♠
♠
♠
♠ القصة القصيرة
♠
♠
♠
♠
♠
♠
♠ في معرض الكتاب
♠
♠
♠
♠
♠ في معرض الكتاب ، وبينما هو يتصفح الكتب المعروضة في جناح الناشر الذي ينشر له كتبه ، قابلها تلك التي تسبقها دائماً رائحة عطرها ، ودائماً تجادله بمنطق راقي ومحترم ، قالت: وهي تبتسم له كنت أجزم أني سوف أقابلك هنا ، ورد لها الإبتسامة وقال: جميل أن تكوني هنا بين العقول يبدو أنكِ في الطريق الي ترجيح العقل على صوت القلب ، نظرت اليه وقالت: في حالتي إتفق العقل والقلب على القرار ، دائماً دكتور إختيارك للكلماتك بِأناقة كأناقة أختيارك لملابسك ، قال: لها المعرض هذا العام يزخر بالجميل من إنتاج العقول ، قالت: له وأنا طالبه في البكالريوس قرأت لك كتاب بعنوان أول مرة تحب يا قلبي ، شدني العنوان في أول الأمر ، ثم وجدت المحتوى به من الصدق ما جعلني أتمتع الي أخر ورقة في الكتاب ، قال: لها لهذا الكتاب قصة فنحن أربعة أثنان مسلمين وإثنان مسيحين كنا معاً من الروضة الي أن حصلنا على الدكتوراه من أوربا وأمريكا ثلاثة منا عملوا في جامعتهم في الخارج ورجعت أنا الي مصر ، ولم ينقطع التواصل بيننا فكل شهر لنا ساعة على الإسكايب ، وفي الشتاء حيث الأجازة في أوربا وأمريكا نتقابل في الأوتيل المطل على نيل القاهرة ، وفي إحدى الأجازات ، ونحن معاً قلت لهم كل منا يعرف عن الأخر كل شئ ، إلا بعض الخصوصيات التى لم يفصح بها ، وأنا قبل أن نتلاقى كنت أفكر في كتابة كتاب عنا ، ولكن من ناحية أول حب في حياة كل منا ، يعني أول دقة قلب لحبيبة ، وضحك الجميع ، وأتفقنا وكان الكتاب الذي كان معكِ ، قالت وأنا أقول أن أول مرة دق قلبي بحب كان لك يا دكتور ، قال: لها قبل أن تكملي كلامك قإن أبطال القصص الأربعة إشتركوا في شئ واحد بينهم ، وهو أن هذه الدقات لم تكتمل ، فلم ينزوج أحدٍ منهم من التي دق لها القلب أول مرة ، فيبدو أن أول دقة لم تكون حباً حقيقياً عند الجميع ، بل كانت تجربة للقلب هل هو حي يدق للحب ، أو ما هو إلا مضخة للدم فقط ، قالت: له هل تدعوني لتناول شئ ، قال: لها مبتسماً لو سمحتي يا عزيزتي ، قالت: راقي أنت يا دكتور دائماً وتجيد المجاملة ، وهذا ما يجذب الأخرين إليك ضحك وشكرها ، ثم جلسا على طاولة وأستمر بينهم الحديث ، هي تتمنى ألا ينتهي اللقاء ، وهو ينظر الي ساعته.
♠
♠
♠ ا.د/ محمد موسى
نشرت فى 22 يناير 2018
بواسطة magaltastar
"السَّرَّاجُ"
في أزقة حارتنا الضيقة تختفي الحدود و تنعدم كل مظاهر الحضارة الزائفة .بيوت انتصبت كبيوت النحل الجبلي الذي يستطيع أن يدخل من أيِّها شاء.رائحة الجدان تتسلل في فرح تعانق الهواء تضفي على الجو أصالة تصيبك بالنشوة الدائمة. ورغم ضيق المكان فإن صدرك ينشرح عند الولوج إليه .أبواب خشبية عتيقة بين أعوادها حكايات و قصص السكان الذين كان لهم هنا أثر و أطلال و في آخر الجدار و أنت تنظر إلى الأعلى نوافذ تقوس حديدها إلى الخارج زخرفت بأشكال من الرموز لا يعلم سرها إلا صانعها .في آخر الحارة انتصبت مجموعة من الحوانيت تشبه في شكلها البيوت غير أن مساحتها بالكاد تحوي صاحبها .اختلفت هذه الدكاكين في نوع بضاعتها فمنها الإسكافي و منها العطار و منها الشيخ ابراهيم المنصور السراج ذلك الرجل الذي كلما كبر في العمر ازداد توهجا و رجولة يحسده عليها الكثير .ورث هذه المهنة عن أجداده حتى أصبح الناس يلقبون عائلته بعائلة السراج و لعل الكثير من الذين يعرفون هذه المهنة يجزمون بأنه آخر سراج في كل البلاد
الشيخ ابراهيم رجل تجاوز عمره السبعين أحمر الوجه مضيء كقمر توهج في كبد السماء عيناه كعيني صقر مغوار تهابه كل الفرائس شاربه المفتول ذو الشعر الغزير كبدر أضاء في ليلة ظلماء.رأسه الذي لا تظهر منه غير بعض السوالف السوداء تكور في عمامة نادرا ما تراه بدونها. قوي البنية رغم تقدم السن و رغم ما تترك فيه مهنته من تعب لا يلقي له بالا دائم الإبتسامة جهوري الصوت إذا تكلم أطرب و إذا قص أنساك الدنيا بما احتوت .كان يجلس دائما أمام دكانه يفترش جلد خروف أبيض ثانيا ركبتيه إلى الخلف وواضعا أدواته العجيبة أمامه ،كل من ترميه ساقه إليه إلا و انحنى يسلم بحرارة سارقا من الوقت بعض الدقائق كي ينعم بحلاوة حديثه و رغم كل ما فيه من سحر و أصالة أفحمت كل مظهر من الحضارة أراد أن يتسلل إليه و رغم أنه جزء لا يتجزأ من الحاره فإن صنعته لا تدر عليه الكثير من المال و كثيرا ما كان يتذمر ليس من شظف الحياةو إنما من دنو اندثار هذه المهنة و دائما ما كان يردد و بأعلى صوت " لم يعد لنا فوارس تركب هذه السروج" كلام عادي من شيخ سبعيني لكنه ذو مغزى لا يفقهه الكثيرون انتهى زمن الفوارس في نظره لكنه يواصل عمله و كله أمل أن الزمن سيعيد الأمجاد و الأبطال. لم يكن لديه الكثير من الزبائن إلا بعض من القرويين كانوا يترددون عليه لإقناء بعض السروح لأحمرتهم و كان هذا الشيء يضحكه ضحكا متواصلا و يقول و هو يحدث نفسه " أصبحت سروج الخيل للحمير "
و في يوم من الأيام كان الشيخ ابراهيم كعادته أمام دكانه إذ وقف قبالته رجل يمتطي جوادا لم ير في جماله أبدا استقبله الشيخ استقبال الملوك و السلاطين بل استقبال المحاربين الأبطال حتى أنه وقف و سلم عليه بحرارة .جلس الزائر على كرسي خشبي بجانب بعض السروج و انهال عليه الشيخ بالأسئلة لا يمل و لا يكل بينما ربض الجواد غير بعيد عنهما حتى أنه سد الطريق رغم ضيقه و لكن الشيخ ابراهيم لم يعر المسألة اهتماما فليذهب كل شىء إلى الجحيم أمام هذا المنظر الذي فقده منذ سنوات .
استهل الشيخ كلامه مع الضيف بسؤاله عن اسمه فأجابه الرجل بأن اسمه اسماعيل .وقع هذا الإسم في نفس السراج موقعا أخذ كل لبه لشيء هو يعلمه عن الإسم أو ربما لذكرى كاد أن ينساها و بعد طول حديث بينهما فهم الشيخ ابراهيم أن اسماعيل أتى إليه من مكان بعيد جدا يطلب سرجا لجواده و كم كانت فرحته و سروره لسماع هذا الخبر نهض الشيخ ابراهيم كطفل غض يقفز و وضع أمامه سروجا مختلفة و بدأ يعرض عليه مميزات كل سرج منها و وجهه كاد ينفلق من شدة الفرح الذي غمره. قلب اسماعيل السروج و سأل و جادل و أدلى بدلوه و عينا الشيخ ترقب المشهد بغبطة أنسته كل الوجود و أخيرا وقع اختياره على واحد منهامع تأكيد الشيخ على حسن اختياره أتبعه وابلا من المدح و الثناء لقيمة و نوعية السرج الذي اختاره تم البيع و كلاهما يشكر و يمدح صاحبه. تناول الشيخ النقود و سرعان ما خبأها بين طيات عباءته ثم مد يده مصافحا الرجل بعد أن أتم تركيب السرج على الجواد. ركب اسماعيل جواده و اعتلى فوق السرج و قد زاد طولا و وقارا يراقبه الشيخ و لسان حاله يقول هذا هو الفارس الذي أحلم به هذا هو الفارس الذي سيعيد الأمجاد. دار الجواد دورتين أمام الدكان و طقطقت حوافره أرضية الزقاق رقص الشيخ على أنغامه و طار طربا أشار إليه الفارس بيده أنه قد أعجب بالسرج و أثنى عليه و صافحه ثم تقدم حتى ابتعد عن الدكان و عين السراج تودعه بدموع رقرقت و انحدرت على خده عالجها قبل أن تفضحه .
اختفى الفارس عن أنظار الشيخ و هو مازال واقفا حافي القدمين و بعد برهة من الزمن طأطأ رأسه و استدار راجعا إلى مكانه و جبل من الأحلام يثقل كاهله تحقق منها حلم سرعان ما انتهى
جلس و عاد لسرجه يخيط و يعدل و يرقع دون أن يهز رأسه حتى وقف أمامه الإسكافي .فطن لقدومه استقبله مرحبا رغم الكمد الساكن فيه بيد أنه لم يمهله اكمال الترحيب و ألقى عليه سؤالا هز كيانه و بعثره "مالي أراك تحدث نفسك و تقف و ترحب و تبتسم و كأن شخصا ما قد كان معك "
لم يفهم السراج سؤال جاره أو ربما لم يستسغه فنفى ذلك و أخبره أن فارسا قد أتى و شرى منه سرجا ركبه بنفسه على ظهر الجواد .ضرب الإسكافي كفا بكف و ربت على كتفه و أعلمه أنه لم يكن من أحد معه و لم ير ذلك و أكد له ذلك العطار اغتاظ الشيخ غضبا و ظن أنهما يمازحانه مزحة أفسدت ما كان عليه و بعد جدال و أخذ و رد سقط الشيخ ابراهيم مغشيا عليه من هول ما سمع.
مرت أيام و دكان الشيخ ابراهيم مغلق فقد ركن للراحة بعد الحادثة حتى استعاد عافيته و عاد لفتح الدكان ليس كما كان بل بانكسار واضح أحزن كل الحارة و واصل عمله الدؤوب رغم ما يحمله صدره من مرارة .غير أن جملته التي كان يرددها لم ينسها و لم يتغافل عنها فقد كان يقول "لم تعد لنا فوارس تركب هذه السروج"
انتهى
سفيان مرزوقي
نشرت فى 22 يناير 2018
بواسطة magaltastar
**الرجل الجالس أمامي**
كان يوما عاصفا شديد البرودة ... الطرقات صحراء ممتدة مقفرة لا أثر للناس فيها إلا من بعض السيارات التي تشق المستنقعات المتراكمة في الطرقات فتنثر امواجا من الوحل فيستقر على الأرصفة في اشكال مختلفة فيستحيل المرور ...
كنت المترجل الوحيد ... قطعت الطريق بصعوبة أجر خيالا منكسرا غارقا في الطين. لم يكن خروجي لضرورة و لكن الأرق دفعني إلى الإنعتاق من سجن البيوت و ضغط الجدران لم احدد وجهتي غير أن الجو الممطر حملني على جناح اللاوعي إلى المقهى ....
دفعت الباب البلوري و ولجت و أنا أنتفض كديك مذبوح. الجزء العلوي من جسدي كورقة عنب اغتالتها امطار الصيف و مزقت اليافها و الجزء السفلي لوحة تجريدية بلا الوان ...
كنت اول مرة أدخل إلى هذا المقهى غير ان المكان احتواني و كأني قطعة منه .اخترت طاولة عشوائيا و انخت مرهقا و قد زاد وزني الضعفين ... ردهة المقهى واسعة تضم الكثير من الطاولات كلها خالية إلا طاولة واحدة قبالتي يقبع فيها رجل خمنت انه في العقد الرابع من عمره ... التفت ابحث عن النادل حتى يسعفني بفنجان قهوة ساخنة تعيد توازني و تمنحني شيئا من الدفء فالتقطه و قد مد رأسه من وراء القُصَّةِ يبحث عني .اشرت إليه بيدي فجاء ممتقع الوجه .اكيد اني كنت زائرا غير مرغوب فيه في هذا الوقت ...طلبت منه فنجان قهوة و سرحت بفكر مبلول أظفر شَعْرَ الحياة جدائل لولبية و انتشي بعشوائيتي ...
لدغني سحر القهوة و أنا اترشفها فسرت في عقلي قشعريرة الهبتها بجرعات من سيجارتي زادتني خدرا و نشوة و انغمست في المجهول ابحث عن مستقر لراحلتي ...لم اتفطن إلا ذلك الرجل يراقبني منذ أن دخلت إلا بعد ان كررت استراق النظر إليه. كانت نظراته متشابهة و كانها نقرات الطبل المسترسل إيذانا بالحرب. حاولت ان اطرد هواجس المكان و ان استلقي على اريكة الطمأنينة فتجافى جنبي و وخزني شوك الخوف.
