COMcasT

مصدر موثوق، حائز على جوائز دولية - تحليلات وتقارير متخصصة وفق مؤشرات عالمية - Al-Monitor

تحليل علمي – نفسي متكامل
حول التعلق المرضي في ضوء كتاب "دع هذا الهراء يرحل" وشخصية ريم كنموذج تطبيقي


🧩 أولًا: مفهوم التعلق المرضي وآلياته النفسية

يبدأ التعلق العاطفي طبيعيًا كاحتياج إنساني فطري للأمان والانتماء، لكنه حين يتجاوز حدَّه، يتحول إلى اعتماد نفسي قهري يشبه إدمان المواد المخدرة.
ففي علم النفس، يُعرَّف التعلق المرضي بأنه:

"حالة من التعلق المفرط بشخصٍ أو علاقةٍ تجعل الفرد يفقد استقلاله العاطفي ويعتمد في استقراره النفسي على الآخر كليًا."

🔹 آلياته العصبية تشبه الإدمان:

  • تنشط مناطق المكافأة في الدماغ (كالمهاد واللوزة الدماغية) كلما تلقى الشخص استجابة من الطرف الآخر، منتجًا الدوبامين الذي يمنح شعور النشوة.

  • عند الانفصال أو التجاهل، ينخفض الدوبامين ويزداد الكورتيزول (هرمون التوتر)، ما يولّد حالة انسحاب نفسي مشابهة للمخدرات.

  • يبدأ الشخص في البحث القهري عن “الجرعة العاطفية” عبر الرسائل أو اللقاءات أو حتى التخيلات.

🔹 نتيجته النفسية:
فقدان الهوية، ضعف تقدير الذات، تشوه الإدراك العاطفي، وتحوّل العلاقة إلى "قيد جميل" يمنع الفرد من النمو النفسي المستقل.


🌿 ثانيًا: ربط محتوى كتاب «دع هذا الهراء يرحل» بظاهرة التعلق المرضي

كتاب "دع هذا الهراء يرحل" (Let That Sh*t Go) للكاتبتين نينا بوربيس وكاري جوليفر هو دعوة للتحرر من الأفكار السامة، والقبول بأن الحياة لا تسير وفق توقعاتنا دائمًا.
يمكن ربط فلسفته بعدة محاور علاجية أساسية للتعلق المرضي:

🔸 1. التعامل مع تسارع الأفكار والوساوس العاطفية

التعلق المرضي يصاحبه اجترار دائم للأسئلة:
“لماذا لم يتصل؟ هل أخطأت؟ هل ما زال يحبني؟”
الكتاب يقدّم تقنية المراقبة الواعية للأفكار دون الغرق فيها، فيدعو إلى أن نقول لأنفسنا:

“أنا ألاحظ هذه الفكرة، لكني لست هي.”

هذه الآلية المستمدة من العلاج السلوكي المعرفي (CBT) تساعد في كبح دوائر التفكير القهري المرتبطة بالتعلق.


🔸 2. التسامح وقبول ما لا يمكن السيطرة عليه

جوهر الكتاب أن السلام النفسي لا يتحقق بالتحكم في الآخرين، بل بالتخلي عن التوقعات.
في التعلق المرضي، يعيش الشخص وهم السيطرة على مشاعر أو أفعال الطرف الآخر.
الكتاب يدعو إلى "التسليم الواعي" (Conscious Letting Go):

  • التسامح لا يعني النسيان، بل تحرير الذات من عبودية الغضب والتشبث.

  • القبول لا يعني الاستسلام، بل إدراك أن الألم جزء من التعافي.

🔸 3. اليقظة الذهنية والتأمل كأدوات للتحرر

عندما يعيش الفرد وعي اللحظة، يكتشف أن الألم لا يستمر إلا حين يغذيه الماضي أو الخوف من المستقبل.
الكتاب يوصي بممارسة التأمل القصير اليومي لإعادة برمجة الدماغ على الحضور لا التعلق.

