مصر علي أعتاب الطاقة النووية

 

دكتور عبد العاطي سالمان
رئيس هيئة المواد النووية سابقا
salmanab2012@yahoo.com

 إن الاجتماع الذي عقد اليوم الأحد 27 أغسطس 2017 بين الرئيس عبدالفتاح السيسي ورئيس شركة روساتوم التي سوف تقوم بإقامة المحطة النووية للإستخدامات السلمية بمنطقة الضبعة يوضح الاهتمام البالغ للقيادة السياسية بأهمية الإسراع في تنفيذ البرنامج النووي المصري لما للطاقة النووية من أهمية في بناء الدولة المصرية الحديثة. كما أن لهذا الاهتمام دورا هامة في بث الروح التفاؤلية في الأسرة النووية بأن المستقبل مشرق بإذن الله.

من المعروف أن الطاقة تمثل أخطر تحديات القرن الحادي والعشرين حيث أنها تعتبر عصب الحياة ولاغني عنها في الحياة اليومية أو المشروعات الصناعية والتنموية والتي تترجم في النهاية إلي رفع المستوي المعيشي للفرد  ورفاهيته، وهناك ثلاثة مصادر رئيسية للطاقة:

الطاقة الناتجة عن الوقود الأحفوري (الغير متجددة) مثل البترول والغاز الطبيعي والفحم. الطاقة الجديدة والمتجددة والتي تشمل المائية، الشمسية، والرياح والجيوحرارية ، وتمثل المصادر النووية النوع الثالث والهام للحصول علي الطاقة. فإذا استعرضنا الطاقة الناتجة من الوقود الأحفوري (المصادر غير المتجددة) نجد أن الفحم يشكل مايقرب من 95% من مصادر الطاقة المستعملة مع بداية القرن العشرين. ثم بدأ يتغير هذا الوضع مع ظهور دور النفط والغاز الطبيعي في النصف الثاني من القرن العشريـن.  

            أما عن الطاقة الجديدة والمتجددة فإن مصادرها تشمل الطاقة المائية وطاقة الشمس والرياح والجيوحرارية والطاقة الحيوية. و لكن هذه المصادر تسهم بنصيب متواضع كمصادر للطاقة حيث أن دولا كثيرة فعلا قد استغلت المصادر المائية التي لديها لتوليد الطاقة ولم يتبقي منها إلا القدر اليسير، وهي تعتبر رخيصة ونظيفة بيئيا في نفس الوقت. أما عن المصادر الأخرى الجديدة والمتجددة فلازالت في نشأتها الأول وتحتاج لدراسات كثيرة للخفض من تكاليف الحصول عليها ويمكنها أن تضيف جزءا" محدودا" إلي إجمالي الطاقة المطلوبة.

            أما المصدر الثالث للطاقة – والذي يعتبر من المصادر الهامة – فيمثل الطاقة النووية. وهذا المصدر يمكنه تعويض ما يعادل مئات الملايين من الأطنان المكافئة للنفط. وتجدر الإشارة إلي أن ارتفاع تكاليف إنشاء المحطات النووية يمثل العقبة الرئيسية في استخدام الطاقة النووية، إلا أن ميزتها تتمثل في كمية الطاقة الكامنة في الوقود النووي والتي تجعل كلفة إنتاج الكيلوات ساعة منخفض جدا بالنسبة للوقود الأحفوري. فمثلا: الطاقة النووية الناتجة عن بعض جرامات من اليورانيوم تكفي لإضاءة 20 ألف مصباح لمدة 12 يوما متتاليا. لذا فإن الاعتماد علي الطاقة النووية لتوليد الطاقة الكهربائية له مردود اقتصادي معقول. والجدير بالذكر أن أسعار البترول متغيرة وفي ارتفاع مستمر حيث جاوز سعر البرميل 170 دولار خلال عام 2008،  والذي يتوقف في كثير من الأحيان علي الأحوال السياسية السائدة في العالم، كما أنه يعتبر من المصادر غير المتجددة، ولا يجب أن تبقي الدول العربية معتمدة علي البترول كمصدر أساسي للطاقة إلي أن ينضب، فإذا لم يكن هناك بديلا جاهزا فسوف تكون الطامة الكبرى.

            أما عن إمكانية الاستثمار في الطاقة النووية، فمن المعروف أن إنشاء المحطات النووية وتوفير الوقود النووي ومعالجته وصناعته والتخلص من النفايات المشعة يحتاج إلي تكاليف باهظة حيث لابد من توفير أموال طائلة لاستثمارها في هذه الصناعة النووية. وقد تم حل هذه المشكلة في التعاقد مع شركة روساتوم حيث أنها ستقوم بتمويل تكاليف إقامة المحطة النووية بالضبعة بقيمة حوالي 25 مليار دولار، وسوف يبدأ تسديد هذا القرض بعد 6 سنوات، أي مع بداية تشغيل المحطة من حصيلة بيع انتاج الطاقة الكهربية، بمعني أن خزينة الدولة المصرية لن ترهقها قيمة هذا القرض.