لم يُحرك ساكنا و بقي متسمرا ينظر إلي. زمجر الرعد و اهتزت نوافذ المقهى و شعرت بزلزال تحت قدمي فانتابني الخوف و زادت نظرات ذلك الرجل الامور تعقيدا. ترى ماذا يريد مني ؟ هل ينظر إلي تحديدا ام ان زاوية رؤيته احتوتني ؟ هل يعرفني ؟ هاجمتني الأسئلة و تكسرت سيوفها في عقلي و احتلني شيطان الخوف اللعين و كمم فمي .أشعلت سيجارة ثانية بيد مرتعشة ووجه ذابل و احتسيت ثورتي و ههمت بالخروج لكن المطر اقعدني دفعني الشك إلى الجزم بأنه مخبر يترصدني و لكني لم افعل شيئا و لم اكن معارضا سياسيا حتى اكون هدفا للسلطة و لو كنت معارضا فنحن في بلد ديمقراطي لا مكان فيه للإستبداد و لكننا عرب حُقِنَّا بمصل ضد الديمقراطية. احرقني عقب السيجارة و افقت من هلوستي و ضحكت على نفسي ملء سذاجتي و طردت الأشباح شاهرا في وجهها سيفي و لكن النظرات مازالت تلاحقني. فكرت في لحظة ما ان اثور في وجهه لككني خفت من المجهول لملمت تشتتي و اقتنعت بنفسي لكن الهواجس ارقتني أيكون مجرما و ينتظر الفرصة لقتلي ؟ و لكن ليس لي عداوة مع احد و لم اشاجر شخصا في حياتي و لكن القتل هذه الايام اصبح بدون سبب و لأتفه الأسباب. ماذا سأفعل إن هجم علي ؟ و ليس لي ما ادافع به عن نفسي ... لم اجد حلا لقتل الأشباح الراقصة أمامي استدرت مبتعدا عن نظراته لكنه الفضول ارجعني إلى الزاوية التي كنت فيها فوجدته كما تركته ينظر إلي .أيعقل أن يكون شخصا يعرفني و أنا لا اعرفه؟ و لكني معدم مجهول و من سيعرف عشوائيا مثلي فلست ثريا لأكون محط الأنظار و لا أنا سياسي لا يشق له غبار و لست فنانا تلتهمني اعين المعجبين و لست رياضيا تعشقه الجماهير .فكرت في اسأل النادل عنه لكني تراجعت .نظرت إلى قهوتي فوجدت عينيه على سطحها. ارتعدت و ابعدتها عني مرتعشا و كظمت خوفي خشية الفضيحة و استرقت النظر فوجدته مازال ينظر إلي فرجعت الأشباح تزمجر امامي .أعتقد أن حدسي هذه المرة لن يخيب إنه سارق يتحين الفرصة ليسرقني و لكن ماذا سيسرق مني و انا الفقير الذي لا املك من الدنيا شيئا تحسست حافظة نقودي فوجدتها في مكانها و لكنها خاوية إلا من بعض الملاليم التي لا تسمن و لا تغني من جوع ...جننت و كدت ان اصرخ في وجهه و لكني رايت النادل يقترب منه شيئا فشيئا و هو يمسح الطاولات بقيت أراقب ما سيحدث حتى دنا من طاولته فانحنى و مسحها فاختفى ذلك الرجل وراءه .انتظرت ان يكمل مسح الطاولة و ان ارى وجهه و هل مازال ينظر إلي .اكمل النادل مسح الطاولة و سوى الكراسي الاربعة بما فيها كرسي الرجل و لكن أيعقل ان يسوي النادل الكرسي و هو جالس عليه .تلعثمت و مسحت عيني و اعدت النظر فرايت الرجل مرة اخرى بعد إن ابتعد النادل
لم يكن ذلك الرجل الجالس امامي إلا جزءا من لوحة حائطية لإعلان كتب عليه "معنا مستقبلكم مضمون "
قهقهت حتى شرقت و انتابني سعال ارهقني و احسست بانقطاع الهواء فجرى النادل إلي يسعفني بشربة ماء تعيد لي الحياة .شربت جرعات متتالية إلا أن استعدت توازني فبادرني النادل بالسؤال: "مابك يا سيدي؟ "
مسحت فمي من قطرات الماء و أجبته و انا اشير إلى الجملة المكتوبة في الأعلان :"اضحكتني الجملة المكتوبة في اللوحة الإشهارية (معنا مستقبلكم مضمون) ".لم يعلق النادل على ما قلت و اكتفى بابتسامة مجاراة و انسحب و بقيت أفكر في المستقبل المضمون و من هم الذين سيضمنون لنا مستقبلا و نحن نتخبط في حاضر غير مضمون و من هذا الذي اختار ذلك الرجل واجهة للإعلان نظراته وحدها كفيلة بان تجعلك لا تضمن إن كنت موجودا اصلا او غير موجود ...
دفعت ثمن القهوة و انصرفت تاركا ذلك الرجل وحده ليواجه مستقبله و الشخص الذي سيجلس مكاني أيكون مثلي ام أنني الغبي الوحيد الذي يخاف من نظرات العيون ....
انتهى
سفيان مرزوقي
نشرت فى 21 يناير 2018
بواسطة magaltastar
لم أعد خائفا .. وضعت رأسي في المشنقة.. ارتديت الدائرة.. هالني فقط أنّها على شاكلة الصفر .. خامرني ألم، ركامٌ، صَلْدٌ، رصاصيّ، أنّ لحظتي العظيمة أضحت تافهة لمجرّد إحساس طارئ بهالة الصِّفر التي توّجتُ بها جيدي .. عاودتني الخيبة مرة أخرى رغم مجيء المتنبّي و ضحك الحلاّج وعنجهيّة نيتشه الخارقة:
" لمّا أتِـي بالحسين بن منصور ليُصلَب رأى الخشبة والمسامير، فضحك كثيرا حتى دمعتْ عيناه"
قال نيتشه : لا شكّ أنّني أنا الأبد".
غير أنّه بمجرّد أن حضرتني مقولة موريس شابلون: " إنّ آخر أوهامنا هو اعتقادنا بأننا قد تحرّرنا من كلّ أوهامنا"، وجدتُـني مدفوعا إلى الاعتقاد بأنّني اتّخذت القرارَ غير الصائب وأنّ الانتحار ليس فعلا إراديّا، و إنما هو إبطال لأفعال إراديّة أخرى، تصبح خلالها العظمة دما وروحا أفعوانَ العنفوان .. هكذا نزعتُ الحبْلَ - الصِّفر عن عنقي.. فككتُ دائرة الحبل.. تأمّلتُ فراغي قليلا.. ثم سحبتُ طرفه الآخر المعقود في الغصن السميك .. وشكّلت أرجوحة أنيقة متوازنة الأطراف تبدو سميكة، متماسكة ..
لم أكن أشعر بعظمتي ولا بمجدي التّالد.. تسنّمتُ أرجوحتي . فررْت ثم كررْت .. كانت الأحلام والخيبة و الانتصارات تترنّح ما بين كـرٍّ و فَـرّ.. و كنتُ في المدّ ـ في لـُجج الفراغ ، يَدْفق قلبي من هلع وخشوع.. و كنتُ في الجزر، في فضاء الشجر، أسْكُن فـأركن للخِزي : " أنا أجبَن من أن أنتحر.. ولكنّ في وسعي – كما كان- أنْ أتأرجح بين فراغ و امتلاء، بين أمان الهاوية حال التدلّي و ذعرِ اليابسة حالَ الإياب"..
________
سيف الدّين العلوي
نشرت فى 21 يناير 2018
بواسطة magaltastar
***النُزْهَةُ الأخيرة***
كان يوما من ٱخر أيام الصيف.نسمات باردة تنعش القلوب الصدئة و تبلل الجدران المتٱكلة بماء الحياة .اغلب الناس خرجت من براكينها تودع الشمس التي استعبدتها طيلة أشهر الحر...
لم تكن "حبيبة" لتخرج في ذلك المساء لو لا إلحاح جارتها "سارة" عليها تلك المرأة التي لا يشغلها شيء أما "حبيبة" فلها ابنتها "سلوى" ذات الربيعين جعلتها تعتزل الدنيا و ما فيها .
خرجتا تمنيان النفس بنزهة رائقة تنفض عنهما غبار الأرق و الضغط اليومي رافقتهما "سلوى"التي ما إن رأت الشارع و الناس حتى اخذها صخب الحياة للهو و المرح غير عابئة بزجر امها لها ...
امتد بهما الطريق حتى وصلا إلى تلك الحديقة التي كانت مقصد الكثير في مثل هذه الاوقات جلست "حبيبة "تلهث من جراء ما عانته من حمل ابنتها و هرجها الذي كانت تتوقعه و اندفعت" سارة"تدافع عن الصغيرة و تفتكها من حضن أمها قائلة لها :
_"اتركيها تلعب فالمكان ٱمن "
الأمان عند الأم لا يكون إلا في حضنها حتى و لو كان كل جند العالم في حراستها ...
تركتها تلعب و هي تسترق النظر إليها تراقبها دون كلل رغم أن صديقتها لم تترك لها الفرصة بحديثها الذي لا ينتهي ...
ازدانت الحديقة بالاضواء بعد أن أسدل الليل ستاره و زادت النسمات العليلة الجو ألفة سرت في القلوب و نفثت الروح ما بها من كٱبة. تخدرت الصديقتان بحقنة المرح و طفقتا في الضحك و الدعابة بعد أن افترشتا العشب المبلل و بجانبهما تلك الصغيرة .مرت اللحظات ممتعةو هادئة حتى رن هاتف "سارة" نظرت في الشاشة و انطلقت مبتعدة عن صديقتها .لم تغب طويلا و سرعان ما رجعت و قد ارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة استفسرت منها "حبيبة" فأخبرتها ان زوجها سيتأخر بداعي العمل. مرت المكالمة مرور الكرام و انشغلت الام بابنتها تزيل عنها ما علق من شوائب في شعرها بينما سرحت الجارة بعينيها تراقب الموجودين و هي تداعب بذور اللُّبِ الأسود ...
بعد مرور اكثر من نصف ساعة بدأ بعض المتنزهين في المغادرة انتبهت "حبيبة" لذلك فأسرَّت لجارتها رغبتها في العودة و لكن "سارة" طلبت منها أن يمكثا قليلا .استجابت الام على مضض و استسلمت لها و بينما هما كذلك حتى وقف أمامهما متسول يطلب معروفا نهرته "سارة" و قد طلبت منه المغادرة غير أن "حبيبة"رق قلبها لحاله خاصة و أن منظره و هيأته توحيان بالعدم و الخصاصة انشغلت الأم بذلك المتسول تبحث له عن بعض القطع النقدية في محفظتها بينما ابتعدت تلك الصغيرة عن المكان قليلا .أخذ ذلك المتسول ما جادت به "حبيبة" عليه من مال فانهال عليها بوابل من الدعاء الفياض حتى غادر و اختفى بين الأشجار ...افاقت المسكينة من سعادتها على صوت "سارة"و هي تنادي على "سلوى " ارتعدت فرائسها و هي ترى صديقتها تبحث عن ابنتها هرولت لا تعرف اين تضع قدمها تنادي و تبحث و قد اصفر وجهها نادت بأعلى صوتها حتى انتبه بعض الموجودين فانضموا إليهما يبحثون في كل مكان طال البحث دون جدوى اختفت الصغيرة في لمح البصر .ذرعوا الحديقة طولا و عرضا فلم يجدوها و انهالت "حبيبة"على خدها تلطمه و تبكي بكاء مرا. ضمتها "سارة" تواسيها و تهدأ من روعها مطمئنة إياها بأنها ستجدها بينما واصل الحاضرون البحث مجموعات مجموعات حتى فقدوا الأمل في العثور عليها.
فقدت المسكينة وعيها و بدأت تهذي و تنادي على ابنتها بصوت متقطع أثر في الموجودين طعنة قاتلة أردتها مجنونة. طلب منها اغلب الحاضرين التوجه لأقرب مركز للشرطة فانصاعت لذلك تحملها "سارة "و تجرها جرا
في مكتب التحقيقات لم تكن بأحسن حال و زاد هياجانها و هذيانها و توسلت للضابط المسؤول ان يجد لها وحيدتها قرة عينها الي فقدتها بينما هاتفت "سارة" زوج "حبيبة" و كذلك أستدعت زوجها فحضرا الإثنان...
تواصلت الأبحاث و التحقيقات و انتشر رجال الشرطة في كل شبر من المدينة يبحثون و يوقفون كل أصحاب السوابق مرت ثلاثة ايام بلياليها و "حبيبة" لا تعرف للنوم طعما و لم تتوقف عن البكاء و في كل مرة تحاول أن تتذكر ما حدث في تلك النزهة غيمة سوداء لا تعرف متى تنجلي ... كانت متأكدة في قرارة نفسها أن ذلك المتسول وراء اختفاء صغيرتها و لكن كيف ستجده و كيف السبيل إليه
أعادت على نفسها شريط الذكرى المشؤومة. قبل ان يحضر ذلك المتسول كانت "سلوى"بجانبها تلعب و تلهو و مع قدومه التفتت إلى حقيبتها أعادت رسم وجه ذلك الشحاذ كان وجها بائسا يغطيه شعر لحيته المجعد يرتدي برنسا مرقعا. أغمضت عينها المتورمة تحاول رسم عينيه. وميضهما رغم بؤسه مازال عالقا في تلابيب ذاكرتها و صوته الذي سمعته من دعائه لها مازال يرن في أذنيها تأكدت بما لا يدع مجالا للشك أنه هو الفاعل اخبرت زوجها بما توصلت إليه فأخبرا الضابط بذلك .عادة ما يكون لدى الشرطة أسماء المتسولين و صورهم عرضوا عليها كل المتسولين فلم تجده بينهم .طلبوا منها أن تمدهم باوصافه حتى يتمكنوا من رسم صورة له تساعدهم على الإمساك به ...كم ندمت على ذلك الخير ماذا لو تركته يذهب لحال سبيله و احتضنت ابنتها فعل انساني كلفها اختفاء مهجة قلبها ونزهة حلفت بكل الأيمان انها ستكون النزهة الأخيرة ...
مازالت تلك الذكرى الكئيبة عالقة في ذهنها رغم مرور اكثر من عام عليها تذكرتهاو هي تسرح شعر "سلوى" وجه تلك الجارة و وجه زوجها انطبعا في مخيلتها للأبد لقد كان ذلك المتسول زوج "سارة" اللعينة التي خططت لعملية الإختطاف تنكر بشكل محكم و اتفقا على الموعد في تلك المكالمة.شيطان في جسد إمرأة استسلمت لغيرتها و حقدها الذي طمس عنها الحب و لوعة الأم التي لا تعرفها ...
في تلك الليلة عندما انشغلت "حبيبة" بالمتسول أبعدت "سارة" الصغيرة عن المكان بحيلة شيطانية دون ان تتفطن لها أمها لقد طلبت منها أن تقطف وردة وراء شجرة تخفيها عن الأنظار و بقيت تنتظر مغادرة "زوجها" و تمكنه من إخفاء الصغيرة في برنسه بعد أن يضع على انفها قطعة قماش بها مادة مخدرة ثم يختفي عن الأنظار ثم تتظاهر بالمناداة على "سلوى" حيلة محكمة انطلت على المسكينة و لولا ذلك الإصبع المقطوع في يد زوجها لكانت "سلوى "إلى الٱن في عداد المفقودين ...
