

سيناريو فيلم الشهيد
===========
قصة وسيناريو الأديبة الشاعرة السيناريست السورية / روعه محسن الدندن
-------------------------------------------------------------------------------
المشهد الاول : -
=======
المكان في احدى القرى الريفية وعلى اطرف تلك المدينة
كان شادي يقف مع رفاقه على احد الحواجز
يتصدون لبعض العناصر المتطرفة التي كانت ترعب الناس من خلال القتل وملابسهم وهيئتهم التي يدعون انهم اسلاميون وينشرون الاسلام ويحاربون الكفر والكفرة
وكل من يخالفهم هو كافر ويتم قتله ذبحا بالسكين
الوقت ليلا وكانت الساعة تقارب على العاشرة والجو بارد جدا والمكان مظلم وشادي يمسك موبيله وهو يحاول البحث عن النت ليتواصل مع افراد اسرته وكان يحاول ان يطمئن على عمه الذي يعتبره والده بعد وفاة ابيه وزوجة عمه التي يناديها امي مضت ثلاثة اعوام على اخر زيارة له ورؤيته لهم
وسمع ان عمه وعائليته محاصرون وعلى وشك الموت جوعا او من القصف
شادي يصعد لاحدى الابنيه : -
---------------------
ياربى ساعدني ومش قادر اوصل للشبكة واكلم بابا
والجو برد كمان مش قادر احرك ايديا واصابعي كمان
جلس وهو ينتظر ويحاول التقاط اشارة للنت
يا سلااااااااااام الرقم بيرن اخيرا
الوووووووووووو
عم شادي : -
--------
ابني شادي وحشتني ازيك يابني عامل ايه
شادي : -
------
الحمد لله يابابا وحشني والله واخواتي كمان وامي ازيها عاوز اكلمها واسمع صوتها
تعالي ابنك شادي عاوز يسمع صوتك
تأتي زوجته وهي مسرعة من المطبخ والدموع تسبقها
فين فين ابني شادي انت بتتكلم جد
الاب : -
-----
خدي التلفون واسمعي صوته
الزوجة : -
------
الووووو ازيك يابني وحشني حبيبي والله
شادي بصوت يبكي شوقا : -
--------------------
وحشاني يا يا ماما والله ووحشني كلامك وضحكتك
ازيك يا ماما طمنيني عنك عاملة ايه
الام . -
-------
الحمد لله يابني كلنا بخير وصابرين على الجوع وربنا معانا متخفش المهم انت يا حبيبى
شادي:-
------
تعرفي ياماما بقالي ساعات وانا بحاول عشان اكلمكم
عندنا مافيش نت وصدفة يوصل النت. ونقدر نتكلم مع حد
والجو بارد كمان وكل اللى معايا قاعدين جنبي بيحاولوا يكلموا اهليهم
اخواتي ازيهم ياماما
الام : -
-----
الحمد لله ياابني ومامتك واخواتك ازيهم انت بتكلمهم
شادي: -
-----
ايوه يا ماما بكلمهم واطمن عليهم
ادعيلي ياماما اني اشوفك واشوف عمي واخواتي
وهنا يقطع النت...
الووووووووو انت رحتي فين ياامي....
الام : -
-----
امين ياابني الووووووو شادي رحت فين يابني
تبكي وهي تعيد الجوال لزوجها انقطع الاتصال بس الحمدلله اطمنا عليه
والله وحشني اوي الواد شادي
ربنا يحميه واشوفه
الزوج : -
-----
امين يارب
- 1 -
نشرت فى 27 مايو 2018
بواسطة magaltastar
كَفَنُ الحَريرِ الهِنديّ ... قصَّةٌ قصيرةٌ.
مديح الصادق...
بأطراف أنامله الرقيقة كالزبدة الطرية، برقَّةٍ مسح شاربَيه المصبوغين صبغة رأسه المفروق، مدَّ الأخرى ليُشعل سيكاراً طويلاً، ثم تفحَّص المُسدَّس المُسجى أمامه على طاولة فاخرة، رست عليه مزايدتها في استعراض استفزاري أغاض به بعض الخصوم، اطمأنَّ على أنَّه محشوٌّ بلا أمان، جاهز للإطلاق، أسند الرأس على كرسيِّه الدوَّار مُحرِّكا إيَّاه في كل الاتجاهات، إنها نشوة مشوبة بقلق مُفتَعل، فغداً حفل افتتاح هذا القصر، قلعة خصَّ بها نصف الثروة تلك التي هبطت عليه من السماء، كما يُردِّد دائماً: مصائبُ قوم ٍعند قومٍ فوائدُ، وكل ما يُكسَب من غزو حلال، وإن كان المغزُو جاراً، لم يحسب لغدر جاره أدنى حساب.
لقد راعى في تصميم قصره وتأثيثه كل الأذواق والاتجاهات؛ فقاعة الاستقبال الأولى تتصدرها صورته على امتداد الجدار، مُرتديا الزيَّ الشعبي، شاهراً سيفا مُطعَّماً غمده بفاخر الأحجار، شاخصاً برأسه قليلا إلى الخلف، في الجانب الآخر مثلها لوالده بالعقال المُقصَّب الأميري، والعباءة المُذهَّبة الحواشي، تلاصِقُه أمُّه كاشفة خواتمها الثمينة، واضعة كفَّاً على كفٍّ بشكل مقصود، استدار قليلاً نحو الجدار الآخر، أمعن النظر طويلاً في صور ودَّعها أصحابُها منذ عقود، أحاطتها أكاليل زهور، وعبارات تحكي أنَّهم شهداء القضية والنضال من أجل المبادئ، إنَّهم أبناء عمومته الذين اتهمهم بالغباء لأنهم لم يساوموا فقالوا : لا للسفاح؛ وغادروا تاركين له ميراث التشدق بالمآثر والبطولات عند استضافته للسياسيين رفاقهم، أو لبعضٍ من وسائل إعلام يلتقي بها بالسر.
القاعة الثانية أعدَّها لاستقبال رجال الدين، فهو بحاجة لدعمهم باستمرار، على جدرانها لوحات تناسب أجواء الدين، في الزاوية اليمنى رفٌّ مُغطَّى بقماش فاخر استقر عليه كتاب مُقدَّس ديني، وفي مواجهة الداخل للقاعة مكتبة من خشب الساج الراقي، رُتِّبت على رفوفها كتب توزعت عناوينها في الدين، والتأريخ، والأنساب، والسياسة التي يكرهها مثل كرهه لأي مثقف أو عالم أو فنان، وعلى الشمَّاعة علَّق الثوب الأبيض، وبعض مستلزمات طقوس بها يُوهم الزائر أنه عابد ناسك، في عبادته يوصل الليل بالنهار، كسوة رجال الدين جاهزة، والهدايا مُحضرَة لكلِّ عيد؛ كي يُكثِروا له بالشكر والدعاء أنَّى يرحلون.
حسنا كان الصنيع إذ أفرد باب القاعة الثالثة من ممر خلفي؛ فهي مُستودع الأسرار، فيها البار بما لذَّ وطاب، والمسرح الصغير المُعدُّ لهز الخصور، واستعراض لأجساد نحيفة، أجبرها خوى البطون على بيع أثمن ما يملك الإنسان، والضيوف - طبعاً - هم أمثاله ممَّن يُسمِّيهم علية القوم، لعقد الممنوع والمسموح من الصفقات، تلك التي أدرجها في باب ذكاء رجال الأعمال، واستياء الزوجة قابل للمساومة، فهي مثله تعشق المال؛ من أي مصدر جاء، وليُطلِق عنانها بالسياحة والسفر، أو اقتناء نوادر الجواهر والأطيان.
غادر الكرسيَّ مُطلِقا زفرة طويلة، أمسك فردة الشباك المفتوح، استدار إلى الخلف، لابدَّ أنَّ أمراً مُقلِقاً قد أثار لديه رغبة في التجول مرة أخرى في ثنايا القصر، ارتقى السلالم المفروشة بالثمين، أطلَّ من الشرفات وقد بدا عليه أنه قد وجد الحل المُناسب لما أقلقه، زيارة أبناء العشيرة، ثِقال الدم المُتزمِّتين القادمين من مدن الجنوب ترافقهم زنابيلهم، بتمرِها، والدهن الحرِّ، والسمك المُجفَّف، أوطحين الرز، فهم لا يأكلون إلا الساخن، ولا يملُّون من أحاديث الغابرين، والروايات، وهذا سهل؛ فلهم أفرد غرفة خارج القصر، يجاورها حوض ماء، وبعض الطيور الداجنة، وابن عمه صيهود الثرثار جاهز لاستضافتهم نيابة عن ابن عمه الكريم، عبُّود.
ركل قضبان الشرفة واستدار ليقطع السلالم مثنى وثلاثَ، لاشكَّ أنَّ الأمر تلك المرة أخطر من كل الأمور؛كيف لا وانتخابات مجلس العشيرة على الأبواب، ومنصب رئاستها غير جائز أن يغادره إلى أي من أولئك الموظفين الذين يُعلِّقون شهاداتهم على الجدران القديمة الصدِئة؛ وأطفالهم لايطالون حتى خبز الحصة الأسمر المخلوط بنوى التمر، وما تعفَّن من الشعير المخزون، وأشياء أخرى، يُرقِّعون ثيابهم نفسها كل موسم أو عيد؛ تلك ليست مشكلة فهذا مقدور عليه؛ العيد قادم، بضعة من الذبائح تُنحر ليُطعِم منها الجائعين أوغير الجائعين، يُرسل الهدايا لبعض أرامل العشيرة - خصوصاً منهن الجميلات - وقد يوظِّف بعض السماسرة للضغط على من لا تلينُ رؤوسهم من المُنافسين، وآخر الحلول الكيُّ؛ فهذا صديقه النقيب طارق، ضابط المخابرات، عبقريته جاهزة لتلفيق ما يختار من تُهمٍ يكيد بها الخصوم، وحبل المشنقة ملفوف لامحالة على عنق من يدعي أنه - جهراً أو سرَّاً - قد شتم القائد الفذّ.
أشعل سيجاراً ثانياً وهو يُراقب البُستاني الموثوق به، نعمان، المُؤتمَن على أخطر الأسرار، ذلك الذي استعان به لحفر سرداب داخل غرفة النوم، ما اكتنزه العمر كلَّه أودعه فيه، وما كسبت يداه، حلالاً كان أم حراماً، ونعمان هذا مُتديِّن، فلساً فلساً يجمع النقود كي يحجَّ البيت؛ رغم أنه يعلم بالمخفي والمستور من أعمال صاحبه، وولي نعمته، عبُّود، لكنه مُطمَئِنٌّ فقد استشار مُشرِّعاً دينياً أجاز له - عند الضرورة - بلع اللسان؛ فالحصار والحرب كافران لا يرحمان، والله - كما قال لنا - غفور رحيم.
نفض السيجار من يده ولم يُكمله بعد، الظاهر أنه تخلَّص من كلِّ الهموم إذ لكلِّ مُعضلة أوجد حلاًّ، أطال النظر في المرآة مُعيداً ترتيب شعره وشاربيه، اطمأن على أنَّه عالي المعنويات، أزاح برجله المُسدَّس، قدَّم اليد اليمنى إلى رزمة أوصلها إليه أمس ساعي البريد، هديَّة ثمينة من صديق مُقيم بالهند، كَفَنٌ من الحرير الطبيعي، يحمي جلده الرقيق من خشونة التراب؛ بعد عمر طويل.
أزاح الكفن عنه ولام نفسه بقسوة لأنها طاوعته ففكر بالموت وهو عنه بعيد كما قال البارحة مازحاً طبيبُه الخاص: أنت عال العال، بإمكانك الاقتران بأربع من النساء، والخير وافر والحمد لله، والسمعة أحياناً تُشترى بالمال، نم قرير العين ولا تقلق، يا عبُّود، أزاح حذاءه عن قدميه، مدَّدهما على الكرسي المقابل، استرخى قليلا إلى الوراء، لم يأبه لوقع خطوات رتيبة قادمة من الصالة المجاورة، فليس في الدار سوى نعمان، وهو مثل نفسه؛ وهل يخشى من نفسه الإنسان ؟ أغمض الجفنين، غطَّ بنوم عميق؛ لكنَّه مُختلِف هذه المرة؛ إنه بلا شخير.
نشرت فى 25 مايو 2018
بواسطة magaltastar
قدر ...
اختار الزمن ليؤنس وحدته ....سنواته الخمسون تركت آثارها واضحة على وجهه ....وحيدا في جنته كما كان يسميها..... يمسك فرشاة الرسم ويقف يتأمل صورة رسمها .... يتأملها ...يراها لحما ودما تعلقت على جدارن قلبه منذ أعوام طويلة ..... مرت السنون وهو يبحث عن عيون يكمل بها اللوحة فلا يجد ....
يتعب يهرب إلى الساقية كل ليلة ...يرى عروسا تخرج منها ...يقترب بحذر شديد يعانق كل تفاصيلها حتى المحرمة منها وينتشي .... يكتشف كل كنوزها المخبأة ...وعندما يرفع عينيه لا يجد لها عيونا .....يبكي ...يصرخ ...يسابق الريح هربا .....
يدخل بيته ....يغلق كل الأنوار ....عرائس كثيرة تلف فراشه يفرح لمجيئهن ..يكشف عنه الغطاء يأخذهن تباعا ....يفرح برجولته ....كل العرائس لهن عيون جميلة ملونة ....يرفع رأسه يرى لوحته بلا عيون ....يقترب من العرائس يقتلع عيونهن ويبدأ في تجريب كل العيون على هاتيك اللوحة ....يصرخ ....يردد الكون صدى صراخه ....يلف في المكان ....يلهث ....يتعب ...يرتمي على الأرض وحوله عرائس فقأ لهن عيونهن ...تركهن بلا عيون ليكمل رسم لوحة قدرها ألا تكتمل .....بقلمي
السيدة غدير محمد وليد عبارة سورية - حمص
كتبت في مصر -المنيا بتاريخ ١٨/ مايو ٢٠١٧ م
نشرت فى 23 مايو 2018
بواسطة magaltastar
اختلال
كان ذاك الصّباح مشرقا ، رائعا ، مذهلا... كلّ تفاصيله تعلن لسنابل القمح الذهبيّة موعدا إستثنائيّا للحصاد ولزرقة السّماء شغفا بالطّيور العائدة لأوكارها في لهفة وشوق ...كانت أنيقة جدّا بفستانها النّاصع البياض ورائحة عطرها الزّكية تملأ المكان وابتسامتها المرسومة بإتقان تبعثر ملامحها الحزينة وتشدّ من عضد الإصرار على وضع نقطة بحجم صرخة في قعر بئر ... بدا الزّمان والمكان محتفيين بشيء ما.... عادة ما ينبئنا الجمال بالفرح و لم أتصوّر أن يفترقا في موعد لا يليق إلّا بالحبّ....هل يا ترى للفراق بهجة وغبطة كالتّشوّق للّقاء ؟ ....أجل...بل و له أيضا آخر قبلة بطعم الملح وعناق للفناء بعمق الخراب ....وافترقا بعد فطور شديد الفتور في صمت مرهق للبشر وبكاء موجع للحجر وتمزيق آخر خيط ببيت العنكبوت وإعلان الضّجر على خاصرة الأحلام الموبوءة برماد الأوهام ....لم ينبس أحدهما بحرف.... لم يعد هناك ما يقال....ولا فائدة لخطوة ضيّقة لا تكفي لإعلان النّدم على كبوة أو انهيار حياة بأسرها بقبو مظلم يقبر فيه عشّاق الظّلام الفجر ويشنق على أعتابه منتحلو صفة الإنسانية دون وجه حقّ، الفرح ، ولا جدوى من النّصح لمن يحتفي بسقوط الأوراق في فصل الرّبيع .....الفاجعة مفزعة ولن يخفّف من وطأتها تفنّننا في مسح الأثر ....
