COMcasT

مصدر موثوق، حائز على جوائز دولية - تحليلات وتقارير متخصصة وفق مؤشرات عالمية - Al-Monitor

 

د. إبراهيم جلال فضلون

🕊️ دع هذا الهراء يرحل... حين يتحول الحب إلى قيدٍ ناعم

في عالم العلاقات، لا يولد التعلق المرضي في العلن، بل يتسلل خفية في ثوبٍ أنيق اسمه “الحب”. يبدأ بدفءٍ مألوف، ثم يتحول شيئًا فشيئًا إلى إدمانٍ خفيّ، يشبه جرعة المخدر التي تهدئ الارتباك مؤقتًا، لتعود بعد حين أشدّ ألمًا.
إنه حبٌّ يلتهم صاحبه ببطء، حتى يفقد ملامحه، وصوته، ووعيه بذاته.
يمنح وهم الأمان بينما يغرس جذور القلق في أعمق نقطة من الروح.

التعلق المرضي لا علاقة له بالعشق الحقيقي، بل بالخوف من الفراغ.
هو حبٌّ لا يرى الآخر كإنسانٍ حر، بل كمسكنٍ دائم لوحدةٍ مزمنة.
ومن هنا تبدأ المأساة — حين يتحول “من نحب” إلى جرعةٍ نحتاجها، لا روحٍ نشاركها.


🔹 التعلق... إدمانٌ مغلّف بالعاطفة

من منظور علم النفس، يعمل التعلق المرضي بنفس الآلية العصبية التي يعمل بها الإدمان.
فكل رسالة، وكل كلمة، وكل نظرة تثير في الدماغ دفقة من “الدوبامين” تجعلنا نشعر بالرضا.
لكن ما إن يختفي الطرف الآخر أو يصمت، حتى يهبط كل شيء، ويبدأ الانسحاب المؤلم.
نبحث عن أي طريقة لإعادة التواصل، لا بدافع الحب، بل بدافع الاحتياج.

وهكذا تتحول العلاقة من مساحة للنمو إلى سجنٍ أنيق.
نتنازل عن كرامتنا لنبقى قريبين، نبرر الإهمال، ونخاف الفقد كما يخاف المدمن غياب الجرعة.


🔹 "دع هذا الهراء يرحل"... كتاب أم مرآة للنفس؟

كتاب «دع هذا الهراء يرحل» لا يقدم نصائح ساذجة عن النسيان، بل يعلّمنا فنّ التحرر من الأوهام.
يذكّرنا أن السلام النفسي لا يأتي حين تسير الحياة كما نريد، بل حين نتوقف عن المقاومة.
حين نقول:

“لن أتحكم بما لا أملكه... وسأمنح نفسي حق الهدوء.”

الوعي هنا ليس هروبًا، بل شجاعة.
أن تقف أمام فكرة “لا أستطيع العيش بدونه” وتقول لنفسك: “بل أستطيع، وسأتعلم كيف.”
أن تتصالح مع واقعك بدلًا من مطاردته.
أن تفهم أن الحب لا يكتمل بالتشبث، بل بالقدرة على الاختيار الحر دون خوف من الفقد.


🔹 ريم... حين يُصاب الطبيب بمرض مرضاه

ريم ليست مجرد امرأة مضطربة، بل رمز لجيلٍ يعرف الكثير عن الحب، ويُمارس القليل من الوعي.
كبرت بين أبٍ لا يعرف الحنان وأمٍّ تبيع القبول بالمظاهر، فتعلمت مبكرًا أن الحب يُنتزع لا يُمنح.
وحين كبرت، أصبحت طبيبة تعالج القلوب بالكلمات، لكنها لم تكتشف أن جرحها الأعمق لم يُشفَ بعد.

ريم أدمنت السيطرة، لا لأنها شريرة، بل لأنها خائفة.
كل رجلٍ أحبته كان مرآةً لوالدٍ لم يمنحها الحنان، وكل علاقةٍ كانت محاولة لإثبات أنها تستحق أن تُختار.
لكنها لم تكن تبحث عن الحب، بل عن تصديقٍ مؤقت لوجودها.
ولأن الجرح لم يُرَمّم من الداخل، تحولت من معالجةٍ للنفوس إلى صائدةٍ للقلوب.

إنها الصورة العكسية للتعلق المرضي: لا الضحية التي تتمسك بالآخر، بل من تحتاج أن يتمسك بها الآخر كي لا تنهار.


🔹 بين الوعي والتعلق... طريق العودة إلى الذات

يعلّمنا الكتاب أن التحرر لا يعني القسوة، بل الوضوح.
أن تقول “كفى” لا يعني أنك توقفت عن الحب، بل أنك بدأت تحب نفسك.
أن تختار الصمت لا يعني اللامبالاة، بل أنك تعبت من الصراخ في الفراغ.