تذكرته و هو يمد يده ليأخذ النقود منها و بعد أن طال البحث و فقدت الأمل ...
نسي ذلك الغبي أن يخفي ذلك التشوه خصوصا و ان كل سكان الحي يعرفون أن إصبع سبابته مقطوع ...
هما الٱن في السجن و "حبيبة" فقدت الثقة في كل شيء و تمنت على الله أن تُرزق كل إمرأة بمولود حتى لا يكبر في نفس_ كل من حُرِمت من الإنجاب_ الحقد و الكره الذي يتحول إلى كتلة من النقمة العمياء ...
و كانت تلك ٱخر نزهة لها .....
سفيان مرزوقي
نشرت فى 21 يناير 2018
بواسطة magaltastar
كواليس
كان يجلسُ وحيدا إلى الطّاولة الوحيدة الشّاغرة.. تطفّـلتُ عليه، على عزلته.. أنا من تطفّل عليه ( و كنتُ مضطرّا إلى معاقرة قهوة وسيجارة).. استأذنتُ لأجلسَ.. جلستُ بجواره.. لم تكنْ الأماكنُ شاغرة..(الأماكنُ على الدوام مشغولة ومحجوزة.. رغم أنّ الفراغات الكبرى )..وضعتُ القهوة على الطاولة.. سحبتُ سيجارة لم يتسنّ لي إشعالها على عجلٍ .. بقيتْ برهةً بين أصابعي، مستكينة لمداعبة شبقة.. كما لو أنّها تودّ أنّ مادّتها الشعَريّة تُحْـرَق بنعومة.. ..لاطفتها.. (يجوز أن نتحدّث ونحن نلاطف سيجارة عن متعة سحريّة على أهبة أن تشتعل.. يجوز أنْ نتحدّث عن لذّة تتبلور بإتقان كما تتبلور لذائذ أخرى مخلوسة في النّفسِ.. وحين تشتعلُ السيجارة- وكانت من النّار معطالا - يصبح للمتعة مشهد متعة محترقة)..
حين وضعتُ سيجارتي بفمي، كان جاهزا في الحال.. سحب قدّاحةً من جيب بنطاله، ولم يتلعثم وهو يقول: أنا لا أدخّن. و لكنّي أنقذ النّاس.. يُسْتحْسَنُ أن نحمل هذه الأشياء معنا لـنُنْقِذَ الواقعين في ورطة (هذا يُحيل على أنّي واقعٌ في ورطة. ربّما كانت ورطةً غيرَ هيّنة أنْ تملك سيجارة إزاء كائن لا يُدخّنُ.. من معاني ذلك أنّك تمارسُ مهمّة خسيسة من منظار ما. ثمّ أنّك – وأنت المدخّنُ-لا تملك أدواتِ إنجاز ما هو في نسيج عاداتك، على نحوٍ كاملٍ.. فيما الآخرُ الذي لا يدخّنُ يَجْهَزُ بأداة يُفْترَضُ ألاّ تخُصّهُ هو.. إذنْ هي ورطة محرجة)..
أضاف: "حُبّ النّاس مكـسبٌ كوْنيّ ("كوْنيٌّ" تلك لفظة لـُـذْتُ بها لتجميل معنًى لم تُـتِح له اللغة آنئذ ٍ اقترافه، أو لم يُحْسِنْ الإفصاحَ عنه بما أراه مناسبا).. على المرْء أنْ يتدجّجَ بما يمكنُ أن يُسعِفَ الآخرين المتورّطين"..(ثمّة آخر متورّط بطريقة ما ..وهذا الآخر هو الآن أنا- ذلك الشخص الذي يجرؤ على أن يعتبر نفسه خبيرا ببعض أسرار العالم والنّاس والقيم.. وثمّة مسعف، هو الآن هو- ذلك الشخص الذي لم أكنْ أراه بما يكفي، كان مخفيّا عن عيون صدئة تزعم الرؤية وهي على عمَهٍ وعمىً..)
سمَحَتْ لي حركتُه المترعة بالمودّة ، وتدخّلهُ المطليّ بلطافةِ لبقةٍ، بأنْ أجرؤ على سؤاله:
ـ ما اسمك؟
كنتُ أعرفه من قبل معرفة الظّاهر.. كان من الوجوه التي تتواتر لأيّامٍ متتالياتٍ على شكلٍ مسترسل. ثمّ لا تفتأ أنْ تغيبَ أيّاما متتالياتٍ.. هكذا إذنْ كان من الوجوه شبهِ المألوفة التي ترتادُ ذلك المكان ولا تِؤذي أحدا من البشرِ.. كنتُ أراه ممّن يدخلون. يسلّمُ في ابتسامٍ وادع.. يسألُ سؤالا عابرا، بكيفيّة ما تخصّه.. حول مسألة عابرة.. يطلبُ قهوة.. يحتسيها، بكيفيّةٍ ما تخصّه.. ثمّ ينصرفُ لشأنه كما لو كان به شغفٌ بفرحٍ خفيّ..
تردّد في الإجابةِ عن اسمه..انهـلتُ عليه بسيلٍ من أسئلة.. لم يُجبْني عن الاسم.. أجابني عن أسئلةٍ أخرى كثيرة، من قبيل ماذا تشتغل؟ - اشتغلُ في مجال الفلاحة. مع والدك؟ - أبي متوفّى. مع أخوتك؟ - تقريبا.. هلْ أنت متزوّج؟ - إن شاء الله عمّا قريب.. كان يتوقّف بين السؤال والإجابة لحظاتٍ.. كان ما بينهما يتحرّك على نحو ٍ يوحي بعدم التّركيز.. ذلك أنّه كان يتطرّق إلى مواضيع مختلفة في وقت واحد(تلك في اعتقادي إحدى علامات الجوع إلى الكلام).. وكان يقول الموضوع الواحد بجملة واحدة( وقد تكون تلك علامة اقتصاد لفظيّ ودلاليّ)..
حركاتُه موسومة برعشاتٍ تشي بأنّه مقبلٌ على حالة من هوسٍ.أو خارج من حالة هجْسٍ صريح، أو هو بصدد الاستمرار في اقتراف حكمةٍ أجهلها.. بعد بُرَهٍ من تردّدٍ و انفلاتاتٍ لغويّة في مواضيع مختلفة مشتّتة، أجاب:
بحْـري..
هذا لقبك؟ سألتكَ عن اسمك؟
... ولكن، لماذا تسألُ عن اسمي؟
هو ذا يورّطني بحقٍّ..أنا أعدُّ"لماذا تسألُ عن اسمي" التي صدرتْ عنه، توريطا مباشِرا.. أوَ يكون ذلك دليلا على أنّني أقتحمُ دوائر سريّة من ذاتهِ - تلك الدّوائر المُمحّضة له ،لا لسواه؟..(عادة ما تكون تلك المناطق مزروعة ألغاما ومحوطة بحزام أمنيّ غير قابل للاختراق،حتّى عند الكائنات السّاذجة.. وحالما تشرعُ في اقتحامها تنهالُ عليك نيران كثيفة). أم يكون ذلك دليلا على أنّي أتخطّى المسافة الظّاهرة المسموح بها، للتواصل اليوميّ مع النّاس؟( كثيرا ما تكون تلك المسافة حدودا مفتعلة وقائيّة لا غير).. يجوز أن تكون تلك المسافة لا تسمحُ بغيرِ أن نمتـنّ بإذعانٍ لمَنْ أنقذنا، بأنْ قدّم لنا قدّاحة مسعفة.. وهو بذلك يكون قد أُنهيَ- بوعْيٍ أو يغيرِ وعيٍ- تلك الملاطفة بين السيجارة والأنامل، والتي قد يكون عَـدَّها – كما لا تعدّها أنتَ- بذيئة أو حراما، مُـوَتّرة أو تافهة..
حين تورّطتُ إذنْ في إجابته السائلة"لماذا تسأل؟"، تداركتُ أعتذرُ:
" ليس لي غاية من ذلك سوى معرفتكَ.. لا عليك.. مجرّد فضول لا أخلاقيّ يُستحْسنُ إغفاله"..
كان عليّ أن أتدارك. وأحترم مسافة الصمتِ العازلة دون اقتحام خصوصيّته الحميمة التي ربّما كان يودّ أن يتكتّمَ عنها.. وكان عليّ أنْ أعود إلى قهوتي وسيجارتي التي هو مَنْ مَــنّ عليّ بقدّاحة لإشعالها.. (و سيكون تبعا لذلك متحكّما في لحظة المتعة التي أحتسي خلالها قهوة، وأقبّلُ سيجارة تمْنحني من نارها الدّخان مَجّا). صمَتُّ إذنْ .. وحين عاد إلى الكلام، استرسلتُ في الصَمْتِ عساني أشتـفي من هنيهة إحْراج وجدتها جارحة.. تظاهرتُ بأنّي لا أبالي.. لعلّني جُرِحتُ لأنّي تورّطتُ في سؤاله الحميميّ - " ما اسمكَ؟"..
( تأتّى إحراجي من إحساسي بأنّي قد أهِــنتُ من شخصٍ حسبتُه ساذجا، أكثرَ وضاعة ممّا يوحي به ظاهره.. كما يتأتّى الإحراجُ لديّ من اصطدام بأنّ شخصا أكثر منك ذعرا بالحياة، يفاجئك بالأناة والكياسة).. الغريبُ أنّي حرجتُ حقّا..وصمَتُّ حقّا.. لكنّ ذلك جرّه إلى الإجابة:
اسمي كاظم..
قال بعد ذلك كلاما كثيرا.. خاض في متفرّقات اليوميّ.. يجوز الزّعمُ أنّ الهيكل الإطاريّ العامّ لحديثه كان موسوما بالفوْضى.. كان الكلامُ في ظاهره مسَفـَّـرًا بالارتباك.. لذلك لم ألحظْ (أنا على الأقلّ) أنّ كلامه كان خاضعا لتسلسلٍ منطقيّ منهجيّ يحكمُ أطرافه..كانت اللغة متوتّرةً، تخلو من روابط وقرائن تعكسُ قدرة على استرسال في نسقِ الخطاب سلسِ.. كانت المواضيعُ شذراتٍ غيرَ متوالية، نسيجًا، لكنّه كان مرتبكَ الخيوط..ذلك ما قد لاحَ لي.. ولعلّ ما كان يتراءى له هو آنئذ أنّ كلامَه ليس سوى نسيج متناغم من تركيب وعبارة ومعنى..
تأمّلني سريعا.. ألقى نظرة عاجلة، صريحة، غير مخاتلة على كائن يجلس أمامه بحذر أنيق.. تفحّصَ ملبسي ومنتعلي.. قال مسديًا نصحاً، وقد رآني ألفّ على عنقي ملفعا:
احذرْ هذا الملفع.. أو على الأقلّ أرخِ عقدته. لا تجعلْه قريبا من جيدك.لماذا تشنقُ نفسك؟. دعْ لجيدك فتْحة يمرّ منها الهواء.. طريقتك في شدّ الملفع محفوفة بالتوعّك..هكذا، سرعان ما يتسرّب إليك المرض. ستصيبك نزلات البرْدِ..إيّاك أن تختنق..
- صحيح ( حين أسدى لي ما أسْدَى، كان كلامه منطقيّا و الملاحظة لا تشي بفهاهة).. أحاول أن أتّقي ذلك.. لي ملفعان أناوبُ بينهما في الاستعمال..
- كأنّك لست تخلعه إلاّ بالليلِ؟
- بلى.
- إمممْ..
تأمّلني ثانية.. ولم يسألْ أيّ سؤالٍ شخصيّ يُمكنِ أنْ يحرجني أو يمكنُ أن تُحرجَهُ إجابتي عنه..كانت أسئلته التي يمكن أنْ تُعَدّ شخصيّة تُطرَحُ بذكاءٍ لم تكنْ تتّخذ شكلها الإنشائيّ. بل كان يصوغها خبريًّا:
-" أعرفُ أنّك تشتغلُ مدرّسًا": (إنّ هذا الطّرحَ الخبَريّ للاستفهام يرفعُ كلفة الإحراج عند المُجيب،لأنّه يجد نفسه مُجبرا على الإجابة بلا أو بنعمْ ،و يقتضي أيٌّ منهما توضيحا تلقائيّا)..
- نعم،أنا في هذا السلك.
- لعلّني أخطأت التقدير..أنت إذنْ أستاذ... نعم، نعم..يبدو أنّك غريب عن مدينتنا..امممْ.. هذا يلوح من لهجتك وطريقة تعبيرك .. حتّى طريقة لباسك مختلفة..
- لا،لا.. بلْ من مدينتكمْ.. أنا أعرفك.. أراك تأتي أحيانا إلى المقهى.. أنتَ لا تعرفني.
- سأعرفكَ.. تستحقُّ أنْ تُعرَفَ ..
- تشرّفنا..
تفحّص حذائي..(لم يكن تفحّصا، بل كانت إطلالة شاملة كما لو كانت قراءة مسحيّة، لكنّها سريعة).. كان حذائي نسبيّا لمّاعاً.. في الحقيقة لم يكن يعكسُ دواخلي الشاحبة جدا، ولا ينسجمُ مع تقلّباتها المكفهرّة.. كانت نفسي المغبرّة تلوّثها كآبة فادحة ويُعفّرُها ضجرٌ مُشرِّدٌ (كنتُ أتأمّل انحراف مسارَات الأشياء عن خطّ تشكّلِها الأوّل.. كنتُ أخشى عودة القهرِ الإنسانيّ بأشكالٍ مختلفة تتراءى تدريجيًّا.. كنتُ أتأمّل صور الموتِ المتنوّعة. كانت صور الموت فاحشة التبرّج..كان الموتُ العِنّينُ الفحلُ، يستبيحُ أنوثة حياتنا.. وصوَرُ الحياة كانتْ مثيرةً للنّحيب ).
تأمّلني بنظراتٍ مَسْحيّة شاملة.. وقال:
" ارض بما كتب الله لك، تكنْ غنيّا" وأردفَ بالفرنسيّة:"les apparences sont toujours trompeuses"..
- صحيح.. أنتَ على حقّ..(وكنت أعي أنّه انطباعٌ خاطف حول مظهري الذي يمكن أن يكون قد تبدّى له جماليّا.. و كنتُ أعي أنّه علينا أحيانا، أن نستسلمَ في المجاملةِ، لمقولاتِ حكمةِ الزّهدِ والقناعة مراوغة للآخر أو مراعاة لذوقه اللغويّ النّاشئ فجأة).
