للقارئ العربي الذي رأى في فعل الدكنور ألون فراجمان جريمة نكراء تضارع بل تفوق سرقة فلسطين ونكبتها.
إن ادعاء الكاتبات أن فراجمان صهيوني إسرائيلي، ولذلك فهو عدو، والترجمة إلى العبرية هي خدمة لدولة الاحتلال، فماذا تهتم الكاتبات والكتاب أجمعين بترجمة الأدب العربي إلى اللغة الإنجليزية، أمريكية وبريطانية، وإلى اللغة الفرنسية والروسية وغيرها؟ ألا تعد أمريكا عدوا وقد فعلت بنا أكثر مما فعلته إسرائيل؟ لماذا يفاخر الكتاب العرب من الجنسين بإقامة الندوات في الجامعات الأمريكية وإصدار أعمالهم في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا؟ لما تتفاخر الكاتبات وينشرن على حساباتهن المتعددة صورا لكتبهن المترجمة وهؤلاء لا يختلفون عن أولئك، بل على العكس تماما، فأمريكا وكل الدول الأوروبية بلا استثناء هي الداعم الأساسي وبلا شروط لإسرائيل، وصارت تحتقر الفلسطينيين والنظام العربي برمته بكل مكوناته وجمهورياته وممالكه وملكياته من المحيط إلى الخليج ولا تقيم له وزنا. لماذ لا ترى الكاتبات في بريطانيا وفرنسا وروسيا أعداء وهم أساس نكبة العرب وضياع أرضهم، ونحن ما زلنا منذ مائة عام نتجرع سياسات سايكس بيكو وبلفور وغيرهم من الساسة المجرمين في حق المنطقة العربية؟
لقد كشفت هذه الهوشة القبلية عن عقم التفكير للمثقفين العرب العروبيين، ولم ينظروا إلى المسألة بشمولية، وإنما وجدوا صنما مصنما وتمثالا مصنوعا لرجمه، وهو إسرائيل والإسرائيليين، وبقدر ما هم جناة في حق الفلسطينيين، فهم ضحايا أيضا لسياسات استعمارية أكبر من اليهود ودولة يهود، فالغرب لا ينظر إلى هذه الدويلة إلا أنها قاعدة متقدمة له في عمق بلاد العرب، للسيطرة عليهم وتفريقهم واستمرار تجزئتهم، وإلا لماذا إلى الآن يؤمن حكامنا ومثقفونا بأحكام سايكس بيكو، ويقدسون الحدود والأقاليم، وتنشب الصراعات الدموية بين العرب في دول العرب، وقد تطورت للأسف لتكون حروبا طائفية داخل كل دولة، وحروبا فصائلية داخل كل طائفة، فماذا قدم المثقف العربي لمحاربة هذا الوضع الكارثي سوى الدخول فيه ليكون جزءا منه؟ ماذا أحدث المثقف العربي من خلخلة للوعي العربي ليثور الناس ضد أنظمة تطبق وتحرس أفكار الغرب ومخططاته العنجهية؟ ما هو موقف المثقف العربي الذي أصبح مدجنا، ضد الأنظمة العربية التي تقيم علاقات علنية مع إسرائيل؟ كل ذلك ينساه المثقف العربي ويتشبث بنص ترجم إلى العبرية، دون إذن صاحبه، أي بلاهة نقع فيها ونحن لا ندري.
لماذا لا يرى المثقف العربي والمثقفات العربيات الغضابى أن في ما قدمه المترجم الصهيوني هو اعتراف بتميز هؤلاء الكاتبات في الوقت الذي لا تهتم بهن دولهن ولا تلتفت لإبداعتهن وبعضهن لسن أعضاء في اتحادات كتاب بلادهن حتى؟ لقد كان عمله صفعة لكل من أشاح بوجهه عن إبداعات بعضهن ورمى بنصوصهن في سلة المهملات، وهن يراسلن الصحف الكبرى والصغرى لينشرن مجانا مقالاتهن ونصوصهن، ولكن المحرر العظيم أودى بكل تلك النصوص في هاوية سحيقة من الإهمال والازدراء وعدم الاهتمام. كيف يفسر المثقف العربي أن صحيفة لبنانية تنشر الخبر عن الكتاب، ولم تشر إلى الكاتبة اللبنانية التي كانت من بين
المجموعة المسروقة؟ أي غباء يمارسه المحررون في فعلهم هذا، فإذا كانت القضية وطنية وقومية وقضية حقوق، لماذا لم تبرز هذه الصحيفة اسم الكاتبة وتتبني القضية عنها، فهي كاتبة معتدى على إبداعها وقبل ذلك مواطنة لها حق كبير عند دولتها لتدافع عنها. أم أن تلك الصحيفة الكبيرة لا تعترف بتلك الكاتبة، فأبرزت في خبرها الأسماء الكبيرة غير اللبنانية، وأسقطت من الخبر اسم تلك الكاتبة؟
إذا كانت الكاتبات تطالب بحقوق لدى دار النشر الإسرائيلية، مع أن كثيرات منهن ينفقن نصوصهن مجانا للمواقع، لماذا لا يطالب الإسرائيليون بحقوقهم من غسان كنفاني وغيره من المترجمين عندما ترجموا الأدب العبري، ولماذا لا يطالب الكتاب الإسرائيليين بحقوقهم عن مقالاتهم المترجمة في الصحف العربية التي تصدر يوميا، هنا أنا أتحدث عن حق شخصي للكاتب بغض النظر عن جنسيته أو دينه.
إن كل ما هو مطلوب من المترجم هو عدم سرقة النص وادعاء كتابته أو تشويه المضمون والأفكار، وأن يكون أمينا في الترجمة، وليترجم من أراد ما أراد لمن أراد في ظل هذا الانفتاح على الأفكار والثقافات، ولن يبقى غير ما هو أصيل ويتمتع بالفنية العالية، ويساهم في إعلاء صرح الثقافة العالمية. فلا تنزعجوا من ترجمة الأعداء لنا، ألسنا نحن أيضا أعداءهم؟ فلماذا يترجمون لنا؟ ولماذا نترجم لهم؟ هذا هو السؤال، بل على العكس يجب أن نسعى إلى إنتاج نصوص نجبرهم إجبارا لا مفر منه على ترجمتها والتلهف إليها، وندفعهم لقراءتها لتشيع فيهم الخوف وعدم الأمان، وليس التلهي بحقوق زائفة ليس من ورائها سوى العهر الثقافي في واقع أشد عهرا من أي وقت مضى.
