
ادب بعد أن طيرت العشوش فراخها
د. اديب مقدسي
- يرسل للنشر من قبل : حاتم جوعيه – المغار – الجليل- فلسطين -
تنتشر في السنوات الاخير، في الثقافة العربية داخل اسرائيل، ظاهرة ادبية لا أظن ان لها رديف في آداب اخرى، لا أقصد ابداع نوع ادبي جديد، انما اقصد ادباء بدأوا يمارسون ما يقع مجازا تحت صيغة الادب، بعد تفرغهم وخروجهم للتقاعد، وبالأساس تقاعدهم من سلك التعليم.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا تلقائيا: هل يفعلون ذلك كنوع من التسلية؟ هل صمتهم كان خوفا من فقدان وظائفهم؟ او تقدمهم في مراتب الوظائف، فزجروا شيطان الأدب في نفوسهم وربما اقتلعوه؟ وهل ما يطرحوه اليوم من شعارات قومية فضفاضة يعبر حقا عن مشاعرهم، أم هي صحوة متأخرة بعد ان استقر امن معيشتهم؟
انا لا اقرر بالحق الانساني المشروع بان يساهم المرء بالأبداع الادبي، او المشاركة بالحياة السياسية والاجتماعية، بأي جيل كان ومتى رأى في نفسه القدرة على العطاء، الأدب والحياة الثقافية ليست احتكارا على أحد، والمساهمة بالحياة السياسية لا يتطلب اذنا من أحد، واختيار الموقف القومي والفكر القومي او اي فكر آخر يساري او ديني هو اختيار حر، والجيل ولحظة القرار في المساهمة الثقافية او السياسية هي مسألة ذاتية تفرضها ظروف الانسان ومستوى وعيه وقدراته على العطاء والبذل.
المشكلة التي تطرحها هذه الظاهرة، ليست في اكتشاف البعض لمواهبهم في هذا الجيل المتأخر، ولكن من متابعتي لما ينشرونه من كتابات مختلفة، وفي ظل واقع ادبي مأزوم لأسباب عدة، لست الآن في باب طرحها، لم أجد اية موهبة تذكر، انما اعمال فجة، وكتابات ركيكة المضمون ومهتزة الفكر، بلا رؤية ثقافية واضحة، وبلا مضمون اجتماعي بسيط، وغني عن القول انها تفتقد للعناصر الجمالية البديهية التي يفترض ان تشملها الكتابات الأدبية، وتفتقد حتى للإنشاء البسيط ، الخطاب الأدبي شبه غائب ومن الصعب الاشارة الى الخطاب التاريخي ، الا اذا اعتبرنا التلويح بالشعارات القومية الجوفاء والمفردات التراثية او السياسية ابداع بحد ذاته . الذي اعنيه بوضوح أكبر، نفتقد في اعمال اصحابنا المتقاعدين للعناصر الأساسية في الأدب، ثرثرتهم وشعاراتهم القومية التي يحشون فيها كتاباتهم، في التلخيص الأخير هي بلا اي مضمون انساني وجمالي بسيط، والتفسير الوحيد لها انهم يريدون التعويض لأنفسهم عن فترة " الخوف السياسي "، الآن تقاعدوا وتلقوا تعويضاتهم وأصبحوا "أحرارا" في التعبير عن خلجات نفوسهم التي زجروها أثناء عملهم وزجروا طلابهم من اي تعبير عن مشاعرهم أو القيام بنشاطات يشتم منها رائحة الانتماء الوطني او الثقافي، رغم ان مساحة الحرية التي تتمتع فيها مدارسنا اليوم ، ومنذ عقدين على الاقل تفتح ابوابا واسعة للنشاطات السياسية والثقافية الوطنية داخل المدارس ، للأسف بعض "قوميي" اليوم ظلوا على خوفهم ومنعهم لأي نشاط توعيي ثقافي واليوم جاؤوا يتاجرون ببضاعتهم التي فات موعد تسويقها ،
لا اعتقد بان ادبنا ستزداد مكانته بمثل اولئك " الأدباء"، كانوا وسيبقون هامشيين، حتى لو بلغ صراخهم القومي في كتاباتهم التافهة اعلى مراتب الزعيق والصراخ، ليس بهذا الشكل نفهم الانتماء للأرض والوطن، وليس بهذا الشكل يبدع الأدب ، حتى لو اصبحت الصفحات "الأدبية " في صحافتنا المحلية المحروسة وقفا على ثرثرتهم العبقرية ، للأسف الصحافة اليوم تلعب دورا سلبيا في الحياة الثقافية للعرب في اسرائيل بشكل عام، حتى الصحف التي كان لها دورها الكبير في اعلاء شأن الأدب الفلسطيني للعرب في اسرائيل تتخلى عن طليعيتها ويفقد الأدب مكانته كسلاح ثقافي ساهم في صيانة وتقوية هويتنا الوطنية والثقافية ولغتنا، وصيانة ترابطنا الاجتماعي والسياسي، وهو موضوع يستحق وقفة خاصة .
بالطبع اصحابنا لا يكتبون فقط شعارات قومية، انما شعارات عشق ووله، بعد ان لم يعد ينفعهم عشقهم في الممارسة، تماما كما في السياسة.
المميز في هذه الظاهرة (غير الأدبية) هو كونها اضافة مقلقة للرداءة الأدبية، وتحويل الأبداع الأدبي الى ممارسات تسلية، ربما يعتقدون انهم يلحقون أنفسهم ويصطفون الى جانب شعبهم، لذلك صارت الشعارات القومية، شعرا ونثرا مميزا للتفاهات التي تتراكم تحت صيغة الادب أو السياسة، كما قلت صحافتنا المسكينة ملومة وتتحمل مسؤولية هذا الاسفاف وهذه الرداءة، ولكن هل توجد لدينا صحافة مسؤولة اليوم؟ وهل من صحيفة تعطي للمواد الأدبية حقها؟ ما ألاحظه هو السباق على نشر نصوص ركيكة، حتى في الصحف التي سمت محررا ادبيا لها، ام لم تفعل ذلك، الأمر سيان، اكتبوا ما تشاؤون، واياكم ان يكون مفهوما حتى لكم، وأنا اضمن ان تنشر تفاهاتكم، وأن "تشتهروا " بسرعة البرق وقد جربت ذلك بأسماء مستعارة وفي عدة صحف.