أدركت في تلك اللّحظة أنّ كلّ شيء كان منتبها لهذا الموعد وتهيأ له أكثر منّي ...إذ لم ألحظ وجعا في وجه الشّمس الّتي تتوسّط الكون رغم تلاشي شعاع الأمل وسيّدتي تعدو كما السّحاب في سماء الأفق البعيد تاركة وراءها فراغا سحيقا ، كشرخ عميق في قلب وطن مهجور ينزف في صمت معنى الإنعتاق من الظّلم نحو المجهول ... ولم أسمع شهقة الجارة الغيورة الّتي لطالما أعجبت به علنا وكم كنت أضحك في سرّي وأنا أغسل الصّحون لأقتل كلّ الجراثيم الّتي تلوّث الوجود بسموم حاقدة.... لم أكن أعلّق على سذاجتها لأنّها تجهل عمق المأساة التي تظمّها في وهن جدران ذاك البيت ...والغريب أنّي لم أسمع أكاذيب تنسج هنا وهناك حول أسباب فراقهما بالرّغم أن قصّتهما تستحقّ الف وشاية .. لم ينتظر أحد عودتهما وكأنّ نهايتهما اعتراف من الجميع بمحض إرادة هذا الزّمن الأرعن بقانون الجحود ..وإلّا لم تقبّل من عرفوهم الخبر هكذا في صمت القبور؟ هل مازالوا تحت تأثير الصّدمة؟!.... وكنت ولازلت أتساءل كلّما ألمحه بالطّريق : أتراه ينتظر عودتها ، أتراه يشتاق إليها، وأهزأ من صخب روحي الّتي مازالت لم تستوعب غياب امرأة لم تلدها سوى تلك الأمّ العظيمة، خالتي زينب رحمها الله .. .. بعض البشر يهبهم الله رحمة في شكل رفيق ولكن يجعل من بين أيديهم سدّا ومن خلفهم سدّا و على أعينهم غشاوة فلا يبصروا إلّا وقد فرّطوا بها ويكون الشّقاء حليفهم لأنّهم لم يشكروه كفاية على رحمته .... والغريب أنّي انتظرت لبعض الوقت ، شيئا ...شيء ما لا أدري ماهو ...ربّما أن يخبروني أنّه ارتكب حماقة المحبّ ..كأن يكتب قصيدة رثاء أو أن يبقى يلاحقها في كلّ مكان لأنّه مزدحم بها ، قتيل بعدها ، تائه في يمّ عميق بلا بوصلة تهديه سواء حضنها من جديد ولكنّ من مثله لا يليق به الإعتراف بأعظم شعور في الكون لأنّه لا يفهم في المعاني الحقيقيّة للإنهزام ... كم كان أخرقا وهو يتباهى بها أمام أهله وأصدقائه و مقيتا في تبريراته الواهية كلّما تعمّد الغياب في مواعيد تعنيها فقط ليحرجها ، وزائفا في لعبه دور العاشق الولهان أمامها والحال أنّه لا يفعل ذلك إلّا لقضاء مصلحة ما ....من مثله ليس مهيّئا لأن يسلك درب العشّاق أمثالها .. ورغم معرفتي العميقة بسيّدتي إلّا أنّني احترت بل تألّمت حين قرأت في عينيها حزنا أسود ...ألهذا الحدّ لا تقبل المرأة أن تفارق حتى ألدّ أعدائها ؟ ألهذا الحدّ يقتلها الكرسيّ الشّاغر مع أنّها تمنّت في سرّها تحطيم ذاك الصّنم أو التّخلّص منه بين النّفايات لأنّه لم يكن جديرا بمجلسها ..
لم أتعوّد الكذب عليه إذ لم أحتمله يوما وهو يصيح دون سبب وكم كنت أثور أمام صبرها الخرافي وأعجز عن كتمان ذلك وأظنّه كان يقرأ بوضوح ازدرائي له فسيّدتي محشوّة بالمآسي لدرجة أنّك مجبر على التّعامل معها بلين ولكنّه كان بلا قلب ولا عقل أيضا....كم كنت أمقت نبرة السّخرية الّتي يستفزّها بها أمام الجميع وهو مدرك أنّه يحاول عبثا النّيل من محبّة الآخرين لها ..لم ترق لي حياتها معه ، لم أحبّه لأنّه لم يسعدها بالرّغم أنّها تستحقّ السّعادة ... ولم أهتمّ يوما إن هو يكرهني كما أكرهه إذ لم يكن يعنيني في شيء لأنّه سبب تعاسة سيّدتي....تعاستي .. كم كان واضحا بدرجة وقح جدا.. كم كانت عيناه تزدريانها وكأنّها شبح لا يليق بجماله الفاتن ....ألم ينتبه؟ ألم يستوعب الوجع الّذي غرسه في أحداقها ؟!...كم كانت كلماته تضاعف من أكوام الجليد بأعماقها وتحبس أنفاسي ...كنت أتمنّى أن أراه منزعجا لسبب حقيقي سوى الوسادة ، أو قطعة السّكر بفنجان قهوة الصّباح.الّتي لا تكفيه لتحلّي يومه البائس...... كنت أشتاق لأن يخاصمها محبّا ، حتّى يراضيها عاشقا لكنّه كان سخيفا بدرجة لا تليق بامرأة تعلّمت فنون الحبّ قبل أن تولد...كم كنت أحلم أن أراه يبكي فأنا ممّن تخشى ضعفها أمام دموع الرّجال علّي أجد بأعماقي ما يدفعني للدّفاع عنه .... كانا يسبحان في واديين متنافري التّيّار ...كم أشفقت عليه لحظة غادرته ...أدركت وأنا أرمق من بعيد هدوءه المصطنع أنّه لم يتصوّر رحيلها ولم يستوعب أنّ سيّدتي لا تمزح لحظة الوجع العميق ولا تسقط أمام رجل تأكّدت أنّه يهوى أن يراها مكسورة.. لم يع أبدا أنّ لإرادة الأنثى قوّة تتجاوز خيال الرّجل وحين تعزم على شرب السّم لا يستهويها الشّهد في قدحها الأخير ولا تتراجع عن غلق الباب ورمي المفتاح في المحيط كي تقطع السّببل أمام التّراجع ولو قيد أنملة إلى الوراء لأيّ سبب من الأسباب عندما توضع وجها لوجه مع الخذلان.....كم أبكاني رحيلها وكم أتمنّى عودتها لأحضنها بعمق الفراغ الّذي خلّفته فيّ.....إذ كنت سعيدة بحضورها ووهبتني قبل أن تغادر سرّ ابتسامتها المنهمرة بألم شديد من العينين
بقلمي: نجلاء عطية
نشرت فى 23 مايو 2018
بواسطة magaltastar
..( لكي لا نكون كساعي بريد )..
لم ينتظر .. كثيرا" ...
غادر .. قبل ان يشهد ما فعلت رسالة هو حملها لي .
ولم يستمع لصوت أنفاس صدر متألم كان ينتظر امل .
أي صدمة كانت بكلمات رسالة هو نقلها لي .
وبأمضائي الاستلام ... هو غادر ..
لتبدء بتباعد أقدامه .. قصة ألم ..
كان هو من حدد موعدها .
وبدون مبالات لما خلف خلفه .
فكم من قصص يبدأونها أناس ليس لهم علم بحال الآخرين .
كم من حياة رسمت بمفترق طرق لم يخطط لها صاحبها .
كم من مصير كان نصيب أرواح يحمله القدر لهم في غفلة .
... ( هذا حالنا حين نكتب )
كم حملنا لهم من الآلام لا نعلم أنها موجعة بكتاباتنا وندعي هي رسالة .
كم من كتابات تركت في ذاكرة الآخرين صدى كل يوم .
كم من خصوصيات لدى الآخرين كتب عنها بمتهى الهزل لتصبح عقد شخصية لديهم .
كم من إيحاءآت بين السطور تتراقص على أوتار حساسة لدي الآخرين .
لنكن ... حاملين الكثير من الأمل والسعادة .
لنكن أيجابيين ونمنح الحياة .
لنكن ممن يعشق ويمتهن ( الإنسانية ) ..
في الكتابة وهذا أضعف الأخلاق .
لندرك المشاعر ..
ونقدر أحاسيس الآخرين .
ولنكتب بشيء من
" الأخلاق و الإنسانية ".
ولنقدس ونحترم خصوصيات من هم أمامنا .
هناك الكثير يعانون من كلمات ترمى بغباء وفي لحظات الترفيهية لديهم .
فان الكثير من القلوب تتوجع من كلمات تكتب بلمسه على شاشات ألكترونية ملساء بصمت .
تترك ألم .. وحزن وبؤس لما تحمله من سذاجة مبدأ أو رأي منفرد متخلف .
هناك من يكتب.. بعنصرية وتطرف .. وطائفية .. ويدعي انها الحقيقة .. ووضع كلامه في خانة...
" الصراحة والواقعية " .
هناك من يطرب على جراح الآخرين بكل وقاحة ليكسب شيء من كلمات الإعجاب من أناس لا يحملون شيء من الأخلاق أمثاله .
لنكن حملين الكثير ..
حين نقدم رسالة في كتاباتنا .
لنكن ايجابيين ومثقفين على قدر المسؤولية .
جميل أن تكون مثقف ..
.......... ( لكن بأخلاق )
.. ماجد علي اليوسف ..
.. 22 / 5 / 2018 ..
نشرت فى 23 مايو 2018
بواسطة magaltastar
وانتصرَ الحُب نشأت في عائلةٍ مترفة حيث كنتُ الأبنةُ البكر لوالدي ووالدتي كانَ أبي يحبني كثيراً وينفذُ لي كل طلباتي لكنهُ كان لا يريد أن أكمل دراستي سمعتهُ مرةً يقول لأمي : الكل يقول علموا الفتاة وهذبوها وربوها تربية حسنة بكل معنى الكلمة فأن هذه الفتاة تلاحظ عاجلاً أم آجلاً تفوقها على النسا ء الأخريات. - ستفسدها يا رجل بدلالكَ المفرط - وفي يوم دخل أبي وهو يحمل ماكنة خياطة ومعه شابة لطيفة - إبنتي الحبيبة هذه المعلمة تعلمك إصول الخياطة وفن التطريز أصبحت كل ما أخيطُ شيئاً لي أو لأمي أو أطرز الشراشف يشتري لي قطعة ذهب حتى الخلاخل اشتراها لي . - كنت سعيدة بهذه الرعاية الأبوية أنبضُ مشاعر طيبة وأحياناً ساذجة لم تكن لي تجارب في الحياة فلقد كنت ما زلت في مستهلها فتاة في دور المراهقة (زهرة في كمها لم تتفتح بعد ) وفي يوم تسللت أشعة الشمس الغاربة ارجوانية دامية من خلال المتسلقات فصبغت الشرفة باللون الأحمر . أحب إلى نفسي أن أخلو بتلك الشرفة المحببة فأشردُ بذهني في عالمٍ جميل من الأحلام وأعتبرُ ذلك اليوم في حياتي يوماً خطيراً , رأيتهُ ولاح لي وجهه وقد لوَحت الشمس فحولتهُ إلى سمرةٍ حمراء وافترَ ثغرهُ عن ابتسامةٍ أبدت أسنانهُ بيضاء منظومة تلك الصورة الخاطفة التي اختطفتها عيناي له ومضيتُ تلك الليلة أفكر , أغمضتُ عينيَ وأنا قلقةٌ حائرة بين متعةِ الإحساس الجديد وخوف الخطر المجهول أحس أن ناقوس القلب يدقُ إيذاناً باقتراب الخطر أو إيذاناً بميلادٍ جديد .. ميلادُ عاطفة .. ميلادُ قلب وتكررت لقاءاتنا وفي يومٍ دخلَ أبي فجأةً إلى غرفتي فاستشاطَ غضباً _ هل هذه الثقة التي منحتكِ إياها ؟ سوف ترين الأيام القادمة كيف تكون معاملتكِ وأغلق الباب بعصبية ! عرفتُ من خلال محادثتي لهذا الشاب أنه إنسان بسيط يعملُ خياطاً للملابس الرجالية وليس لديه أصدقاء أو معارف , ورغم ذلك تم إصراري على التقدم لخطبتي . وتقدمَ لخطبتي ووافق والدي بدون تردد. _ هذا هو اختياركِ حتى الناس استغربوا أبي من أعيان البلد يزوج ابنته لهذا الشاب ! وتم زفافي وعرفتُ أني مسافرة سأصنعُ منه إنساناً آخر كما أريد . _ سأكونُ بين يديك خادمةً وزوجةً وعشيقة وأكونُ لكَ ما تريد . _ سأجلسُ معكِ في قطارٍ واحد هو قطار الحياة ونسافرُ كل ليلةٍ في عالمنا الجميل . حملتُ تاريخي على أكتافي ورضيتُ العيش معهُ . فتفتقت أولى بذور حبي وشغفي الأول والأخير فأصبحَ كل عالمي تفتحت براعم أنوثتي في أحضانهِ , اكتشفتُ الحياة عبر تجاربهِ تحولتُ بين أصابعهِ إلى امرأةٍ وأم . وفجأةً تحولت أحلامنا إلى آلامٍ مزمنة ومشاهد من البكاء والعويل المرسومة بحبر الدموع كان يعاملني امرأة للحمل والإنجاب والبيت فقط . قاسٍ جداً بتعاملهِ ولا مبالاتهِ بين الحين والآخر تتعبني . بدأ عملهُ بالتراجع لأن الناس بدأت تميل إلى شراء الألبسةِ الجاهزة , علماً أن البيت الذي نسكنه قديم جداً , أنجبتُ منهُ ثلاثة أولاد . نتيجة معاملتهُ الفضَة كنت أتمنى الموت الذي هو اطلاقة الرحمة التي تنقذنا من الصراع غير المتكافئ والحياة المعجونة با للاعدالة والإضطهاد كنتُ أعيشُ ليال موجعة , شعورٌ غريب يملأُ صدري أشبهُ بالخوف , ونتيجة لتردي الوضع المادي للعائلة بدأتُ أبيع ما أهداهُ لي أبي من الذهب كنتُ أهدهدُ الألم وأقتلُ الزمن بحباتِ مخدرٍ قوي اسمهُ الذكريات كنتُ أرسمُ عمراً قادماً لأبنائي . _ هل أطلقتَ رصاصة النسيان على حبكَ لي ؟ أنا مَن حملتُ عينيك وصوتكَ في جعبة ذاكرتي , نظراتك في محجري وكلماتك في أذني . بدأتُ أقلب أوراق الزمن عائدة إلى الماضي أمضي في طريق العتمة والمجهول من دونِ بوصلة أو خريطة بلا نهاية محطمة مشتتة الفكر غاربة عن الذهن وأنا ألاحظ أولادي واحتياجاتهم وليس لدي القدرة على تلبيتها , أنا لست مذنبة إنما الذنب هو القدر الذي عقد لي الطريق وقلب لي الأوضاع وأساء التدبير أنا لا أخجل من اعترافي بل أطلقهُ يملأ فمي لأعلن براءتي , مَن منا لم يعشق , لم يذق طعم الهوى ؟ كلنا عشاق وكلنا عشاق في مهب الريح العاصفة العاتية . كنتُ كلما تضيق بي الحياة وتحاصرني الخيبة ألجأ إلى أقرب حديقة كي أنصتُ لحديث الطبيعة والأشجار إنها مخلوقات مثلنا يبادلوننا المشاعر وفي داخلي رغبة جامحة للوصول إلى أقرب شجرة لأحتضنها وأستمدُ منها جرعات قوة وصبر للزمن الآتي . أرددُ دائماً مع نفسي الحياة رحلة وهذه إحدى محطاتها فلنغيرها مترعين بالأمل ورغبة البقاء أمنَي روحي بالأمل وأحررها من اليأس سأقومُ قدري وأغيره كنتُ لا أمارس عبادة الأنا , قررتُ أن أستغل موهبتي في الخياطة فالعمل مصدر اللذة لأفكر بعقلٍ سديد قبل أن أعزم على أمر ,كنت لا أراهن على المستقبل كل شيء أبنيه على الحاضر أسعى وراء سعادة أبنائي وتغيرت حياتنا نحو الأفضل فالسعادة هي في التفكير الصحيح كي يكون الإنسان سعيداً لا بد أن يكون في قلبه من الحزن الدفين . حبي له وتمسكي به هو الذي منحني القوة والصبر والتحمل لم اندم يوماً على ارتباطي به . وفي يوم جاء وهو يريد أن يقول شيئاً ويتعمد الإبطاء في سرد الحكاية , يدٌ حانية امتدت لتهدئ من روعه وتابعها صدرٌ دافئ. _ بالله عليك أفصح عن لسانك الخفي وأرني إياه ولو بكلمةٍ واحدة _استيقظتُ مما كان فيَ من مصيبةٍ و يا لها من مصيبة ! ستنقلني إلى عالم جديد إن شاء الله . _ اليوم جاءني زبون لأخيط له بدلة بكى بحرقة استغربت أنت رجل كيف تبكي ! _ في يوم اتصل بي أبني ليخبرني عن نتيجته النهائية انه الأول على دفعته أجبتهُ أتصل بي في وقت آخر لا وقت لدي , أدمن الولد المخدرات مما أدت به إلى الموت والسبب هو أنا أخذتني دوامة الحياة ولم أسال عن أبنائي وعن أحوالهم وكانت هذه النتيجة . وبعد ذهابه أصابتني صحوة أين أنا من أبنائي ؟ أريد أن أحدثهم , أجلس معهم , أسمعهم يضحكون , يقهقهون _مصطفى في حجرته يتابع دروسه _ أحمد وضع شعار النوم فوق كل شيء لكثرة متابعته قنوات التلفاز _ باسم مع زملائه يتهيئون لامتحان الغد وجدت أن حجة الاشتغال ما هي إلا حجة واهية نتخذها لنلتمس الأعذار لأنفسنا ونتخذها ذريعة لعدم التواصل . سأحطم الجدار العازل بيني وبينهم وسأبدأ أنا أحدثهم _ أنا من سلمتكِ مفاتيح جناتي كي تدوسها أقدامكِ .. أنتِ التي صنعتِ مني رجلاً تحدى بخيباته وكسر أطواق دواخله . _ نذرتُ نفسي ناسكةً لحبك ممسوكةً بذراعكَ سعاد محمد الناصر
نشرت فى 23 مايو 2018
بواسطة magaltastar
ق.ق.ج
#حيرةحاكم
يقرأ مختارات من القصص وقعت بين يديه، يتفكر فيما قرأ من نصوص تعينه على الحكم، فبينما كان فرحا بقصة النمور في اليوم العاشر لزكريا تامر، وقف حائرا أمام فلسفة بيدبا للملك دبشليم في القصة التي يتحدث به عن المهر الذي طُلب من البوم عندما رام نكاح بوم أنثى...