جـرّأني هذا إلى سؤال جديد، وكأنّي تناسيْتُ ورطتي الأولى.. لعلّ الإحراجَ رُفِعَ.. لعلّ كاظم حين انهمك في الحديث عن القناعة والرضا والغِنى وعن المظاهر الخدّاعة، خوّل للإحراجِ أنْ يُرْفَعَ ومنحني شجاعة جديدة للتّطاول عليه ثانية..
قلتُ ـ وأنا أعي أنّني ألقي سؤالا أحمق-: لمَ لا تصلّي؟..
- إنّ صلاتي في الدّاخل.. أنا أعرف "كواليس الله".. وذكر اللفظَ "كواليس الله".. بأحرفه..
اكتفيتُ بحركة من الرأس تقول أجلْ.. إنّ الصلاة في الدّاخل.. إنّه إذنْ يُصلّي.. وصلاتُه لامرئيّة.. ولا يحتاجُ إلى سؤالي الذي تبيّنتُه فبدا إنشائيّ الطّرْحِ.. وهو لا يحتاجُ أيضا طقوسًا ظاهرة.. لا ريبَ كان يعتبر طقوس الذّهاب والإياب إلى المسجد عرضيّة سلوكا قشريًّا.. ربّما كان يعتبرُ أنّ الصلاة تأمّل صامتٌ وتركيزٌ سكونيّ، يُؤَدَّى بفلسفةٍ سحريّة غير معلنة.. ذلك ما أوحتْ به إجابتُه: "إنّ صلاتي في الدّاخل"..
حاولتُ تفسيرَ "كوا ليس الله".. بدتْ لي العبارة فريدة الاستخدام، طرافة لغويّة مزجيّة صادمة(في وسعنا أن نعثرَ على تجلياتٍ للانزياح في لغةِ الرّعاع اليوميّة العارضة... لعلّ تحديدي للرّعاع لاأخلاقيّ وغير خاضع لشارط المنطقالذي تُقاس به هذه الأحكام ).. لقد أحالتني العبارة لفوْرِهاْ على متعلّق مسرحيّ، هُجِّرَ من حقلِ المسرح لِـيقترن باسم الجلالة.. وهذا سمحَ لي لبرهةٍ، بتخيّل علم اللّه، ذلك العلم المتواري عنّا، نحن أولي العقل القاصر، وبتصوّر ما يمكن أن يدور في الغيبيّاتِ المستعصية على التصوّر والإدراك و الإحاطة.. تداركتُ مستغفِرًا (إنّ روحي الإيمانيّة دفعتني لمثل ذلك الأوْب والإنابة).. لكن عاودتني رغبة الكشْفِ عن محتوى اللفظة "كواليس الله" (إنّ روحي الفضوليّة المبنيّة على السؤال الخفيّ دفعتني لمثل ذلك التطاول): تخيّـلتُ كيف يُصنَعُ القدرُ البشريّ(القدر الإلهيّ لبني البشر) في المناطق السرّيّةِ المذهلةِ القداسة .. تخيّلتُ كيف تُوزّعُ أقساط الحكمة على المخلوقاتِ. و تساءلتُ عن أوقات تصريفها. وكيف تكون جهوزيّة الطاقة البشريّة وهي تتهيّأ لاستخدامها واستثمارها..
نظرتُ إلى كاظم اختلاساً.. كان بدوره، ينظر نحوي، ( هذا يُسقِطُ طريقة نظري إليه، ويجعلني أتراجعُ في التعبير لأمحو الحال "اختلاسا") بلا إمعان.. (تمعّـنتُ في اسمه ولقبه: كاظم بحْـرِي) كان عليّ أن أنتبه إلى الاسم و أن أتمعّن في تركيبة صاحبه و شخصيّته و أقواله و فوضاه الظاهرة، والتي كانت في اعتقادي غلافا لروح حكيمة.. بلى كانتْ صورة كاظم الظاهرة غلافا لروحٍ تنالُ نصيبها من الحكمة، من الفهم، من أناقة الكائن البشريّ الذّهنيّة ..
كانت "كواليس اللّه" العبارة التي أطلقها كاظم، ذاتَ بهرجٍ دلاليّ. تختزن طاقة من كثافة واكتناز.. لم يكن المعنى الحافّ بالعبارة محدّدا موصوفا منتهياً.. كان إيحائيّا صادمًا..لم تكن اللحظة التي أطلق خلالها كاظم عبارته تلك، محكومة بمنهج أو منتظمة بموضوع ذي محاور نضيدةٍ مبوّبة.. كانت عبارة عفويّة الحضور.. والتسمية، كانت عفويّة الإطلاقِ .. وما كانت لتكون كذلك، لو لم يكن لِسرّ إطلاقها وازع حِكْميّ، ينطوي عليه ذلك الكائنُ ذو الارتباك البارزِ والحركاتِ المرتعشة..
قال كاظم ، و كأنّه يريد أنْ يختم، إذ راح يهمّ بالانصراف و يسحبُ نقودا ليدفع ثمن قهوته:
" الرّجالْ ما تتحقــرش"..(مفاد القول العامّيّ أنّه لا يجوزُ أخلاقياّ أن يُسْتَخَف بالرّجال أو بأيّ كائن بشريَّ)..لم يكنْ لعبارته الأخيرة سياقُها الواضحُ المعلَنُ، وليس للمقال، في الظّاهر، مقامُهُ.. كنتُ أجهلُ دوافعَ القولِ الباطنة َ.. و كنتُ في الآن نفسه أعي أنْ ليس السياقُ الجليّ و لا المقامُ الظّاهر هو ما يحدِّدُ الكلامِ الذي نتلفّـظ.. إنّ منطوقَ اللسان الذي لا يبدو سياقيّا في الظّاهر قد يكون كذلك في الخفاء، يستجيبُ لأصواتٍ تتحاورُ داخليّا و لتصاويرَ تتخايلُ في مرائي النّفسِ ومراياها..
إنّني أفسّرُ ذلك لكاظم ، و أبرّرُه.. كنتُ في مناسبات القولِ التي يطلِقُ خلالها تعابيرَه، أحاورُ أصواتيَ الدّاخليّةَ.. كنتُ أتوقّفُ عند: - على المرءِ أن يسعف من يكونون في ورطة - ارْضَ بما كتب اللّه لك تكنْ غنيًّا..-المظاهرُ خدّاعة - كواليس الله ، وأخيرا ،الرّجال ما تتحقرش"..
ساندتُه: نعم، "الرّجال ما تتحقرش"..
كنتُ أجهل السياق الذي انبثقتْ عنه العبارة ، و لكن لا يعني ذلك أنّي ألغيهِ أو لا أعترفُ بوجوده.. كان كاظم يرى ما ينبغي عليه قولُه، بكيفيّة تخصُّه، وفي وقت مظروفٍ بخصوصيّةٍ خالصة له، هو دون سواه.. ذلك ظاهرٌ من القولِ.. أمّا كواليس النفسِ الباطنة فعالمٌ مُحتجبٌ بالأسرار الزّائغة عن الضوءِ..
ودّعني كاظم، على نسق من فرحٍ لامعٍ.. كان مرْتعِشَ الحركة.. كانت عيناه مبتسمة تتضاوأُ بالسرّ.. كان وجهُهُ حين يهمّ بالبِشْرِ تنزرِعُ فيه الضحكاتُ ثمّ سرعان ما تنطفئُ فقاعاتٍ من ضوءٍ.. وهكذا كانت تتجدّدُ فقاعات الضّوءِ وتنطفئ، مع كلِّ حركةٍ متوتّرةٍ أو شحنةِ قوْلٍ جديدةٍ.. مضى خطواتٍ قلائلَ حتّى خلتُه انصرفَ.. لكنّه عادَ فجأة ليقف بجواري و يقول:
جميلٌ أنْ يتعارفَ النّاسُ رغم اختيارِ العزلةِ.. وأضاف: سألتزمُ بطلبك"خلّينا نشوفوك".. ثمّ صافحني. ومضى.. وكنتُ قد قلتُ له حين همّ بالانصرافِ في المرّة الأولى "خلّينا نشوفوك".. كنتُ قد قلتُها مُجاملاً.. (أوَ تكونُ المجاملةُ آنئذٍ، كذِبًا مُبهْرَجا؟ أوَ أكونُ حين نطقتُ ذلك قد انخرطتُ في دائرةِ تزييف الأخلاقيّ؟)..لقد أحسستُ أنّني لم أكنْ صادقا حين قلتُ له ذلك.. ولكنّني لم أكنْ في الآنِ نفسِه كاذبًا.. ربّما صرتُ أرغبُ في مجالسته مجدّدا.. ذلك ما لا أجزمُ به.. ففي تلك الآونة التي حملت خلالها قهوتي وبحثت عن طاولةٍ، كنتُ بحاجةٍ إلى الجلوسِ لا إلى المجالسةِ.. وكنتُ كذلك محتاجا إلى قدّاحةٍ أستعجلُ بها إشعال سيجارةٍ قبل أنْ تبردَ قهوتي(حين تبردُ القهوة تفقد السيجارة كـنهَ نكهتها في فمي.. إذا بردت القهوة تكونُ المواضيع السّخنة قد استُنْفِدتْ).. وإذا كان سببُ المجالسة هو البحثُ عن مكانٍ شاغرٍ للجلوسٍ فإنّ سبب سماعي له واحترامي لخصوصيّته هو القدّاحة التي تطوّع بمنحِها لي..
لم أكن بعد فشلِ تجربة الحضورِ الثوريّ في العالم، بحاجةٍ إلى امتياح الحكمة من لدن أيّ كان.. و لو كان كاظم ، ذلك الكائن البسيط المشوّش الحركة والصّورة..لا يعني ذلك أنّني كنتُ مكتفيا من مخزون الحكمة مرتويًا من خمورِها. و لكن لأنّي كنتُ أشعرُ بإفلاسِ العالم وبإفلاس جدوى حضوري فيه.. ( وكذلك مِن جدوى حضوره فيَّ).. و كانت الحكمة تـَشيعُ في عالمٍ مُتْلَفٍ..كانت تحاولُ أن تكون نقيّة في صوَرِ العالم الخادعة "الجميلة" الوسخة..
كاظم جليسي على طاولة القهوة، كان يُضمِرُ نُتَفًا من الحكمةِ.. لم يكنْ ـ كسائرِ المتباهين بحكمهم ـ يتباهى ببريقِها.. كان يحجبُ خلفَ هيئتِه الرثّة (من زاوية نظر غير مُثْلى) لونًا من القيمِ خالبًا.. خلفَ رعشاته و لوامِعِ بِــشْرِه ورقرقاتِ ضوْءِ الوجود في عينيْه، كان يحجُبُ كوْنًا آخرَ أو جزءًا من كونٍ صافٍ، لا تشوبُه خدعةُ البصرِ المزيّنةُ.. هذا ما تراءى لي .. كان كاظم عفويّا.. ذا ما تجلّى حينها لي.. كائنٌ بسيط يقولُ ما يشاء، أنّى شاء، بكيفيّة مخصوصةٍ.. لم يكنْ مُصابًا بخدعةِ المظهر، و كان واعيًا بأنّه لم يكنْ واعيًا بأنّ مظهره البسيط لا يمنعُه من أن يعْـقدَ صلاتٍ منْ ألفةٍ حكيمةٍ، مع شخصٍ بمظهرِ آخر.. لم يَحُـلْ مظهرُ كاظم دون أنْ يكشفـني و يكتشفني ربّما، و دون أنْ يُجلّيَ مظهرَه الخفيّ إزاء بصيرتي..
مضى كاظم غيرَ بعيدٍ.. تفحّصتُهُ و كان يتناءى.. بنطالُه كان أصفرَ باليًا( من زاوية نظر خادعة) و قصيرا. ما بين بنطاله و بين الحذاءِ مسافة نصف شبْرِ أو يزيد.. كان يحجب جذعه بقميصِ عتيقِ.. و لكنّه كان يُسرِعُ في خطاه باتّجاهِ طريقٍ ما أجهلُها أنا.. و لم يعُد كاظم متواريًا، رغم اندساسِه في صفوف الذّاهبين إلى وجهاتهم.. رحتُ أقرأ اسمه مِن جديدٍ.. حاولتُ أن أبحث عنْ سرِّ تلك التوليفةِ بين كاظم و بحْريّ، و عنْ مسالكِ يتحرّكُ فيها المعنى بين الاسم واللقبِ..
قبل مُثولي إلى جوارِه كان شبْه مرئيٍّ.. هاهو يصيرُ، بأسئلتي البسيطةِ الحمقاءِ المحرجة كائنًا لغويّا متجلّيًا.. لم أكنْ قبل جلوسي إلى طاولته و مجالستي إيّاه سوى مُتـلهٍّ بقهوة وباحثٍ عن قدّاحةٍ لسيجارتي.. و لكنّي استحلتُ بعدئذ إلى صورة تستحقُّ المراجعة..
أنهيتُ قهوتي و سيجارتَها و كنتُ أتساءلُ: لماذا كان كاظم محجوبًا ككائن لغويّ، عن بصيرتي؟
حين غادرني كاظم، انهمكتُ في تدوين مشاهد يومي.. وكنتُ ألاطف سيجارة ً جديدة.. حيّاني وجه آخرُ أكثر ألفةً و حضوراً.. وزّع ابتسامة عارية عليّ، مهّد بها للطف قولِه:
حتما تريد قدّاحةً؟
- لو تكرّمتَ.. أكون ممنونا لك..
- انتظرْ لحظة.. سأجلب واحدة مختلفة. خُذْ.. هذه تختلفُ عن قدّاحة كاظم..
- أليستْ وظيفتهما واحدة: إشعال سجائر يتورّط مُدخّنُوها في طريقة إشعالِها.. إذنْ هي مسعفة.. و صاحبها إنسانيّ..
- ههههه.. لكنّ قدّاحة كاظم من نوع آخـر...
- عفوا؟...
- أنصحك باشتراء قدّاحة خاصّة ، وإن لم يكن فالأجدى أن تقلع عن التّدخين في المقهى..
- ... و لم أقلع؟
عمّا قليل- أعني بعد الجلسة الثّانية مع كاظم أو الثالثة على أقصى تقدير – يتمّ استدعاؤك من قبل "عرف" كاظم ليمنحك قدّاحة في مكاتب أمن الدّولة العميقة..