فراس حج محمد
نشرت فى 14 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
الرسالة الرابعة عشرة
لست حزينا بتاتا وإن كنت غير سعيد أيضا
الجمعة: 14-9-2018
فراس حج محمد
سلام من القلب، أما بعد:
في حادثة قديمة تعود إلى أكثر من أربع وعشرين سنة طويلة، قال لي زميل في الجامعة: "من كان مثلك لا يحق له الحب"، كانت جملة موجعة بالتأكيد ما زالت تحفر في أعصابي، كل النساء اللواتي رغبت في الارتباط بهن وقد أصبحت موظفا نفرن مني نفورا شديدا، كوني فقيرا ومعاقا، ما زلت أسترجع موقف تلك المرأة "المثقفة" التي طلبتها للزواج نظرت إلي باحتقار شديد بعد أن تواعدنا لتراني وأراها، وقالت: "لا أفكر بالزواج الآن". هي أرادت أن تقول إنك لا تناسبني بعد أن خاب ظنها في رؤيتي وقالت: أهو أنت؟ قالت الجملة بازدراء شديد. زميلات الجامعة لم يكنّ يعرنني أي اهتمام حتى أنهن لم يكنّ يلقين علي التحية. صديقي رائد بعد أن قرأ كتاب "نسوة في المدينة"، ولاحظ الانفجار الشهواني في القسم الثالث منه قال إن سبب ذلك هو الحرمان منك، ذلك الحرمان الذي وضحته في القسم الثاني من الكتاب. لذلك فقد سيطرت عليّ الأحلام كثيرا في هذا القسم.
لا شك في أن تحليله صحيح، لقد كانت علاقتنا قوية جدا ونحن عاشقان افتراضيان، ولكن عندما تعرفتِ إلي في الواقع نفرت مني أيضا، لقد صحت فيك رغبات كل امرأة؛ تريدين رجلا عاشقا وسيما وغنيا ومعافى بدون إعاقات. الآن أفهم بعدك عني بهذه الطريقة القاسية. أنا أجمل في عيونك ما دمت افتراضيا، هذا ما قلته في كتاب "نسوة في المدينة"، فلا داعي لتعاتبيني على الغياب أو على هذا الجفاء، وقد اختبرت كل ذلك، وخصوصا في لقاءاتنا الأولى.
لم يعد يقنعني بتاتا قولك ونظرياتك المثالية المدعاة، وأنا أرى ما أرى. لكن لا يهم، المهم هو أنني أصبحت أقدر على معرفة الحقيقة وتقبلها. عندما كتبت قصيدة "الفقير لا يصلح للحب" كنت صادقا مع نفسي صدقا حقيقيا، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنني حزين أو سلبي، على العكس تماما. كانت هذه التجربة، وكل التجارب الأخرى متسقة مع ما استقر في نفس المرأة وقد عبر عنها الشاعر القديم "إذا شاب رأس المرء أو قل ماله فليس له من ودهنّ نصيب"، وأنا ليس لي نصيب من ودك غير التقلب في مرارة الحب التي لم تأت إلا بمزيد من وضوح الرؤيا.
هل كنت مهووسا عندما صدقت أنك تحبينني؟ أظن أنني كنت خياليا مغرقا في توقع النتائج الإيجابية. لعلك كنت تسألين نفسك كيف نسير معا، وأنت تعرج، إنك تلفت النظر إلينا، لذلك علينا ألا نسير معا في نزهة أو شارع، كل ما هنالك كان الرضا بالجلوس معا في مقهى أو مطعم، هذا الجلوس الذي يخفي إعاقتي وفقري.
من حقك أن تحلمي بعاشق جميل ومعافى وإن كان من حقي أيضا أن أحب امرأة جميلة، حتى وإن قال ذلك الزميل ما قال. ناضلت كثيرا لأسعد بهذا الحب، ولكنه كان شقاء مطلقا، إنه يؤول إلى ما آل إليه من هذا الذي تشاهدينه ونعايشه بمرارة، لكنني لا أخجل من إعاقتي أو فقري المدقع، فكلنا فقراء ومعاقون في نهاية المطاف، أو لنكن إيجابيين ونقول: كلنا أغنياء وأصحاء أيضا ما دمنا أحياء ونمارس شهوة الحياة ودفء الحب وإن كان بالوهم.
لا تحاولي أن تفسري الأمور بغير هذا المنطق، أو تدعي غير هذا، فرسالتك الأخير عابثة جدا، ولا معنى لها غير أنه أصبح لديك فسحة من الوقت لتتسلي بي، وإلا ما معنى تلك التخاريف التي قلتها: "واضح أنني أنسى، لكن ذاكرتي المثقوبة تعيد لي بعض نزواتك التي لا تنتهي، ولتهنأ بهيامك أبدا". هذا هو الوهم الذي عشش في ذاكرتك المثقوبة، فلست بالتأكيد كما لمحت إليه إطلاقا، فأي هيام أهنأ به ونحن على ما نحن عليه؟ إنه موجع جدا لو ظننت غير هذا وخاصة في جملتك الأخيرة غير المفهومة "ولتهنأ بهيامك أبدا". أي جنون يستعمر عقلك لو أن ما وصلني من معنى هو المعنى الذي تسلق جدران عقلك؟ لا أريد أن أوضح أكثر، فليس من حقنا أن نعتدي على حرمة الآخرين حتى ونحن نناقش مسألة عاطفية غاية في التعقيد.