أما "الأدباء" بعد أن طيرت العشوش فراخها، فأنصحهم بالراحة، التي قضوا زهرة عمرهم تحت خيمتها، خوفا وانكفاء، سيظلون مجرد تافهين فيما ينشرون، فلم يبق من العمر قدر ما مضى، فهل يطمعون بتجديد شبابهم بعد ان اكتشفوا " فجأة" انهم أدباء؟
[email protected]
تعقيب على المقال – بقلم : حاتم جوعيه - المغار – الجليل – فلسطين
يعطيك الف عافيىة ، هذا مقال جريىء ورائع ومن الدرجة الاولى ، وأنت صادق في كل كلمة قلتها ... والأنكى والأسوأ من هذا أن شعراءَ وكتاب التقاعد ( البنسيا ) - من عرب الداخل - الذين بدؤوا يمارسون الكتابة والتخبيصات والخزعبلات والخربشات التافهة التي يسمونها أدبا- بعد خروجدهم للتقاعد - قد أصبحوا اليوم وبقدوة قادر هم الوطنيين والمناضلين ويحتلون المنصات في المناسبات وألامسيات الأدبية والثقافية بفضل الجمعيات والمنتديات التسكيفية المشبوهة والمأجورة والعميلة وبفضل النويقدين المأجورين وأذناب وقطاريز وكراكوزات السلطة ، وبعض المحاضرين في الجامعات الإسرائيلية من عرب الداخل الذين معظمهم وظفوا في مثل هذه الوظائف العالية والحساسة ( حسب رأي الكثيرين ) لأجل سكوتهم وصمتهم وتخاذلههم أو لعمالتهم وخيانتهم لشعبهم ولاجل خدمتهم الكبيرة للأجهزة السلطوية وسياستها المعادية للأقلية العربية الفلسطينية في الداخل ..... وقسم كبير من هؤلاء المستكتبين وكتاب التقاعد كانوا عملاء وأذناب سلطة من الدرجة الأولى.. وخانوا شعبهم وقضيتهم وأمتهم العربية ووقفوا ضد قضايا شعبهم المصيرية أو كانوا كالمتفرجين لا يهمهم مصير شعبهم في الضروف العصيبة التي مر بها . وكانوا فسادين ووشاة على الناس الشرفاء والأنقياء والوطنيين والمناضلين من أبناء شعبهم الفلسطيني في الداخل عقودا من الزمن ....وأما الشعراء والكتاب الكبار المبدعون والوطنيون والمناضلون الذين ضحو ا بحياتهم ومستقبلهم وبزهرة شبابهم سنين طويلة لأجل مبادئهم وقيمهم وآرائهم ولأجل قضايا شعبهم وأمتهم (( وانا واحد منهم )) فلا يدعونهم لاية مناسبة وأمسية من هذا المناسبات والندوات والمهرجانات التسكيفية المخزية والمشينة التي تقام بشكل مكثف في الآونة الاخيرة ، والتي يشوبها الطابع السلطوي والتخاذل والعمالة ويتولى عرافتها عملاء سلطة مخضرمون من قبل الإعلام الإسرائيلي الصهيوني ..وهنالك عشرات الأسماء لشعراء وأدباء كبار ومبدعين وشرفاء ووطنيين، كأمثلة على ذلك، قد عتّمَ عليهم .. وهنالك الكثير من الأسماء أيضا لشويعرين ومستكتبين من كتاب التقاعد ( البنسيا ) وعملاء السلطة ولا حاجة لذكر هذه الأسماء .. فربما أنت تعرفها جيدا.
بقلم : حاتم جوعيه - المغار - الجليل – فلسطين
((شاعر وأديب وناقد وإعلامي ودكتور في الطب الصيني البديل – الطب الطبيعي وطب الأعشاب)).
لم يوظف كالكثيرين من الوطنيين الشرفاء- في الداحل – في أية وظيفة حكومية ومكتب حكومي ولم يعين مدرسا أو مديرا او مفتشا أو محاضرا (( مارتسي ) في الجامعات الأسرائيلية أو مذيعا في التلفزيون والإذاعة لأجل مبادئه وآرائه التقدميَّة وإلتزامه وإخلاصه لشعبه الفلسطيني ولقضاياه المصيرية وقضايا الأمة العربية .. وترك أبواب التوظيف المشينة والمخزية (التي لا تشرفه ولا تشرف أي إنسان نظيف وشريف) مفتوحة على مصاريعها في المؤسسات والمكاتب الحكومية للوصوليين والإنتهازيين وللعملاء والخونة والأذناب والمتواطئين من عرب الداخل الذين بفضل تواطئهم واذنابهم وعمالتهم وخيانتهم لشعبهم عينوا في مثل هذه الوظائف . . .
نشرت فى 19 يوليو 2018
بواسطة magaltastar
الصور في قصيدة
"وفرحت"
سليمان أحمد العوجي
النص الجميل يجذبنا إليه برائحته الطبية، بشكله الأنيق، بلغته البديعة، بالدهشة التي يحدثها فينا، بالقشعريرة التي تصيبنا، بالذهول الذي يستوقفنا، في هذه القصيدة سنجد ذاتنا، حقيقتنا، واقعنا، مأساتنا، خيبتنا، وجعنا، وبالتأكيد نحن لا نريد أن نقرأ أو نسمع أو نشاهد شيء عنها، لكن "سليمان العوجي" بهذه القصيدة يُخرجنا عن هذه القاعدة، ولا أقول يمتعنا، بل يدهشنا، يصعقنا، فما هي هذه القصيدة؟، وما هو الجديد فيها؟.