رائد العمري
نشرت فى 23 مايو 2018
بواسطة magaltastar
موانئ بلا ذاكرة...... ميناء الفضيلة
وصلت تحمل حقيبة يدها وتلوك علكة ممرغة برحيق شفاه رجال عبروا في لياليها الماجنة.....
القبطان أسرع ليحتفي بعاهرة
البحر أخرج زجاجة نبيذ ومد امواجه عله يطال خلخالها.... عل امواجه تتعطر بعطر فضيلتها المنساب فوق احضان فرسان لياليها
ميناء العجز
وصل لاهثا عيناه معلقتان بالسماء
يحمل طفلة عيونها غائرة...... لاشعر لها... ترمقها العيون أهي مصابة بذاك المرض؟؟؟؟؟؟؟؟
يسرع نحو القبطان تتدلى شفته بغباء ويصرخ هل اخبروك أني دفتر عناوين او ربما كنت مختارا لهذه البلدة....... ههههههههه ويقهقه بغباء....
أيها القبطان ابنتي تموت وقيل لي هناك اطباء في........ كلماته يبتلعها البحر والقبطان يبتلع جنح دجاجة وكأس نبيذ......
ميناء الموت.....
إنها رحلة الموت..... الجنون..... اليأس......
ألقى بجسده المترهل داخل بلم ينقل السوريين إلى العالم الآخر..... اهو عالم الموت.... النجاة....... الغرق.....
لايهم فحين يتساوى الموت مع الحياة داخل الانسان قد يجعل من جسده طعاما لحيتان المحيط عله يحظى بجنة الله...... طالما أنه لم ولن يحظى في هذا العالم المجنون إلا بدقيق الوجع يعجنه ارغفة ضياع ينضجها فوق نار الالم......
ميناء الهذيان
قال الراوي ياسادة ياكرام.....
وقهقه بكرشه الابله... كان ياما كان....... كان لنا بيت صغير هناك في مدينة حالمة........ البيت بات سجينا داخل جواز سفر يبحث عن طلب لجوء..... والمدينة ابحرت نحو الضباب....
لاتضحك من سذاجتي من فهمي للأشياء انا ياسيدي لاامنح اوسمة ولااعلق احدا على حبال المشنقة......
لااهتم كثيرا لما تقوله وكالات الأنباء.... لاأقرأ الجريدة التي. تباع بثمن رغيف خبز....... انا ياسيدي أتسكع وحيدة في مجرة الهذياااااااان
روعة محمد وليد عبارة
سورية
نشرت فى 18 مايو 2018
بواسطة magaltastar

رواية المختار
في جذوع شجرة معمرة غصونها
من قوافي الطرح ثمار فارابي ومن قبله المدن الفاضلة
أنت جمهورية أفلاطون بجلستك القرفصاء أشعلت الثورة
ركلت من الصياغات في سلة التكوين
ساحات الألم والقهر والنسيان والمصادرة
أجوب وادي الخصائص من بين الصخور والهضاب
التي خرت في خشوع على أوتار فرش الأراء المنمقة
مأوى التسوق والتسوك والتسلق لؤلؤة الحيل الحرة
أهوى من المغامرات اسمك زهرة الانتصارات
عيناك ترقب في الإعراب فؤادي المسافر بوقع خطاك
في محرابي وجدت وشاحك الطيب الأسود مليحة الشذى
بالنصوص العابرة للقارات وجدت ضلعك على وسائدي كامل الأوصاف
رسمتك بولهي على منوال الحرير لوحة لها في العلا
ألوان الورى الضمة والفتحة وأم الكتاب استقيمي في شموخ
لقد جودت من سلوكي آيتك ضحى العناق
على موائد الكيد للكهنوت وفك شفرة العادات
وجدتك قائمة على تلابيب قوم أضراسهم
قطرت لون العدم بما ورثت لون الحياة
تنورة لها في الساحات البلابل
واحة التغريد وراحة المعزوفات على كفي
لي معك من الوشوشات هجرات شتى
أرصفة مبنية من تسكعاتي خلفك حارس
مرماك أصد من فوق الزوايا الكونية
وهم الشيخوخة بما أبقيت تجاعيد الفكرة المسافرة وبما
ألقيت عليك خاتم الحكمة على درب السبابة إشارة زفاف
على مسرح الوسطى قبضت بالإبهام دلالك
إن لفي صرحك طرقت المعاصم والعواصم والقواسم المشتركة ياتوأم الروح
بما فتحت سرعان مالفحت دون أذى أو سوء من السفارات حيتان الصبر والإحسان
من رحمك محابر الظلال يارديفة قلم و مانقشت من السناريوهات
محمل الجد غشاء الاحتمالات السيارة في ذاكرتي
ياجلد النعم هزي نخلة الأيام والشهور والأعوام
الوارفة بطلتك البهية من برلين حتى ذيل السمكة
بحق الأبجدية والغنائم في مراعي اللجوء إليك
نجمة محت من ظلام القوم أمية كانت في زينتك
قبلك عشت فصول البحث عنك حياتي بدونك فقاعة هواء
أنت في وجود ي مأوى الصعود في النشوء والإرتقاء
ساكنة أنت في أنفاسي بين المد والجزر
حبة أكسجين ثاني أكسيد السواقي في جداولك
جنيت من التحولات الكبرى كما النحل في عبير الحدائق
نساء الحداثة بكل ترانيم الامتصاص وظائف طيفك في بدني
هذا ماوعد الأطلس الجبار عسى أن يدركني الختام
مازلت متدحرجاً في إلهامك ماتعاقب الليل والنهار توضأت معنا النوارس طرباً
بأجنحتك الربانية أواب أنا ولاأزكي نفسي الأمارة بنوتة الخيرات
مزامير الأوتاد معي من الكيمياء فاتنة الفطرة وبراءة السحب على المكشوف
على بركة الله سيري أبث من المجازات الطازجة حقيقة الطقس في محل بدني
أنت رهف من فرط ولهي بك والجاذبيات على أهداب المارة نص البياض
على أرفف المكتبات والمها تجاوزت وأنت النبيلة كل غلاء من الطينة المتكلسة
أعلم كما تعلمين كم تجرعنا المرارة زحزحي من القوانين الحدود المحمومة
في سياق جنوني بك بما حفظتك أو حفظتيني عن ظهر نقش كما الضرير وبما
تركت البحر رهواً مضروباً على نواصيك بعلم الوصول والقدر
من بريد الحساب ظرف الشجاعة المبللة في أفنية الهندسة نكهة من رضاب ريقك
ضعي كل طاريء كما الدولة التي تحسب نفسها سيدة العالم وتعالي
إلى ربوة ذات قرار من لقيانا
أحبك بقلبي
بقلمي نصر
محمد
نشرت فى 14 مايو 2018
بواسطة magaltastar

♠
♠
♠
♠القصة القصيرة
♠
♠
♠
♠
♠
♠ ♠الخاله
♠
♠
♠
♠
♠الحياة بتنوعها تلقي بظلالها على كل منا ظلاً ، ليس من الشرط أن يكون ظلاً أسود ، فقد يكون لهذا الظل لوناً آخر ، وداخل شوارع وحارات القاهرة ، العديد من قصص الحياة ، والتي لها ظلالاً متعددة الألوان ، ففي شارع من شوارع القاهرة كانت تسكن سيدة عجوز أرملة لصيدلي وليس لها إلا ولد واحد مهندس ومتزوج وله من الأولاد خمسة ، كان لا يأتي أمه إلا إذا إحتاج الي المال ، والأم تستعطفه ألا يغيب عنها لشعورها بالوحدة ، فهي تقسم له أن بابها قد يظل مغلقاً يوماً أو يومين دون ما يأتي لها أحد ، ولم يفكر يوماً أن يأخذها لتعيش معه في بيته، ولم يحن قلبه لكلامها مرة ، فيتركها حتى إذا ما إحتاج لبعض المال جاء لها ، إلا أن الذي كان دائم الحضورعندها والسؤال عنها ، هو إبن الأخت حيث أن له عندها معزة خاصة جداً منذ كان طفلاً ، فقد أخبرته وهو صغير بقصة غريبة ، فقد تركته أمه وهو صغير عندها وذهبت إلي طبيبها الذي يكتب على باب العيادة برجاء عدم إصطحاب الأطفال ، وكان نائماً ولما إستيقظ نادى على أمه فلم يجدها فظل ينادي ويبكي ، حتى أن الخاله أحضرت له عصا وهددته إن لم يسكتب ضربته، فظل يبكي حتى نام باكياً ، وحضرت أمه وأخذته نائماً ورجعت إلى البيت ، وفي الصباح ذهبت الخاله إلى أختها وأخبرتها غريباً ، أنها حلمت أن رجلٌ أسود كان يحمل كرباجاً في يده ظل طول الليل يضربها ، ويقول لها لأنك جعلتي صفاء ينام باكياً ، من يومها ظلت تقبله كثيراً ولا ترضى أن يزعجه أحد ، وكانت تحضر لصفاء خاصة دون أخواته ما لذ وطاب ، وكان لهذه الخاله جاره صديقة لها وهي مسيحية وفي نفس الوقت صاحبة العقار الذي تسكن هي فيه ، والصداقة والعشرة بينهما جعلت الخاله تعطي الجارة مفتاح الشقة حتى تفتح عليها إذا هي غابت أو حدث لها مكروه ، وأخبرت الجارة صاحبة العقار أنها إذا توفها الله تعطي هذا المفتاح لإبن الأخت صفاء وليس لإبنها ، وتأخذ منه الشقة ، والعلاقة بين صفاء وهو إسم إبن الأخت وبين صاحبة المنزل المسيحية علاقة حميمية بدأت من سنوات ، عندما جاء صفاء مرة إلي الخاله وظل يرن جرس الباب ولا أحد يجيب ، فطرق باب الجارة الصديقة للخاله ووجدها في حالة إضطراب حيث إبنتها بالداخل وهي في حالة ولادة ، وقد إتصلت بالمستشفى لترسل مولده لها ولم تأتي حتى الأن ، والبنت في حالة صعبه دخل صفاء معها وقال لها أريد ماء ساخن وكولونيا ، وبعد أن طهر يده جيداً طلب من البنت أن تأخذ نفساً عميقاً ولا تخرجه وفعلت هذا الأمر عدة مرات ، حتى نزل ولد بجمال لا يصدق ، طلب من الأم شيئاً حاداً ثم طلب أن تسخينه جداً ، وقطع الحبل السري وربطه بخيط بعد أن مسحه بالكولونيا ، وفي الحقيقة كانت البنت شجاعة وساعدته فلم يضطرب وأنجز المهمه ثم جاءت عربة المستشفى ، وقالت الحكيمة الولادة زي الفل ، قالت الأم البركة في الدكتور والحقيقة أن صفاء ليس دكتور نساء وتوليد بل هو دكتور في شئ آخر بعيداً عن الطب ، قامت الحكيمة بالتطهير اللأزم وأنصرفت ، وسموا المولود صفاء على إسم الدكتور ، وقالت الأم لو كانت بنت كنت أسميها صفاء أيضاً إكراماً لك ، وشكرها وأتى فيما بعد للمولود بهدية ثمينه تبقى معه طوال العمر ، وكان صفاء يطلب رؤية الطفل كلما جاء لزيارة الخاله ، وإسم صفاء سميته أمه به حتى يشك من يسمع الإسم هل هو ذكر أم أنثى خوفاً من الحسد ، وصفاء هو الإبن الأكبر لثلاثه بعده أنثى ثم ذكر ثم أنثى ، والأم كانت متعلمه فكان حنانها موزعاً على الأربعة بالتساوي ، إلا أن صفاء كان يشعر أنه مميز ، ولكن لأن الخاله ليس عندها ما تعطية كل حنانها فكانت تعطية لصفاء وزيادة ، ومن جميل كلمات الخاله التي لا تنُسى كان إذا دخل عليها صفاء وقال لها (إزيك يا خاله) فكانت تقول له مرة (مفيش في الدنيا زيك) ومرة (يسلم كل من زيك) ومرة تقول له (هو مين زيك) ، ومرة تقول (يسلملي زيك) ، وكان يسعد صفاء بتلك الكلمات المخلصة ، ومرت السنين وتوفيت أم صفاء وأبيه في يوم واحد ، وأمه هي الأصغر سنا من كل أخواتها ، إلا أن الخاله لم تترك الأولاد حتى تزوجوا جميعاً ، وكان صفاء آخر من تزوج من الأولاد حسب عهده لأبيه وأمه وهو يواريهما الثرى ، وظل صفاء هو الوحيد الذي يداوم على زيارتها والسؤال عنها يومياً أو يوم بعد يوم ، وقد مَن الله على صفاء بزوجه باره كانت الخاله إذا حضرت بيت صفاء ظلت به أيام فكانت الزوجة تقوم بإعداد الحمام لها ، وتدخل معها حتى تأخذ حمام لا تسطيع أن تأخذ مثله في بيتها لوحدها ، وتظل عند صفاء أيام ثم تقول وحشني بيتي ، فيأخذها صفاء الي بيتها ، ويقول لها يومين وأأتي لأخذك لتقيمي معي ، وهكذا مرت الأيام ، وفي يوم من الأيام إتصلت الجارة بصفاء لتخبره أنها فتحت الباب على الخالة فوجدتها نائمه على الكنبه في الصالة ولا تتكلم ، هنا حضر على الفور صفاء ونقلها الي مستشفى خاص وكبير وبعد أيام أسلمت الروح لربها فقد أصيبت بجلة في الدماغ ، وهي بعمر أكثر من تسعين عام ، رحمة الله عليها وبعد الدفن حضر صفاء في الليل الي شقتها فوجد الإبن الذي لم يكن يسأل عنها إلا إذا كان في حاجة الي مال وزوجته والجيران ، هنا دخلت الجارة صاحبة العقار ، وقالت لصفاء أن خالته أعطتها مفتاح الشقة من أربعين عام ، وقالت إذا أنا مت إعطي المفتاح الي صفاء فخذ المفتاح ، فإذا بالإبن يغضب فقام صفاء وأعطاه المفتاح ، وقال له لا تغضب خذ محتويات الشقة وسلمها لصاحبة البيت كما وصت أمك ، شكرته صاحبة البيت لنبل أخلاقه ، وبعد وقت سمع فيه بعض القرأن الكريم ، إنصرف صفاء ، ثم أتى بعد أيام له تليفون من صاحبة البيت تخبره أن الإبن لم يسلمها الشقة ، حاول صفاء الإتصال به فلم يتمكن ، ثم بعد أيام أخبرته صاحبة البيت أن رفض أن يسلم الشقة إلا بعد أن أخذ منها بعض المال ، قال لها صفاء أن الخاله طلبت تسلم الشقة بلا مقابل تقديراً لرعايتك لها ، وحاول صفاء أن يعرف كم من المال أعطته له حتى يرده لها من ماله الخاص ، إلا أنها رفضت هذا وهنا تحصر صفاء على عدم الوفاء بوصية الأم ، وعن ترك الأبناء للأهل وإهمالهم عندما يكونوا كباراً في السن وفي حاجة للمواساة والحنان بعد أن اعطوا كل ما عندهم حتى أعمارهم للأبناء ، وكتب صفاء مقال قال فيه محظوظ كل من له أب أو أم على قيد الحياة ، وعرف قدرهما وأحسن إليهما ، وخاسر ثم خاسر من أدركهما أو أحدهما ولم يحسن لهما حتى يرضي الله فيهما ويدخلاه الجنه.