أما بخصوص رسالتك الأخرى: أبهجتني رسالتك الأخيرة، أحب هذا التفاؤل في كتاباتك وأشعر أننا نستحق أن نعيش الحياة كما ينبغي لا كما تفرضه علينا، ابق بهذه الروح وهذا الجمال. هل لي بنسخة (pdf) من كتاب "نسوة في المدينة؟"، فقد كتبت ببرود واضح، فلم أشعر بحرارة الحب فيها، لقد دفعك الفضول لكتابتها، بعد أن قرأت مقالة رائد حول الكتاب، ولولا ما جاء في مقالته من مقاطع استفتزتك لم تكوني لتكتبي لي شيئا، فقد وصلت بالتأكيد كل الرسائل السابقة، ولكنك لم تردي عليها، وبقيت صامتة. أصبحت أعرفك على نحو أكثر حزنا للأسف. لن أرسل لك نسخة من الكتاب وعليك الانتظار حتى يطبع، وإن أحببت قراءته واقتناءه فلك ذلك. ليس لؤما بطبيعة الحال وليس تشويقا للكتاب، ولكن لعلمي أنه لا فرق بينه وبين كل كتبي السابقة، سيأخذ مكانه على رف الكتب دون أن يكون له بهجة ما.
وأخيرا أريد أن أقول إنني لست حزينا بتاتا، وإن كنت غير سعيد أيضا. دمت كما أنت ولعلنا نلتقي، أين؟ ومتى؟ فلنترك ذلك للصدفة الجارحة.
فراس حج محمد
نشرت فى 14 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
19. عنق الزجاجة
بقلم عبد الامير الشمري
مهندس استشاري
الذئب (أبو سرحان) كعادته يخرج كل صباح يتجول في الغابة باحثاً عن الرزق والصيد الثمين وكذلك يروض نفسه من عناء الليل .. هكذا تعود الذئب كل يوم ... التقى أخيراً بالصدفة بالثعلب (أبن آوى) ونادى عليه ... كيف حالك وماذا تفعل هنا... قال الثعلب وهو كعادته يتملق لكل من هو أقوى منه وذا حضور مكثف في الغابة ... (خيرنا من خيرك) ... نحن جيدين إذا أنتم على أحسن ما يرام ... هكذا كانت المجاملة بين أبو سرحان وابن آوى... ثم سئل الثعلب الذئب وقال له يا سيدي كيف تقضي يومك في الغابة ، قال الذئب (أبحث عن كل شيء) قال الثعلب ألا تعتقد أن هناك سلبيات كثيرة في الغابة لأنك كما قلت أحاول أفرض كل شيء ولكن في بعض الفرضيات سلبيات ... قال نعم أحس بها ولكن ما العمل هكذا نكون نفترض الشيء وتلقي مردوده سوى سلباً أو إيجاباً ... قال الثعلب سيدي الذئب أني مستعد أنظر تلك الفرضيات وأعزل منها السلبية. قال عظيم إذاً أنا وأنت سوف نسيطر على الغابة ما دام أنا الذئب الذي افترض الأشياء وأنت يا ثعلب تنظر تلك الفرضيات وتحولها إلى إيجابيات. فخرجت الدجاجة من وراء شجرة كانت مختفية وتسمع ما يدور من حوار بين أبو سرحان وأبن آوى ثم قالت لا سيدي نحتاج إلى شخص ثالث ... قال الذئب وما فائدته ... قالت أنت تعلم ليس كل ما يقال يصبح حقيقة والغابة عجزت عن تلك النظريات التي لا تطعم ولا تشرب الغابة تحتاج إلى أشياء عملية وليست نظرية حسب ما يقول المثل (اللي يعبي بالسلة ركَي) وقال الذئب وكيف نطبق عملياً. قالت بسيطة مدت الدجاجة يدها إلى جعبتها وأخرجت منها بيضة ... قالت هذه بيضة هل يستطيع أي واحد منكم أن يضع هذه البيضة فوق عنق الزجاجة ويدخلها إلى الأسفل. نظر الذئب إلى الثعلب وهو في تعجب وكأنه يقول للثعلب أجب عن هذا السؤال.
وحاول أن تدخل هذه البيضة داخل الزجاجة ... ولكن الثعلب سرعان ما أدرك أنها عملية صعبة فقال له يا سيدي لا أستطيع ذلك ... قال أما قلت أني افترض وأنت تنظر الأشياء وتحولها إلى إيجابيات وعليه فأني افترض أي الذئب سأضع تلك البيضة على عنق الزجاجة وما عليك أيها الثعلب أن تدخلها ... لم يستطع الثعلب واستأذن من الذئب أنه فوق تصوره ولا يستطيع القيام بمثل هذا العمل الصعب ... التفت الذئب إلى الدجاجة وقال لها هل تستطيعين أنت ... قالت نعم ... أخذت البيضة وأغلتها بالماء ثم قشرتها ووضعت قطنة داخل الزجاجة مبللة عادة مشتعلة وأشعلتها مما طردت الهواء داخل القنينة أي أفرغت القنينة من الهواء (كما تعلمنا في درس الفيزياء) هذه التجربة ثم وضعت البيضة على عنق الزجاجة فالضغط الجوي أدخل البيضة إلى داخل الزجاجة ، استغرب الذئب والثعلب معاً وقال يا دجاجة أنت الشخص الثالث الذي سيكون معنا وسوف نسيطر على الغابة أنا افترض والثعلب ينظر والدجاجة تطبق عملياً ... فقالت الدجاجة لا يا سيدي تحتاجون إلى شخص رابع ... قال ولماذا قالت الدجاجة كما تعلمون أن البيضة الآن هي داخل تلك الزجاجة الشفافة وهي تحتاج لمساعدتكم لأنها تراكم والعالم كله يراها ... تريد من يخرجها من عنق الزجاجة ...
فهل يا سادة تستطيعون أن تخرجوا تلك البيضة من عنق الزجاجة وكيف يتم ذلك؟
نشرت فى 13 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
"عامل بطالة " ؟؟!!
قصة قصيرة
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة )
====================
( آخر ما جادت به قريحة الكاتب ولم يسبق نشر النص من قبل ) .
أحداث وشخوص النص حقيقية حدثت على أرض الواقع وليس من فضل للكاتب على النص اللهم سوى الصياغة الأدبية فحسب .
إهداء خاص :
إلى بطلة النص الحقيقية .
( الكاتب )
----------------
" عامل بطالة " ؟؟!!
لا تعجبوا سادتي من أحداث هذا النص ... حقًا بأنها كانت أحداثًا عادية ... بل لعلها تكون عادية جدًا ... ولكنها حدثت على أرض الواقع .. وكم كان لها من التأثير النفسي العظيم على نفسيتي وأحاسيسي ومشاعري ... لا لشيء إلا لأنني كنت الشاهد على الأحداث ... الراوي ... والقاص .. وبطل النص أيضًا ؟؟!! .