فاتحة النص تكفي ليتقدم القارئ من المادة الأدبية:
"لا حرفةَ لي...
عاطلٌ عن الأنسِ
كفيفُ الفرحِ"
رغم القتامة التي جاءت في الفاتحة، إلا أن صورة "عاطل عن الأنس/ كفيف الفرح" تكفي لنتأكد بأننا أمام نص غير عادي، أمام شاعر استثنائي، وإلا ما كان ليقدم على هذه المغامرة، افتتاح القصيدة بحرف "لا" الصعب والقاسي، وأيضا يصف حالة من الألم "عاطل، كفيف".
دائما استخدام صيغة النداء تجذب القارئ للنص وتستوقفه، لكن الشاعر لا يخاطبنا نحن القارئ، بل يخاطب أمه، فهي الأقرب إليه، وهي من يُلتجئ إليها وقت الشدة، وقت الخطر، وقت الاحتضار:
"أميٌّ لا أجيدُ تهجئةَ الضوءِ
ولا قراءةَ كفِ الحرائقِ
نسيتُ كيفَ يرتقونَ
قمصانَ التفاؤلِ"
أيضا الشاعر يبدأ شكواه بحرف "لا" لكنه يذهلنا بهذه التركيبة:
"نسيتُ كيفَ يرتقونَ
قمصانَ التفاؤلِ"
فمثل هذه الصورة تكفي لنتوقف عندها، عند الطريقة التي جاءت بها، ومن ثمة الدوافع التي جعلت "سليمان أحمد العوجي" يستخدمها، وهنا تكمن الدهشة في القصيدة.
يكمل الشاعر تناوله لما يمر به من ألم، فيقول:
"أخجلُ من تأتأةِ غدي
ولساني يعاني من قلاعِ
الهتافِ للنصرِ المأزوم... "
الخجل فعل إنساني، ويعبر عن مشاعر خاصة بالإنسان النقي، غير الملوث بالواقع وبمصطلح "العصر"، فمثل هذا الشعور لا بد أن يتبعه تفصيل من الشاعر، فلماذا هذه "التأتأة" وعدم القدرة على "الهتاف"؟:
"ساعةُ ضجرٍ أنا
في معصمِ الوقت
أفتحُ باب الإرتياب
وأمضي تحتَ مطرِ الخيبةِ
خلسةً عن أعينِ البللِ"
إذا كان الحديث في السابق يتناول أفعال الشاعر الظاهرة، فهو هنا يخبرنا عن مشاعره الداخلية، وهذا يبدو للقارئ أنه أصبح في موضع قريب جدا من الشاعر، لهذا خصه بالحديث عن مشاعره الداخلية، فنجده يتجاوز الحديث عن الأفعال الظاهرة إلى تلك المشاعر الخاصة والداخلية فيه، وهنا يذهنا بقدرته على تصوير ما يشعر به من خلال:
"أفتحُ باب الارتياب
وأمضي تحتَ مطرِ الخيبةِ"
فالشاعر هنا يسير بدرب الألآم، والألم هنا نفسي "الارتياب، والخيبة" وهو اقسى وأشد هولا من العذاب الجسدي، فهو يرتاب/يشك، ومع هذا يقرر المسير تحت المطر، وأي مطر؟، مطر الخيبة.
وإذا ما توقفنا عند "المطر" الذي من المفترض أن يكون مصدر للخير وللخصب، فهو هنا مطر اليباب والجذب، والمطر/الماء يمثل حالة الانتقال من حالة عقائدية/دينية إلى حالة أخرى، فهكذا تحول "أنكيدو" من وحش إلى إنسان بعد أن اغتسل بالماء، وفي المسيحية يتعمد الإنسان بالماء، وفي الإسلام الاغتسال/الوضوء شرط أساسي للدخول إلى حالة الإسلام/الصلاة، لكن هنا الشاعر يتعمد/يغتسل بماء الخيبة، بمعنى أنه بكليته أصبح غارق ومتلبس بهذه الخيبة، وهنا تكمن (روعة) هذه الصورة.
يقربنا الشاعر من الأفكار التحررية من خلال تناوله للاسم:
"أخرجُ من إسمي
ولا أعرفُ العودةَ إليه"
فهو هنا يتحرر أو يقصي نفسه من ذاته، مما منحه المجتمع/الدين/الأسرة، فالتخلي عن الاسم، يحمل معنى الخلاص من كل الموروث الذي يحمله، وهنا ذروة الرفض لواقعه، ويؤكد هذا الرفض وهذه (الضياع) من خلال قوله "ولا أعرفُ العودةَ إليه" فهو تائه، أو يريد أن يبقى في التيه، لأنه هو من "خرج"، حتى لو كان مكرها/مجبرا.
يكمل وصف حالته بعد أن "خرج من اسمه":
"فأبقى على قارعةِ الوحشة
غريباً كالطفرةِ
بلا أقاربِ المألوف"
امسى الشاعر وحيدا، تتخاطفه الوحشة، فهل هو يستجدي، يطلب العون منا؟، أم أنه يريد أن يبرر/يوضح سبب خروجه من بيننا؟.
لنستمع إلى ما يقوله لنعرف الإجابة:
"تتمطى المعجزاتُ
يتثاءبُ الدربُ بي
وتتبادلُ الغربانُ
أنخابَ الخرابِ
على ركامِ العمر.. "
الرتابة والكسل تجعلان عن الأمل معدوم والدرب إله مستحيل، وعندما استحضر "الغراب" رمز الشؤم والخراب، أراد به أن يؤكد على حالة السواد الذي عم، المكان والزمن، المجتمع، الشاعر نفسه.
