حتى اراك

،،

الراديو ( حياة او موت )

،،

لم تكن صدفة ان يختار صناع فيلم ( حياة او موت ) الراديو كوسيلة للانقاذ من الموت للمواطن القاطن في دير النحاس حتى لا يشرب الدواء ، فالدواء به سم قاتل،،

تضافرت الجهود ، و تمت ادارة الموقف بتقدير وانسانية جادة تعكس قيمة المواطن لدى دولته ، فظهر التنسيق بكفاءة ،  والتواصل مع كافة الجهات وصولاً لاستخدام  جهاز الراديو صاحب السمعة الطيبة شديدة النقاء ، فقد انقذت موجات الراديو في القرن الماضي مع بداية استخدامها المئات  من الركاب على متن سفينة ريببلك ، وكان اول استخدام لموجات الراديو التي انتصر بها لفكرته ، الايطالي ماركوني ، مؤكدا قدرات هذه الموجات على حمل  الأصوات لمسافات بعيدة ، وبعدها أنقذ استخدام موجات الراديو المئات من ركاب السفينة الأشهر تيتانيك عام ١٩١٢ ،،

حياة او موت انتاج عام 1954، بدأت الفكرة كما يؤرخ لها السينمائيون بحادثة قرأها المخرج كمال الشيخ في إحدى الجرائد ، فوضع معالجتها ، وكتب السيناريو مع علي الزرقاني الذي كتب الحوار  ، وأنتجت الفيلم المنتجة آسيا ، ليحصد الجوائز المحلية والدولية تقديرا لإنسانيته البالغة ، و تصوير مشاهده الخارجية الراقية ، بشوارع احياء القاهرة موضحا بساطتها ، و رقيها ، و فقرها ، وغناها ، في موسم العيد ، مستثمرا التقدير البالغ لرجال الشرطة ، وخدمتهم للشعب بعد ما قدموا بطولة تاريخية ضد قوات الاحتلال الانجليزي في الإسماعيلية ، حين رفض رجال الشرطة تسليم سلاحهم وإخلاء مبني المحافظة للاحتلال الإنجليزي  في ٢٥ يناير ١٩٥٢ ، 

يحكي الفيلم عن رجل يصاب بأزمة قلبية فتذهب  ابنته للحصول على الدواء من الصيدلية ، يقوم الصيدلي بتركيب الدواء ، وتذهب به الطفلة ( ضحى امير) ، لتعود لأبيها  ، ولكن يكتشف الصيدلي  خطأ  في تركيب الدواء  ، قد يسبب الموت ، فتظل حكمدارية القاهرة في البحث عن المريض وإنقاذه  قبل تناول الدواء.

رحلة من الاحداث التي يدق معها قلب المشاهد ،،

ينقطع انسياب الموسيقى في الاستوديو ليعلن المذيع البيان ، ،، يظهر المذيع في أبهى صورة ، ليقطع المذيع عزف الفرقة الموسيقية ويقف في جلال امام الميكروفون باستوديوهات الاذاعة المصرية العظيمة ، مع جدية الاداء كمن يؤدي بيانا رسمياً في تاريخ أمة ، قارئاً لنص ظل في ذاكرة الناس  لفيلم ( حياة او موت ) ؛ " أيها السادة  نأسف لقطع هذا البرنامج الموسيقي ،فقد جاءنا الان  هذا البيان ،  من حكمدار بوليس العاصمة الى احمد ابراهيم القاطن بدير النحاس  ، لا تشرب الدواء الذي أرسلت ابنتك في طلبه ،الدواء به سم قاتل ، عند سماعك هذه النشرة بلغ  الحكمدارية ، وعلى كل من يعرف مكان احمد ابراهيم المذكور ، المبادرة بتحذيره اذا كان قريباً منه ، او اخطار الحكمدارية فوراً "  ،  

