دار الرسيس للنشر والتوثيق الإلكتروني

مجلة أدبية ؛شعر قصة رواية مقال

أعرني عيناً
جاء عمر إلى هذه الدنيا ضريراً ، حيث ألِفَ الظلمة ، وألِفَ أن يتكئ دوما على سمعه في كلّ ما يريد أن يتخيله لما يحيط به . كان ينسج عالمه من كل ما تلتقطه أذناه ، ولذا كان كثير السؤال ، ما إن يظفر بمن ينصت إليه حتى يمطره بعشرات الأسئلة . وإن جلس مع أهله في غرفة الجلوس فرض على الجميع ألا يتفوهوا بكلمة جديدة حتى يستوعب ما يسمع مما يدور حوله من أحداث الدنيا ، ويتخيله بذهنه المُحاط بسياج العمى . وكانت أمه تبثُّ في نفسه العزيمة ، وما تعتقد أنّه يمكن أن يغرس العزيمة والإصرار لتخطي محنته. في السادسة التمسوا له شيخاً يحفظه القرآن ، ويقرأعليه كثيراً مما وعته حافظته من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأشعاراً لشعراء العرب القدامى ، وأخبارهم ، وروى له قصة " زرقاء اليمامة" ، لكنّ عمر ما كان يستطيع أإدراك كل ما يُقال ، فكان يبدي ضجراً ومللاً من حياته تلك ، ويتساءل أما من طريقة تجعل العميان يرون ؟ هل العلم الذي يقولون إنّه بلغ مبلغاً عظيماًعاجز عن فعل ذلك ؟ وكانت الأم تشفق على ابنها من أحزانه ، وتسعى إلى أن يعيش عيشاً سوياً كأقرانه ، فرأت أن تدفع به إلى إحدى الجمعيات التي تعتني بالمكفوفين ، علّه لا يجد نفسه غريباً في هذا العالم عندما يجد أنّه ليس الوحيد الذي حُبست نفسه داخل مَحبس العمى . تعلّمَ عمر هناك أشياء كثيرة ، كالقراءة بطريقة "بريل" ، وتجليد الكتب ، وبعض الحرف اليدوية التي لا تحتاج مهارة كبيرة ، وكان يرى أنّ الحياة دون عينين أمر مقيت ، الموت أهون منه ، والأمُّ تحاول أن تخفف عنه بأي طريقة ، روت له قصص كل الذين فقدوا بصرهم من المشاهير الذين عرفتهم ، من أعمى عبس عبد الله بن مكتوم ، إلى بشار بن برد ، وابن الرومي،والمعري ، وطه حسين ، وعبد الحميد كشك ، وابن باز ، وفي عالم الغرب هوميروس شاعر الإغريق ، ، وبرِيل مخترع الكتابة النافرة التي عُرفت باسمه ، إلى هيلين كيلر الكفيفة الصمّاء ، وهؤلاء مبدعون ، وشعراء ، وأدباء ، وعلماء دين . لكنّ ذلك كلّه لم يقنع عمر الذي ظلّ على حزنه وألمه ، فهو لا يعرف الألوان ، أو أشكال العصافير والبلابل التي يسمع تغريدها ، ولايعرف شكل الأشجار ، و لا ما تعنيه زرقة السماء ، أشياء كثيرة لايفيد السمع في أن نتخيلها . وفي تلك الليلة استلقى عمر في فراشه ، وهو يفكر بطريقة تجعله يرى ما يدور حوله ، يدركه بأبعاده ، يجعل الحقيقة تتطابق مع الخيال ، فلا يعاني من ربط تخيلاته بما هو كائن في الحقيقة ، فخطر له أن يستعير عينين ، ليوم أو يومين . فكّر في أبيه لكنه تذكّر أنه مات منذ حين . وخطرت في باله عينا أمّه ، لكنها ترى الأمور كما تحب ، وجرها ذلك إلى أن تمنع أخاه الأكبر من الارتباط بمن أحب ، وأخته تجامل إلى حد جعل القبيح جميلاً ، وفكر في عيني جارهم لكنه لا يرى الدنيا إلا خمراً ، ومضى يستعرض المعيرين حتى أعيته الحيلة ........ 