يقدمنا الشاعر أكثر من حالته فيقول:
"كلما تنهدَ الوقتُ
يجفلُ غزالُ دمي"
إذا ما توقفنا عند استخدامات الشاعر نجدها يؤنسن ما هو غير إنساني "المعجزات، الدرب، الغربان، الوقت" وهذا يشير إلى ثقل الواقع عليه، وعلى هول ما يمر به، لهذا نراه يصور كل ما يحيط به يحمل معنى الألم والقسوة.
"ويعبرُ أسلاكَ الشريان
تتبرمُ لغتي من أفعالها
يوقظني تأوهُ
فعلُ ماضٍ ناقص
يمسكُ بيدِ مبتدأ هزيل
يبحثُ في كومةِ قشٍ
عن إبرةِ كمالهِ وحقيبة خبرهِ"
يبدو أن الشاعر ينقلنا إلى رحلته إلى العالم الأول، العالم الذي يصبو إليه، لهذا نجده "ويعبرُ أسلاكَ الشريان" وكان عليه أن يستخدم لغة غير لغته، "تتبرمُ لغتي من أفعالها" فحتى التحول/الانتقال إلى الحالة الجديد كانت مؤلمة وموجعة، لكن، هذا الألم تم التخفيف من حدته من خلال الصورة التي جاءت في:
"فعلُ ماضٍ ناقص
يمسكُ بيدِ مبتدأ هزيل
يبحثُ في كومةِ قشٍ"
الشاعر يبدأ يتحرر من واقعه لهذا نجده يستخدم الفعل الماضي، والماضي الناقض، وكأنه أراد به رفض التاريخ/الماضي/الواقع الذي عاشه في (بلاد العرب أوطاني)، وما علق به من تشويهات وخراب.
"في قاعِ مدينةٍ
أنزلت عن ظهرها
خرافةَ التاريخِ ثم جفت"
فهو هنا تحرر من ثقل التاريخ، الماضي، وكان من المفترض على الشاعر أن يقدما من عالمه الجديد، لكنه يفعل العكس، يرجعنا إلى واقعه، إلى ألمه، فهل قتامة الواقع جعلته يأخذ هذا المنحى، بحيث يكون غارق في الألم؟
"هنا في عاصمةِ
الأفعالِ المضارعة
سياجٌ بلا حقول
مواسمُ مخصية الثمر
فزاعاتٌ متآمرة"
الشدة حاضرة في "العاصفة، والسياج، والمواسم، والفزاعات" لكن المدهش أنها جاءت ب"سياج" عبثية، بلا ثمر/حقول، والزمن أصبح يجتر الخراب واليباب، فهو مخصي، والفزاعات التي من المفترض أن تحمي الحقل/الثمر/المكاثي من الاعتداءات، نجدها تتآمر على الحقل وصاحبه، فأي حال هذا؟ كل ما فيه بشع وأسود ومتآمر.
"وأمٌ مرهقةُ الحنان
أخذَ الشتاتُ حليبها
وتركَ لها ثديَّ
الحقيقةِ الضامر
جلست تفلي رأسَ
ذاكرتها المهجورة
نسيت كف اللطمِ
على صدرها ونامت"
نذكر أن الشاعر خاطب أمه في البداية، وهنا يحدثنا عن أم أخرى، لكنها جاءت بصورة في غالية القسوة، فهي "مرهقة الحنان" وهذه صورة قريبة من الواقع، لكن عندما ينشف الشتات حليبها، فهنا تكمن عبقرية الشاعر، وعندما يترك لها "الشتات الحقيقة ضامرة" ننذهل بهذه التركيبة، بهذه الصورة، وعندما تأخذ الأم في "تفلي رأس ذاكرتها" فتبدو لنا كأنها أصيبت بالجنون من هول الواقع الذي ألم بها، والصورة الأخيرة جاءت لتنهي مأساة هذه الأم بمأساة أخرى، موتها.
الخروج/الهروب من هذا قتامة هذا الواقع سيكون من خلال:
"لا حرفةَ لي.. غيرَ الحلم
أعشِّبُ مساكبَ النومِ
من حنظلِ الكوابيس
وأحلم:"
هذا ما جاء عن الحلم العام، لكن ما هي تفاصيل/أحداث هذا الحلم؟
"حلمتُ أني ذاكَ الغجريُّ
الذي لا يحفلُ بذكرى المكان وفرحت!!.. "
حلم يبدو جميلا بالنسبة لما مر به الشاعر، ورغم أنه يتحدث عن "غجري" إلا أنه يبقى حلما مقبولا في حالة الشاعر، ويمثل نقلة نوعية بالنسبة له، يكمل لنا حلمه:
"وأنَّ قومي عناكبَ بلا ألوان
تنسجُ في لحظاتٍ
كثيراً.. كثيراً من الأوطان
وفرحت!!..
وأنيَّ عصفورُ النارِ يغزلُ
في يومٍ وليلةٍ سقفاً
متيناً لكرامته...
وفرحت!!..
حلمتُ أني لم أصحو
من النوم وأني:
ما بقيتُ ردحاً من هزائم
أقارعُ غولَ المصير
وفرحت!!.. "
العناكب توحي إلى السواد إلا أنها جاءت جميلة "بلا ألوان" وقامت بفعل جميل "تنسج" لكن هل الأوطان التي نسجتها العناكب هي أوطاننا أم أوطان أخرى، أوطان اجبرنا على النزوح والهجرة إليها؟
وهذا العصفور الذي يغزل "سقفا ميتا لكرامته" هل يمثل حقيقة، فعل "فرحت" عند الشاعر؟
يوضح موقفه من الحلم عندما قال: "حلمت ؟أني لم أصحو" فأحلامه رغم ما فيها من سواد تبقى أرحم من واقعه، وإذا ما توقفنا عندها، سنجدها تعكس الواقع، من خلال "الغجري المشرد، العناكب، رمز الخرب، عصفور النار: الجهل والبحث عن الخلاص بالاقتراب من الموت، كل هذا يجعلنا نتأكد بأن أحلام الشاعر تعكس واقعه، لهذا نجدها سوداء.