كغيري من آلاف .. عشرات الآلاف .. بل مئات الآلاف من العاطلين عن العمل ... كنت قد تقدمت بطلب العمل " بطالة " للمركز الرئيس لهيئة الأم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين .. بطالة لمدة ثلاثة شهور فحسب ؛ كما هو الحال بالنسبة لغيري ..
كان عليّ الانتظار لوقت طويل .. بل طويل جدًا .. حتى يحين دوري للحصول على فرصة عمل في أحد مرافق مؤسسات الأمم المتحدة .. في أي مكان يجده المسئولين مناسبًا .. ( مناسبًا بالنسبة لهم بالطبع وليس لي ) ...
بعد عدة سنوات .. كان الاتصال يتم بي للتواجد في مركز الرئاسة للوكالة لاستلام فرصتي بالعمل ...
يبدو بأن فرصة العمل تلك بالنسبة لي كانت جيدة بشكل نسبي ... فلم يكن مجال العمل المتاح لي كـ ( آذن ) في عيادة أو ( بواب ) في مدرسة أو ما شابه ... وهذه هي فرص العمل التي كانت متاحة في العادة لعمال البطالة .. فلقد كان حظي – كما يبدو – جيدًا بشكل نسبي .
فقد كانت فرصة العمل عبارة عن عمل مكتبي .. إداري .. في قسم لا بأس به في المركز الرئيس للوكالة ذاته .. وهذا ما أراحني نفسيًا بعض الشيء وشجعني بالتالي على قبول فرصة العمل خاصة وأنني كنت متهيبًا كثيرًا في قبول العمل.
التقيت ببعض الأصدقاء والمعارف في نفس القسم الذين رحبوا بي كل الترحيب وأولوني اهتماما كبيرًا واحترامًا أكبر ..
العمل في حد ذاته كان رائعًا وممتعًا وبحق بصحبة الأصدقاء والزملاء المحيطين بي وخاصة رئيس القسم الذي أنزلني منزلة كبيرة من المكانة في القسم والاحترام ...
... واستمر العمل على وتيرته ... حتى كان ذلك اليوم ... فقبيل مغادرتي القسم الذي كنت أعمل فيه بعد انتهاء الدوام الرسمي للعمل ... وعند اقترابي من الباب الخارجي للمبني الكبير لمركز الوكالة ؛ كان يتناهى لمسامعي صوتًا أشبه بالصراخ .. العويل ... البكاء ... أغلب الظن بأنه كان صوتًا نسائيًا ...
بعد أن اقتربت كثيرًا من الباب الخارجي للمبني للمغادرة .. كنت أتحقق وبشكل جيد من مصدر الصوت .. وبالفعل .. كان صوتًا نسائيًا .. ممزوجًا بالصراخ والعويل والبكاء .
المرأة تلك ؛ كانت تحمل علامات جمال - ذابل - كان ذات يوم رائعًا ولكنه زال واندثر .. غاب واندحر .. منكوشة الشعر .. حافية القدمين .. ترتدي ملابس يبدو بأنها كانت على أحدث الموديلات ذات يوم غابر..
ما إن اقتربت من ناحية الباب الخارجي بقصد المغادرة بشكل نهائي حتى كانت المرأة تقف حائلًا بيني وبين الوصول للباب وهي ما زالت تصرخ وتبكي وتولول .. وراحت تشد ملابسي بقوة وهي تود أن تمنعني من المغادرة .. كأنها كانت تطلب مني مساعدتها ... نجدتها .. أو مد يد العون لها ...
كانت تتمتم بحروف مبهمة .. وتدمدم بكلمات غامضة لم أتبين منها شيئًا ..
لم يلبث أحد رجال حراس المبني أن اقترب مني ومنها .. راح يحاول أن يخلصني من بين قبضتها الفولاذية التي أطبقت على ملابسي .. ويحاول أن يبعدها عني .. وهو يقول لي :
- دعها وشأنها يا سيدي ... إنها امرأة " مجنونة " ؟؟!!
.. ما كاد الحارس يتم عبارته تلك حتى كانت المرأة تندفع نحوه وتطبق على رقبته بقوة وهي ترفع عقيرتها بالسب والشتم نافية تهمة " الجنون " عن نفسها .. ولم يلبث أن اندفع نحوهما مجموعة من رجال الحرس والبوابين لكي يخلصوا زميلهم من بين يديها وينقذوه ... فاستطاعوا ذلك بعد حين ...
راح الجميع يدفعون المرأة بالقوة لطردها من أمام البوابة وهي ما زالت تصرخ وتصرخ وتولول .. وتبكي بحرقة ..
إزاء هذا المشهد الغريب .. وجدتني أقف حائرًا .. لا أدري كيف أتصرف إزاء هذا الأمر ...
اقترب مني أحد رجال الحراسة وحدثني على عجالة بأمر تلك السيدة ..
أفهمني وبشكل سريع بأن تلك السيدة كانت تشغل مركزًا مرموقًا في نفس هذا المبنى ... مبنى مركز الرئاسة للوكالة وبوظيفة حساسة جدًا ... وكانت سيدة " ارستقراطية " معروفة بالأناقة والجمال والجاذبية والرقة ... إلى أن وصلت سن التقاعد ...
أصابها الهم واستولى عليها الغم بعد أن وصلت لسن التقاعد وكأنها كانت قد راهنت بينها وبين نفسها بأنها لن تصل لهذه المرحلة ولن تصل لمثل هذا السن ( سن التقاعد ) أبدًا .. فأصيبت بالمرض الذي أقعدها عن النطق والسير والحركة بشكل نسبي .
من خلال أنظمة العمل المعمول بها في رئاسة الوكالة ؛ كان عليها أن ترشح بعض الشخصيات التي تنوب عنها باستلام مستحقاتها الوظيفية الشهرية أولاً بأول ... واستلام المستحقات النهائية لها عند وفاتها .
المرأة ؛ كانت قد رشحت بعض الشخصيات من الأقارب ( من الدرجة الأولى ) لها لكي تتولى تلك الأمور على اعتبارهم أقاربها المقربين وبأنهم سيتولون رعايتها والاهتمام بشئونها بشكل جيد ... والوقوف إلى جانبها في محنتها ومرضها ...