♠
♠
♠ ا.د/ محمد موسى
نشرت فى 10 مايو 2018
بواسطة magaltastar
في السّنوات الأخيرة و في أيّامها الأخيرة تحديدا، كثُر الموتُ..اطّردت أخبارُه على شاكلة متسارعة حتّى كدت أرفض قبول هذا الذّعر اليوميّ.. في مثل هذه الأوضاع من كثافة حضور العدم، يصبح الأحياء الذين هم مثلي في الطّباع و طريقة الإحساس بالأشياء، إزاء حاليْن: حالة التعوّد إلى درجة فقدان ردّ الفعل الشّعوريّ، وهي حالة من برود العالم تُصيب الباطن حتّى أخال أحيانا أنّ موضع قلبي أجوف، أو أنّ فحمة أطاحت بالقلب و استقرّت مكانه.. و حالة من ذعر لاهب تليها الأسئلة العمياء، ثمّ ينشأ على إثرها ذهول حزين. و هذه الحالة ليست مجانيّة كما يُعتَقَد.. بل هي حالة من وعيٍ شرسٍ يوشكُ على الكفْر ثمّ ينكسرُ أوارُها، ثمّ يستأنفُ الوعيُ تمزّقه بين نار الكفْرِ الصّاعدة و ماء الإيمان التّسليميّ.. في الأيّام الأخيرة، بعد موت كثير من الوجوه التي ترافقنا في الضّيافة الأرضيّة العابرة، وقعتُ في شرَكِ الحالة الثّانية. صرتُ أسيرَ اللّهب و الذّعر، يقودني العمى و اليقين، ينوب كلاهما الآخرَ على نحو تبادليّ سريع، أكاد أثناءه أخسر القدرة على استعادة الأنفاس.. زرتُ المقبرة في يوم دفْن صديقي. و صرتُ بعد ذلك أزورها بانتظام تقريبا، لأنّ الموت آخذٌ في الحُدوث التّراكميّ.. لا يفوتني أن أخبركم أنّني أكره المقبرة و المدافن، و ليس ذلك لأنّها تحتضن الموتى و تترجم عمليّة النّسيان بأشدّ ما تكون تلك العمليّة. أكره المقبرة بوصفها مكانا واقعيّا.. و قد أضحيتُ أكره الواقعيّة وكلَّ مَن و ما دلّ عليها.. المقبرة تجمع هذيْن الضدّين معا: النّسيان و الواقعيّة.. هذا الجمع بحدّ ذاته بذيء، فبما تحيل عليه من نسيان، تلغي المقبرة الوجود، تدفنُ ذبذبات الكون السّابق. إنّها تنسفُ جماليّات ما كان، وتهدم التّاريخ البشريّ في طرفة عيْن.. في لحظة الطيِّ تُطوى خُضرةُ العالم، حيث يصفرّ النّشيد الكونيّ، وتتكسّر أنظمة الموسيقى، فتغور الأنهار، يخنُسُ نور الكواكب منخرطا في ظلمته القريبة، و تتفتّت علامات العظمة: من جبال منتخية في سموقها، و بحار مستلقية في صخب جلالها و سكينة لذّتها، من عواصف يخورُ فيها صوتُ تشظّيات السّماء..من.. و منْ..و مِن...... كلّ علاماتِ عظمة الإنسانيّة، كلّ تلك الأكوان الّصغرى ضمن منظومة الكون الأكبر، تتلاشى. تنسربُ - و تراها و هي تفعل- في عجالة داخل حفرة ضيّقة. في لحظة واحدة تندفنُ في قاع النّسيان ! ياللدّهشة ! ياللعظمة الخفيّة الظّاهرة! ياللضّآلة العميقة الفجّة ! و المقبرة بما تمثّله مشهد إطباق كونيّ تحثّك على الواقعيّة. و لا تنفصل الواقعيّة على الاعتبار. و لا ينفصل الاعتبار أحيانا عن الشّعور بالعبث الكونيّ نفسه: الاعتبار هو شكل من أشكال التّسليم بالنّسيان، بالموت، باللاّشيء.. الواقعيّة تدعوك ،حين تكون في المقبرة ،في مواجهة قبور البشر الذين عرفتَهم في فترةِ ماضيك، إلى الاعتبار في الموت المبكّر:
ههنا يرقدُ عبد المجيد الأستاذ الجليل، حفل تاريخُه بالمجْد الأثيل دفاعا عن العلم و المعرفة و إشاعة نور القيمة.. تحصّل على شهادة في الفلسفة من جامعة ألمانيّة. حفظ لغة الألمان ،و أمكن له أن يطّلع على تركيبة مجتمعات الغرب المتحضّر، وظلّ مع ذلك وفيّا لأصالته و تقاليده. ظلّ ذلك الكائن المتواضع، المسالم، ذا العقل النيّر، الذي يدافع عن الإنسان في غربته الوجوديّة القاسية، ظلّ يشعرُ بأنّه مدين للإنسانيّة بكلّ ما اكتسبه من ثقافة و تمدّن، و بأنّه مُطالبٌ أخلاقيّا بقضاء الدّيْن لبني جنسه، حتّى آخر لحظاته.. قضى نحبهُ في قاعة الدّرْس أمام تلاميذه، وهو في جبهة القتال، في ساحة يجهلها الكثيرون، ساحة الصّمود و الاستماتة.. أصيب بجلطة دماغيّة أثناء تأدية الرّسالة العليا في بثّ الأخلاق الكونيّة.. قال بعضُ تلاميذه أثناء سقوطه الفذّ: " انتهى زمن الكذب.. لن نسمح لاحقا بتزييف العالم.." همس آخر: "لن نترك للأستاذ المعوّض القادم، فرصة أن يخدعنا بهذه السلوكات المتخلّفة.." في الصفّ الثّاني، شهقت تلميذة شهقة ذهول خاطف. و في الصفّ الثالث، بكى اثنان آخران بحرقة.. أمّا البقيّة فغمرتهم لحظة الفاجعة المفاجئة لبرهة غير طويلة.. بعد تدخّل الأطراف المسؤولة، حظي الأستاذ الجليل مدرّس القيمة في حقبة موتِ القيمة، بدقيقة صمت ترحّما على المعرفة.. قال أحد المشاكسين أثناء الدّفن ساخرا: " كان رجلا صالحا.. لقد خسرتْه ألمانيا".
______
سيف.د.ع
نشرت فى 29 إبريل 2018
بواسطة magaltastar
يدفعنا اعتقاد ما إلى اعتبار محمود حسون رجلا غارقا في المتعة بمقياس ما.. إنّ له عقلا لا يُفكّرُ.. عذراا (نروم تصحيح اعتبارٍ متسرّع) إنّ له عقلاً يُفكّرُ بطريقةِ لا تستدعي الألمَ.. لا تنبشُ خلف الفراغ.. كلّ عمليّة نبْشٍ خلف الفراغ ـ الأفكار الجالبة للشّقاءِ الإنسانيّ لم تكنْ تتصلُ بدماغِ محمود حسون من قريب و لا من بعيدٍ.. لذلك نعتبرُ هذا الصنف من البشرِ كائنا بسيطا.. و ليس علينا أنْ نعُدّ البساطة حينئذ تحقيرا، ولا نزولا عن مرتبةٍ إنسانيّةٍ في وجود بشريّ ما.. ذلك أنّنا نعتقد أنّها- على عكس ذلك- مكسبٌ تنفِقُ الكائناتُ العاقلة من أجل بلوغه المالَ و الزّمنَ، و تتكبّدُ مشقّات فظيعة في محطّات العمر المختلفة، بحثا عن لحظةٍ تخلو من حُمّى الجدل الذي لا يُفْضي إلى شيءٍ.. البساطة الحقّ هي شارطُ السعادة المحض...
محمود حسون كان ممّن يدركون تلك السعادةَ محْضًا.. كان يعيش البساطة ببساطةٍ دون أنْ يعِيَ بكونِها بساطة.. ربّما كان يعيش بذلك الأسلوب، أقصى لحظات انخطافِه و نشوته.. البساطة عند محمود حسون أنْ يسوق قطيعه للمرعى و للعودة من المرعى مرّتيْن على الأقلّ في اليوْم، صُعودا ونزولا.. كذلك كان، و هو يُطارِدُ خروفا شذّ عن طابور القطيع، يمتثلُ للبساطة الجذلى.. و حين يُدلّي وجهه بين قائمتيْ النعجة شاخبًا حليبها إلى فيه، منتقِلاً من ضرْعٍ إلى آخر، ومن نعجة إلى أخرى، كان يحيا ضرْبًا من المتعة الخالصة التي تنشأ سلوكيّا عن بساطة ظاهرةٍ.. ولم يكنْ ، و هو يجتهد في اقتناصِ "شحمة الأرض"، يُفكّرُ بشيءٍ سوى أنْ يَعقِدَ مشهد ذبيحة عذراء، و يُدير حفلَ شواءٍ في لحظاتٍ مخلوسةٍ مِنْ زمان يومِه.. وهي لحظاتٌ مسرفة في المتعة و غير مكلفة.. و الأهمّ من ذلك أنّها لا تمتّ لغيرِ البساطة بصلة..
ذلك وجه الحياة و مطلق البساطة الممتعة التي عرفها محمود حسّون الرّاعي، حتّى بلوغه مرقدَه ههنا في المقبرة..
_______
محمود حسون كان ممّن يدركون تلك السعادةَ محْضًا.. كان يعيش البساطة ببساطةٍ دون أنْ يعِيَ بكونِها بساطة.. ربّما كان يعيش بذلك الأسلوب، أقصى لحظات انخطافِه و نشوته.. البساطة عند محمود حسون أنْ يسوق قطيعه للمرعى و للعودة من المرعى مرّتيْن على الأقلّ في اليوْم، صُعودا ونزولا.. كذلك كان، و هو يُطارِدُ خروفا شذّ عن طابور القطيع، يمتثلُ للبساطة الجذلى.. و حين يُدلّي وجهه بين قائمتيْ النعجة شاخبًا حليبها إلى فيه، منتقِلاً من ضرْعٍ إلى آخر، ومن نعجة إلى أخرى، كان يحيا ضرْبًا من المتعة الخالصة التي تنشأ سلوكيّا عن بساطة ظاهرةٍ.. ولم يكنْ ، و هو يجتهد في اقتناصِ "شحمة الأرض"، يُفكّرُ بشيءٍ سوى أنْ يَعقِدَ مشهد ذبيحة عذراء، و يُدير حفلَ شواءٍ في لحظاتٍ مخلوسةٍ مِنْ زمان يومِه.. وهي لحظاتٌ مسرفة في المتعة و غير مكلفة.. و الأهمّ من ذلك أنّها لا تمتّ لغيرِ البساطة بصلة..
ذلك وجه الحياة و مطلق البساطة الممتعة التي عرفها محمود حسّون الرّاعي، حتّى بلوغه مرقدَه ههنا في المقبرة..
_______
سيف.د.ع
نشرت فى 29 إبريل 2018
بواسطة magaltastar
إحدى مدن الــــــــنّعْــــي
... في شُقّةٍ ما في الطّابق الثّالثِ يفتَحُ الشّاشة َ، و النّافذة َ، ليُطِلُّ على الكون..في وسط الطّابقِ تندسُّ الشقّةُ. الطّابِقُ في أعلى عِمارةٍ أصلُها ثابتٌ في شارِعٍ كثيفِ البؤْسِ، مدفونٍ في الوحشةِ. والمدينة ُ محفوفة ٌ بالضّبابِ، غارسةٌ في الرّطوبةِ، يلُفُّها عَفَنٌ كبيرٌ. ويخترِقُها عبرالأحشاءِ والأزقّةِ وخلايا الأمكنةِ صمت محضٌ.. والشّاشة في أيّامِ الرّاحاتِ الأسبوعيّةِ والعُطَلِ تذبحُ الصّمتَ المتطايرَ من الجدران والنّوافذ، ومن أمكنة عدّةٍ.. منذ الفجرِ، بعد أن يفْنى صوتُ المؤذّنِ وتنمحي غمغمة المُصلّين الخارجين من العبادةِ وبعد أن يتلملم الكلمُ الطّيبُ بريدا إلى السّماءِ، وتئِزُّ سيّاراتٌ خافتة ُ الأزِّ على الطّرُقاتِ الموحلةِ، تنفتِحُ وردة ُ الضّوءِ وتنقشِعُ الظّلماتُ بطيئا، يهرعُ الصّمتُ إلى الشّوارِعِ ويستوْطِنُ المكانَ . ويُلْحِدُ المدينة َ على امتداد سويْعاتٍ من الفجرِ المتثائبِ موتٌ فجٌّ،، لا ينْهبُ منْ سلطتِهِ إلاّ وقعُ حوافِرِ الأحمرةِ والبِغالِ تنقُلُ على العرباتِ المجرورةِ صناديقَ الخضرِ والغِلالِ باتّجاه السّوقِ والدكاكين المجاورةِ لكنّه نهبٌ مخلوسٌ خفيفٌ.. والصّمتُ والموتُ متعانقان إلى وقتٍ متأخر نسبيا في النّهار.
على الكونِ يُطِلُّ من شُقّتِهِ. أصابعُه على الزر. والقنواتُ تنساقُ إليه سريعا. وأصابعُه لا تسكنُ عن الضّغط والدّوسِ إلا هنيْهاتٍ متفاوتٍة في الطّولِ والقِصرِ: زرّ:موسيقى.زرّ: صخَبٌ.زرّ: تلاوة. زرّ: رقصٌ أهوج. زرّ: خبرٌ عاجل. زرّ:عرْي. زرّ: قتْلٌ . زرّ: زعماء وخطابات. زرّ:اعتصام ما بعد العام. زرّ: شيوخٌ وُعّاظ. زرّ: إرهابٌ. زرّ: سيّارات مفخّخة ٌ. زرّ: أخبارٌ شتّى. زرّ:نعْـــــــــــــــيٌ:أنباءُ الموتِ تُطِلُّ من زوايا الحياة ... ...
تضيق الزّوجةُ من صوتِ التّلفاز: : خفِّض أرجوك. " نحتاجُ إلى الرّاحةِ والصّمتِ".