تلك كانت الأحلام الخاصة المتعلقة بذات/بنفس الشاعر، لكن هناك أحلام متعلقة بالآخرين، بالعالم الخارجي:
"وما بقيتُ صحراءً ضالةً
لا يبلُ ريقها شتاءٌ
ولا يتكفلُ يتمها ربيع
تعمدُ كثبانها على دين
ريحٍ كافرةٍ
تأخذُ الفراشةَ
بجريرةِ العقرب!!!!
وفرحت!!.."
الشاعر ينفي وجود "صحراء ضالة" لكن استخدامه لحرف النفي "لا" يشير في العقل الباطن إلى أنه ما زال متأثرا بالواقع، لهذه نجد الفاظ "الصحراء، ضالة، لا، يتيما، كثبانها، ريح، كافرة، بجريرة، عقرب" كل هذه الالفاظ تؤكد هيمنة الواقع القاسي على الشاعر، رغم أن الفكرة فيها تشير إلى فعل "فرحت".
"ولا بقيتُ ردحاً من يباس
في جيبي تمائم الغيم
وفي عنقي خرزةً زرقاء
وما بقيتُ ربانَ المراكبِ
التي لم تجادل الموج
ويدعي الحكمة...
وفرحت!!.."
في هذا المقطع نجد ألفاظ السوداء أخذت في الذبول، إذا ما استثنينا الفاظ "يباس، عنقي، لم، تجادل، الموج، يدعي" فهي سوداء بالتأكيد، لكنها أقل قتمامة مما جاءت في المقطع الأول "الصحراء".
الحلم ينتهي بهذا الشكل:
"ثم تعلو أهازيجُ المهرجينَ
في الجنازات المجانية
يسقطُ النومُ من يدي
وعريضةُ الرصاصِ لم تزل
تطالبُ الموتَ ألا يستريح."
الملفت للنظر أن انهاء الحلم كان من خلال وقع "أهازيج الجنازات" فالموت هو الذي ايقظ الشاعر من حلمه، ورغم أن حلمه لم يكن ذلك الحلم العظيم، وحتى الحلم العادي/الطبيعي، لما فيه من سواد وقتامة، إلا أن واقع الموت المتفشي انتزع الشاعر من تلك اللحظات التي كانت أخف وطأة عليه، وهو لم يفقد (الحلم) فحسب، بل أيضا فقد القدرة على النوم بسبب "عريضة الرصاص" التي "تطالب الموت ألا يستريح"، وهنا يضعنا الشاعر أمام حالة من الموت السرمدي، المتواصل والمتتابع، بحيث لا ينتهي، لأنه يتغذى من ذاته وعلى ذاته.
القصيدة منشورة على صفحة الشاعر على الفيس
نشرت فى 14 يوليو 2018
بواسطة magaltastar
الحياة في مجموعة
"صحو"
أميمة الناصر
عندما تكون المجموعة القصصية يجمعها اللغة أو الفكرة أو الأسلوب بالتأكيد تكون ممتعة، وتسهل على القارئ تناولها، في هذا المجموعة نجد لغة متألقة، ونجد العديد من محطات الحياة، خاصة تلك التي تعبر عن حالة الاغتراب، فنجدها تتناول الاعتقال السياسي كما هو الحال في قصة "صاب السجن، وسجن، وغيبة" والجميل في هذه القصص أنها جاءت بصورة مكثفة، لكنها توصل الفكرة وبعمق، تقول في قصة "سجن": "...أصر على المهندس الذي اختاره ليصمم منزله الجديد أن يجعل النوافذ في كل غرفة تمتد على مساحة إحدى الواجهات كاملة.
حيت أبدى المهندس استغرابه...
ـ لا عليك، أريدها نوافذ لا تشبع من الشمس والهواء.
قال ذلك في حين كانت ذكرى نوافذ سجنه الضيقة تمر في باله بأسى مرير" ص15، عندما تكون القصة لا تتجاوز نصف صفحة وتحمل مثل هذه الفكرة الكاملة والناضجة والمؤثرة بالتأكيد ستجعلنا نتقدم أكثر من المجموعة، فالمواطن العربي أينما كان يتعرض للاعتقال في هذا الوطن دون أن يقترف أي جنحة، فقط يتم اعتقاله للشبه أو لحمله أراء تخالف تلك التي يريدها النظام الرسمي، فذا الموضوع حيوي ويمس المواطن، والجميل في الأمر ليس الفكرة فحسب، بال الشكل الذي تستخدمه القاصة، فتتعمد الابتعاد عن مشاهد القسوة والألم مكتفية بالتلميح والاشارة، دون الخوض في تفاصيل السجين والظروف التي يمر بها المعتقل، أو وصف المكان بجدرانه السوداء، كل هذا يحسب للقاصة التي تهتم بعدم إرهاق القارئ بالمشاهد القاسية والصعبة، حتى عندما تحدثنا عن طريقة الاعتقال تتجنب تناول التفاصيل، تقول في قصة "غيبة":
"قبل زوجته وطفله النائم وغادر إلى عمله.
حين أدار مفتاح سيارته قفز فجأة إلى جانبه رجل، بينما كان آخر قد استراح في المقعد الخلفي.
ـ امش
...فجأة جاءت حافلة مسرعة، ...أشار إليه بالصعود.