            أما من الناحية البيئية، فإنه من المعروف أن مفاعلات القوي النووية لا تنبعث منها غازات ضارة بكميات مؤثرة مثل تلك الغازات التي تنبعث من محطات الوقود الأحفوري وأخطرها غاز ثاني أكسيد الكربون، والتي تؤثر بشكل ملحوظ في التغيرات المناخية وتسبب ظاهرة الاحتباس الحراري ورفع درجة حرارة الكرة الأرضية. لذلك يمكن التأكيد علي أن محطات الطاقة النووية تمتلك القدرة لتعويض الخلل الناتج من انبعاث الغازات الضارة بالبيئة لإعادة التوازن البيئي وفقا للمستويات المطلوبة خلال الفترة من 2008 – 2012 طبقا لبروتوكول كيوتو والخاص بالحد من انبعاث الغازات الضارة بالبيئة. وتجدر الإشارة إلي أن الحفاظ علي البيئة ليس نوعا من الرفاهية ـ كما يظنه البعض ـ ولكنه هام للإنسان أولا والبيئة المحيطة به ثانيا.

            أما عن الاعتبارات السياسية والإستراتيجية، فإن إدخال الطاقة النووية لا يعني بالضرورة استخدامها في مجالات غير سلمية. ولكنه من الأهمية بمكان أن تقطع مصر شوطا كبيرا" وهاما" في مجال الطاقة النووية والتعامل معها وتعزيز استخدامها السلمي والدخول في التكنولوجيات الحديثة بهدف توفير الطاقة  الكهربائية  اللازمة وتحلية مياه البحر وغيرها من المشاريع الحيوية والهامة لتنمية المجتمع والبيئة، فهذا أمر تفرضه المصلحة العامة للتنمية مع التركيز علي عامل الوقت كعنصرا" هاما" ومؤثرا". وقد ركز الرئيس عبدالفتاح السيسي في اجتماعه اليوم مع رئيس شركة روساتوم بالإسراع في تنفيذ إقامة المحطة لما يراه سيادته بنظرته الثاقبة من أهمية هذا المشروع في بناء مصر الحديثة.

            أما من ناحية الأمان النووي فإن شركة روساتوم من الشركات المتقدمة في مجال إقامة وتشغيل محطات الطاقة النووية، وأنها قد أقامت العديد من مفاعلات الطاقة النووية في روسيا وفي دول أخري، كما أن أي شركة تعمل في هذا المجال لا بد أن تراعي الحصول علي طاقة نظيفة ومستدامة وبأقل الانبعاثات الكربونية. ليس هذا فقط ، ولكنها سوف تراعي دراسات الموقع الجيولوجية والهندسية والخريطة الزلزالية والتاريخ الزلزالي، وما إذا كانت المنطقة تحتوي علي فوالق قادرة أو نشطة (Capable faults). كذلك من المؤكد مراعات توزيع الكثافة السكانية حول موقع المفاعل بمنطقة الضبعة. كل هذه الدراسات وغيرها تدخل ضمن الاشتراطات الللازمة لإقامة  محطات الطاقة النووية، كما أن جميع الدراسات التي أجريت علي الموقع لا بد أن تتوافق مع الاشتراطات اللازمة لإقامة المحطات النووية والتي أصدرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن الجدير بالذكر أن كل هذه الدراسات قد اشترط تنفيذها من أجل سلامة المحطة النووية أثناء الإنشاء والتشغيل وفي حالة حدوث أي حادث نووي لا قدر الله، أي أن هذه الدراسات جميعها تخدم الإنسان والبيئة في المنطقة التي تقع بها محطة الطاقة النووية. وتجدر الإشارة إلي أن جهاز الأمان النووي بمصر سوف يتابع جميع الاشتراطات اللازمة لتحقيق أكبر قدر من الأمان في محطة الضبعة النووية أثناء الإنشاء والتشغيل إن شاء الله.

            وختاما فإن الحلم النووي المصري أوشك علي التحقق علي أيدي المخلصين من الأسرة النووية ووزارة الكهرباء والطاقة والقيادة السياسية الواعية بأهمية البرنامج النووي المصري لبناء مصر الأمل، مصر المستقبل، مصر الحديثة.

absalman

دكتور / عبدالعاطي بدر سالمان جيولوجي استشاري، مصر salmanab2012@yahoo.com

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 123 مشاهدة
نشرت فى 28 أغسطس 2017 بواسطة absalman

ساحة النقاش

دكتور: عبدالعاطي بدر سالمان

absalman
Nuclear Education Geology & Development »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

923,534