  • التأمل هنا ليس طقسًا روحانيًا فقط، بل عملية لإعادة تنظيم الجهاز العصبي وخفض التوتر.

  • كل دقيقة من “وعي الحاضر” تقطع حلقة التعلق وتعيد للفرد توازنه النفسي.

🧠 ثالثًا: تحليل الحالة النفسية لشخصية “ريم” كنموذج للتعلق المرضي

ريم تمثّل الصورة المعكوسة للتعلق المرضي: ليست الضحية بل “المدمنة العاطفية النشطة” التي تصنع بدورها ضحايا.

🔹 1. التنشئة الصارمة والمتناقضة

  • الأب القاسي الذي غاب عنه التعبير العاطفي، والأم التي جعلت الحب مشروطًا بالمقارنة والمظاهر.

  • هذا النمط التربوي يخلق ما يُعرف في علم النفس بـ التعلق القَلِق – المتناقض (Anxious-Ambivalent Attachment)، حيث يبحث الطفل لاحقًا عن حبٍ مؤكد لا يُهدد بالرفض.

ريم لم تتعلم الحب كطمأنينة، بل كـ"اختبار دائم"، فصارت تبني علاقاتها على الخوف من الفقد والرغبة في السيطرة.

🔹 2. تحول المعالجة إلى “مصيدة قلوب”

من الناحية النفسية، ريم تعاني من اضطراب الشخصية الحدّية (Borderline Traits) ممزوج بسمات النرجسية المقنّعة.

  • تحتاج لإعجاب دائم لتأكيد قيمتها.

  • تمارس السيطرة العاطفية كوسيلة لتهدئة فراغها الداخلي.

  • تعتمد على التلاعب الانفعالي لجعل الطرف الآخر “أسيرًا” لتقلباتها.

كل علاقة بالنسبة لها ليست حبًا بل علاجًا مؤقتًا لجرحٍ قديم، تمامًا كما يستخدم المدمن مادةً كيميائية ليهرب من الألم.
لكن “الجرعة” العاطفية لا تكفي، فتتكرر الدورة:
الانبهار → السيطرة → الملل → الهروب → البحث عن ضحية جديدة.

 

🔹 3. التناقض المهني والأخلاقي

كطبيبة نفسية، تمتلك وعيًا معرفيًا عميقًا لكنها تفتقر إلى الوعي الذاتي العاطفي (Emotional Self-Awareness).
فهي تعرف ما هو الصحيح مهنيًا، لكنها غير قادرة على تطبيقه سلوكيًا لأن "الإدمان العاطفي" عندها أقوى من المنطق.
هذا ما يسميه علماء النفس: الانفصال المعرفي–العاطفي (Cognitive-Emotional Split).

 

💫 رابعًا: استراتيجيات علاجية مستندة إلى فلسفة الكتاب

استنادًا إلى "دع هذا الهراء يرحل"، يمكن اقتراح خطة علاجية للتحرر من التعلق المرضي:

🔸 1. الاعتراف بالاعتماد العاطفي

  • أول خطوة في أي علاج هي الوعي: “أنا متعلّق”.

  • يُطلب من الشخص تحديد المثيرات التي تجعله يبحث عن الآخر كما يبحث المدمن عن جرعته.

🔸 2. فك الارتباط تدريجيًا (Detachment Rituals)

  • تقليل التواصل الرقمي تدريجيًا (قواعد الـ 72 ساعة بلا تواصل).

  • إزالة المحفزات البصرية (الصور، الرسائل).

  • استبدالها بأنشطة تحقق “الدوبامين الصحي”: رياضة، قراءة، عمل إبداعي.

🔸 3. إعادة بناء الهوية الشخصية

  • ممارسة “يوم الذات” أسبوعيًا للانفصال عن دور المحب أو الطرف الثاني.

  • كتابة “قائمة الامتنان الشخصي” لتغذية قيمة الذات بعيدًا عن الآخر.