ولكن ؛ وكما يبدو بأن أولئك الأشخاص المقربين لها والذين قامت بالتوقيع على جميع الأوراق اللازمة لتفويضهم وتوكيلهم وتخويلهم بالقيام بتولي كافة الأمور المالية نيابة عنها .. يبدو بأنهم – جميعاً - قد أهملوا أمر المرأة ولم يقوموا بأدنى واجب تجاهها ..؟؟!! واكتفوا باستلام المستحقات المالية الشهرية والتصرف فيها على هواهم وكما سول لهم شيطانهم دون الإنفاق على المرأة المريضة بالمطلق ...
المرأة المريضة أحست بما يدور في الخفاء ... وعلى الواقع .. فشعرت بالألم الشديد والامتعاض الرهيب لما فعله الأقارب .. فهبت مسرعة من فراش المرض لتندفع ناحية مبنى الوكالة لكي تطلب من المسئولين تغيير التوكيلات والأوراق التي قامت بالتوقيع عليها ؛ وحرمانهم من التمتع بأموالها وعدم الاهتمام بها ..
كانت تريد أن تقوم بتغير التوكيلات والتفويضات لأمر شخص آخر كان يرافقها في محنتها ويقوم بالعناية بها والاهتمام بشئونها ورعايتها بشكل جيد ويقف لجانبها طوال الوقت ويساعدها في كل أمورها ...
كان الرجل يقف إلى جانبها وهي ما زالت تصرخ وتولول وتبكي .. لا حول له ولا قوة .. لا يدري ماذا عليه إن يفعل إزاء هذا الموقف المؤلم ..
الرجل ... لم يكن سوى ( خادمها ) ... الذي كان يقوم بخدمتها بإخلاص ووفاء منقطع النظير طوال سنوات حياتها وطوال شهور مرضها .. دون أن يتقاضى أي أجر على الإطلاق .. ويكتفي منها بالإيواء والطعام والكساء المتواضع ...
في قرارة نفسها وجدت بأن هذا الخادم الأمين ... وهو الرجل الغريب عنها والذي لا يمت لها بأي صلة قرابة أو نسب .. أحق بكثير من أولئك الأقرباء الذين أعطتهم كل شيء ..
كانت تصرخ وتولول وتبكي .. تطلب من الحراس والبوابين أن يقوموا بإدخالها إلى داخل المركز الرئيس لمقابلة المدير وكبار المسؤولين لكي تقوم بإلغاء التوكيلات السابقة التي قامت بإعطائها لأقاربها .. والقيام بتوقيع توكيل جديد باسم ( الخادم الأمين ) .
الحرس والبوابين كانوا يمنعونها من تحقيق ذلك .. ويمنعونها من مجرد الدخول إلى مبني الوكالة .. على اعتبار بأنها " مجنونة " ؟؟؟!! وقد فقدت الشرعية القانونية للتصرفات المالية والإدارية والعملية .
طأطأت رأسي .. وألقيت ببصري ناحية الأرض .. وثمة دمعة حائرة تترقرق في عينيّ وأنا أغادر المكان ...
لم تلبث المرأة أن اندفعت ناحيتي من جديد ... وهي ما زالت تصرخ وتبكي وتولول ... تحاول أن تستنجد بي لمساعدتها والوقوف لجانبها ... وقد حسبتني أحد كبار الموظفين بالوكالة ... ولم تكن تدري بأنني لم أكن سوى .. مجرد ...
" عامل بطالة " ؟؟؟!!!
(( انتهى النص ... وما زال صراخ وبكاء وعويل تلك المرأة يدوي في ذهني وفكري .. ويسيطر على أحاسيسي ومشاعري وخواطري ... )) ...
نشرت فى 11 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
27. قبطان الباخرة
فارس من بلاد القوقاس ألتحق بخدمة العلم وشاءت الظروف أن يلتحق بالبحرية بأحد أساطيلها في المحيط ... وفي ليلة من ليالي الشتاء البارد والقارص اصطدمت الباخرة بأحد الكتل الثلجية وجثمت هناك ولم تستطع الباخرة أن تخرج إلا بعد ذوبان الثلوج أي إلى قدوم الصيف ... كما هو معلوم ... أن الطعام على ظهر الباخرة بدأ ينفذ فأمر قبطان الباخرة جنوده بأن ينزل أحدهم إلى البحر ليصطاد ما موجود في البحر لكي يكون غذاءهم جميعاً. بدأ الجنود ينزل واحد بعد الآخر ... لاصطياد حوت أو سمكة كبيرة أو دولفين ... إلا أن القبطان لاحظ أحد جنوده وهو يتصارع مع حوت مع علم القبطان أن قبله عدد لا بأس به من الجنود منهم من غرقوا ومنهم من أكله الحوت ولكن القبطان بدأ يراقب هذا الجندي الذي هو الفارس من بلاد القوقاس ... ألا أن وصل أن مثل هكذا جندي شيء تخسره الباخرة فقرر القبطان لمساعدته وإنقاذ جنده وقتل الحوت وكما هو معلوم أن قبطان الباخرة دائماً ما يكون من الأقوياء والأذكياء وله صولات في المعارك وعلى هذا الأساس يكون من نصيبه أن يكون قائداً وليس أي شخص آخر ... إذاً القبطان مميز بين أقرانه وقائداً لجنده في السلم والحرب ... قتل الحوت وتم تصعيده إلى ظهر الباخرة وأشعلوا النار على ظهر الباخرة وبدؤا يأكلون من لحم الحوت ومن خلال ذلك ... ذابت الثلوج وخرجت الباخرة من محنتها وسارت في عرض البحر ... وتقدم الجندي القوقاسي وقال لسيده الكابتن سيدي أنت أقوى واحد في الكون فقال الكابتن لا يوجد أقوى مني ... فقال من هو قال أجلس لأحكي لك هذه القصة وبدأ الكابتن يسرد بقصته.
والمطلوب من هو أقوى من الكابتن؟
نشرت فى 6 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
حكايات صغيرة ...
_ (١) تعج المملكة بالحراس يحيطون بها من كل صوب ....يعلو صوت الملك : لا مكان لضعيف بيننا !!