 لتظهر في المشهد التالي عواميد الارسال الاذاعي  التي تبث البيان لمصر كلها ،،

  ثم نذهب مع الكاميرا لشقة أسرة مديحة يسري المنفصلة عن أحمد إبراهيم (عماد حمدي )،القاطن في دير النحاس ، حيث يظهر الراديو بطل الاعلام في البيت المصري وقتها متصدراً الشاشة ، ، تذهب طفلة  باتجاه الراديو معلنة رغبتها في الاستماع لبابا شارو ، فنسمع آخر جزء من البيان ، فتغلق مديحة يسري الراديو ،، لكن أباها يقول للصغيرة أن تفتحه ، ليعرفوا ماذا يريد أن يقول لهم الحكمدار ، فيأتي البيان من منتصفه، دون اسم أحمد إبراهيم.لقطات الابنة تسير ، الزمن يمر ، لقطات الساعة والتليفون عند الحكمدار ، حتى تعود الكاميرا مرة اخرى لأسرة مديحة يسري و تظهر الطفلة أيضاً، التي تستأذن  لفتح الراديو، فيستمعون إلى البيان من بدايته ،  ويصل التحذير اخيراً الى أطرافه المعنيين ، لتظهر بوادر الأمنيات ، فتنطلق مديحة يسري إلى الشارع في مشوار موازٍ لابنتها، تصل الابنة قبل الام التي تتعرض لحادث بالسيارة التي تستأجرها ،  فتكمل المشوار على قدميها، وتصل للمنزل، وتقتحم منزل احمد ابراهيم  الذي كاد ان يشرب الدواء ، لتقذف كوب الدواء من على فمه ، فيلتقط المشاهد انفاسه ،  وقد اطمأن على المواطن احمد ابراهيم  ،  تنخرط فاطمة ، (مديحة يسري ) في  البكاء،، و قد يبكي معها المشاهدون ، ،يصل البوليس ، ويصل الصيدلي حاملا زجاجة دواء فعالة ، تتناغم الأحداث ، و المشاعر ، 

يصفق الجمهور في فرنسا في مهرجان كان السينمائي حين دخل الفيلم ضمن أفلام المسابقة الرسمية عام ١٩٥٥ ، 

حياة او موت ، يطرح خيارا واحدا للحياة في منظومة توزع الأدوار بين الصحة والأمن والاعلام ، رافعة شأن المواطن ،،،،

حين حدث الخطأ  ، اعترف المخطيء ، لم تكن مشكلته ان يعترف ، كان همه مسئوليته تجاه المريض ، حتى ظهر مرتاح الضمير في اخر مشاهد الفيلم حين تمكن من احضار الدواء ، وتناوله المريض في ثقة ، بينما يظهر جهاز الراديو البطل ، ليشغله الحكمدار لنسمع البيان لآخر مرة ، فقد أدى دوره الاجتماعي لحل أزمة مواطن ، كان بين حياة وموت ، وانتصر الراديو للحياة ، مرة اخرى كما انتصر  لها دائماً ،  مؤكدا لنا عشاق هذا الجهاز السحري  الوسيلة الاكثر نقاءً حتى الان اننا مكلفون باستمرار الرسالة وتحقيق الهدف ، للحفاظ على هذا الميراث الانساني العظيم لجانب مهم من الاستخدامات الاعلامية للراديو . نعم الراديو حياة ، وهكذا ينتصر .

،،،،

من كتابي  (عاش الراديو) الصادر عن مركز أراك للاعلام والتنمية  

 

المصدر: د / نادية النشار
DrNadiaElnashar

المحتوى العربي على الانترنت مسئوليتنا جميعاً د/ نادية النشار

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 262 مشاهدة
نشرت فى 14 مارس 2016 بواسطة DrNadiaElnashar

د.نادية النشار

DrNadiaElnashar
مذيعة بالاذاعة المصرية... استاذ الاعلام ، انتاج الراديو والكتابة الاعلامية ، والكتابة لوسائل الاعلام الالكترونية ، متخصصة في انتاج البرامج الاذاعية والتدريبات الصوتية واعداد المذيع... متخصصة في التنمية البشرية وتدريبات التطوير وتنمية المهارات الذاتية والاعلامية... دكتوراة في الاعلام والتنمية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

412,690