ظلت الحافلة تسير لسنوات طويلة، فجأة توقف المكان ذاته الذي استقلها منه، وكان الرجلان ذاتهما في انتظاره بنظارتيهما السوداوين.
قاداه في سيارة أوقفته على باب بيته.
دق جرس الباب، خرج له شاب أنيق له ملامحه، يضع عطرا فقد منذ رائحته منذ سنوات، لم يستطع أن يتفوه بكلمة.
اغلق الشاب قائلا بأدب كبير:
ـ يبدو سيدي أنك ضللت البيت." ص22، بهذا اشكل يتم الحديث عن مشهد مؤلم وموجع، لكن الطريقة السلسة، واكتفاء القاصة بالإيحاء، جعل الفكرة تصل بأقل كمية من الألم، من القسوة، وهذا هو الابداع بحد ذاته، تقديم مادة/فكرة/حدث مولم بأدوات، وشكل، ولغة سلسة وغير مؤذية للمتلقي.
كما أن المرأة لها مكانتها في هذه المجموعة، المرأة إن كانت أم أو فتاة، أو عانس، وهذا يعطي ميزة أخرى لمجموعة "صحو" فنجد في قصة "حياة متأخرة" تناسق بين العنوان والفكرة، فهي تتحدث عن عانس" بطريقة سلسة وهادئة، رغم أن الحدث يحمل بين ثناياه حالة الألم الإنساني عند بطلة القصة: "لم تجد في كل أرجاء البيت مرآة تستطيع أن تسرح شعرها أمامها وتضع بعض الزينة.
سنوات ولبيت يخلو من المرايا... هو موعدها الأول، وللمرة الأولى تتناسى الأربعين عاما التي ينوء قلبها بحملها.
أخذت نفسا عميقا قبل أن تغادر السيارة، على مقعد في طرف الحديقة كان يجلس بانتظارها رجل في منتصف الأربعين، كان مرتبك، هو موعده الأول، تحسس الندوب الكثيرة في وجهه، لكنه تجاهل يده وجفاف عمره، وانتبه لابتسامتها المشرقة وقلبه الذي يخفق بشدة، وكلام كثير خبأته الذاكرة في مرايا المشروخة" ص23و24، مثل هذه القصة التي تشع بالإنسانية، وحاجة المرأة للرجل، وحاجة الرجل للمرأة يعبر عن واقع مر يعيشه العديد من العانسات والعانسين، وتحريك هذا الأمر في غاية الأهمية، فالحاجات الإنسانية لا يمكن أن تهمل أو نقفز عنها بحجة واهية، ومن المفترض قرع جدرانها وبقوة، ليصحو المجتمع من غفوته ويزيل ما علق به من "ندوب" قبيحة ومؤلمة.
وتكشف لنا القاصة حقيقة مشاعر المرأة تجاه الرجل في قصة "ذات صباح" والتي تتحدث عن فتاة تنتظر سيارة تقلها: "سيارة أجرة قادمة، مدت ذراعها وحركتها بقوة عل السائق ينتبه، فجأة يندفع شاب باتجاه السيارة، يصطدم بقوة بذراعها الممدود تكاد تفقد توازنها، ينتبه الشاب لخطئه، يتلعثم وهو يكرر عبارات الأسف.
... في اليوم التالي وقفت كالمعتاد في مكانها منتظرة سيارة الأجرة.
مرت سيارات كثيرة فارغة، لم تمد لها يدا.
تأخرت كثيرا عن عملها، قبل أن تنسل بحزن في إحدى سيارات الأجرة" ص25و26، الايحاء الذي جاء في نهاية القصة هو الأجمل، لأنه قدم لنا حاجة/رغبة الفتاة دون اسهاب في خوض التفاصيل.
وتقدم لنا في قصة "ليل" حاجة الرجل إلى المرأة من خلال الفتى الذي يتقن مخاطبة الفتيات من خلال الهاتف أو البريد الإلكتروني، لكنه بعد أن يقبل له يتعذر عل لقاءهن: "لم تكن أي واحدة منهن قد رأينه من قبل، وكن جميعا يرغبن بلقائه، لكنه دوما يعتذر بكثرة مشاغله ويعدهن بلقاءات قريبة.
في ساعة متأخرة من كل مساء، وبعد أن ينهي أحاديثه الكثيرة والطويلة مع نسائه الجميلات، كان يضع وجهه المحروق بالكامل بين كفيه ويبكي بمرارة" ص37، مثل هذا النهاية التي نكتشفها وتمثل الدوافع الحقيقية وراء عدم تلبته لرغباتهن بلقاءه هي الأروع والأمتع، لما فيها من اختصار واختزال للأحداث، ولأنها تحمل الدهشة في معرفة السبب، فهناك "وجهة محروق" لا يستطيع صاحبه أن يظهره لأحد.
ونجد القاصة تهتم بالقرآن الكريم من خلال عنوان قصة "صاحب السجن" والتي تتماثل مع ما جاء في سورة "يوسف": يا صاحبي السجن،" وقصة سبع عجاف" والتي تتمثل أيضا مع ما جاء في سورة يوسف" سبعا عجاف" ونجدها تستخدم هذه العبارة في قصة "حلوى": "وهزة رأسه ذات اليمين وذات الشمال" ص52، وهذا يتماثل مع سورة "الكهف" التي جاء فيها" "ونقلبهم ذات اليمن وذات الشمال" وطبعا مثل هذه العبارات تقربنا من القرآن الكريم، ومعرفة الحيثية التي جاءت بها الآيات الكريمة.
المجموعة من منشورات الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى2012.