أمتشق سيفي ...صهوة جوادي تنتظر إشارة البدء ...يضحكون ... تعلو أصواتهم ...تبدأ المعركة ...يهرب الملك ....أصيح بأعلى صوتي : لامكان لضعيف بيننا !!!
_ (٢) أرسلت إشارة البدء ...غضب الكون ...ثار كل من على ظهر البسيطة ...عبر جثث القتلى ...اشتم رائحتهم ...سكنت أعماقه ...تتمطى الحدود أمامه ...يغادرها بعد أن التهمت النيران البلاد والعباد ...شاهد بأم عينه صور الملائكة تحمل جثث الأحبة تحلق بهم بعيدا ...صرخ مهددا : لن تكون المعركة الأخيرة
_ (٣) هناك في الزقاق ألف الحياة بينهم ...امتزج صوته بأصواتهم ...الكرة تتداولها أرجلهم ...يضعها تحت قدمه ...يرسلها لهم ...يضحك لضحكهم ...
ذات صباح حلقت الغربان ...طارت بعيدا ...أتت طائرات من بعيد ...رمت حمولتها ...تناثرت جثثهم ...في زاوية الزقاق تدحرجت رأسه ...قدمه تعلو الكرة تنتظر أقدامهم !!!
_ (٤) لن تعيره اهتماما تلك الحسناء التي عشقها ...وكيف تنظر لأسماله البالية ...في آخر الشارع ثمة حائط يقصده كل يوم ...يمسك الطباشير ...يرسم تفاصيلها الصغيرة ...بأحذيتهم داسوا الحي ...قتلوا كل من فيه ...علت الصرخات .....سقطت يده وهي تمسك الطباشير بعد أن أكمل رسم صورة حسنائه الهاربة !!!
_ (٥) غارة قريبة ... صوت الإنذار يعلو ...القناص يزرع الأسطح جيئة وذهابا بانتظار الفريسة ...يختبئون في بيوتهم كالجرذان ...يحلق الغراب فوق البيوت ...ينتظر بقايا جثث ...يعلو صوت صفارة الإنذار تعلن نهاية الغارة !!!
_ (٦) ما اسمك ؟؟
- سيدي أرجوك اسمعني لاعلاقة لي بكل ما حدث ...يجرونه ...يسحقونه بأقدامهم ...تتكسر عظامه ...يصرخ ...يتوه الصراخ ...يختفي ...
- ما اسمك ؟؟
يركله بقدمه ...يقترب الغراب من كوة الغرفة ...يقف فوق رأسه ...يصدر صوتا واحدا ...تملأ الغربان الغرفة ...يلتهمون الجثة ...يلعنهم ...يصرخ بكل قوته : الغبي لم يقل لي ما اسمه ؟!!!
_ (٧) انتهى الهجوم ...أعلن الانسحاب ...يجرون الجثث ...يسير تائها بينها ...يبحث عن جثة أبيه ....اختلطت الرؤوس بالأرجل بالأيدي ...ضاعت الملامح ...
هناك يراه بعيدا ...يقترب منه ...وضعوا فوق صدره ورقة سجلوا عليها رقمه !!!
وللحكايات بقية !!!!
بقلمي - السيدة غدير محمد وليد عبارة سورية - حمص
كتبت في مصر -المنيا بتاريخ الأربعاء ٥/ ٩/ ٢٠١٨ م
_ (٣) هناك في الزقاق ألف الحياة بينهم ...امتزج صوته بأصواتهم ...الكرة تتداولها أرجلهم ...يضعها تحت قدمه ...يرسلها لهم ...يضحك لضحكهم ...
ذات صباح حلقت الغربان ...طارت بعيدا ...أتت طائرات من بعيد ...رمت حمولتها ...تناثرت جثثهم ...في زاوية الزقاق تدحرجت رأسه ...قدمه تعلو الكرة تنتظر أقدامهم !!!
_ (٤) لن تعيره اهتماما تلك الحسناء التي عشقها ...وكيف تنظر لأسماله البالية ...في آخر الشارع ثمة حائط يقصده كل يوم ...يمسك الطباشير ...يرسم تفاصيلها الصغيرة ...بأحذيتهم داسوا الحي ...قتلوا كل من فيه ...علت الصرخات .....سقطت يده وهي تمسك الطباشير بعد أن أكمل رسم صورة حسنائه الهاربة !!!
_ (٥) غارة قريبة ... صوت الإنذار يعلو ...القناص يزرع الأسطح جيئة وذهابا بانتظار الفريسة ...يختبئون في بيوتهم كالجرذان ...يحلق الغراب فوق البيوت ...ينتظر بقايا جثث ...يعلو صوت صفارة الإنذار تعلن نهاية الغارة !!!
_ (٦) ما اسمك ؟؟
- سيدي أرجوك اسمعني لاعلاقة لي بكل ما حدث ...يجرونه ...يسحقونه بأقدامهم ...تتكسر عظامه ...يصرخ ...يتوه الصراخ ...يختفي ...
- ما اسمك ؟؟
يركله بقدمه ...يقترب الغراب من كوة الغرفة ...يقف فوق رأسه ...يصدر صوتا واحدا ...تملأ الغربان الغرفة ...يلتهمون الجثة ...يلعنهم ...يصرخ بكل قوته : الغبي لم يقل لي ما اسمه ؟!!!
_ (٧) انتهى الهجوم ...أعلن الانسحاب ...يجرون الجثث ...يسير تائها بينها ...يبحث عن جثة أبيه ....اختلطت الرؤوس بالأرجل بالأيدي ...ضاعت الملامح ...
هناك يراه بعيدا ...يقترب منه ...وضعوا فوق صدره ورقة سجلوا عليها رقمه !!!
وللحكايات بقية !!!!
بقلمي - السيدة غدير محمد وليد عبارة سورية - حمص
كتبت في مصر -المنيا بتاريخ الأربعاء ٥/ ٩/ ٢٠١٨ م
نشرت فى 6 سبتمبر 2018
بواسطة magaltastar
مشاهد متفرقه من (قصة الامس)
.............................................