_____________________
سيف الدّين العلوي /
كاتب من القطر التّونسي
نشرت فى 21 يناير 2018
بواسطة magaltastar
في لعِبِ الإشارة
ترتدي اللّغة أزياء الإشارة فإذا الوجود بأسرِه أصابعُ..
فجأة العالم الذي يحُفّ بمحيط ذلك الكائن و بسائر متعلّقاته: مشاعره المظلمة، رغباته الباطنة، كوامن سـرّه البعيد/ القريب، شهواته الكتيمة/ الصّريحة، مكبوتاته الفائضة،/ الغائضة، عالمه الدّاخليّ الضيّق/ الفسيح،المنفتح قسرا على موجودات العالم الخارجيّ الفسيح /الضيّق ... كلّ ذلك العالم و سواه ممّا خفي، ينصبُّ في كَفِّ يده ، ثمّ توزّعُه الكفِّ عبر العقل إلى الأصابع، ثمّ تضطلعُ الأصابعُ بترجمة الصّمتِ و تعرية العالم الأبكم..
ماذا بمحموله يا ترى يفعل هذا الرّجل الأخرس / المهذارُ الجَوارحِ، الجالس قبالتي في المقهى؟ لقد أتاح لي لوهلة أن إخالَه معتوها.. كان يبتسم وهو يرفع محموله بمواجهة وجهه و عينيه.. عيناه كانتا تتابعان النصّ الطّويل.. إذن ثمّة نصّ له حضور على شاكلة مرئيّة.. لوهلة خلتُ به خبَلاً: أصابعه فقط كانت تتكلّم- تتحرّك، بتعابير رمزيّة مختلفة.. هكذا نطقتْ يداه.. جعلت تَـشْـهدَان على امتلاءات الباطن.. ما من شكّ في أنّ الباطن كان ممتلئا، يغْلي بحمم اللغة المتلاطمة..
كان لليد ضجيجُها في تلك الآونة: لو لم تكن تضطرم بمتعة القول لما كانت تعلو.. تنخفض.. تمضي يسرة فــيَـمْنة.. ترسم أشكالا هندسيّة ما.. حركات كأنّها حركات قبسٍ ناريّ يُدارُ في العتمة.. سمحتْ لي بعضُ الإشارات بـتهجّي المعنى:
" ليس الآن ، بل بعد غد".
قالت إشارةُ اليدِ ذلك اللّفظ الصّموتَ .. و لم تتوقّف الإشارات بالحركات عند ذلك الحدّ من التّعبير.. ولكن أشعر أنّ وعْـيي العَــيَّ عن تحويل الرّمز إلى دوالٍّ أخَـر، أخذ يخور.. كذلك ظلّت المدلولات تنقالُ تباعا، دون أن أتمكّن من صناعة نصّ مكتملٍ انطلاقا من المرْئيّ باتّجاه اللاّمرئيّ ..
لقدرتي على ترجمة المقُول الأوّل، رحتُ أزعمُ أنّه تسنّى لي فهم ما يلي بعجالةٍ كعجالة الحركة.. أوَ يكون اللّسانُ لو نبسَ أعجلَ ممّا فعلتْ حركاتُ اليديْن؟..
كانت الأصابعُ تثرثرُ.. والشفتان تعضدان الخطابَ بلا إفصاح.. ثمّة تمتمة.. ثمّة اطّراد و انقطاع ثمّ اطّراد جديد. لو لم يحدث هذا التّناوبُ بين الإسهاب و الاقتضاب لما ازدحمت اليدان والشّفتان بضجيج الحركة الصّامتة.. خُيِّل إليّ أنّني إزاء مسرح الصّمت..
يحتاج العالم اللّسِنُ الأبكم المشلول اليوم، إلى إشاراتٍ. ماذا لو ندخل جميعنا في لعِبِ الإشارة.. يحتاج اللّسانُ إلى فُسحة راحة. تلك القطعة من لحم غريب طريّ عصِيّ، لا شكّ أنّها استنفدتْ كلّ مرونتها و مِطواعيّتها في سبيل البحث عن أسلوبِ كذبٍ جديدٍ عن هيئة داخليّة و وضعيّات متنوّعة، لإيصال فكرة ما مصنوعةٍ من حروف.. لا شكّ أنّ اللّسان وهو يصنع اللّغة ، يمارس شتّى وسائل التقلّب و التقلّص و التمدّد و التقدّم و التّراجع و الاندفاع العلويّ و الانكماش السفليّ ، لا شكّ أنّه جِسمٌ مرِنٌ بارع في البهلوانيّات الخافية و الحركات المتوارية.. هكذا تكون اللغة فقط مُصرَّحًا بها سمْعًا، هي الجزء المسموح بسماعه فيما تكون آلتُه مخبوءةً مستترة.. و لو أنّه أتيحَ لنا رؤية الأحرفِ حالَ خروجها من الشّفتيْن وقد دفعها اللّسان إلى الظّهور لبدتْ ( ربّما )جريحة دامية أو محترقة متورّمة.. لذلك كثيرا ما نعتقد أنّنا نشُمُّ في الحروف وهي تتابع، رائحة ما تعكس وضعيّة اللّسان المتقلّب و درجة تقلّبه، وتشي بمشروع الذّهن الذي أعِدَّ في مصنعه هو.. تماما كما لنا نستخلصَ من حركاتِ بهلوانٍ رياضيّ حالَ انتهائها، صورةً جماليّة فاتنة أو صورة تهريج ما، أو أنْ نستنتج من وراء فعلِه سماجةَ فعلٍ و سوءَ أداءٍ..
للّغة روائح متعدّدة تُحيل فورًا على مهارة أو خُرْقِ طبْخة اللّسان لأدواتِ الكلام.. أمّا الإشارة فهي إعفاءٌ للّسان عن مهامّه البهلوانيّة، و اتّراكٌ له و عَزْلٌ، و استبدالٌ لأدائه بأداءٍ مغايرٍ إشاراتيّ رمزيّ، ينوبُ اللّغة المنطوقة ويكسِرُ عادة السّماعِ و يُقيلُنا عن مهمّة اشتمام الأحرفِ المنتظمة الحاملة لإمكانيّة كذبٍ ما، ويحجبُ الحاسّة عن وظيفتها.. هكذا تتحوّل الوظيفةُ من اللّسان إلى اليد، من لحمةٍ رخوة إلى أصابع ذاتِ يُبْسٍ.. هكذا تتعرّى اللّغة - وهي تتستّر في آنٍ- فتخرُج من مكمنِ الأفعى(كثيرا ما خُيِّلَ إليّ أنّ اللّسان شبيهٌ بأفعى مشدودةِ الذّنَـبِ مطلقةِ سائرِ الجسد، في حركات لا تني تستقرّ ، متأهّبة للسْعٍ متواتر..أو هو أشبهُ بإيرٍ في حالةِ هيجانٍ يقِظ و انفعال دائبٍ، يفتّش عن انخراطٍ ما في أحدِ جحور المتعة.. ) . هكذا تصمتُ اللّغة و يُخْصى اللّسانُ أو هي تصمتُ بمجرّد انخصاء اللّسان.. إنّها في الحقيقة لا تصمتُ بل هي تحلّ في الإشارة المرئيّة وتفقد بذلك خُصوصيّةَ مسموعيّتِها لتكتسِبَ نجاعةَ مرئيِّـتِها.. و بين ذاك الفقد وهذا الكَسْب تكتسي بطابع الصّدْقِ، ذلك أنّها لا تمتلكُ في تلك الأثناءِ سوى آلية تعبير واحدة، هي الرّمزُ..على عكسِ اللّسان الخَدوعِ الذي يمتلك إمكانياتٍ بديلةً في استبدال الخطابِ.. ولذلك تكون الإشارة صادقة في مستوى التّبليغ التّواصليّ(و قد لا يكون ذلك في مستوى الإنجاز الفعليّ) فيما يكون اللّسانُ محتمِلاً للكذب في مستوى التّبليغ التواصليّ اللفظيّ المعلَن(و قد يكون كذلك في مستوى الإنجاز الفعليّ ) بما يعني أنّ احتمال تصديقِ الإشارة أكبرُ و أقوى من احتمال تصديق اللّسان. ذلك أنّ للإشارة مَسْلكًا مرئيّا واحدا لا يُعوِّلُ إلاّ على حاسّة البصرِ التي تقرأ و تُؤَوّلُ، بينما اللّسان يُعَوّلُ على المنطوق/ المسموع.. كما أنّه يُنوّع في أساليب التبليغ السمْعيّ بأصواتٍ أخرى غير الحروف كالتّصفيرِ و نحْوِه. و يجوزُ له أن يستعين بالإشاراتيّ المرئيّ كدليل على عجزِه عن التّبليغ التامّ و عدم استطاعته بذاتِه..
و من هنا يتأتّى الحذرُ من اللّسان و من صناعتِه للخدعةِ،أكثر ممّا يتأتّى الحذرُ من الإشارة الرّامزة و من صناعتِها للفكرة المُرادِ إيصالُها سريعا..
------------------
سيف الدّين العلوي
نشرت فى 21 يناير 2018
بواسطة magaltastar
منثورات قصصية ..
بداية ....
نطفة في ظهر رجل ...ألقيت في رحم امرأة ....كانت البداية ...
أحلام ....
كعادتها كل مساء تنثر أحلامها ملء الوسادة ...صباحا تلملم أشلاءها وتمضي ..........
مسرح ...
الستائر مغلقة ...الكل متشوق لرؤية العرض ....لحظات أعلنوا اختفاء البطلة ...فتحت الستائر ....
عطر ....
يشتري لها زجاجات العطر ....يغرق بها جسدها ...ليلا تتسلل إلى أنفه رائحة زوجته القديمة ....يكسر كل الزجاجات ...
هروب ...
أيقنت بعد عناء أن الدروب كلها موصدة ....الأبواب متشابهة ....كفت عن محاولاتها للهروب ...
نهاية ....
حفنة من تراب ...بكاء وعويل ...قبر يغلق على جسد مهزوم ...شاهدة القبر تدون تاريخ الرحيل ...يعلنون النهاية ....بقلمي
السيدة غدير محمد وليد عبارة / سورية الجنسية
نشرت فى 17 يناير 2018
بواسطة magaltastar
إنّ المنزلَ في داخلي.. وبما أنّ له تصميمًا آخرَ مُبايِنًا للجمالِ والنّظام تماما، فإنَّ لِفـَوْضاه وقُبْحِه دورا في صناعة قسطٍ، لعلّه الأهمّ، مِنْ حضوري في الحياة.. إنّ محتوياتِ الرّوح وتركيبة مزاجِ النفسِ لا يمكنُ أنْ تكون صِرْفاً من بصماتِ كآبتنا القديمة أو ذعرِنا الأوّل، أو ذبذبات الأنسِ الخافتة.. أنا أسمع صوتَ أمّي في خشخشةِ الحطبِ الذي تتلحّسُه النّارُ فيدندِنُ ترنيمةَ الاضطرام. أنا أسمعُ مِنْ بعيد مِنْ غياهبِ الوقتِ النّازحِ في الغيبةِ، عجينَ دقيقٍ يموءُ في جفنةٍ تُقْرَعُ بلطافةٍ، فآنَسُ، تُداخلني ألوانٌ من جذلٍ جارح.(عُذْرًا، عليّ أنْ أخلعَ أثوابًا عن راهنيّتي حتّى تغطسَ ذاكرتي في نهرٍ الذّاكرة المقدّس لتتطهّرَ فتحْـيا طقوسَ الذّكْرى..) أليس هذا ما يُسمّيه محمود درويش:"حضرة الغياب".. هذا قِطافُ فاكهةِ الآفِلاتِ.. كيف تقطفُ الذاكرة الوقائعَ الذّائبةَ وقد انحلّتْ في تفاصيلِ الوقتِ المتلولب؟ !ذلك يكونُ عن طريق الفقْدِ الذي يُفْضي إلى مقارنةٍ بالحواسّ: أنا لا أسمعُ الآن، في منزلِ الكهولة الثّانية (من سنّ الثلاثين إلى سنّ الخمسين تقريبا، في اعتقادي هو سنّ إرجاء الموت فكرةً) خشخشةَ الأحطابِ العازفة، ولا مُواءً في جفنةٍ تقْـرَعُها يدٌ تنْحتُ إيقاعَ العُمْرِ الأوّل، ولا نقيق دجاج ينتشرُ في الأرض، بُعيْدَ إسفارِ الصّبْحِ.. أنا لا أشمّ رائحةَ الشايِ تُحمحِمُ في غرفتي و تغلغلُ تحت المُلاءةِ. لا أسمعُ حوافرَ أتانٍ والدي تُوقِّعُ الفوضى.. ما يجعلُ الإنسانَ في بؤرةِ مقارنةٍ عجيبة، هو أنْ يكون ملتَقَى أصواتٍ وافدةٍ من أفولٍ ممعنٍ في أفوليّتِه، وأصواتٍ تتوافدُ لامعةً بلحظتِها، وكلّ منها مختلفٌ عن الآخرِ، نقيض له.. ذاك يدفعني إلى أنّي أشكُّ في سلامةِ حواسّي، إلى درجةِ أنْ يتبادرَ إليّ أنّ أذنيَّ ليستا تينكَ اللّتيْن سمعتُ بهما كلّ حكايا تاريخِ سَمَاعي الطفوليّ و الشبابيّ، و أصواتًا غير التي أسمعها الآن. و ذلك ينطبقُ على أنفي الذي يشمّ روائحَ لا يفقَه لها طعْما. و كذلك على عينيّ و يديّ و لساني.. إنّني لا أذوقُ الآن ما كنتُ أذوق بالأمْسِ، مع أنّي لم أفقدْ الحواسّ لأنّني أتوجّه إلى سوقِ المدينة..