نشرت فى 11 يوليو 2018
بواسطة magaltastar
المرأة في قصيدة
"ما دام لي"
موسى أبو غليون
المرأة هي باعث على السعادة، والمحفز على التقدم من الحياة بصورتها البهية، بدون المرأة تمسى الحياة سوداء قاتمة، سنجد في هذه القصيدة صورتين للمرأة، الأولى المرأة الحبيبة، الجميلة والتي يهيم بها الشاعر، والمرأة/النساء الأخرى التي يتعامل/ينظر إليها الشاعر من الخارج، دون أن يدخل إليها، فتبدو وكأنها مشوه، غير فاعلة أو مؤثرة كما هو الحال عند الحبية، المفردة والخاصة.
في (القسم الأول) يقدم لنا الشاعر امرأة بألفاظ مطلقة البياض، حتى أننا لا نجد ولا كلمة واحدة تعطي مدلول أسود، أو قاس، وهذا ما يجعل القصيدة تأخذ مكانتها عند القارئ، كما أن نهاية الأبيات في (القسم الأول) جاءت تخدم فكرة البياض في القصيدة: "الأشواقا، الآفاقا، الأوراقا، البراقا، إشراقا، الأذواقا، الساقا، سباقا" كما أن القافية جاءت لتعطي مدلول الاستمرار والديمومة للفعل من خلال حرف الألف.
والشاعر لا يكتفي بهذا بل يقدم مجموعة أفعال كلها تخدم فكرة البداية الجميلة مثل: "سأنبض، أنثر، استفاق، يلمس، مغازلا، راقت، وتنثر، رأيت، أدركت، زادها، فرسمتها، فتعانقت، نلتقي" وإذا ما اضفنا الأسماء والأوصاف التي استخدمت في القصيدة، بالتأكيد سنكون أمام قصيدة مطلقة البياض، تنسجم فيها الفكرة مع الاسم مع الفعل مع طريقة التقديم لتخدم فكرة المرأة الحبيبة، ولكي نوضح للقارئ البياض المطلق نقدم له (القسم الأول" كما جاء:
"ما دام لي قلب سأنبض بالهوى..
وبأم عيني أنثر الأشواقا
.
إن الفؤاد متى استفاق مغازلا..
سيعود طفلا يلمس الآفاقا
.
كل النساء قصيدتي وبحورها..
في نظرة من أملأ الأوراقا
.
راقت إلي خجولة وخدودها..
شمسا وتنثر بدرها البراقا
.
فمتى رأيت طلوعها في بسمة..
أدركت فجرا زادها إشراقا
.
فرسمتها مجنونة بطباعها..
من سابقت همساتها الأذواقا
.
فتعانقت أوتارنا في لوحة..
كفا بكف نلتقي والساقا
.
وتقول لي كيف القصيدة أرسلت..
يا صاحبي جاء الهوى سباقا"
فالشاعر لا يستخدم ولا حتى حرف "لا" في هذا القسم، مما جعله كامل ومطلق البياض، إن كان على مستوى الفكرة أم على مستوى الألفاظ المستخدمة.
قبل الانتقال إلى (لقسم الثاني) نشير إلى ان الشاعر في (القسم الأول) تحدث عن امرأة واحدة، المرأة التي يعشقها، حتى لو أنه استخدم في البيت الثالث صيغة الجمع عندما قال:
"كل النساء قصيدتي وبحورها..
في نظرة من أملأ الأوراقا"
لكن في حقيقة الأمر كان يقصد امرأة واحدة وليس "النساء" والدليل على ذلك أنه أقرنهن ب"قصيدتي" والتي تعطي معنى المفرد، وأيضا الخصوصية، والعلاقة الخاصة والمفردة مع القصيدة، لكننا نجده يخرج عن هذا البياض عندما تناول مجموعة النساء، وحاول أن يبدي لنا وكأنه خبير/عارف/عالم/متخصص في عالم النساء، فشوه العالم الجميل الذي رسمه في (القسم الأول) وتحدث بألفاظ قاسية ومؤلمة: "تلهب، الأطواقا، هجرن، أظلمت، خريفها، يسقط، عارية، لا، تقطع الاعناق"، ولكي نكون موضوعيين سنقدم (القسم الثاني) أيضا ليكون القارئ على بينة:
"إن النساء كما الكؤوس طباعها..
كالخمر تأتي تلهب الأغداقا
.
يسكرن عقلا من فنون نبيذه
هي نظرة من ترسم الأطواقا
.
وإذا هجرن ترى القصيدة أظلمت..
وخريفها ما يسقط الأوراقا
.
تبدو كما الأغصان عارية الهوى..
وحروفها لا تجمع الأوثاقا
.
إن النساء كما النسيم حضورها..
وعطورها في أحرفي قد راقا
.
لا تأمنوا رد النساء وموجها...
فبحورها لا تعرف الأعماقا..
.
فتعلموا فن السباحة إنها..
الموج فيها يمنح الأرزاقا
.
هي ربما تأتيك صيدا وافرا..
أو ربما من تقطع الأعناقا
.
فادرس هواها لا تغامر خطوة..
فذكاؤها من يكتب الميثاقا
.
بعض النساء إلى القصيدة بلسم..
ونعيمها زاد الهوى أغداقا
.
وتفيض وسوسة وترسل خطوة..
يا سعد من شرب الهوى أو ذاقا"
وإذا ما توقفنا عند (القسم الثاني) سنجد الشاعر عندما يستخدم صيغة الجمع يقرنها بألفاظ قاسية، كما هو الحال في هاذين البيتين:
"وإذا هجرن ترى القصيدة أظلمت..
وخريفها ما يسقط الأوراقا
.
تبدو كما الأغصان عارية الهوى..
وحروفها لا تجمع الأوثاقا"
فنجد "هجرن، أظلمت، خريفها، يسقط، عارية، لا تجمع" بينما عندما تحدث عن المرأة مقرونة به، من خلال حرف "الياء" نجده يتقدم من جديد إلى اللغة البيضاء والناعمة كما هو الحال في هاذين البيتين:
"إن النساء كما النسيم حضورها..