احد المشاهد (مشهد الموت )
تجتمع القريه في مشهد تراجيدي امام جثه طافيه فوق النهر
زمجرة رياح
في صبح شتوي
كف من ذاك الوقت
عن الاصباح
والقوم تهرول
والريح تولول
تنفخ في الارديه
وصقيع قارس
يقتلع من أبدان الخلق الارواح
برك من طين
تحت الاقدام
امطار رعديه
تهطل من فوق الجبهات
والكون نواح
في صبح شتوي
كف من ذاك الوقت
عن الاصباح
علي الشاطئ
احتشد الجمع
رجال
ونساء
أطفال
وشيوخ
أجساد تتصلب
كالاشباح
وعيون تتأمل
ألسنة معقوده
كلمات مفقوده
فأنابت تلك الاعين للافصاح
في النهر
جسد بال
لأمراة مصروعه
من خلف الجمع ينطلق صياح
اااااه يا امراتي
يقذفهم بيديه
تركلهم قدميه
ينزلق البعض علي الجرف
ينكفئ البعض علي الشاطئ
ويعود فينطلق صياح
(اااااااه يا امرأتي )
٠٠٠٠٠٠ وصراخ
ونواح
والسنة معقوده
فإنابت تلك الاعين للافصاح
ما الخطب؟........
امراته؟......
كيف ؟......؟؟
ولماذا؟.....
قتلها؟........
من خلف الرجل حكايه
ولتلك المراه الف حكايه
((مشهد اخر )) الراوي يقدم لمحه من حياة الفتاه
من خلف الرجل حكايه
ولتلك المراه الف حكايه
وحياه
بعض الموت حياه
للموت خريف
وشتاء
وحياه
والمرإه ايه للحسن
ابدعها الله
للعين بريق
ومن تحت الجفنين سكينه
محراب صلاه
واباها حسبه فتيات اربع
فلترحل لاول مولا يطلب مولاه
وإتاها الجلاد علي قدر
يصحبه إباه
واباها يقضي علي امر
بالامس قضاه
فينادي في الكون
في الغد ستزف
الي القصاب فتاه
في الغد سنحف
علي الاجناب ملائكة الله
فيقام عزاء
ويقام نحيب وبكاء
ويقام علي الموت غناء
في الغد ستزف
الي القصاب فتاه
(مشهد اخر ) تلقي فتاها امام النهر لتضرع اليه ان يدركها من موت محقق
ليل سابق
علي ذات النهر
وهذا الصقيع
وهذي الغمامه
وياتي فتاها
ويبكي امام الفتاه وتبكي امامه
فتصرخ شفاها
بدمع وحزن قهر وكل السامه
ويرجع صداها
نحيب عويل وغير ابتسامه
_حبيبي اموت
وتاتي لتبكي وتدمع وتبغي السلامه ؟
حبيبي اموت
وترجع فتنسي وهذي البشاره وتلك العلامه
ويصرخ فتاها
ويسقط وياسي ويسكن يلملم حطامه
وتاسي نجوم السماء وذاك الشتاء وليل ينامه
((_احبك
بكل الشقاء وكل العناء
وكل النقاء وكل الصفاء
برغم الظنون وهمس العيون ورغم الملامه
عشقتك
عشقت الجنون وهذا المجون
وهذي العيون وتلك الوجامه
لكن سارحل
بكل الحنين
وكل الانين
وكل الندامه ))
مضي
القي سموما
اقصد رجوما .....
اعني سلامه
شجي
وابكي الغيوم
وابكي السماء
وابكي الشجر
بكي
واحترق الثري من حر البكا
فتردي بالجحيم وتلظي فانتحر
وتمشي الفتاة بخوف وحيره
ويبكي الطريق
ويبكي المطر
وتمضي خطاها
ثقيله
ثقيله
لتلقي فناها
لتلقي القدر
وتلقي عيون شداد
شفاها غلاظ
تزف الخبر
فتهجو اباها
وتلعن فتاها
وترثي الشباب
لرب البشر
((مشهد اخر )) ليلة العرس
ويعدو المساء
عناءا يدق
طبول العناء
ويغدوا الصباح
رياحا تدك
سجون الفناء
وتنعي قلوب بكاها
بكاها الحجر
ويشقي العناء
عيون شقاها
فناها السهر
وتاتي النساء
تزين وجه الفتاه
وتمخو الحياه
فيطفو الممات كلوح القدر
ويغرب وجه العروس
ويغرب وجه النجوم ووجه القمر
وترقب من في الفضاء
ترقب وتحذر
وتحذر ..وتحذر
لتبقي وتبقي
علي ذا الحذر
وصوت الرعود
يسوق الاماني يسوق الوعود
ويذهب ليمثل
ليشكو كرب الصبيه لرب البشر
لتبقي الغيوم
فتلقي السموم
ضجيج المطر
وتدخل عليها ثياب الزفاف
تزف النهايه
تزف الحكايه
تزف الخطر
فتبقي الحكايه
كثيرا كثيرا
وجيلا وجيلا
وجيلا وجيلا رواها البشر
وتمضي الحياه
وتقضي الفتاه
ويقضي فتاها
ويقضي اباها
ليبقي الحديث
ويبقي الخبر
ليبقي الحديث ويبقي الخبر
((مشهد اخر )) الحبيب متالما لتخاذله عن ادراك فتاته
جف الكلام علي النهر
القي غيام الدمع علي البصر
إوي الغلام الي السرير
امسك بالوسائد وانفجر
ويح قلبه
شق قلبه
شق قلب واحتضر
ويح ذكري
ويح الم
ويح ماض
ويح عشق
ويح كل ما حضر
باع الفتاه
باع الحياه
باع الاماني والاغاني
والقصائد والفكر
باع لشراع
والتماعات الشعاع
باع كل شيئ واختصر
م/ سعيد دعبس
نشرت فى 31 أغسطس 2018
بواسطة magaltastar
الرسالة الثانية عشرة
تترائين طيفا شاحبا كلوحة أغضبت صانعها
الخميس: 30-8-2018
فراس حج محمد
الحبيبة المحصورة بين قلبي وعقلي، تحية محمولة على الأبجدية في نهار مشبع باللغة، أما بعد:
أعود لأكتب لك بعد فترة من الانقطاع الطويل، كنت غارقا في ضباب رؤياي التي أخذتني كل مأخذ. كل الأيام بنهاراتها ولياليها بائسة، لا شيء فيها واضح، تترائين طيفا شاحبا كلوحة أغضبت صانعها، فلطخ وجهها بالغبار.