التحرر من التعلق يبدأ عندما نتوقف عن البحث عمن “يكملنا”،
وندرك أننا لم نكن ناقصين من البداية.

التسامح، كما تصفه الكاتبتان، ليس غفرانًا لمن آذانا فقط،
بل اعتذارًا منّا لأنفسنا لأننا صدّقنا أن الحب ألمٌ يُحتمل.
حين نسامح، نغلق الباب لا لأننا لا نهتم، بل لأننا نستحق أن نرتاح.


🔹 استراتيجيات بسيطة للتحرر من قيود التعلق

1️⃣ كن شاهدًا على أفكارك
راقبها دون أن تحاكمها.
حين تقول نفسك: “أحتاجه”، أجبها بلطف: “تحتاجين السلام أكثر.”

2️⃣ استبدل السعي بالاستسلام
التحكم في الآخرين وهمٌ يستهلك الحياة.
استسلم لفكرة أن ما كتب لك سيبقى، وما غادر لم يكن يومًا لك.

3️⃣ مارس الحضور الواعي
دقيقة تنفس واحدة بوعي قد تُنقذك من يومٍ من التعلق.
تذكّر: اللحظة التي تعيشها الآن، لا الماضي ولا القادم، هي المكان الوحيد للراحة.

4️⃣ حرّر ذاكرتك من دور الضحية
الآخر لم يدمّرك، بل كشف لك أين تحتاج أن تُرمّم نفسك.
كل تجربة فشلٍ هي درس في حب الذات، لا لعنتها.


🌺 الختام: الحب ليس قيدًا... بل وعيًا

نعم، الحب الحقيقي يُشبه الحرية، لا التملك.
هو أن تمنح قلبك دون أن تفقد نفسك،
أن تبقى كما أنت حتى وأنت تحب،
أن لا يكون غياب أحدٍ سببًا في غيابك عن ذاتك.

فلتدع هذا الهراء يرحل —
لتدع التعلق، والخوف، والتوقعات، والقصص القديمة،
ولتبدأ من جديد،
حيث لا يوجعك أحد، ولا تحتاج لأحد لتكون بخير.

 

ibrahimgalal

DR . IBRAHIM GALAL

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 77 مشاهدة
نشرت فى 14 أكتوبر 2025 بواسطة ibrahimgalal
د. إبراهيم جلال فضلون, التعلق المرضي, الحب المشروط, الإدمان العاطفي, وهم الأمان, الخوف من الفقد, العلاقات السامة, جرعة الدوبامين, الانسحاب العاطفي, سجن المشاعر, فقدان الذات, كتاب دع هذا الهراء يرحل, التحرر النفسي, الوعي الذاتي, ريم, الطفولة الجريحة, السيطرة العاطفية, لصمت الواعي, التسامح الداخلي, حب الذات, الحضور الذهني, الاستسلام الواعي, دور الضحية, الشفاء الداخلي, الحرية العاطفية, بداية جديدة, التوازن النفسي, العلاقات الناضجة, السلام الداخلي, الاختيار الحر, الانفصال الصحي, دع هذا الهراء يرحل, إبراهيم جلال فضلون, إبراهيم جلال, @drbeckyatgoodinside, @nedratawwab, @susieorbach, @lauriehelgoe, @drbeckyspelman, @D, #الأمومة, السامة, #تربية, سمّية, #أم, نرجسية, #إساءة, عاطفية, #صدمة, الطفولة, #الحدود, #الصحة, النفسية, #الشفاء, من, الصدمة, #عائلة, مضطربة, #التخلي, الواقع, علم النفس, لتعلق بالقلق, التعلق بالانكسار, التعلق بالهجر, التعلق بالاحتياج النفسي, التعلق بالفراغ الداخلي, التع, لتعلق بالاضطراب, التعلق بالسيطرة, التعلق بالهروب, التعلق بالضعف, التعلق بالآخر, التعلق بالذكريات, التعلق بالحب المشروط, التعلق بالقبول, التعلق بالاهتمام, التعلق بالرفض, التعلق بالخوف, , لحب المرضي, الاعتمادية العاطفية, إدمان العلاقات, الابتزاز العاطفي, التملك, الغيرة المرضية, الانحلال الأسري, اضطراب التعلق, التعلق من طرف واحد, التعلق السام, العلاقات المؤذية, التعلق النفسي, د. إبراهيم فضلون, د. إبراهيم جلال, إبراهيم فضلون, dr.Ibrahim Galal Fadloun, dr.Ibrahim Galal, dr.Ibrahim Fadloun, Ibrahim galal fadloun, @drIbrahimgalal, dribrahimgalal

ساحة النقاش

ibrahim galal ahmed fadloun

ibrahimgalal
Al-Monitor.com مصدر مستقل موثوق به وحائز على جوائز لأخبار وتحليلات الشرق الأوسط حائز على جائزة رواد الإعلام الحر »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

108,169