يُخفّضُ صوتَ التلفازِ. تخفتُ الأصواتُ في المسامِعِ. ولحينٍ تمّحي بصماتُها مِن الذّاكرةِ، فيما ينبُضُ حضورُ الصّوَرِ." ما الفرقُ بيْن وحشةِ القبرِ وشارِعٍ باردِ الأضواءِ ؟ بيْن غياهبِ الجبِّ وجدرانٍ تخلو مِن الصّفاءِ والأمنِ؟ ". بيْن تلك الجدران يندسُّ تِلفازٌ موصولٌ إلى صحنِ هوائيٍّ .التّلفازُ مزروعٌ في فراغِ جسمٍ خشبيٍّ، حواليْه رفوفٌ مِن زُجاجٍ وخزفٍ لتُحَف صامتةٍ.. في الغرفةِ طِفلٌ في الأربعين . بريءٌ،إنسانيٌّ، على أنّ في الوجهِ قسوة ً. قاسٍ، على أنّ في النّفسِ انصهارا. في الطِّفلِ رجلٌ عاطفيٌّ نحّابٌ وليس في المدامعِ دمعٌ. في بكاءِ الرّجلِ نشيجٌ و نشيدٌ. وفي الصّدرالمُزدحِمِ بالقسوة والعاطفةِ، إحساسٌ بالذّبحةِ. وروح ذلك الفتى الكهلِ منفطِرٌ .
تتأفّفُ الزّوجة ُضيقا. تلك وتيرة ُيومِها. تسْتأنِفُ أوقاتَ الضّجرِ. صوتُ التّلفازِ مُضجِرٌ. الصُّوَرُ الكتيمةُ مُضجِرة ٌ.
ـ خفّضِ الصّوتَ أرجوك.
ها هو بلا صوتٍ. صُوَرٌ لا غير. تتحرّكُ، تتغيّرُ تتلوّن، وهي مع ذلك ميتة..
ـ لعبةُ الألوان في تناوبها تُزعِجني.
ـ أمهليني، سأغتالُ الصّورة َأيضا.
وتنحلُّ العواطِفُ ويخمُد الشّوقُ . والشّارِعُ لمّا ينفتِقْ عن شُعاعٍ مُبينٍ " ليت الفتى حجرٌ".. إنّ الفتى يومئذ هباءٌ. ما الذي بإمكانِ فتى الأربعين فِعلُه؟ ينامُ ليضجرَ؟ يُحبُّ فيبكي؟ يشتهي إمرأة ً لا يفهمُها؟ يتغزّلُ بأخرى لا يبلُغُها؟ ما الذي بوسعِ الفتى فعلُه؟ يثورُ أم يُغنّي يتصوّفُ أم ينتحرُ؟ يُغنّي أم يُصلّي؟ يضغطُ الأزرارفتُــغِــيـر الشّاشاتُ ولايقوى على أن يَغارَ؟؟
يحرثُه الحزنُ، ويصمُتُ. يرى الشّارِعَ في انفلاتةٍ ضوءٍ تتمطّى. يسمَعُ وقْعَ حوافر على الاسفلتِ تُصَفّقُ لليقظةِ. وللضّوءِ تتبرّجُ. وكأنّها تنْتصِرُ للحياةِ . ولمّا تبدأ الحياةُ... الزّوجة ُ في الفِراشِ تتململُ قبل التّلمْـلُمِ. ثمّةَ أنوثة ٌ مُبعْثرَة النّعومةِ تحتَ الملاءةِ الخشِنةِ. جسَد فيّاضٌ، تبْرُكُ في داخِلِه روحٌ مُسْرِفةٌ في الحلمِ. رجاءاتٍ و رُؤًى تتضوّرُ .
يعرِفُ منذ الوهلةِ الثّانيةِ أنّ عيْنيْها تنصرِفُ إلى نقطةٍ خارجَ قطبِهِ. وبعيدا تنشدُّ. وإلى زاويةٍ قصيّةٍ تُسافِرُ. هناك، أيْ هناك، في طفولةٍ ثاويةٍ في غابةٍ غاربةٍ في الدنيا تناجي البحرَ وتتمرّدُ على القدر اللاهي.
ـ لمَ لمْ تعْتِقْني؟ ألا تراني على حافّة الانكسار؟ ليس في قدرتي أن أستمرَّ. الاستمرار مغامرة ٌ في الموتِ الثّقيل .
ويردُّ ببرود:
ـ انعتِقي، وأطلِقي روحي، لو عرفتِ أسري لأطْلقتِ روحي.
ـ لا يحقُّ لك النّدمُ الان. النّدمُ نذالةٌ مضاعفة ٌ في هذا الشّأوِ.
ـ وهل من قيمة لأيِّ شيء الآن؟ لم ينفع النّدمُ فهلْ تُجدي المُحاسبة ُ؟هذا زمنُ الفعلِ في كلِّ شيْء، فافعلي أو انعدمي . انعتِقي أو انكسِري.
تثورُ ندى بعنفٍ. وتكسِرُ الثّورة ُالأنوثة َ الحالمة َ، ويثقُبُ الانفعالُ شفافيّة َ العشقِ والعشرةِ. وتتهاوى الأعمدة ُ من تحتِ سُقوفِ التّناغمِ الموهومِ. وتتوعّدُ ندى بالثّأرِ:
ـ سترى الوجه الآخرَ مِن ندى. أنتَ لا تستحقُّ الحسنى .
وتنتفضُ. تخلَعُ قميصَ الحياءِ وتستدعي لغة ً مِن الفجاجةِ العفنةِ. تستبْدِلُ لسانَ الرقّةِ والنّقاءِ بلسانِ أجربَ. تحرقُ صاحبِتَه النقمة ُو تصنعه فوضى الثأّر فيحرقُ وشائجَ الودِّ، ويلوّثُ رعشة َ الأشواق:
ـ أنتَ لا تستحقّني، لم تكن أهلا لتضحيتي. لم تكن قَطّ مسؤولا. كان عليك أن تتزوّج إلاّ إحدى شبيهاتِك.
يتعجّب رفيق مِن خروجها عن طورها. فيه يزدحم الغضب. تنهض من أعماقِه شرارة مقتٍ وتحلّ في الحدقات. تسخنُ أطرافَ الوجنةِ . يتحوّلُ الحسُّ الرّجوليُّ لديهِ إلى قبضةٍ نار. وتحت أصابعِه تتوثّبُ أفعى الموتِ. يهمُّ بأن يرتكبَ لعنةً زوّقها الشّيطانُ. يروم لو يردّ عليها:
" أنا أفضلُ منك وسامة وثقافة و محتدا. وشبيهاتي مرهفات الحسِّ، جميلاتٌ. أمّا أنت فتافهة ٌ ومنبتّة حضاريّا و فكريّا...يهمّ بذلك ويُقلِعُ. يحاولُ جاهدا أن يكظمَ غيظَه، لكنّه يجرحُها:
ـ في البال امرأة ٌ أخرى، قد لا أعرفها ولكنّي أراها. امرأة نُطقُها همسٌ أو ما يربو عن الهمسِ قليلا. قبل الهمس أناة، إبّان النّطقِ أناةٌ. والنّبرةُ موسيقى. والصوتُ ضماد كُلومِ الرّوحِ، خريرٌ في مسافة وهم الصّادي. الصوت فتيل يقتحمُ بأعمى الرّوحِ عنيفَ العتمةِ والدّيْجورِ. صوتُها وجبة أسْخى إلاه لأشدّ مخلوقاتهِ نَصبا وسَغبا. . صوتُ تلك التي أراها ولا أعرفها، يختزِلُ قواميسَ الحبِّ والتّحنانِ.. إنّك ِ منفيّةٌ عن قلبي . هناك ،على البحرِ ما تزالين، تُشيّعين الموجَ وتسْتقْبلين الزّبدَ ...
على السّاعةِ الثّامنةِ وبعضِ ما تلاشى من الوقتِ ، تنهضُ أشباحُ المدينةِ . يتفرّقُ الضوءُ في الأزقّةِ يتيما راجفا. فيُطِلُّ مِن شُقّتِهِ على الشّارِعِ . مِن علٍ يرى أقداما تسعى. يرى دبيبا في الأرضِ البورِ، وخُطواتٍ في رجفةِ الضّوءِ تتعرّى عن شفيفِ ثوبِ الظّلماتِ الآخذ في الانحسارِ.. ما يزال بيْن أصابِعِه جهازُ الأزرارِ الشّتّى. وفضائيّاتُ الجنون: القتلُ المجنون. الرّقصُ المجنون. جنون العنفِ. جنون الحبِّ. وإنْ مِن شيءٍ إلاّ داخلٌ في حُمّى الجنون...في التّلفاز جحيمٌ. في الجحيم عالم ينسلخُ. كائناتٌ تتفتّتُ. حضاراتٌ تُحتَضرُ. لغو، و نعيٌ.. يُطِلُّ من زاوية الصّالةِ، يتفقّد السرير بذيء الصّرير. بارد اللّهفةِ، لعلّه أضحى خاويا منها .. يعنّ له أنّ زوجته طارتْ، حوّلتْ خُصلاتِها إلى أجنحةٍ وطارتْ في سكرة اللّيل وفي رطوبةِ العتمةِ ، عارية ً، فراشةً قُبيْل الانفجار إلى رمادٍ.
ـ كيف تركتُ مدينتي وجئتُ إلى هذا الخرابِ؟ كيف طلّقتُ جنّتي وملائكتي، واخترْتُ عمياءَ الهُبوطَ إلى معتقلات أرضِك؟ لعلني كنتُ ناقصة عقلٍ، علّ لي عقلا عقيما؟
كان يقول لها:
ـ لا وجودَ لجنّةٍ يا حبيبتي أبدا. كلُّ ما على الأرض جحيم. والمدائن كلُّها و القرى البوادي جحيمٌ. والآفاقُ، آخرُ ما تبلُغُ الأحداقُ منك، لهَبٌ عموديّ. وكذلك المدى والبحرُ، فِجاجٌ مِن نارٍ.. لا وجود لملائكةٍ يا رومانسيتي الشقيّة. كلُّ أؤلئك الذين تُحبّين أو تعتقدين. لن يعترفوا بجنونكِ. ولكلِّ كائنٍ شيطانُه؟ وجميعُ الشياطين أذكياء. وساعة َ ينهضُ الواحد يتنافس الكلّ في الشرِّ. أمّا أنتِ فعمياءُ يا حبيبتي ، ومثلي لك عقلٌ عقيمٌ...
ـ يالبرودة الدم فيك! يالك من سمِج ! لكنّ الجحيمَ سـيلْتهـِمُك.
ـ عوّدتْني الشّاشة ُ التشوّشَ والاضطرامَ، ثمّ الانصراف إلى التّلهّي بالثّلجِ..
سريرُ الغرفةِ بلا صرير. ليس كعادتِهِ حين يتمرّغُ عليه جسدٌ مِن أنوثةٍ بارعةِ الثّراءِ والشّراسةِ.." لعلّها طارتْ أو تكادُ تحطُّ هناك في مدينتها البعيدةِ.. الغرفةُ آسنة ُ الأنفاسِ والنّبضِ . غيرَ أنّ الخصلاتِ لمّا تصِرْ أجنحةً. ما تزالُ على الوسادةِ مُشتّتة ً ضجرةً. والجسد البارِعُ الحضورِ، على فوضاه مِن العُرْيِ من الشّهوةِ والنّفورِ.. وعلى غيرِ انتظامها ، تفلتُ الأنفاسُ أحيانا بلونٍ مِن شهقاتٍ تومئ للنّزعِ بالمجيء.. يُغلِقُ البابَ لطيفا. وبأفٍّ ثقيلةٍ وغامضةٍ يدرأ أربع عشرةَ عاما مِن الوهمِ، وأربعين مِن التدلّي في الفراغِ ، وآلافا مِن الغصّةِ واللهفة والحلم...
في الغرفة الأخرى. ثمّة َ كونٌ. ثمّةَ فردوسٌ بنفسجيُّ الفضاءِ. فيه تتوالدُ القبلاتُ وتدفقُ. تثملُ بالحبِّ وتنثالُ. القبلاتُ على وجناتِ الطّفليْن تراتيلُ، صلواتٌ، ترانيمُ مطليّاتٌ بالشّوقِ، مغموساتٌ بالحبِّ واللّهفةِ.
ـ أنتما فحسب من يرجئ القرارَ ويُسوّفُ التمرّدَ . أحبكما ملكي ومالِكيَّ. بيد أنّي حزينٌ وصامد. فهلْ بوسعكما فهمُ حزني وصمودي، وتأهّبي؟
يُخاطِبُ الملكيْن وينهضُ. يصطدِمُ السّمعُ بآهةٍ،أنّةٍ طريّةٍ، لكنّها فاتكة ٌ. سريعا تتسمّمُ الخلايا بِجرعةِ حزنٍ. يصطدِمُ رفيق بالألمِ الفوّارِ. ويعجزُ عنْ تعيينِ مواطِنِ المخاض والخضّ. يسْتدْعي الدّمعَ وقد أحسّه على شفا التجلّي ، فلا يسْتجيبُ. ومع ذلك يبكي.. يجلدُ الرّوحَ تأنيبا : " ينبغي للملكيْن أن يطيرا. ألا تبّتْ يداي إنْ مًدّتْ لضربكما ثانية، وتبَّ اللّسانُ إنْ لم يصنْ آدابَه".. ولا يتجلّى الدّمعُ رغم استِرسالِ البكاءِ . يقْرأ مِن القرآن يسيرا. . وعلى رأسيْهما والأطرافِ يمسحُ البركاتِ.. ثمّ يُقبّلُ ثانيةً. يدسُّ في القبلاتِ الجديدة على جبين الملكيْن شُحنةً أقوى مِن الحبِّ والرّأفةِ.. يُغلِقُ الشّاشة. أزرارُها مغسولة ٌ بالدّمِ .الصّمتُ والظلمة ُ يحجبان القتلَ فيخرُج من ثقوبٍ شتّى. والدّمُ ينسابُ مِن آلةِ التحكّم عن بُعدٍ، بيْن أصابِعِه.. يُلقي بالالة الصمّاءِ الدّاميةِ. يغسِلُ يديْه مِن الأزرار والدّمِ. هاهو ينفلِتُ مِن الشقّةِ طَمعا في فضاءٍ أقلَّ مِن غرفتِه وروحِه وحشةً وتوحّشا..
في الشّارِعِ يشبُّ الضّوءُ.هناك، يوشِك انتشارُالنّاس أن يكتملَ في الطّرقاتِ السّالكةِ إلى الدّكاكين والسّوق البلديُّ.. في نفس تلك المسالكِ والأنهجِ، وبيْن نفسِ الجُموعِ والأشباحِ، يشقُّ "عزرائيل" طريقَه.. ساقاه ثقيلتان تدفعان عجلتيْ درّاجتِه إلى الزّحام تدريجيّا.. وتدفعُ رئتاه الأنفاسَ صوتا جريحا إلى الصّورِ في يدهِ.
ـ وحّدوا اللّه . توفّيَ اليومَ على السّاعةِ ... عمارة بن خميس بن حمودة... الدّوام للّه... والدّفينة بعد صلاة العصر في جبّانة سيدي العرباوي. وحّدوا اللّه..
ويتقدّمُ النّاعي في مسافات الزّحامِ، عجلتا درّاجتِهِ تلو لبان الحياة َ والموتَ، وتُكرّران وتيرة َ الدّورانِ، والصورُ مرفوعٌ إلى شفتيْن قاسيتيْن تُحوّلان الخبرَ بالتّرديد والصّدْعِ إلى لازمةٍ يسبقُها فراغُ الصّمت ويتلوها.. حين يَحلُّ الموتُ صفيقا ضاريا يخرُجُ مِن لا زمانٍ، يفترِسُ أيّا شاءَ مِن الأمكنةِ تتحرّكُ العجلاتُ : لاريثَ لاعَجَلَ. تجتاحُ أرضَ الشّارِع فيتفرّقُ النّاسُ ، ينتشرون ، ينشقـّون عنْ تكتّلِهم، ينفضّون عن الجدران التي لاذوا بها منذ الصّباحٍ الباكر اختلاسا لِشُعاعٍ كسلان بخيلٍ. ويفِدُ النّاعي بصوتِه، يرشُقُ الضّمائر الغافلة َ، ويُعيدُ للأذهان وعْيَها النائي:
" وحّدوا اللّه فلان بن فلان ،الدّوام للّه".