_________
سيف الدّين العلوي
نشرت فى 17 يناير 2018
بواسطة magaltastar
42. الأرنب وأبن آوى
أرنبة جميلة جداً كانت تسير في أحد الشوارع ذاهبة إلى المطار للسفر خارج بلدها لحضور احتفال عالمي مهم جداً ... وأثناء سيرها في الشارع رآها أبن آوى فسار في الشارع الموازي لها وكلما وصلوا حاجز تفتيش ... كانت الأرنبة تشعر بحريتها وتؤخذ لها التحية دون تفتيشها أو الطلب منها هويتها إلا أن أبن آوى كان يعيش المأساة من تلك الحواجز ونقاط التفتيش وكان يصعب جداً تجاوز تلك النقطة بعد أن برز ما يبين وجوده ... وصل المطار وصعد إلى الطائرة فوجد الأرنبة في الدرجة الأولى وحولها المضيفات في خدمتها أما هو فكان نصيبه مقعد في الدرجة السياحية ... فقال أبن آوى صبراً جميلاً لكي أرى إلى أين يسير المطاف بهذه الأرنبة المخلوقة العجيبة ... نزل الاثنان من الطائرة... استقبلت الأرنبة استقبالاً كبيراً دون أن يسألوها عن جواز سفرها أو تفتيش حقائبها أما أبن آوى فقد خضع للتفتيش الدقيق وبالنهاية قالوا له أن الفيزا غير مختومة بالختم المطلوب عليك الرجوع ثانية إلى بلدك لختمها ...
فاستغرب أبن آوى من هذا التصرف وصاح لماذا الأرنبة تأخذ كل حريتها فصاح به ضابط المطار وقال له بصوت عالي أتعرفها من... سكت أبن آوى وقال لا يا سيدي فقال له الضابط أخرس وأنصرف.
السؤال: من هي الأرنبة؟
نشرت فى 16 يناير 2018
بواسطة magaltastar
بعد نصف ساعة أو ما يزيد قليلا من مغادرتهما، وجدتني جالسا إلى الحاسوب.. كتبتُ فقرة، اثنتيْن ربّما. ألقيتُ نظرةً في فضاء الصّالة. كانت آهلة بالوحشة. (أحيانا أشعرُ أنّني من فصيلة البوم،آنس بالوحشة و أستكينُ بصفير الرّيح في ثقب الخراب من حولي).. صدمني الفراغُ لوهلة.. وأنا أستبطنُ ذلك الثقلَ الطفيفَ، هاتفني صديقي يستدعيني إلى قهوةٍ..
جلسات القهوة اليوميّة تكون سريعة عادة، لكنّها تكاد تكون متواترة لا يقطعها إلا سبب قويّ، أو مزعوم أنّه قويّ.. تحدّثنا عن العلّة التي تصيب الإنسان. و عن علل السياسة الراهنة والسياسيّين.. شتمنا كلّ الأحزابِ والفصائل السياسيّة (إنها تتصارع بعنف وغباء على ابتكار أساليب جديدة للدكتاتورية المغلّفة بالمفاهيم العليا عن الديموقراطيّة والحوار والنّزاهة وتقرير الشعب لشؤونه... الخخ...). نقل إليّ خيْبتهُ عن تأجيل الموعد السنويّ لدورة معرض الكتاب العربي بتونس.. أحسّ كلانا بالغبْن، لأنّ ذلك متنفّسنا الوحيد و متاقنا من حلم دولة الثورة ومِنْ دوخة الحلم التي نحن نستيقظُ منها..( إنّ اليقظة والنّهوض من الدّوخة أحياناً، لا تقلان بشاعة عن الوقوعِ فيها.. و لربّما كانتْ اليقظة أنْكىَ من الدّوخة نفسها ،بما يعني بالمقابل أنّ الدّوخة لم تعد تعني انقطاعا عن فطنة الألم المتيقّظ)..
الحادية عشرة والربع، إنْ لم أخنْ ذاكرتي في تقدير الزمن الحقيقيّ(وفْقَ عقاربِ ساعةٍ ما. ذلك يعني أنّ عقارب ساعةٍ أخرى قد تكون قد أعلنتْ عن توقيتٍ آخرَ).. عدتُ إلى المنزل.. عثرتُ على بعضِ ما يُؤْكلُ.. أكلتُ بعضِ ما عثرتُ عليه.. درتُ في المنزل دوراتٍ عابثة،غيّرتُ خلالها الوجهة أكثر من مرّة (تلك الدورات العابثة التي تشابه لَـوْبَ جَمَلٍ ضالّ لائب، لها ما يبرّرها في اعتقادي، حيث يكون الإحساسُ فيها بالفراغِ قد بلغَ أشدّه، يعني أنّك، أنتَ -أنا- إمّا في اللحظة الصّفر من القَرار و الحسْم، وإمّا قد تفرّقتْ بك – بي- السبلُ، و شغلتك الدنيا بشؤونها، بما بثّ في نفسك الحيرة المربكة إزاءَ اختيار فعلٍ أسبقَ في الترتيبِ، و أجْدى نفعا مِن سواه، في إزالة صدأ اللحظة )..
اهتديتُ إلى الخروج نسبيّا من الربكاتِ الصّغرى.. فتحتُ كتاب"العواصم من القواصم". تصفّحتُه. قرأتُ شيئا من مقاطعه.. استعصتْ عليّ منه مسائلُ.. أعجبني لاستعصائه.. فتركتُه (لا يسمح ذهني الضّيّقُ بفسحةِ التريّث والتركيز الفقهيّ )..
على الساعة الواحدة وسبع دقائق، لنقلْ و خمس(يسهل الكذب في ضبط توقيت نهائيّ، إذ و أنت تحدّد التّوقيت المضبوط تتسارع العقارب و توقعك في الخطأ)، كنتُ أَمامَ الإِمامِ جالسا أصغي إلى خطبة الجمعة (حديث عن المشعوذين والدجّالين و وسائل تعاملهم مع شياطين الجنّ) و تجري تلك الخطبة في زمن يسقط فيه العالم العقلانيّ في لاعقلانيّته..و دار الوعظُ على أشدّه.
________
سيف الدّين العلوي
نشرت فى 16 يناير 2018
بواسطة magaltastar
♠
♠
♠
♠ القصة القصيرة
♠
♠
♠
♠
♠
♠
♠ أطفال بلا طفوله
♠
♠
♠
♠
♠ أذن الفجر فأسرع الى المسجد لتلبية نداء الحق ، ولما إنتهى من الصلاة وأذكارها ، جرى أمام عينية شريط حياته تذكر طفولته كيف كانت ، في بيت بلا أب وأم تفعل كل شئ ، وأي شئ حتى لا يجوع أولادها وعاش طفوله كانت من الممكن ألا تجعله كما هو الأن ، فقد رأى وهو صغير أن أمه تأخذ لهم الطعام وتدفع الثمن قبلات للبائعين ، فهي جميلة تركها الأب الي الدنيا لعدم قدرته على الإنفاق عليها وعلى أولاده ، ولا يهمه كيف تدبر حالها ، ولا كيف تربي أطفال بلا معين لها إلا جمالها وجسدها ، رحل هو وأزاح عن كاهله المسئولية وظلت هي تتنقل بأولادها من غرفة الى غرفة ، ثم كان شارع الهرم هو العمل الذي استقرت فيه ، تحسنت الأوضاع عندها بعض الشئ ، وأنتقلت لأول مرة للسكن في شقة ، وصمم هو وكذلك أخواته على ضرورة أن لا يستسلموا للظروف ، ذاكروا وأجتهدوا، ورغم أن ظروف بطل القصة كانت تأهله ليكون أحد أولاد الشوارع الفاسدين ، إلا أن الله بفضله رعاه ، ومرت السنوات والأم تدفع جسدها ثمناً لكي لا يحتاج أولادها ، وفجأة ظهر الأب في حياتهم ، لم يشعر أحداً منهم بالحنين له ، ولا يريده أحداً أن يدخل حياتهم ، وتودد هو إليهم ، خصوصاً قد أصبح صاحب تجارة كبيرة ، ويركب سيارة بسائق ، إلا أن القلوب لا يفتحها إلا الذي خلقها ، ينظر الأبناء الي الأم ، وكم هي عانت وتحملت قسوة الحياة ، ودفعت ثمن سعادتهم ولم تمن عليهم بل كانت تسعد كلما تقدم أحدهم في علمه وحياته ، وماتت الأم ثم مات الأب ، ولأول مرة جمعهما الإبن في قبر واحد ، ومرت سنوات ليصيح الأبناء بفضل الله من الأعلام ، وسأل نفسه لماذا شريط هذه الأحداث يمر أمام عينية اليوم ، وهو قد نسي كل الماضي وكذلك أخوته ، تذكر أنه رأى طفل يعبث في صناديق القمامه يبحث عن شئ يأكله ، أو شئ ينفعه ، فقال: وهو يغادر سيارته الفارهه ، في ذلك اليوم كان من الممكن أن أكون مثله في يوم من الأيام ، ولكن الله سلم ، ولما عاد من المسجد عكف على كتابة ، مشروع تتبنى به الدولة أولاد الشوارع ، وأرسله الي دولة رئيس الوزراء ، والح عليه ، أن يصبح هذا المشروع ، أولوية لابد من الأخذ بها حتى تحافظ الدولة على أبنائها ، فإنهم بهذا الشكل يصبحوا قنابل موقوتة يستغلها الإرهاب وقد تنفجر في المجتمع ، فيؤدي به الي الهلاك ، فألابناء هم المستقبل ، وأمه بلا مستقبل لا حياة لها.
♠
♠
♠ ا.د/ محمد موسى
نشرت فى 14 يناير 2018
بواسطة magaltastar
- كرسي ابن أخي -
-------------
ذاك اليوم لم يكن يشبه سلفه ، بل ربما لم يكن يشبه بقية الأعداد من أيام السنة ، الطيور الغاضبة تحلق على ارتفاع شاهق ، نعيقها يملأ الأرض عويلا ، الكرسي الفارغ من اللاشيء يئن وحيدا في زاوية مهملة ، كان ينتظر حدث مفاجئ يؤنس وحدته الشاحبة ، الأمطار منذ الصباح لم تشأ أن تتوقف عن الطيران ، يالها من متمردة ، شجيرات الغابة تطأطئ أعناقها ...
سار زرداشت ابن السبعة عشر عاما في ذاك الطريق الموحل ، لم يأبه للمطر والبرد اللذين يحاربوا خطواته المتعثرة ، ولا بطنه الممتلئ بكل شيء إلا من الخبز اليابس ، ثيابه المهشمة تحاوره في لحظات التوقف ، تبدي امتعاضها مما يدور حوله ، لكنها لا تلبث أن تنزوي متقهقرة إلى تاريخها العنيد .
- هل لي ببضع قروش ياسيدي ...
- منذ متى وأنت بهذه المهنة يافتى .
- ليست مهنتي ياسيدي ... فقدت أهلي هناك وبقيت وحيدا أتتبع آثارهم عبر رنين هاتف جارنا .
- أغرب عن وجهي فلدي عمل آخر .
ضم زرداشت يده الممدودة إلى صدره في عناق جديد ومضى ينفض الوحل من قدميه العاريتين .
حانة ملونة صاخبة تكتسي حلتها القشيبة في تلك الليلة ، الساهرون يمارسون شتى أنواع الرقص والمجون ، الطاولات تكاد تختنق من الطعام الذي أرخى ضفائره عليها دون خجل ، امرأة مترنحة تخرج لتوها من الباب الخلفي ، السائق يفتح باب سيارة سوداء ...
- سيدتي ... سيدتي ...
التفت المرأة المكتنزة الورك ، همت أن تلج السيارة ، لكن صراخ الفتى استوقفها هنيهة .
- ما بك أيها الفتى ... لقد انتهت وصلتي ، ألم ترني هناك على الخشبة !!!
( خشبة تقصف رأسك الأشعث ) سرها لنفسه وابتسم ...
- لم أكن هناك سيدتي ... جائع أنا ... هل تفهمين ما أقول ...
- جائع ... ههههه ... أيوجد في بلادنا جياع ... قهقهت المرأة بصوت مرتفع جدا هذه المرة .
- طريقك مسدود ... مسدود ... إن شاء الله ...
مضت السيارة مسرعة ، تاركة وراءها طفل يطلق صافرة نهاية العمر .
لم يطل غياب الفجر ، فها هو يصوب أشعته من جديد ، تتبعه شمس كانت متخفية خلف ظلمة وغيم ، بينما يتابع زرداشت مسيره وهو يمسك بطنه الصغير بكلتا يديه .
( الآن لا بد أن يراني أحدهم ) حدث نفسه وعيناه تبحثان بين جمهرة السيارات التي ( تطرطش ) كثيرا من المطر والطين .
عندما انتصف النهار كان زرداشت قد فقد ما تبقى في جعبته من أمل .
- ياله من بناء فخم ... هنا سأجد ضالتي بكل تأكيد .
ولج المبنى بقدمين موحلتين ، استوقفه البواب ...
- إلى أين أيها الفتى ...
- لدي موعد مع صاحب المبنى ...
- المبنى ليس له صاحب ، هنا الوزير هو السيد .
- أدري ذلك ، لدي موعد مع الوزير .
استهجن البواب كلمات الطفل ، لكنه لم يتجرأ أن يصده أكثر ...
رفع سماعة الهاتف ، تمتم بكلمات لم تصل لمسامع الفتى .
- أدخل ... أدخل ... عليك بالطابق الثاني ...
رجل بربطة عنق ، رائحة العطر تفوح منه وتملأ المكان .
- ماذا تريد يا ...
- أريد أن أرى الوزير ... لدي موعد معه .
ارتبك الرجل المتأنق للحظات ، لكنه انصاع لكلمات الفتى ، ربما خشي أن يكون قريبا للوزير .
- انتظر هنا ... سأعود إليك ...
لحظات مرت كما دهر ، عاد الرجل ولم يغلق الباب خلفه .
- أدخل السيد الوزير ينتظرك ...
رمقه الوزير بنظرات متعاقبة ثم أشاح عنه ، لم يتذكر بأنه شاهد هذا الطفل من قبل ، ملامحه لم توحي له بشيء ما .
- من أنت يافتى ... ماذا تريد ... كيف وصلت إلى هنا ...
خيم الصمت على أركان المكتب الفاخر ، في تلك اللحظة ارتعشت لبلابة كانت تتدلى من السقف المزركش ، عيون زرداشت تجول في سماء الغرفة الكبيرة .
- أنا جائع ياسيدي ... ألم تعرفني !!! .
قهقه الوزير قبل أن ينقلب على قفاه بكرسيه الوثير ، رفع حاجبيه وعاود قهقهته ...
- وأنا أيضا جائع ... يعني أصبحنا اثنين ياولد .
لم يدعه الطفل يتم كلامه ، انقلب على عقبيه حتى وصل إلى باب المكتب ، التفت فجأة ، لم يكن يتوقع أن عينا الوزير تتابعانه ...
- أنا زرداشت يا سيادة الوزير ، زرداشت ابن أخيك الذي مات هناك تحت الأنقاض ، أتذكره !!! .