استسلم لنوم عميق ، تذكّر في نومه زرقاء اليمامة لأنها رأت الحقيقة دون زيف، وما جرّته عليها عيناها ، فكان جزاؤها اقتلاعهما ، ولكنه أصرّ على تحقيق أمنيته. مضى منسرباً إلى أعماق التاريخ فرأى عيني زرقاء اليمامة ما زالتا في المكان الذي ألقاهما أعداء قومها فيه ، انقض عليهما ، أخذهما ومضى يركض مسرعاً إلى الحاضر ، إنها أول مرة يجرب فيها أن يركض لا أن يمشي بمساعدة أحد ، أو بمساعدة عصاه . وعندما وصل اقتلع عينيه ، ليضع مكانهما عيني الزرقاء ، هذا سيمكّنه أن يرى أبعد مما يرى المحيطون به . وما إن وضعهما حتى رأى من نافذته أضواء المدينة الخافتة ، تضفي جواً حزيناً على الشارع الذي خلا من المارة . خطر في باله أن يفتح "التلفاز" ليرى ما يدور في الدنيا ، ويطابق بين ما كان يسمع ، وما تنقله العيون . هنا طائرة تحطمت وسقطت بمن فيها على صفحة المحيط ، واختلطت الجثث بحقائب السفر . وفي موضع آخر عشرات يلقون حتفهم في حادث قطار. وفي موضع ثالث أخبار القنابل تدك الحجر والشجر والبشر ، وأشلاء متناثرة في كل زاوية من زوايا الشاشة، ورائحة دماء يعبق بها المكان ، وفي محطة أخرى صورٌ مقززة لجنود يركلون جثث أعدائهم بأرجلهم ، وفي مشهد آخر نساء وأطفال يهرولون على أمل النجاة ورشقات الرصاص تحيط بهم من كل جانب ، فيتساقطون كأوراق الخريف. وانتقل إلى محطة أخرى فوجد أناساً يلهون ويغنون غير آبهين بمشاهد الدم والهول والرعب في المحطات الأخرى ، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر ، أو أنّ ما يجري من حولهم لا يعنيهم بشيء ، وفي مكان آخر ضيفان يعلو صراخهما ولا تفهم منه شيئاً ، و بعصبية راحت أصابعه تعبث بنزق بمفاتيح جهاز التحكم ، فراقه جمع من الناس على شاطئ جميل يجعلون أجسادهم تعانق دفء المياه ، وتهاديها من حولهم . و انتقل إلى حيز آخر فرأى عمالاً يشذبون أشجار الحدائق راسمين لوحات تأخذ بالألباب ، ........... 
ازداد حزنه وألمه ، لم تدخل الراحة والبهجة إلى نفسه التواقة إلى رؤية الدنيا ، وما يدور فيها . وتمنى أنّه كان طرد كل تلك الأحلام بأن يبصر ، ويرى ما يدور حوله. ما عاد يطيق الاستمرار ، أحس أنّ الدنيا أضيق من علبة كبريت . اقتلع تلكما العينين ، ووضعها في علبة صغيرة ، ومضى إلى شاطئ البحر القريب ، ربطها بحجر وألقاها فيه ، فأخذت طريقها إلى الأعماق ، وهو يتمتم : مَن سمع ليس كمَن رأى !!! مَن سمع ليس كمن رأى !!!
20160831
#جرول.

المصدر: مجلة عشتار الالكترونية
magaltastar

رئيسة مجلس الادارة

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 165 مشاهدة
نشرت فى 18 سبتمبر 2018 بواسطة magaltastar

مجلة عشتار الإلكترونية

magaltastar
lموقع الكتروني لنشر الادب العربي من القصة والشعر والرواية والمقال »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

713,704