الصّوتُ ناشِفٌ ، جرَسٌ صدِىء الرّنين في كنيسةٍ آهلةٍ بالشّياطين والوحشةِ. الصّوتُ نبّاهٌ في شوارِعَ آثِمٍ صمتُ أهلِها.. تختلِجُ الأرواحُ مِن ضلالِها لوهلةٍ الذكرى.. أصواتُ اللاّئذين بالشّعاعِ وأصواتُ المندسّين في رُطوبةِ النّهارِ سويّة ً تُردّدُ: "اللّه أكبر، ما يدوم كان وجه ربّي". ترتجُّ الأنفُسُ في الجذورِ لاستفاقةٍ عابرةٍ. وتتساوقُ أصواتُ الزّناة والتقّاةِ :" اللّه أكبر ،، هذا موسِمُ تطاير الأوراق"ِ.. موجة ٌ مِن ندمٍ واحتضارٍ تتدافقُ في الأعماق ِ. . فجأة ًـ والصّوتُ لا يزالُ ناعياـ تنصرِفُ الأنظارُ إلى نصيبِ الدّنيا مِن اللّذائذِ، حين تمرُّ فتنة ُ الشّيطان تُحاذي درّاجة َ النّاعي.. أنثى في غايةِ الإشراقِ، تتبرّجُ في الرّصيفِ المُفضي إلى ساحاتِ الاكتظاظ حيثُ يتبرّجُ السّوقُ بدورِه نِعَمًا. صوتُ طقطقةِ الحذاءِ يُذوِّبُ حفيفَ تلولُبِ العجلاتِ، يشْرَبُ غمغمة العابرين، يمتصُّ ضوضاءَ الباعةِ ،و يُفْني بُرهة َ التّقوى.. لحظة ٌللموتِ ، لحظة ٌ للعيْشِ. ارتعاشةٌ للآخرةِ وانتعاشة ٌ بالرّاهنةِ تصطدمان.. ولا ينفكّ عزرائيلُ المدينةِ يصدَحُ : " وحّدوا الله. الدّوام للّه".. رفيق، واحد من هؤلاء اللاّئذين، يرى و يسمعُ، و يلوذُ حتما بشيء لا يعرِفُه سواهُ. ورُبّما كغيرِه، كان ممزّقا بيْن التّراخي للخطيئةِ وبيْن شهوةِ الأوْبِ إلى الهُـدى.. وهو في الحاليْن وبيْنهما شقيٌّ وحزينٌ.
عينا رفيق تقتفيان أثرَ التبرّجِ فيما يقتفي السّمعُ متلاشِيَ الإنذارِ، و يعيشُ الوعيِ بالنّعيِ. وكلُّ ذلك كان عنه مسؤولا. وعنْ غيرِ ذلك سوفَ يُسْألُ..
" ما الفرقُ بيْن التّلفاز والمدينة؟ّ للمدينةِ أزرارُها الشتّى. وللتّلفاز نُعاتُه و المتبرّجون.. كلتاهما عاهرةٌ، وبكلتيْهِما رائحةُ الحزن، ملمَحُ الدّمِ و ملْمسُهُ. ومِن كلتيْهما ينداحُ الضّجرُ والكآبة ُ والعويلُ...
في المدينةِ عُواءٌ. الطّرقاتُ تعوي تحتَ وقعِ حوافِر الأحمرةِ التي تجرُّ العرباتِ وتحملُ الأغذية َ لسوقٍ كاسدةٍ، وتحت مطّاطِ السّيّاراتِ الباذخةِ التي تبصُمُ السّخرية َ عند كلِّ أزيزٍ. وللائذين بالأشعة مختلسي الدفء صمتٌ يعْــوِي. أياديهم المدفونة ُ في البناطيل الخاويةِ، حينا تتلمّسُ الفراغَ وتحتمي بأمنيةٍ واهمةٍ للعثور على نُقودٍ لا تُفضي إلى خجلٍ، وتارة ً تُلاطِفُ العورتِ سِرّا وتستهلِكُ المُتعة َ بالعُريِ صمتا.. والمرأة ُ المتبرّجة التي تسْتقْطِبُ السّمعَ والمُشاهدة َ وتصرِفُ عن النّعيِ، عُرْيُها عاوٍ. وبِمشْهدٍ ما، لا بُدّ أنّها تلوذُ.. والشّعاعُ ذاتُهُ، حيثُ يغتسِلُ القومُ مِن لزوجةِ الضّباب وريْنِ الرُطوبةِ والسّأمِ، يلوذُ بِضِدّه.. هكذا تتوالجُ الأضدادُ في الأضدادِ. ولِكلِّ أمرٍ جاهِزُ الأزرارِ داميها..
بإمكان رفيق أن يختلَّ الآن.. في وسع الرجل الكهل أن يرجع طفلا. في الطرقات سيجري نقيّا. في وسع الطفل الكامن أن يتحوّل رجلا شـهْمًا. كما يمكن للشهم أن يوْضُع َبين الفينة والأخرى. يسْتأنِفُ النّاسُ لواذَهم من بالفراغِ بالظّلِّ، بالغيْم، بالدّفءِ، بالشّمسِ بالغِلالِ، بالأسماكِ، بأنثى تفتَحُ النّارَ مِن فوهاتِ ثيابِها. ويسْتأنِفُ النّاعي مجيئه ونذيره: " الدّوام للّه".. ويسْتأنفُ رفيق شغَفَ الضّغطِ على الأزرارالتي يؤولُ معظمُها إلى عطبٍ أكيدٍ.. يعنُّ له أن يعودَ إلى غرفةِ الضّجرِ ليطرُد كائنات البحرِ إلى البحرِ. و يُرشِدَ كائنات الفجرِ إلى مسالكِ الفجرِ .. وتمرُّ درّاجةُ النّاعي غيرَ بعيدٍ. صوتُه يجتازُ الآذانَ إلى خفيِّ السّرائرِ وقصيِّ اليقظاتِ.. يركضُ رفيق خلف الدرّاجةِ. يُنادي بصوتٍ حييٍّ ـ انتظرني، أريدك.
بعد مشقّةٍ يسْتوْقِفُه.. بثقلٍ يردُّ عزرائيل ذلك النّاعي الأبديّ: ماذا تُريد؟
يسلّمُه رفيق نقودا تكفي لإعلان نعْيٍ. ويرجوه :
ـ أرغبُ في أن أسمعَ اسمي بصوتِك عمّا قريب. غدا أو بعد غدٍ على حدٍّ أقصى. وإليك الإسم: رفيق عبد الغفور. اخترْ أنت التوقيتَ الذي تراه مُناسِبا. واخترالجبّانة َ. سأنتظِرُ هذا الصّوتَ. سأسمعً بوقَك وأرى درّاجتكَ تــــسْـعى.
ـ اسمعْ ،اسمعْ.. يا... ولكنْ ما هذا؟ ماذا دهى الأحياء المجانين؟
ـ اعتذرُ الآن.. افعل ما قلت لك.. يبدو أنّي نسيتُ التّلفازَ مفتوحا. وزرَّ الصّوتِ مكتومًا، ونافذةَ الملكيْن موصدةً .
ـ اسمعْ ..
تحرّكت عجلتا الدّرّاجةِ بتحرّكِ قدميْ رفيق .هاهو ذا يذوبُ في المسافةِ و يخرُجُ مِن شارِعِ النّعيِ إلى.......
_____
سيف الدين العلوي
نشرت فى 25 إبريل 2018
بواسطة magaltastar

♠
♠
♠
♠ القصة القصيرة
♠
♠
♠
♠
♠
♠
♠ حن على القلة ده الغريب حن
♠
♠
♠
♠
♠ في واحدة من المناطق الشعببة في القاهرة ، دارت أحداث قصتنا في جو أيام زمان حيث القيم تفرض نفسها على الجميع ، ومن النادر أن يخرج أحد عن القيم السائدة في الحياة ، ففي ذلك الزمان كان الناس مرتبة كحبات السبحة ، والاصول هي الاصول بكل ما في الكلمة من إيحاء ، فقبل أن يوجد مكتب لحراس أمن على بيوتنا كان هناك البواب ، وهو رجل غالبا طيب يقوم طوال النهار بقضاء حاجات السكان ، وفي المساء حتى ساعة متأخرة من الليل يجلس على دكة ، ويسأل كل داخل للعمارة ويقول رايح فين يا بيه أو رايحة فين يا هانم ، ثم والحركة قليلة يقوم بمسح السلم حتى في الصباح يجد السكان السلم نظيف ، ثم يدخل غرفته القريبة من باب العمارة وينام نصف نوم ، كلما وجد حركة أسرع بالخروج من غرفته ، وسادت في الحياة تعبيرات يعتقد كاتب قصتنا أنها إنقرضت كما إنقرض من الحياة ذلك الحيوان الضخم المسمى الديناصور ، تعبيرات مثل (بنت الحته) وهي كل فتاة في الحته كانت تتمتع بالحماية من كل سكان حتتها وتعبير ( الناس لبعضيها) ، وهذا التعبير كان كوثيقة تأمين ضد غدر الزمان ، يوم كانت البيوت مفتحت الأبواب خاصة عند الإفطار في شهر رمضان الفضيل ، وأي غريب يمكن أن يجد له طعام عند أي إنسان ، وكذلك يتجمع كل سكان الحته في عزاء أو فرح أي من الجيران أو سكان المنطقة ، والعيب كل العيب في من يتخلف أحدا إلا بعذر يعرفه الجميع ، وواجب المجاملة الذي يرد إلي كل مجامل في أي مناسبه عنده ، مما يجعل الجميع في مأمن من تقلبات الزمان ، والمصريين لهم عبقرية خاصة في المعاملات ، والكاتب بحكم سفرياته كاستاذ جامعي وإحتكاكه بالأشقاء العرب يعلم أن لكل بيئة عربية خصوصية تعبر عن عبقرية المكان وعبقرية السكان ، ففي مصر وكذلك في بلادنا العربية ، عند فرح وزواج أي من بنات الحتة ، كانت البنات تتجمع عند العروس لتزينها يوم عرسها وتعلوا الزغاريد وكن يقرصن العروس من ركبتها فهناك مقوله توارثوها ( إقرصيها في ركبتها تحصليها في جمعتها) أو (أشاركك في فرحتك أحصلك في جمعتك) ، أقوال تعبر عن عبقرية عاشت في الوجدان مئات السنين ، ومن حكايات هذا الزمان ، عندما كان الحب يداعب قلوب البنات فلا تشبع حنينها إلا بالنظر للحب من وراء الستارة أو الشربية حتى تنظر إلي الحبيب شاغل البال ، فإن الحياء كان من سمات هذا الزمان ، وفي قاعدة العواطف هناك دائما ما قد يشذ ، فالبعض منهن قد يأخذها الشوق فتنتظر قدوم الحبيب على باب السلم ، وإذا إقترب منها أكثر من قدرتها على الإحتمال ، كانت تسرع بالدخول إلى البيت وتغلق الباب ، وتقف خلف الباب هي والحنين والحياء ، كان الحب عبارة عن صراع بين الجرأة والحياء ، وفي هذا الزمان كان الحياء ينتصر عادة على الجرأة ، عكس أيامنا هذه حيث الجرأة تغلب في كثير من الأحيان ما يسمى حياء ، وكانت ليلى وهي بطلة قصتنا قد بلغت من العمر 29 سنة ، وبحساب ذلك الزمان فإن قلق الأمهات على بناتهن يبلغ مداه ، إذا وصلن البنات لهذا السن بلا زواج ، والحقيقة أن ليلى كانت ترفض الزواج على أمل أن يأتي جارهم أحمد أفندي في الشقة المجاورة ، والتي إرتبطت بحبه دون علمه ، وكانت تقف في (التراسينا) وهي البلكونه بتسمية ذلك الزمان في مصر ، كل يوم في إنتظار عودته من عمله فهو موظف في وزارة الأوقاف العمومية وهما في الدور الأرضي أي البلكون كانت بالدور الأرضي ، وكان من عادات المصريين وضع قلل من الفخار بها ماء في صنية في البلكون حتى تبرد قبل إنتشار الثلاجات الكهربية في البيوت ، ويوضع في الصنية بعض حباب الليمون وأعواد النعناع حتى يصير للصنية والماء رائحة ذكية ، وبعض العائلات كانت تضع في القلل بعض النقط من ماء الورد مما يجعل الماء طيب الرائحة والطعم ، وعادة أي مار في الحارة إذا عطش كان يشرب من أقرب قلة في أي بلكون في متناول يده ، وكان المصريون يجدوا في ذلك ثواب ولا يتأففون من إستخدام الغرباء لهذه القلل وكانوا يتصدقون بوضع قلل بها ماء عند رأس الحارة ، وكانت ليلى تترقب وصول الحبيب من عمله وتتمنى أن يأخذه الحنين فيقف ليشرب من القلة وتكتفي هي بالنظر إليه من وراء الستار ، فقد كان العشق في تلك الأيام هكذا ، نظرات من وراء حجاب ، كان الحجاب ستارة ، أو مشربية في بلكون مثلا ، ولكن لم يحدث أن فعلها ولو مرة واحدة ، لذلك تشجعت هي لما غلبها الشوق ، وأصرت أن تكسر هذا الصمت في العشق عندها ، فعندما إقترب من البلكون مرة عند عودته من عمله تراجعت خلف الستار ، وقالت بصوت عال لعله يسمعه ، ما كان هو العنوان لهذه القصة.
♠
♠
♠ ا. د/ محمد موسى
نشرت فى 20 إبريل 2018
بواسطة magaltastar

أعلم أنك ستأتي
كنت في زيارة لجندي خدم في لواء الدبابات ،فقد أغز رفقته في الحرب الرهيبة على سوريا، أصيب في عموده الفقري ، خبر آلام المقعد ، تحول بعد إصابته إلى ختيار يمر عليه الزمن ببطء ، يتقلب من جنبه الأيمين إلى جنبه الأيسر ، وسيموت وهو لا يعرف السرعة .
قال لي ونظرات الحزن في عينيه:
- لقد قضيت أوقاتا ممتعة في الحرب .
كان في قلبي ذلك الأثر القوي الذي يتركه شاب بترت ساقاه ، لكن سلسلة لولبية من الأفكار التائهة البعيدة عن بعضها بدأت تتضارب في رأسي ، " ترى أي متعة في الحرب"؟؟
لم أسمع من قبل بهذا ،هو أمر غير مفهوم ،لا يصدق ،اتبعت وجهه الشاحب وجسده النحيل وهمهمت بكلام يعبر عن الدهشة:
- كيف
أشرق ذلك الضوء في عينيه وهو سعيد بما أصابني من تشويش، أشرت إلى حيرتي برفع حاجبي وهز رأسي ، كان عجزه يصطاد عجزي ،وكوني لم أكن قادرا على أن أكون قريبا منه ،أرسلني إلى مكان آخر،كيف تحطم الحرب الرؤى الروحية للجندي المقاتل .
لم أشك للحظة أن كلامه عاطفة ذكورية مبالغ بها ،أو إنه قمة الألم ،مزاج وخيم ،الروح السورية الجديدة.
قال لي بحزم :
- أنتم لا تعرفون شيئا عن الحرب
أغلقت فمي ، وبدون قصد وجدت نفسي أحدق في هذا الجسد المتهالك ،الذي يخفي وراءه مأساة تراجيدية ،رجل انزلق من جقجقة حقبة الصيد،
معوق يلاقي الموت بهذر ،ولم يكن العصف الذهني أن يتوقف عن ما يسببه الإبهام.
انحنى قليلا إلى الأمام ، وأخرج من تحت الفرشة الأسفنجية تقريرا طبيا ، ناولني إياه وهو يقول لي :
- تفضل اقرأ ما هو مكتوب
ما ورد أصابني في أعماق قلبي ،نسبة العجز تقترب من السبعين بالمائة حتى قراءته تثير الشفقة، وذيل التقرير بحاشية تطلب من الجهات الرسمية مساعدته ،ووثق التقرير بخاتم ممهور باسم القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة .
لكن الشيء الغير مفهوما ازدادت طلسمته ،قلت له :
- أنا في غاية الشك أن في الحرب متعة ...هات ما عندك.
حدقت عيناه المصابتان بالكآبة في مكان ما خارج الغرفة،لا لم تكن تلك العينيان على تخوم الخيال،وإن كانت فقدت تسلسل الزمن. قال:
- أعترف الآن أني معاق وأنه يلزمني ربع ساعة كي أخرج القداحة من جيبي ، رغم ذلك قضيت أوقات ممتعة .