مرة أخرى لم يمنحه وقتا للكلام ، فقد حطت قدماه رحالها في الشارع الخالي من كل شيء ، إلا من سيارة الوزير وواجهة مبنى كبير ...
( البؤساء يموتون مرة أخرى ) ... قالها زرداشت ثم غادر إلى وجهة غير مجهولة ...
-------------
وليد.ع.العايش
٥/١/٢٠١٧
نشرت فى 14 يناير 2018
بواسطة magaltastar
41. الشيخ والقهوجي
عادة ما يخرج الشيخ ويأخذ القهوجي معه أينما ذهب وأينما حل... فقد خرج ذات يوم إلى أحدى القرى البعيدة عنه لغرض تقديم العزاء لوفات شيخ تلك العشيرة ... وعند حضوره المأتم قرر المجتمعون أن ينتخبوا شيخاً جديداً للعشيرة وبحضور ضيفهم الشيخ والقهوجي ... كانت هناك عادة سائدة لدى تلك العشيرة أن يطلقوا طير السعد وأين يقف على أي فرد من أفراد تلك العشيرة يصبح هو الشيخ المعين وشاءت الأقدار أنه في كل مرة يقف على القهوجي صاحب الشيخ المضيف لديهم ... وعليه قرروا انتخاب القهوجي شيخاً على عشيرتهم تيمماً بطير السعد وهذا هو قدر العشيرة ... ودع الشيخ الجديد (القهوجي) ضيفه... إلا أن تلك العشيرة عاشت الويلات من ظلم هذا الشيخ الجديد ... فقرر مجموعة منهم أن يذهبوا إلى شيخ العشيرة الذي كان صاحبه القهوجي أي الشيخ الحالي لشرح الموضوع عليه والتدخل لكي يمنع الشيخ الجديد من ممارسة الظلم والتعسف تجاه العشيرة ...
فقرر الشيخ السفر ثانية إلى تلك العشيرة واجتمع مع شيخها الجديد (القهوجي) فأنه على ما يفعل... فقال الشيخ الجديد لصاحبه يا صاحبي لو كانوا هؤلاء العشيرة جيدين ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لما انتخبوني أنا فهذا قدرهم وبئس المصير.
نشرت فى 9 يناير 2018
بواسطة magaltastar
- سراح رصاصة -
-------------
كانت الغنيمة كبيرة جدا هذه الليلة ، لم يتركا شيئا له قيمة إلا واقتاداه بجعبتهما الكبيرة ، ومالبثا أن بدأا بحث السير في تلك الطريق الترابية المبللة ببعض من مطر يبكي ماخلفه اللصان بعد مغادرتهما .
الظلمة أشد وطأة من أي ليلة سابقة ، هل لأنها كانونية !!! أم أن السماء زادتها اسودادا ...
أطفال خمسة في زاوية يذرفون آخر ما في مآقيهم من دموع باردة ، بينما الزوجة مازالت ترتعش خوفا ، الرجل الملتحي كان يداعب شعر لحيته المكتظ كما أحد أفران المدينة ، نظراته لاتشبه إلا سيفا من زمن الحروب الجاهلية ...
- شكوتهم إلى الله ... سرقوا كل شيء ، ماذا سنأكل غدا ، لعنة الله على كل نذل ...
- لم يسرقوا شيئا يا امراة ، انظري حولك ، لم يسرقوا شيئا ...
ابتسم وهو مازال يلهو بشعيرات لحيته ( المبندقة ) ، رمى بعقب سيجارته نحو الأطفال ...
- ما بالكم ... اضحكوا ... العبوا ... لا تخشوهم ، إني هنا مازلت لكم ، ألا يكفيكم هذا ...
قهقه هذه المرة حتى بدت نواجذه ، قفز أحد الأطفال إلى حجره ، احتضنه بشدة ...
- سرقوا لعبتي الجديدة يا أبي .
- لا تخف يا بني ، سوف تعود لوحدها ...
- لكنها لا تعرف الطريق يا أبي .
- بل تعرفه ، تعرفه جيدا ياولدي .
مسح على رأس الطفل ، لثم جبينه الأسمر الذي يشبه سنابل قمح لم تبلغ سن اليأس .
التحف وشاحه المرقط بالأبيض والأسود ، أخفى سكينا في جيب معطفه قبل أن يفتح باب البيت .
- أين تذهب يارجل ... كيف تتركنا لوحدنا في هذا الليل ...
صرخت المرأة ، بينما تجمهر الأطفال الخمسة حولها ، رمقها بنظرة اخترقت جبلا من السنوات العشرين التي جمعتهما تحت سقف واحد ، انتشل ذاكرته من بئر غائر ، جميلة جدا كانت تلك الأيام ، كانا ينامان تحت السماء بلا خوف ، أشاح بعينيه عن كتلة اللحم التي توحدت بجسد واحد للتو ، أغلق الباب خلفه بهدوء دون أن ينبس بكلمة .
كان المطر وابلا ، الوحل يعرقل القدمين ، لا درب آخر يمكن سلوكه في هذا الليل ، الآن فقط أخرج بندقية من تحت عباءته السوداء ، بدأت أنوار البيت تسافر عبر زوارق المطر المنهمر ، وقهقهات الريح الآتية من جهة غربية ، توقف فجأة عن التنفس ، ترك العنان لأذنيه ...
- هذه لي ، هكذا اتفقنا ...
- لا إنها من حقي ، أنا من وجدتها في خزانة المرأة ، خذ هذه بدلا منها .
- لن تأخذها ، فقد وعدت صديقتي بهدية كهذه ...
- ليس بوسعك إلا أن تأخذها عنوة ...
- سآخذها ولو بالقوة .
انتهى الكلام وساد الصمت لحظات ، لم يتبق إلا صرير الريح ، طرقت مسمعه آنات خافتة مالبثت أن توارت فجأة ، أدار ظهره وكر عائدا من حيث أتى تاركا خلفه السر الذي جاء به إلى هذا المكان .
عندما أطلق الفجر رصاصته الأولى ، كانت الأسرة تتجمهر حول جثة هامدة بالقرب من باب المنزل .
التقط الطفل لعبته بشغف وشوق ، ابتسم الرجل الملتحي ببراءة الأطفال هذه المرة .
( ألم أخبرك بأنها تعرف الطريق يا بني ) ...
أطلق سراح رصاصة سهرت معه طيلة تلك الليلة ...
-------------
وليد.ع.العايش
١٢/١٢/٢٠١٧
- شكوتهم إلى الله ... سرقوا كل شيء ، ماذا سنأكل غدا ، لعنة الله على كل نذل ...
- لم يسرقوا شيئا يا امراة ، انظري حولك ، لم يسرقوا شيئا ...
ابتسم وهو مازال يلهو بشعيرات لحيته ( المبندقة ) ، رمى بعقب سيجارته نحو الأطفال ...
- ما بالكم ... اضحكوا ... العبوا ... لا تخشوهم ، إني هنا مازلت لكم ، ألا يكفيكم هذا ...
قهقه هذه المرة حتى بدت نواجذه ، قفز أحد الأطفال إلى حجره ، احتضنه بشدة ...
- سرقوا لعبتي الجديدة يا أبي .
- لا تخف يا بني ، سوف تعود لوحدها ...
- لكنها لا تعرف الطريق يا أبي .
- بل تعرفه ، تعرفه جيدا ياولدي .
مسح على رأس الطفل ، لثم جبينه الأسمر الذي يشبه سنابل قمح لم تبلغ سن اليأس .
التحف وشاحه المرقط بالأبيض والأسود ، أخفى سكينا في جيب معطفه قبل أن يفتح باب البيت .
- أين تذهب يارجل ... كيف تتركنا لوحدنا في هذا الليل ...
صرخت المرأة ، بينما تجمهر الأطفال الخمسة حولها ، رمقها بنظرة اخترقت جبلا من السنوات العشرين التي جمعتهما تحت سقف واحد ، انتشل ذاكرته من بئر غائر ، جميلة جدا كانت تلك الأيام ، كانا ينامان تحت السماء بلا خوف ، أشاح بعينيه عن كتلة اللحم التي توحدت بجسد واحد للتو ، أغلق الباب خلفه بهدوء دون أن ينبس بكلمة .
كان المطر وابلا ، الوحل يعرقل القدمين ، لا درب آخر يمكن سلوكه في هذا الليل ، الآن فقط أخرج بندقية من تحت عباءته السوداء ، بدأت أنوار البيت تسافر عبر زوارق المطر المنهمر ، وقهقهات الريح الآتية من جهة غربية ، توقف فجأة عن التنفس ، ترك العنان لأذنيه ...
- هذه لي ، هكذا اتفقنا ...
- لا إنها من حقي ، أنا من وجدتها في خزانة المرأة ، خذ هذه بدلا منها .
- لن تأخذها ، فقد وعدت صديقتي بهدية كهذه ...
- ليس بوسعك إلا أن تأخذها عنوة ...
- سآخذها ولو بالقوة .
انتهى الكلام وساد الصمت لحظات ، لم يتبق إلا صرير الريح ، طرقت مسمعه آنات خافتة مالبثت أن توارت فجأة ، أدار ظهره وكر عائدا من حيث أتى تاركا خلفه السر الذي جاء به إلى هذا المكان .
عندما أطلق الفجر رصاصته الأولى ، كانت الأسرة تتجمهر حول جثة هامدة بالقرب من باب المنزل .
التقط الطفل لعبته بشغف وشوق ، ابتسم الرجل الملتحي ببراءة الأطفال هذه المرة .
( ألم أخبرك بأنها تعرف الطريق يا بني ) ...
أطلق سراح رصاصة سهرت معه طيلة تلك الليلة ...
-------------
وليد.ع.العايش
١٢/١٢/٢٠١٧
نشرت فى 8 يناير 2018
بواسطة magaltastar
♠
♠
♠
♠ القصة القصيرة
♠
♠
♠
♠
♥ حواء
♥ المخلوقة
♥ الرائعة
♥
♥
♥ أمى أول من أسمعنى (لا يكرمهن إلا كريم) ، وفى بيتنا رأيت أمى وأبى كيف يعاملون أخواتى البنات ، كن يتمتعن بالكثير من الحب والتقدير ، حتى أمى كانت تعلمهن الكثير من الأعمال المنزلية بقدر كبير من الحب ومن الصبر ، وهذه الأعمال كانت أمي لا تعلمنى إياها ، وتقول لي هذه الأعمال يجب أن تتقنها كل بنت ، وأنت يمكن أن تعرف عنها بعض الشئ حتى تساعدها إذا هي طلبت منك ، وكانت في بيتنا بيانو ، وهو عتيق قالت لي أمي أنه كان في بيت أمها تعلمها العزف عليه ، كما تعلمها الطهي ؛ وحياكة بعض الملابس ، وهكذا فعلت أمي مع أخواتي البنات ؛ وكانت تصر دائماً على أن توضح لي أن الذي يظن أن يعامل الولد غير معاملة البنت من حيث الحب هو مخطئ بلا شك ، فالبنت مثلها مثل الولد ، وتزيد عنه في أنها تنظر للولد بحنان الأم ، وتقول لى تكلم بالحب معهن ، لأن لغة الحب هي التي تسبب بينكما القرب ، وكبرت على أن المرأة شىءٌ غير عادى ، مفتاح شخصيتها هو الحب والإهتمام ، وعرفتُ من أمي ، أن هن مثل النحل تعطى العسل الذى هو شفاء من كل داء ، ولكن إذا أحببتها وشعرت هي معك بالأمان والإهتمام ، وإلا ستجد منها اللسعات التي تجعلك من الحيرة لا تنام ، وإياك أن تكون لكَ زوجة وتنظر لمرأة أخرى ، فكل النساء سواء ، وإياك أن تتكلم مع زوجتك أمام أولادك بصوت يظن معه الأولاد أنك منها غاضب ، وناقشها ولا تحسب أن رأيك هو الصائب دائماً ، فإن لها كما لك عقل يفكر ، ولا تتعود على رفع صوتك في البيت فهي برقتها تنزعج من الأصوات العالية ، ودائماً إجعل وجودك في البيت سعادة لها ، ولا تجعلها تندم على إقترانك بها ، وهكذا تعرفت من الصغر على معنى الفروق بين البنت والولد ، ولما كبرت وجدت أن أدفىء الأحضان هو حضن إمرأة تحب بصدق ، وهكذا تعودت على أن أحترم النساء ، فهن عندى كلهن هوانم ، حتى ولو وجدت الأخرين يضحكون عندما أتعامل بإحترام معهن ، ويسعدني أن دكتور زميلة لي في الجامعة عندما توقع علي أية أوراق توقع بإسمها وبعده تكتب هانم ، وتقول لقد وصاني كاتب هذه السطور أن أتمسك بحقي أنني هانم ، والبعض تعتقد أن هذا تكلف ، وأنا أصر على أن هذا حق ، يجب أن تتمسك به المرأة ، حتى نعود الى عصر الإحترام ، الذي كانت فيه الأشياء في مكانها ، والعلاقات يسودها الود ، فلا يجلس الرجل قبل المرأة زوجة كانت أو غير ذلك ، ويتكلم بلغة راقية مع المرأة ، زوجة كانت أو غير ذلك ، لذلك أكتب دائماً (معاً للإرتقاء بالذوق العام) ، وبذلك أدعو الطلبه الذين هم المستقبل الي إعادة الجمال الي الحياة ، ولما كان هذا سلوكي ، لذلك أصبح لى فى كل بلد زرتها حبيبة ، وفى كل لغة أتقنتها صديقة ، وأقولها دائماً ، تحية لكِ يارائعة الحياة.
♠
♠
♠ ا.د/ محمد موسى
نشرت فى 8 يناير 2018
بواسطة magaltastar
في اللحظة تلك، وأنا مُمدِّدٌ ظهري إلى جدار الأريكة، خمّنتُ أنّ هذه الشابّة لم يتسنّ لحياتها بعد أن تمتلئ بما يجعل منها نصّا غزيرا..هي فقط، تستسلم لروح مغامرة ما، أيّا كانتْ، كيفما كانتْ، لتستمدّ بعضا من معطيات جدوى وجودها.. هكذا هنّ كثير من الطّالبات و الطلاّب: في مثل هذه السنّ يقتحمن عوالم الآخرين نشدانا لطموح نزْوانيّ، تؤجّجه متعة تحقيق انتصار صغيرة ! شكل من أشكال المجد المتخيّل!