أكتب وأنا لا أدري ماذا سأقول، لا فكرة محددة لديّ. في اللقاء العابر الذي جمعنا قبل أيام، تحاشيت النظر إليك، أو محادثتك، كنت متوقعا رؤيتك بكل تأكيد، ولولا هذا الأمل، لم أكن أتيت لمناسبة لا ناقة لي فيها ولا بعير، فقط كانت الرغبة تشعل خاطري لأراك ولو من بعيد. ستقولين: "كم كنتَ قاسيا ولئيما، كنت على بعد خطوتين مني ولم تحرك يدا، ولم تشر لي حتى بطرفة عينك". رأيت على وجهك علامات الدهشة والسرور، كأنك تقولين: "ما علاقتك بالأمر؟ هل أصبحت يساريا مثلي؟" هل أنت يسارية؟ يا لها من فكرة عظيمة، يساري من أصول دينية، يحب شاعرة يسارية متوغلة في اليسار. على كل حال أنا لست يساريا حتى هذه اللحظة، فكريا على الأقل، ما زلت يمينيا متطرفا، أشد ما يكون التطرف. ولكن لماذا لم تبادري للسلام عليّ ومصافحتي وأنت التي دخلت بعدي ووجدتني هناك؟ كانت اللياقة تقتضي ذلك. هل أردت معاقبتي؟ كنت متوقعا أن يحدث مثل هذا، لعلك تقولين، ماذا لو حدث العكس، هل كنت ستسلم عليّ؟ ربما فعلتها، فأنا لم أخطط لهذا الموقف الهامشي صدقا.
قبل أن تأتي إلى ذلك المكان كنا قد سبقناك إليه أنا وصديق لي، له علاقة حزبية مع أبناء الفقيدة. ابتعدت عن صديقي وجلست وحدي كما رأيتني، حتى لا تحدث مفاجأة تخلط الأوراق وتربك المشهد برمته، كعادتي في اقتناصك جلست قبالة الباب الرئيسي لأتأكد من رؤيتك. رأيتني وحدقتِ فيّ، مع ابتسامتك الظريفة، رقص قلبي فرحا للوهلة الأولى، ولكن اهتاجت روحي حزنا، وامتلأت نفسي شغفا، تأكدت من حضورك، فلملمت نفسي، ورحلت، لم أنظر إلى الخلف، مودعا ومسلما، اكتفيت بهذه النظرة الماكرة التي ما زالت تخترق بمشهديتها كل أعصابي.
كيف غادرتُ القاعة دون أن أتحدث أو حتى أن أبتسم ردا على ابتسامتك، كنت حجرا بنتوء مدببة، أطلت شعر رأسي ولحيتي، لا رغبة لديّ بفعل أي شيء، أو أن أتعرف على أخبارك، ونشاطاتك التي أبلغتني عنها في آخر حديث هاتفي بيننا. أكتب إليك وأنا لا أريد أن أعرف وكيف سأعرف، وقد انقطعتِ عن الكتابة لي منذ مدة طويلة. عبث أن تكتب لامرأة رسالة وهي لا ترى حاجة في ردها، كأن رسالتها استطراد مملّ على هامش أكثر مللا.
عندما عدنا لم نتحدث كثيرا، بقيت صامتا، أسترجع شريطا طويلا من الذكريات، وتنهال عليّ صور شتى، أسأل نفسي: لماذا وصلت إلى هنا؟ لكنه سؤال عبثي جدا، عبث هذه العلاقة المعقدة، فقد وصلتُ وانتهى الأمر. أفكر بالخروج ولكن كيف؟ لست أدري.
في جلسة مع صديقي نتبادل أفكارا كثيرة، يلاحظ ما أنا فيه من حزن، يقترح عليّ سماع الموسيقى، لعلها تخفّف من كثافة اللحظة، يقول: "للموسيقى فعل السحر في تكسير صخرة الحزن وتفتتيها إلى حصوات يمكنك بعدها أن تدوسها بقدمك، وتضحك للحياة". هو لم يكن يدري أنني كلما سمعت مقطعا موسيقيا ذبت حنينا وشجنا، وأوشكت أن أصبح غيمة فائرة. صديقي يداوي أحزانه بقراءة شعر أدونيس، أما أنا فلا شفاء لي منك، مهما قرأت أو كتبت أو استمعت للموسيقى، حتى لو تحولت كل الموسيقى العالمية إلى نهر يصب في أحشائي، لن تغسل أحزان روحي. إنها ليست مبالغةُ كاتب، يشعر بالخيبة.
في اليومين السابقين انشغلت كثيرا بالسرد، كتبت آخر مشهد من كتاب "نسوة في المدينة"، أراجعه المراجعة النهائية قبل الزج به إلى المطبعة، هذا الكتاب الذي خصصت فصله الثاني للحديث عنا، أنا وأنت، أعيد قراءة هذا الفصل، إنه مؤلم جدا، كنت قد قرأت بعضه لابنتي، لم تستطع إلا أن تبكي، كنتُ غبيا عندما قرأت لها بعض ما جاء فيه، لقد استحضرتها بيننا في مواقف كثيرة. ابنتي تعرفك جيدا، ولكنها لا تسألني عنك إلا إذا حدثتها أنا. فكرتُ في العطلة الصيفية أن تتعلم على يديك، تراجعت كي لا أثقل عليك مهمة قد تبدو سيئة المآل لثلاثتنا. تعاتبني على أنني تراجعت عن هذا الأمر، لكنها تتفهم جيدا، أن الأمر ذو نتائج ليست جيدة على أقل تقدير.
ابنتي عادت إلى المدرسة، وهي تستعد للثانوية العامة في هذه السنة، ونسيَتْ موضوع التدريب، ولكنها على ما يبدو لا ترغب في الدراسة الجامعية، أو أنها تلعب بأعصابي، على كل حال، سأنتظر حتى الربيع القادم، لعل الخير يرافقها. حماكما الله، ورعاكما.
المشتاق لنظرة عينيك
فراس حج محمد
نشرت فى 30 أغسطس 2018
بواسطة magaltastar
مجلة عشتار الإلكترونية
lموقع الكتروني لنشر الادب العربي من القصة والشعر والرواية والمقال »
ابحث
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
713,152
ثلاث أصدقاء