لمع فرح في عينيه المبللتين بالحزن،وبنفس الصوت الأجش المتألم تابع
- إن أناس مثلي هم من يجب أن يكونوا في الحرب ،لأن ضميري صاف،أقول لك إنها لحظات نادرة ،غنية ،وعندما تتذكرها تشعر بالنشوة،فمثلا....
وعندما قال مثلا أنفجر بالضحك ،إذ لم يملك الصبر على تأجيل ضحكته ثانية واحدة ،لكن هذه الضحكة جافة تتطاير على جانبي اليأس والضجر، ضحكة.... ضحكة تفترقان وتتوالدان ثم تسقطان في طاسة الرعبة النحاسية.
تحرق قلبي قلت ربما أختل عقله ،تمنيت بحماقة أن أغادره قبل أن أستمع إلى شطحاته،لكني لم أذهب بل قلت له :
- واضح أنك كنت تزاحم البؤس بضحكة
- نعم هكذا يجب أن تتأقلم مع الحرب
رجل قطع نخاعه الشوكي ،وأصيب يشلل نصفي ، في ظل هكذا حالة قال" هل قلت استمتعت...إذا اسمع ":
- لماذا أقص عليك كل هذه التفاصيل ، لكني باختصار سأحكي لك كيف أنقذت صديقي الذي أصيب في المعركة.
" كان الرصاص ينهمر دلاء ،حيث حدث أن أصيب صديقي في صدره ، وهل تتصور أن يحدث هذا ،نعم إنه يحدث كثيرا في المعارك، لكن الذي لا يحدث أن تتقدم وسط النيران لتنقذ صديقك .
صرخ صرخة قوية أثارت رجولتي ،نده باسمي ،أردت أن أقفز نحوه ،ويحتمل أني قفزت قفزة واحدة ، لكن الضابط شدني من عضدي إلى الوراء وقال مؤنبا أياي :
- هل جننت ستموتان معا
- سأذهب لأن بيننا عهد أن لا يترك أحدنا الآخر.
هرعت نحوه والرصاص من كل صوب ،كان متكورا يشبه دون أن يدري قرين روحي ،أصدقك القول وأنا أزحف نحوه سرى في قلبي سر ليس الموت شيء رهيب وأن الحياة ليست قطعة نادرة ،وإن جوهرهما واحد.
عندما تلعب وأنت تحارب من أجل فكرة تنتشل روحك من الحظيرة الحيوانية، فتستمتع نعم تستمتع بأنك إنسان أيها الجار العزيز .
قال ذلك فيما راح يعدل اتكاءه على المسند ،بينما أنا أتحلل إلى أكثر من أحمق لا يملك المقدرة على التفسير.
تابع كلامه :
وأنا أزحف رأيت أرنبا أبيضا مختبئ بين الصخور الجبلية ، فبدا مثل حجرة بيضاء ، كم تمنيت لو أمتلك فروا أبيضا .
ومع ذلك تابعت التقدم ، أشم الرائحة الحلوة للتراب ،وعلى بعد مترين تمدد صديقي مجبرا على أحذ وضعية الجريح ، وقد تشكلت دوائر من الدم على بزته ، وبقعة حمراء حول جسده شاهدة على إصابة بليغة ، وعندما رآني أبتسم وهو يضع يده بيدي ،وراح ينظر إلى عيني ، ضمني إلى صدره ، تاركا صوته ينساب يطمأنينة في أذني:
- كنت أعلم أنك ستأتي لتنقذني
فؤاد حسن محمد- جبلة سوريا
نشرت فى 17 إبريل 2018
بواسطة magaltastar
زاوية محايدة
يقعُ المشهد مراتٍ.. يمّحي، يعود.. يتكرّرُ في الزّمان والمكان. في زّمانِ لازمنيّ، ومكانِ تتفتّتُ هويّتُهُ وتتقشّرُ أغلفتُه.. ثمّ يسقط من ذاكرةِ الإثنيْن..لكنّ الأشياء والأشخاص في المكان، يحرسُهما حيّزٌ ما. يحوزُهما حَدٌّ له حافّة ربما..الأشياءُ والأشخاص في الزّمان تُأويهما مساحةٌ فضاءٍ عارية .. الحياة آسرة هكذا !
هي1 أمام المرناة، ترنو إلى أفقٍ واسع ،ثريّ حالم..و مسدود .. هو1 على كتابٍ ينكبُّ.. بين السبابة والوسطى قلمٌ ينغرسُ ذليلاً وعظيماً في آن، تحت نفوذ الإبهام. يَخطُ هندسة الاعتباطِ المعلّل. هو2 في المقهى، الشارِعِ، غرفتِهِ..أمكنة.. لا مكانَ. يروم أنْ يحتوي الأمكنةَ، يحتلّها كلّها.. يُمارسُ اللاّمعنى خواءً محضاً.. لعلّ الخواءَ امتلاء على شاكلةٍ ما..
هي22، بين مساحتيْن تُراجِعُ درْسَها، تنهَشُ المعنى ..وتلهو بأزرارِ هاتفها المحمول تواعِدُ حُلمًا..في المنعرجاتِ، تحاولُ أنِ تشْتقَّ سبيلا.. وتنتجَ معناه و معناها..
هي1، تحوك من دراما الفرجة،ومن فرجة الدراما كذلك، حلما يتناغمُ و دراماها.. في ذلك تجد معنى كبيرا، يتجرّد عنْ معناه حالَما تنتهي القصّة.. ومعنى آخرُ، تنحتُهُ أمام المرآةِ تستعيد بهاءَ البدْءِ.. ومعانيَ أخرى تشِـمُـها في المطبخِ.. وأخرى في الباصات، حين تسافِرُ بحثا عن ذكرى.. هي1تمارسُ الذكرى بعويلٍ فذّ، ونكهةِ حزنٍ خلاّقٍ.. يهدمها الحزنُ صمتًا، يكسِرُ شغفَها بأنوثتها الأولى..حين تجيئها الذكرى تستنزفُ الماضي دمعا فسفوريّا..
هو1 يَركَبُ غيمةَ وهمٍ آسرٍ.. يتمثَّلُ فلسفةَ أبطال الأفلامِ التي أشعلتْهُ، و الكتبِ التي قرأها وقرأتْه. حين كان يزدرد - ويتوهّم أحيانا- كتبا وسطوراً و تعابيرَ، كان يُسلِمُ وجهَه و باصرتيْه وكثيرا من ذاكرته،إلى المحْوِ.. إنّ الكتب تقرأُ قرّاءَها، وتستهلكهمْ بنفسِ المتعةِ والصمتِ والنّهمِ.. يالَ التآكلِ المتبادل!
يختلسُ أضواء ذكرى دارسةٍ في القاعِ، وشذرات ذكرى محتملةِ النشأةِ في سُقوف متهاوية..أحياناً يبتسمُ إزاءَ لقطةٍ خاطفةٍ.. وقد تشعُّ في عينيْه لؤلؤةٌ فُجئيّةٌ صادقةُ النصوعِ..أحياناً يرتعِشُ تحت نفوذ الإبهامِ، ما بين السبابةِ والوُسطى، قلمٌ عربيدٌ، إزاء لفظةٍ قاسيةِ الجمالِ، أو عبارةٍ مختلجةِ العِطْرِ، في كتابٍ، تشتهي أن يُعادَ ترسيخُها رسمًا جديدا،وَسْمًا أو وَشْمًا..
هي1 تُصنّفُه في خاناتِ اللاّمعنى..هو1 يُصنّفُها في خاناتِ اللاّمعنى... هي2 تُصنّفهما – بحياءٍ غيرِ مفرط- في دائرةِ الفوضى الفارغةِ الفحْوى.. هو2 يُصنّفهمْ بتمرّدٍ بذيءٍ في منطقةٍ محايدةٍ تماما عن الجدوى:" قد أعترف بوجودكم إن تتوافر نقود تكفي لإشباعِ جنوني الطائر و نزواتي ذات النثار الفولاذيّ ؟ " ..
هي1، في حزنٍ تتزيّنُ..تبتكِرُ للأشياءِ روحيّةً ما..تسْبِغُ جدْوى على محتوياتِ فراغِ الأمكنةِ.. توقِدُ فَرَحا في فتيلٍ منْسيٍّ في زاويةٍ منسيّة .. هي2، بحساسيّةٍ مفرطة فاطرة، تستجيبُ لمعناها الخاصّ.. تواسي في السرِّ المفضوحِ، انعدامَ معاني الآخر، كلِّ الآخرِ..وتنهضُ في صمتٍ نحو حدائق تتدلّى غيرَ بعيدٍ من حِقَبِ الآتي ..
هو22، يقطِفُ يوميّا ثمارَ العُقمِ.. يعتصرُ منها نبيذ يومِهِ الفضّيِّ المتلوّن..حين يسكَرُ ،يبلُغُ المدى في الذعرِ، يُجنّنُ الأمكنة ،ويوتّرُ الهدوءَ ويُدشِّنُ اختراقاتِ فضاء الممكن.. وتُشرِفُ هي1 على الهُلكةِ.. لا يُكْنَهُ رمزُ للهلكةُ بعدُ ؟ أهيَ فقدان الحياةِ؟ أم الرغبة؟ هي1:" الهلكةَ اشمئزاز من وجود خاوٍ من الحُبِّ المطلقِ.. أن تتحرّك الرّوح في فضاءٍ مِنْ عدمٍ أبيض محض ، أو كالمحضِ ذاك تجلّي الهلكةِ"..تئنُّ هي، تزدحمُ غضون البهاءِ القديمِ بتوهّجٍ دمويٍّ يزيدُ البهاءَ بهاءً قبل إغماءةِ تعقُبُ الحزنَ. وتسبِقُ البكاءَ..البكاءُ يبدو حارِقًا،لم يُلْمَسْ، ولكنّ انحدارَهُ الصّامتَ يبدو لَهَبِيّاً. لونُه جَمرٌ.وانسكابُهُ دالّ ..
هو11، يعتبرُ الاشمئزازَ هنيْهة َ معْنى..ما عداها نشازٌ حقيقيّ عن المعنى،،كما اهتدى هو إليه طبعاً.. "الاشمئزازُ منهجٌ في درءِ شُبهةِ الغبطةِ.. الاشمئزازُ علامةُ وَعْيٍ حزين.. والوعيُ لا يكون إلاّ حزينًا ".. عليه أن يشمئزَّ دوما ليتناغم مع إيقاعٍ لا تعرفهُ هي1 و لا هي2 ولا هو1.. لنقلْ تعرفُهُ. ولكنْ، على نحوٍ غيرِ فلسفيٍّ، طالما أنّ النحوَ الفلسفيَّ معناه – كما يُخيّلُ إليه- أنْ تشمئزَّ حتّى تنزاحَ تماماً إلى زاويةِ طّمأنينةِ مثيرةٍ للأعصابِ.طمأنينةٍ ذابحة..
يُسرِعُ باتجاهها..يرشّها بالعطرِ..لا يشتهيها في أثناء كتلك..فقطْ، يريدُ أنْ تستيقِظَ لتستأنِفَ غضبَها الاعتباطيَّ المُعـلّلَ.."كان عليَّ ألاّ أشمئزَّ" يوبّخُ نفسَه.. و يعنُّ له أنْ يُضيفُ:" إنّ اشمئزازَك لا يرتقي إلى بهائهاِ المطموثِ بالكآبةِ".. حالما تستيْقِظُ، يتخبّطُهُ مَسٌّ من الاشمئزازِ، أو يُخيّلُ إليه أنّه يرتدي معناه..
هي2، في طورِ ارتباكها الأنثويِّ، تعشَقُ الموسيقى..لم تبدأ الحكايةُ عِشْقًا، ولكنْ تطوّرت الحكايةُ من نفورِ.إلى معانقةٍ..إلى طوْرٍ لا تستوعبُـه تسميةٌ.. إلى عشقٍ ربّما.. صارتْ تعزِفُ نوطاتٍ مراهقةٍ يافعةِ الجمالِ والشّجى، شفيفةِ الحيرةِ، حالمةٍ.. بالعَزْفِ وحده كانتْ تعـْـزُفُ عنهمْ.."الموسيقى وحدها لها القدرة على أن تتغلغلَ في أعماقنا، أمّا بقيّة الفنون فلا تُقدّمُ لنا سوى مسراتٍ عابرة.".. مثل هذا قرأتْهُ عن بلزاك..*ولم تستوعبْه مليّا ،ولكنّ ظلتْ تحتفظُ به ليطفَرَ في مثل تلك اللحظات بالغةِ المتعةِ والعذاب..
تؤدّي واجبها العاطفيَّ نحوهمْ،والدراسيَّ نحوهمْ. ونحوها.. تُسهِمُ في إيقاظِ الدّائخِ مِنْ دوختِه.. وتعكِّرُ صفوَ الصفاقاتِ المستبدّةِ بتمرّدها النّــكِــهِ.. وتشمئزُّ من فلسفة الاشمئزازِ العفنةِ فتردّ عليها باشمئزاز ضديد، يكسرُ حِدّتَها.. تنجِزُ مُذاكَرتَها على نحوٍ يُرْضيها.. ثمّ تنعزلُ بإتقانٍ، للعزْفِ والعُزوفِ..للعزوفِ بالعَزْفِ.. لأحلامِ يفاعتِها الأولى.. وإذا ما أمعنَ هو1 في ارتداءِ أثوابِ معانيه التي يعتقد أنها معاني.أو هو2 في إدارةِ أكوابِ نبيذ العُقمِ واستدرار دراهم المتَعِ اليافعةِ العرضيّةِ المتكرّرة ،والتي تتحوّل بعرضيّتِها إلى ثابتٍ، يعتقدُ أنّه جوهر.. أو هي1 في تمثّلِها لفلسفةِ الهلكةِ. أو معاقرتها لفنِّ الوجود بالجمالِ. أو تصنيف شهيِّ الأطباقِ ..أو الانغماس في حريق دراما عابث،، فإنّ هي 2 ترتاد مناطق الموسيقى..تتنافر معهمْ لتنسجمَ مع العزلةِ والإيقاعِ والحلمِ الضّروس. تطرد سِرْبَ الأشباحِ عاهرِ الحضور.. وتنادم جلساءَ الوجع السحريّ..
أمّا أفراس الحلم فـتجفل في براري الوقت الأصفر.
الحياة آسرة هكذا.. ذات معْــنى مُـتلاشٍ.. ـيُخيَّلُ إلى عميقي الحسّ و نزر منَ التّافهين، أنّه اللاّمعـنى..