انتهى الشّاي. دام ارتشافه أبعد من نصف ساعة، هيمن الصّمت كثيفا، تخلّلته ابتسامتان كانتا في الحقيقة، نشيدا صافيا في وجه تتخلّله الحياة بعنفوان بهائها الأوّل.. بادرتها:
إذن... راقني أن زرتِني هنا في منزلي..ها قد رأيت كم أنا وحيد..
ــ أشكرك سيّدي..
ـ الآن ...
ـ ماذا؟ تودّ طردي؟
ـ عليك أن تعودي إلى منزلك.. أشعر أّني متعب ، وأرغب في النّوم..
ـ أنا أيضا متعبة.. أود" أن أستلقي قليلا هنا.لا أظنّك تمانع؟
ـ أين؟ هنا؟ عندي بمنزلي؟
ـ أجل.. هل يدعو الأمر إلى مثل هذا الارتباك؟ كأنّك لا تستطيع أن تقاوم؟
ـ امممْ.. أقاوم ماذا؟
ــ ههههه... بقائي.
ــ الأحرى أنّي لا أقاوم جواز بقائكِ لا بقاءك نفسه.
ــ لكنّي أفضّل البقاء. لا يعنيني جوازه أو عدم جوازه.
ــ أمّا أنا فيعنيني.. الوقت متأخّر. و أنا مرهق..
ــ في وسعك أن تنام. سأستلقي بجوارك على الأريكة المقابلة.,
ــ لا. لا استطيع فعل ذلك و شخص غريب بداري..
ــ لا تعتبرني غريبة، ببساطة..
ــ .................
ــ أجل، الصمت أفضل..استرخ. أعرف أنّك رجل متقدّم في السنّ. وأنّ سنّك مغمور بالذّعر و الألم.
ــ اسمعيني مليّا... لا أستطيع احتمال هذا الوضع.. ليس لديّ متّسع من الوقت لهزل النّهايات.. فأفصحي عمّا وراءك.
ـ البداية أيضا هازلة. ولكن، لا تخف. أعدك ألاّ أزعجك.. سأحاول أن أغفو فقط قليلا حتّى تتمكّن أنت من نيل قسطك من الرّاحة.. اهدأ و استرخ. عليك أن ترتاح حقّا..
كنتُ قد تعوّدت أن أنام ما بعد الظّهيرة إثر العودة من الجامعة لساعة أو ما يزيد. ولم أكن في تلك الأثناء مستعدّا لكسر نسقٍ ألفته.. لذلك فتحت التّلفاز و أبقيت صوته مُخفّضا. وقلت:
حاولي ألاّ تزعجي هدأتي..
ابتسمت، و أومأت برأسها أنها تذعن طاعة.
هكذا استسلمتُ ثانية لشيخوختي. و ظلّت هيبتي بعدُ بمعزل عن الخمش. و كانت ابتسامتها الصّامتة رقراقة في عينيّ و هما تتراخيان. .حين استلقت على الأريكة المجاورة، كان جسدها موجاتٍ من نار و ماء تتدافق في ارتجاج، دون أن تخسر قطرة واحدة من وعائها..
________
سيف الدّين العلوي
مقطع روائيّ
إذن... راقني أن زرتِني هنا في منزلي..ها قد رأيت كم أنا وحيد..
ــ أشكرك سيّدي..
ـ الآن ...
ـ ماذا؟ تودّ طردي؟
ـ عليك أن تعودي إلى منزلك.. أشعر أّني متعب ، وأرغب في النّوم..
ـ أنا أيضا متعبة.. أود" أن أستلقي قليلا هنا.لا أظنّك تمانع؟
ـ أين؟ هنا؟ عندي بمنزلي؟
ـ أجل.. هل يدعو الأمر إلى مثل هذا الارتباك؟ كأنّك لا تستطيع أن تقاوم؟
ـ امممْ.. أقاوم ماذا؟
ــ ههههه... بقائي.
ــ الأحرى أنّي لا أقاوم جواز بقائكِ لا بقاءك نفسه.
ــ لكنّي أفضّل البقاء. لا يعنيني جوازه أو عدم جوازه.
ــ أمّا أنا فيعنيني.. الوقت متأخّر. و أنا مرهق..
ــ في وسعك أن تنام. سأستلقي بجوارك على الأريكة المقابلة.,
ــ لا. لا استطيع فعل ذلك و شخص غريب بداري..
ــ لا تعتبرني غريبة، ببساطة..
ــ .................
ــ أجل، الصمت أفضل..استرخ. أعرف أنّك رجل متقدّم في السنّ. وأنّ سنّك مغمور بالذّعر و الألم.
ــ اسمعيني مليّا... لا أستطيع احتمال هذا الوضع.. ليس لديّ متّسع من الوقت لهزل النّهايات.. فأفصحي عمّا وراءك.
ـ البداية أيضا هازلة. ولكن، لا تخف. أعدك ألاّ أزعجك.. سأحاول أن أغفو فقط قليلا حتّى تتمكّن أنت من نيل قسطك من الرّاحة.. اهدأ و استرخ. عليك أن ترتاح حقّا..
كنتُ قد تعوّدت أن أنام ما بعد الظّهيرة إثر العودة من الجامعة لساعة أو ما يزيد. ولم أكن في تلك الأثناء مستعدّا لكسر نسقٍ ألفته.. لذلك فتحت التّلفاز و أبقيت صوته مُخفّضا. وقلت:
حاولي ألاّ تزعجي هدأتي..
ابتسمت، و أومأت برأسها أنها تذعن طاعة.
هكذا استسلمتُ ثانية لشيخوختي. و ظلّت هيبتي بعدُ بمعزل عن الخمش. و كانت ابتسامتها الصّامتة رقراقة في عينيّ و هما تتراخيان. .حين استلقت على الأريكة المجاورة، كان جسدها موجاتٍ من نار و ماء تتدافق في ارتجاج، دون أن تخسر قطرة واحدة من وعائها..
________
سيف الدّين العلوي
مقطع روائيّ
نشرت فى 8 يناير 2018
بواسطة magaltastar
جلستْ بجواري، لصيقةً بالقوام الهديد.. ظلّت صامتة. دار سكونٌ ممتعٌ في فضاء المنزل. تحدّثت نفسي كتمانا: " ما أجمل امرأة صامتة في زمن هاذٍ ! ما أجمل زمنٍ هاذٍ تحت سلطة امرأة غامضة ساحرة في صمت! " كنت أعرف أنّ ذلك الصّمت زائل لا ريب على عجل.. لكنّ الصّمت الجليل في ظلّ أنثى تطاردك منذ شهرين، ينطوي على احتمالات وجسة، أقربها منطقيّة إمّا أنّها ستمنحك قسطا من الفتنة ثمّ تمضي و تتركك لوهمك الأوّل، و إمّا أنّها ستبيعك قسطا من الفتنة، تتقاضى تبعا لها أجرا زهيدا أو باهظا ، ثمّ تتركك أيضا، لمساحة خرابك الشّيخوخي رهين حثالة من نزوة يصعب التحاسها.. ربّما يوجد احتمال آخر، يتبنّاه العقل و تفتنّ به النّفس: هذه المرأة هبة منذورة،ليوم ثقيل بفراغه،علّك تسدّ فراغات الانقطاع عن الكتابة لأكثر من سنوات ثلاث.. ستكون عندئذ ضربا من الإلهام، إذا كان للإلهام أن يأخذ هذا الشّكل من الحضور.أجل، هذا احتمال صائب.. أليست هي من ودّت أن تتحوّل نصّا" حوّلني كتابة". هذا ما به قد أفصحت.. يحدث أن توجد مثل هذه الحالات، خاصّة مع الرسّامين. إنّ النّساء يردن أن يؤرّخن وجودهنّ رسما أو نحتا أو كتابة،أجل، فالمرأة ذات الحضور الفاتن لا تكتفي أن تكون كائنا من لحم ودم، لا يقنعها أن تظلّ جسدا مكتفيا بعظمة مجسّدة في الفضاء فحسب .عليها أن تحوّل الجسد إلى طور من التّخييل. حين ينتزع المرء مرتبة في المجرّد يصبح حضوره الأرضيّ امتدادا لعلوّه السّماويّ..
منذ قليل كانت تردّد " أرغب في إدراك تجلّ من تجليات الخلود". حين ترغب امرأة في الاندراج ضمن مشروع الفنّ، فهي كائن يبشّر بفلسفة الجمال. و من يفعل ذلك أو يفكّر به حتّى فلن يكون سوى كائن عال أو أقلّها متعال.. إنّها تجازف بأنوثتها الصّاخبة في سبيل تحويل دفق الجسد إلى ينبوع عموديّ.. صحيح أنّ ذلك فعل الرسّامين وهم يزرعون الجسد الأنثويّ ألوانا في مساحة الخيال الإلهاميّ المتاح. إنّهم ينتجون جسدا آخر من جسد منتَجٍ قبْلا.. ولكن، لم لمْ تختر هذه الأنثى رسّاما يُعيد إنتاجها و يعيد إرسالها إيحاءً إلى رواق خلودها؟ أنا لستُ رسّاما.. أنا مفكّر حرّ ، أدرِّس بالجامعة، و أ كتب مقالات في مجلّات محكّمة ، وأخطّ بعض الرّوايات.. أنا مشغول هذه الأيّام بوضع خطاطة لتأليف كتاب مختلف، لتأليف سيرة ما. ربّما سيرتي.. ههههه.. سيرتي الضبابيّة، سيرة الأيّام الحالمة الواهمة..
_________
سيف الدّين العلوي
مقطع من رواية قادمة
نشرت فى 7 يناير 2018
بواسطة magaltastar
صــورة
هذه الابتسامة معدنيّة.. لها تـجــلٍّ نُحاسيّ..
لِمَ السخرية؟ أكانت أمارة عظمة، أمْ علامة ضيْم وجوديّ ، أم هنيهة تفلسف فريد؟ لماذا تسخرين من الأشياء والكائنات؟ لماذا تبدين كذلك؟
لماذا تبتسمين على نحو هازئ ؟ أنا يتملّكني شغف النّظر إلى هذا الوجه المنفلقِ عن شفتين سعيدتيْن؟
لماذا تبتسمين أصلا على مرأى منّي؟
لماذا ابتسامك صامت و رهيب كسيارة مفخّخة لمّا تنفجرْ؟
لماذا أنت يافعة جدّا مثل حبـَـقَـة فتيّة، وتبتهجين بيفاعتك، فيما أنا طاعنٌ في الهرم والالتواء مثل حـُـزنٍ معاصر؟
لماذا تشبهين التفّاحة قبل القضْمِ، وأحاكي أنا تينة تجاوزت أشواط نُضــجِها الأخيرة؟
لماذا السخرية في ابتسامتك مغضّنة؟ لماذا تجعّدت منّي الروح قبل الجِـلْـد؟
كيف توفّـَـقتِ في بلوغ هذه المرتبة من الطّمأنينة المبتسمة؟
هلْ أنت ساكنة؟ علام أرتبكُ إذنْ، إزاء وتيرة سكونك؟ أوَ كنتُ مرتبكا حقّا وأنتِ أمامي ممتلئة الحضور راشحة بالضوء؟ أيّنا المرتبكُ حقّا؟
أيّنا المثيرُ للشفقة حقّا؟
أيّهما المثيرُ للدّهشة صمتك أم ضجيجي؟ ضجيجك أم صمتي؟
أيّنا ارتـَـقَى ذروة الأنفة؟ هل ثــمّة أنــفة أصلاً؟
لماذ أنت ثابتة؟ أو يـكون لأنّي متحوّل؟
أيّنا أجمل ما بين طوريْ التشكّل والتحلّل؟
لماذا أحسّ بأنّك بطلة، ولكن بطلة مزيّفة كسائر الأبطال الذين يتوهّمون أنّهم يصنعون اللحظة التاريخيّة الفارقة وينصاعون لوهمهم طويلا تماما كما تنصاعين الآن لابتسامة مُـسخّـرة للمكر العاري؟
لماذا أحسّك مغرورة وينشأ في الآن نفسِـه إحساسٌ ضديدٌ بأنّك تافهة، تماما مثل إحساسي بذلك الأنتلجنسيا "السنوبْ" *، المريض بتعاظمهِ، الغِـرّ ؟
لماذا تبدين شاهقة جدّا و أنت تقتعدين أرضا وضيعة على مسافةٍ مِنْ حضيضِ وضحضاح؟
لا بُدّ أنّك تؤمنين بمقولة القيمة.. لا بُـدّ أنّك تزدرين ،الآن، منزلة القيمة ؟ هل في وسعنا فعلا تصنيف معجم للقيمة؟ أيّنا أحفظُ - بالصمت أم بالابتسام- للقيمة؟ هل تعلمين أنّ القيَمَ فوق الجسد والمادّة، وانّها لا تشيـخ بتقادم العهد وصروف الدّهر؟
غيّري جلوسك.. غيّري ابتسامك.. غيّري نظراتك. إنّها تلمعُ.. غيّري هذه الهيئة كليّا..
لا تبتسمي هكذا..
تثيرين روح الفُضول المتوحّش و تنبّهين الغضبَ ليُـهيل على جفنيه تراب الغفلة.. لا تدفعيني إلى أنْ أستكْنهَ سرّ الفاجعة (ليس أشدّ من التّفاهة فاجعة)التي يُحيلُ عليها ابتسامك..
لا تحمليني على احتقارك..
لا تحمليني على الانفعال الأهوج.. أنت تستفزّينني بمكرٍ لأنْ أثــورَ.. أقسمُ أنّي أفعل، بلا تردّد، أو تعثّر، أو ندم..
حين تتجلّى ابتسامتك يُناظــرُها للتوّ غضبٌ داخليّ مرتعش..
أوَ يكون هذا مركّب نقْصٍ، وفقا لرؤية التحليل النفسيّ، أم يكون قدرة على فهْمِ مُضمراتِ السّريرة المناورة؟
لا.. أنتِ لم تتعمّدي اقتراف تلك الابتسامة .. أنتِ استعرتِها فقط لحين التقاط الصورة .. حتما هي لحظة تجمّل عرضيّ.. هي ابتسامة مستعارة.. والسخرية ملصق إعلانيّ،لقطة إشهاريّة لا غير..
سأمزّق الصّورة..
----------
سيف الدّين العلوي
* snobb: المتنفّج أو النفّاج ـ المقلّد لمن يعتبرهم أرْقى
نشرت فى 7 يناير 2018
بواسطة magaltastar
مجلة عشتار الإلكترونية
lموقع الكتروني لنشر الادب العربي من القصة والشعر والرواية والمقال »
ابحث
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
713,165
(امرأة تعاف الحياة)