  • استخدام تقنيات إعادة التأطير المعرفي: “هو لم يخذلني، بل منحني درسًا عن حدودي.”

🔸 4. اليقظة الذهنية (Mindfulness Practice)

  • 10 دقائق يوميًا من التنفس الواعي تساعد على تهدئة العصب الحائر (Vagus Nerve)،
    ما يقلل من القلق المرتبط بالتعلق.

  • تمرين بسيط: “أنا هنا، الآن، كاملة دون أحد.”


🔸 5. التسامح والتحرر من الوهم

  • تطبيق مبدأ الكتاب: "سامح لتتحرر، لا لتبرر."

  • التسامح هنا ليس للعلاقات السابقة فحسب، بل مع الذات، لأنها وقعت في التعلق بدافع الاحتياج، لا الضعف.

🔸 6. إعادة تعريف الحب

  • الحب ليس تمسكًا، بل اختيار متجدد دون خوف من الفقد.

  • من خلال هذا الإدراك، يتحول الفرد من “طالب للحب” إلى “مانح له”.

🔮 خلاصة تحليلية

التعلق المرضي ليس حبًا بل إدمانًا عاطفيًا مقنّعًا،
وريم ليست استثناءً بل صورة مكبّرة لما يحدث حين يُستخدم الحب كمسكّن للفراغ الداخلي.
أما كتاب «دع هذا الهراء يرحل»، فيقدّم منهج التحرر النفسي الذي يقوم على:
الوعي، القبول، التأمل، ثم الفعل.
فحين ندرك أننا لسنا أفكارنا، ولا ماضينا، ولا الآخرين الذين رحلوا،
تبدأ رحلة التعافي الحقيقية نحو سلامٍ لا يحتاج إلى وجود أحد... ليكتمل.

 

المصدر: تحليلي
ibrahimgalal

DR . IBRAHIM GALAL

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 39 مشاهدة
نشرت فى 14 أكتوبر 2025 بواسطة ibrahimgalal
دع هذا الهراء يرحل, إبراهيم جلال فضلون, إبراهيم جلال, @drbeckyatgoodinside, @nedratawwab, @susieorbach, @lauriehelgoe, @drbeckyspelman, @D, #الأمومة, السامة, #تربية, سمّية, #أم, نرجسية, #إساءة, عاطفية, #صدمة, الطفولة, #الحدود, #الصحة, النفسية, #الشفاء, من, الصدمة, #عائلة, مضطربة, #التخلي, الواقع, علم النفس, لتعلق بالقلق, التعلق بالانكسار, التعلق بالهجر, التعلق بالاحتياج النفسي, التعلق بالفراغ الداخلي, التع, لتعلق بالاضطراب, التعلق بالانفصال, , التعلق بالحب الحقيقي, التعلق بالله, التعلق بالروح, التعلق بالسلام الداخلي., السلوكيات, انحلال اسري, انحلال مجتمعي, ضعف الثقة بالنفس, التعلق بالطفولة, التعلق بالفراغ, التعلق بالاحتياج, التعلق بالحنان, التعلق بالسيطرة, التعلق بالهروب, التعلق بالضعف, التعلق بالآخر, التعلق بالذكريات, التعلق بالحب المشروط, التعلق بالقبول, التعلق بالاهتمام, التعلق بالرفض, التعلق بالخوف, التعلق المرضي, الحب المرضي, الاعتمادية العاطفية, فقدان الذات, إدمان العلاقات, الابتزاز العاطفي, التملك, الغيرة المرضية, الانحلال الأسري, اضطراب التعلق, التعلق من طرف واحد, التعلق السام, العلاقات المؤذية, التعلق النفسي

ساحة النقاش

ibrahim galal ahmed fadloun

ibrahimgalal
Al-Monitor.com مصدر مستقل موثوق به وحائز على جوائز لأخبار وتحليلات الشرق الأوسط حائز على جائزة رواد الإعلام الحر »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

110,375