_____
سيف الدّين العلوي
نشرت فى 4 مارس 2018
بواسطة magaltastar
♠
♠
♠ ♠ القِصَّةُ القَصِيرَةَ
♠
♠
♠
♠
♥ و
♥ رَحلَت
♥ البركة
♥
♥
♥ وكَانَتْ آلَامٌ الكَبِيرَةُ السِّنِّ تَعِيشُ مَعَ الاِبْنِ المُتَزَوِّجِ ، وَكَانَتْ الزَّوْجَةَ كَثِيرَةَ الشَّكْوَى مِنْ عَدَمٍ أَخَذَهَا رَاحَتْهَا فِي بَيْتِهَا ، وَأَحْيَانًا مِنْ تَدَخُّلِ الأُمِّ فِي شُئُونِ البَيْتِ ، التي حلمت كثيراً أن تجعل كل ما فيه يشهد لها ، وَكَانَ الاِبْنُ كَثِيرَ الضَّجَرِ مِنْ أمه لِكَثْرَةِ شَكْوَى الزَّوْجَةِ لَهُ ، وَالأُمِّ صَامِتَةً لَا تَتَكَلَّم بل تنظر لما حولها وتحمل نفساً كسرت من الجفاء ، وكَانَتْ الزَّوْجَةُ تَعْمَل معلمه ُ في مدرسة قريبة من بيتها ، وَعَنَدَمٍا تَصِلُ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى عَمَلِهَا تبدء فِي البُكَاءِ وَالشَّكْوَى مِنْ سُوءِ حَظِّهَا لزملائها ، وَمن العَيْشِ مَعَ أُمِّ الزَّوْجِ في بيت واحد ، وَيُحَاوِلُ كُلًّ مَنْ يَعْمَلُ مَعَهَا تَرْضِيَتَهَا وَيَدْعُونَهَا إِلَى الصَّبْرِ عَلَى هَذَا البَلَاءِ ، وكَانَ الزَّوْجُ يَقُولُ لَا أَعْلَمُ لماذا حظي هكذا وهذا إلا الشقاء الذي أعيش فيه ، فكُلَّ الأَوْلَادِ تُمَوِّتُ أُمَّهَاتِهُمْ وَأَنَا مَا زَالَتْ أُمِّي حَيَّةً وَحَيَاتِي كُلُّهَا مَشَاكِلُ بِسَبَبِهَا ، وَالأُمُّ صَامِتَةً لَا تَتَكَلَّمُ وَلَا تَشْكُو وَلَا تُعَاتِبُ ، وفجاءة مَاتَتْ الأُمُّ فَظَنَّ العَارِفِينَ بِهِمْ أَنَّ حَيَاتَهُمْا أَصْبَحَتْ سَعِيدَةً ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ أَمْرُهُمْا شَيْئًا ، فظَلَّتْ تَبْكِي الزَّوْجَةَ لِكُلٍّ مِنْ حَوْلِهَا كما كانت تفعل في حياة أم الزوج وزادت ، وَلَا تَدْرِي مَاذَا حَدَثَ لَهَا بعد أن أصبحت هي سيدة البيت وبلا شريك ، وَزَادَتْ شَكَوْتهَا لِكُلِّ مَنْ يَعْرِفُهَا من شئ قد سلب من داخلها الفرحة وزرع القلق ، فهي قَدْ أَصْبَحْتُ لَا تُطِيقُ حَيَاتُهَا في بيتها ولا مع زوجها حتى لا تطيق أنفاسه ، وكَانَتْ لهما بِنْتُ اِرْتَبَطَتْ بِالجَدَّةِ الَّتِي رَحَّلَتْ بشكل كان كثيراً ما يغضب الأم ، وفجآة مَاتَتْ البنت هِيَ أَيْضًا بعد جدتها ، وَظَلَّتْ الشَّكْوَى مِنْ الرَّجُلِ وَمِنْ المَرْأَةِ مُسْتَمِرَّةٌ لمن حولهما ، وَتَرَاكَمَتْ الدُّيُونُ عَلَى الزَّوْجِ بشكل لم يكن ليحدث له أبداً ، وَكَثْرَةُ المَشَاكِلِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ ولأتفه الأسباب ، وَلَوْلَا تَدَخُّلُ العُقَلَاءِ مِنْ الأَقْرِبَاءِ بَيْنَهِمَا لِحَدَثِ الطَّلَاقِ ، وَأَخِيرًا اِتَّفَقَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ مَعًا عَلَى أَنَّ الأُمَّ الرَّاحِلَةَ أُخِذَتْ مِنْ بَيْتِهِمْ البَرَكَةُ وَذَهَبَتْ عِنْدَمَا هى ذهبت ، وَظَلَّ الاِبْنُ يَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُسَامِحَهُ عَلَى جَهْلِهِ بِفَضْلٍ أُمُّهُ ، وَتَحَامُلِهِ عَلَيْهَا ، وَهِيَ لَا نَشْكُو لِأَحَدٍ ، وَكَانَتْ تَقُولُ الزَّوْجَةُ لمن حولها وهي باكية بصدق ومن قلبها ، أَدْفَعُ نِصْفَ الباقي من ُعمْرِي وَتَعُودُ هِيَ الحَيَاةِ وَتَعِيشُ مَرَّةً أُخْرَى مَعَنَّا ، وَعَرَفَتْ هي بَيْنَ زُمَلَاءِ العَمَلِ بالمدرسة ، بِأَنَّهَا مَنْ فَقَدَتْ البَرَكَةَ بِفَقْدِ أُمِّ زَوْجِهَا ، ولكن هيهات فمن ذهب الي هناك لا يرجع الي هنا ، فمعي رددوا يا عقلاء ، تَحِيَّةٌ لِكُلٍّ أَمْ مَا زَالَتْ فِي الحَيَاةِ تضيئ لَمِنْ حَوْلِهَا ، وهي تعيش الشيخوخه ولا حول لها ، وَدَعْوَةٌ لِلحِفَاظِ عَلَيْهَا فهى بَرَكَةٌ لَا تَقْدِرُ بِالمَالِ ، ولَا يُصَدِّقُ هَذَا القَوْلُ إِلَّا مَنْ فَقَدْ أُمُّهُ البَرَكَةُ ، وَيَارَبِّ الرَّحْمَةُ لكُلِّ أُمٍّ سَبَقَتْنَا إِلَى رَحْمَةِ رَبِّهَا وَنَسْأَلُ لَهَا الجَنَّةَ ، بفضلك وكرمك وجودك ، وبارك اللهم في حياة كل أم مازالت تغيش بيننا.
♠
♠
♠ أَ. د/ مُحَمَّدٌ مُوسَى
نشرت فى 4 مارس 2018
بواسطة magaltastar
محمود حسونة كائنٌ طبيعيّ محض.. كان ملقّحا جسديّا ضدّ الأمراضِ التي تطال أترابه من غيرِ الرّعاة. وهو إلى ذلك ملقّح معنويّا ضدّ الأحزان المبيدة، و الانفعالات العمياء التي تتوغّل صمتا إلى خلايا الجهاز العصبيّ، أو تتسرّبُ خُفيةً إلى النفوس ذات الطّاقة الدفاعيّة الهشّة والجهاز المناعيّ المتآكل.. بالرّغم من ذلك، فإنّ محمود حسونة كان قد نفقَ باكرا، بمعدّل زمانيّ عمريّ يجاوز العقد الخامس بنيّفٍ من السنوات) يجدر الإشارة إلى أنّه لم يكن في وسع أمثالنا تحديدُ عمرِ أمثالِه من المخلوقات) .. فسنة ميلاده مثلا لم تُدوّن في أيّ وثيقة رسميّة .. و ما من حدثٍ استوجبَ تسجيل اسمه على أيّ دفتر من دفاتر الحالة المدنيّة ـ لا دفتر مدرسيّ ولا صحيّ، ولا غير ذلك.. لذلك كان من العسير تحديد سني عمره بمقدار رياضيّ دقيق..
لم تكن إذن سنّ محمود حسونة قابلة للتصنيف.. إذ لا وجود في وجهه أو قدّه لــدليل علاميّ مائز له.. رأيته أكثر من مرّة عن كثبٍ، في الأيّام التي كنتُ قادرا خلالها على الصّعود إلى الجبل للنّزهة، ولكن من المجازفة أن أزعم أنّي قادرٌ على استحضار ملامحه.. كانت ملامحه مستورة.. كان وجهه متواريا خلف لثامٍ يلفّ به أعلى الرأسِ حتّى أسفلِ الرقبة.. وتتدلّى حواشيه على الوجه فتحجبُ ثلثه من جهة اليمين و ثلثه الآخر من جهة الشمال.. و كان اللثامُ حوليّا، ليس مخصوصا بفصل دون فصلٍ أو موسم دون موسم.. و هو نفس اللثام الذي يلفّ ملامحه منذ الخريف إلى الخريف الذي يليه..
يبدو أنّ محمود حسونة كان قبيح التقاسيم دميم الملامح.. يبدو من خلال اللّثام أنّ في وجهه طولا يوحي بهيئة ميّت وهو ما يزال حينها في الحياة حيّا(على شاكلة ما).. لكم تصورتُ و أنا أرى لثامه و بعضا من وجهه وقدّه المتداخل أنّه لم يكن ينتسبُ إلى الأحْـياءِ قَطّ..
قيل في قُبْحه رواياتٌ غريبة.. قيل إنّه لم يكن قطّ إنسيّا.. بل تأنْـسنَ بطول العشرة مع الرعاة، ومع بعض القوم الذين كانوا يلتقون به أثناء منطلق الرّعي أو العودة منه، فيستوقفونه ليمازحوه.. و كانوا يقتنصون من مزاحه البذيءِ وسَـبابه الفاحش متعة الضحك و الهُـزءِ المختلسة..
ألّا يكون إنسيّا، فذلك يعني، وفق تصوّر موروث، أنّه مُسْتبْدَلٌ.. في زماننا القديم نسبيّا في القرية، يؤمن بعض النّاس بمثل هذه الخرافة.. روت بعض نساء القرية أنّ ساعة مخاض أمّ محمود حسونة به، و ملابسات ولادتها له، كانت ساعة من العتمة المطبقة، في ليلة ريح صرصر.. وأنّ قنديل الأسرة آنذاك كان أطْفئ(وقالوا بفعل فاعل، وكذّبوا أنْ يكون نتيجة لتسرّب زفير الريح من شقوق المنزل الترابيّ).. و أنّهم حين أرادوا تجديد إشعال القنديل،كان زيتُه قد جفّ وفتيلُه قد تآكل، و استحال رمادا أبيض في ليلةٍ سوداء.. في تلك الآونة أجاءها المخاضُ إلى جذع السّرير.. فـنترتْه بعد ألمٍ كما تسْتلتُ عروسٌ هجرها عريـسُها حِنّاءها.. لكنّها اكتشفتْ حين استعيرت لها شمعةٌ لإضاءة ساعة الميلاد، أنّ وليدها كان قبيحا.. كان قبيحا إلى درجةِ أنّه لا يُشبهُ أيّا من أخوته طبيعيــيّ الخلْقِ و متوسّطي الجمال.. ذلك ما دفع بها إلى الاعتقاد بأنه قد وقع أثناءَ الوضْعِ عمليّةُ استبدالٍ سريعة خاطفة، أخِذَ على إثرِها المولود الإنسيّ الجميلُ، وأبْـقِيَ المولود الدّميمُ من الجانّ .. وعبثا ظلّت أمّه لسنوات تنتظرُ عودة نسختها الأصل،حتّى ملّت و أيستْ.. حتّى استقرّ لديها أنّ ذلك اختيارٌ إلهيّ لابُدّ من الرضاءِ به، وأنّه أمرٌ مقضيّ، عليها التسليم به و الامتثال له..
هكذا كبرُ محمود حسونة في كنفِ أسرته محظيّا برعايةٍ شاملة و مودّة عطوف، وإحاطة عليا هيّأته لأنْ يصبِح راعيًا ماهرا حتّى وفاتِه و نسيانهِ..
________
سيف الدّين العلوي
نشرت فى 28 فبراير 2018
بواسطة magaltastar
♠
♠
♠
♠
♠ القصة القصيرة
♠
♠
♠
♠
♠
♠ ♠ أمانه عليك ياليل طول وهات العمر من الأول
♠
♠
♠
♠
♠ جلس في مكتبه يقرأ في مذكراته ، فقد تعود منذ إتقانه للكتابه أن يكتب مذكراته وحتى يومنا هذا ، كانت المذكرات في بداية الأمر سطور قليلة وعبارات قصيرة ، إلا أنها كانت رغم بساطتها وقصرِها ، تعكس ما يدور في نفسهِ ، فقد وجد أنه كان يكتب عن كل شئ يحيط به ، ويصل اليه نظره وفكره ، كتب عن بائع الفول الذي كان يقف بعد الفجر على الناصية المقابلة لبيته وينادي بصوته الحنون ، ( إن خلص الفول أنا مش مسئول ) ، وكتب عن بائعا للشاي وقد إتخذ من زاوية في الشارع مقراً له يبع منه الشاي ، حتى بنت الجيران الحبيبة الخالدة في وجدان كل شباب جيله ، والتي كانت تقف في البلكون بدلال لافت ، ولن أقول متعمد ، يأخذ بألباب العاشقين الصغار وكان قد كتب أيضاً عنها ، وكتب عن العلاقات بين الجيران وكيف إذا حضر عريس لأي بنت من بنات الجيران ، كانت الجيران جميعهم يسارعون الي بيتها ، ويسألون عن الناقص حتى يكتمل ، وكأن هذه المناسبة في كل شقة من شقق العمارة ، ويكتب كيف حَمْلته أمه الطقم الصيني الغالي لديهم ، لكي يوصله الي الشقة المقابله لأن الليلة عريس سيأتي الي أنجيل الرقيقة بنت مدام ماري زوجة بطرس أفندي ، وكيف كان الجيران يجتمعون في بيت أحمد أفندي موظف الأوقاف حتى يتم مصالحته على زوجته التى كانت على خلاف دائم معه ، وكيف تأخذ الجيران أولاد الساكن الذي أجبرته الظروف للسفر الي بلدته للعزاء في قريب مثلاً ، وكيف إجتمع كل سكان العمارة في الكنيسة القريبة من المنزل ، يوم وفاة الطفلة مدلين بنت اسحاق أفندي بعد أن صدمتها سيارة أمام البيت ، وكتب حتى كلمات القس الذي تكلم في العزاء ، والحضارين أكثرهم مسلمين بما فيهم الشيخ عبد الرازق شيخ الجامع بجلبابه المميز ، قال القس هذه مصر التي نعرفها ونعيش فيها ويتسع قلبها لنا جميعاً بالحب ، وكيف أرسلته أمه مع كل أولاد وشباب العمارة ليحولوا المياة من حنفية الجراج الموجود أسفل العمارة ، يوم أن قطعت المياه عن العمارة نتيجة بعض الإصلاحات في الشارع ، الي السكان حتى لا يحتاج أحدهم إلي المياه ، وكيف كان الجيران يتبادلون الكحك في الأعياد الإسلامية والمسيحية واليهودية ، وكيف كان استعارة البصل والثوم والزيت حتى الخبز من بعضهم البعض ليس عيب ولا يسبب الخجل ، حتى أن كلمة ( الناس لبعضِها ) كانت سائدة ، عندما يعترض أو يخجل البعض ، وكتب مرة أن لأخته قطه رومية كبيرة الحجم وكان الجزار الذي يأتي لهم باللحم يجمع بقايا تنظيف اللحم ويرسلها بعد العصر مع صبي له ، وكان ينادي من منور العمارة فإذا خرج له أحد يقول أكل الهانم القطه ، وكان أخته تأخذ هذه اللفه بالسبت بعد أن تعطيه ربع جنية ، وفي مرة بينما السبت ينزل إصطدم بيد جاره بالدور الثاني وكان في يدها قنينة عطر سقطت على الأرض وأنكسرت ، فلما قالت أخته لها أسف ، ردت الجارة وقالت فداء عيونك يا غالية يا بنت الغالية ، أخذت الشر وراحت ، فكنا نعيش وكأننا أهل في فيله تتكون من 40 شقة ، وكتب في مرة أن أمه أخذته معها للفررجي لشراء حمام كما كان هو وأخواته يحبه خصوصاً وهو محشو فريك ، ووجدت رجل يمسك بخمسة من أولاده ويريد أن يدفع بنفسه وأولاده تحت الترام لعجزعه عن الإنفاق عليهم ، مما دفع الأم يومها الي أن أفرغت كل ما معها من نقود في كيس النقود للرجل وقالت له إتقي الله ، وهو سيكفيك ، ورجع وأمه الي البيت بلا شراء ، مما جعله يفكر في هذا الأمر ، وما هو السبب الذي يجعل الإنسان يفضل الأخرين على نفسه ، وظل يقرأ والإبتسامه لا تغادر وجه ، وفجاءة سمع أغنية كانت قناة التليفزيون ( ماسبيرو زمان ) تذيعها للمطرب عبد العزيز محمود ( أمانه عليك يا ليل طول وهات العمر من الأول ) ، سأل نفسه هل أريد فعلاً أن يأتي العمر من الأول ، وجد نفسه يقول لا وألف لا ، فأجمل سنوات العمر ما أنا أعيشه ، وإن لم يكن بالجمال الذي أتمناه ، أحوله أنا إلي زمان أشعر بجماله ، وهنا إتسعت إبتسامته وأغلق كتاب مذكراته .
♠
♠ ♠ ا.د/ محمد موسى
نشرت فى 25 فبراير 2018
بواسطة magaltastar
مجلة عشتار الإلكترونية
lموقع الكتروني لنشر الادب العربي من القصة والشعر والرواية والمقال »
ابحث
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
713,170