وعطورها في أحرفي قد راقا
بعض النساء إلى القصيدة بلسم..
ونعيمها زاد الهوى أغداقا"
الشاعر يستخدم "أحرفي، القصيدة" مما يعطي اشارة إلى العلاقة الخاصة بالأحرف والقصيدة، وهنا نجد البيتين مطلقا البياض، الفكرة والألفاظ كلها ناعمة وسلسة.
ولا بد لنا أن نتحدث عن العنصر الثاني الذي يمنحنا الفرح، إلا وهو الكتابة/القراءة، فالشاعر عندما يقول "أحرفي، القصيدة" بالتأكيد هو يأخذ محفز على الفرح مما يجعله يتماهى مع الألفاظ فيبتعد عما يشوه الصورة التي يرسمها، إن كان على مستوى الفكرة أم على مستوى الألفاظ، وهذا ما يؤكد عن العناصر المخففة من حدة الواقع هي "المرأة، الكتابة، الطبيعة، الثورة".
من هنا نقول كنا نتمنى على الشاعر أن يبقي حديثه عن المرأة الحبية، وليس عن "النساء" ككل، لأنه لم يكن متألقا ـ بالنسبة لهن ـ عندما تحدث عنهن كمجموع، بينما تألق وأبدع عندما تناول "تلك المرأة الوردة" لوحدها/بمفردها.
ملاحظة القصيدة منشورة على صفحة الشاعر على الفيس بوك.
نشرت فى 23 يونيو 2018
بواسطة magaltastar
القصيدة المنسجمة
"ثورة النفس"
سامح أبو هنود
عندما يجتمع الكلمة مع الحرف مع المضمون مع طريقة التقديم بالتأكيد تكون القصيدة مطلقة الكمال، في هذه القصيدة يتوحد الشاعر مع قصيدته، بحيث ينطبق عليه القول: "أنا لا اكتب القصيدة، بل القصيدة هي من كتبتني" فمن الصعب ان يكون هناك لقاء وانسجام في القصيدة في اكثر من عنصر، لكن الشاعر الذي يتوحد مع قصيدته، بالتأكيد يستطيع أن يتجاوز هذا الصعوبة، ويقدم ما هو استثنائي، وهذا ما نجده في قصيدة "ثورة النفس" التي تمثل حالة مميزة.
العنوان "ثورة النفس" يعطي مدلول على فعل الثورة، أي أن هناك متناقضات تستدعي حدوث الثورة:
" أوقدتُ ناريَ في يومي المشوق وها
...........أخمدتُ بالصبر جمرَ البؤس في أمسي
:
فبان سرَّ حياة قد أتيتُ لها
...............فازددت لُبْسَاً وزادَ الفَهْمُ في لُبْسي
:
لا أسعفَ الفَهمُ والإدراكُ فلسفتي
...................أو بَلَّ دائي شيوخُ الجنِّ والإنْسِ
:
فاخترتُ اتبع إحساسي لينبئني
.................فغالب الظن والتشكيك بي حدسي"
هناك حالة تناقض بين "ناري، وأخمدت، و بين فبان سر و فازددت لبسا، وبين لا اسعف الفهم وبين اتبع احساسي" كل هذا يعطي مدلول على أن هناك حالة من الاضطراب داخل الشاعر تجعله يستخدم هذه المتناقضات.
لكن التناقضات لا تقتصر على ما هو داخل نفس الشاعر، بل نجده يتحول العالم الخارجي:
" صعّدتُ روحيَ في الآفاق أحملها
..............فوق اختلاج الرؤى في ثورةِ النّفْسِ
:
وعدت أسبر أغواراً تؤرقني
............في لحظة الموتِ أو في حلكة الرّمسِ"
في البداية نجد حركة الصعود إلى أعلى، "صعّدتُ روحيَ"، ثم حركة معاكسة تماما تتمثل في "أسبر أغواراً" فالحركة الصعود متعلقة بالسماء، وسبر الأغوار" متعلقة بالأسفل وبالعمق وبالجوف، أي الضياء والنور من جهة وبين الظلام والعتمة من جهة أخرى، بين ما هو سماوي وما هو أرضي، فالشاعر يقدم لنا كل الاشياء الداخلية والمحيطة به في حالة من التناقض والصراع، وهذا يخدم فكرة العنوان.
واهما كل من يعتقد أن الثورة سهلة أو هي عمل ممتع، بلا عمل متعب ومرهق للإنسان، وهذا ما وضحه الشاعر عندما قال:
"يا ذا السؤال متى عني تكف فها
...................أوْهَتْ بروحِ الفتى ترنيمةُ اليأسِ
:
من أين جئتُ ومن أمضى مشيئته
..............أو أين أذهبُ إن ضمّ الكرى شمسي
:
ما اخترت لوني ولا عيشي ولا لغتي
.............ما اخترت اسمي ولا ديني ولا جنسي
:
كيف انتهيتُ بروحٍ صار خادنها
...............بؤسي ويسعد إن ضاقت بها.. نحسي
:
من ناب عني في إنفاذ رغبته
.............بل من دعاني وقد كنت الفتى المنسي"
ألم الشاعر واضح من خلال معاتبته للسؤال: "يا ذا السؤال" فالألم حاضر وموجود داخل الشاعر، لكنه لا يكتفي بهذا البيت، بل يفصل لنا طبيعة السؤال الذي يتعبه ويؤلمه، من خلال "من أين، ما اخترت، كيف انتهيت، من ناب" كل هذا يجعلنا نتفهم الشاعر أكثر، ونتعرف على حقيقة ما يمر به وما يؤلمه.
ومن حالة الألم التي يمر بها الإنسان، الوحدة، حالة الاغتراب عن محيطه/مجتمعه/واقعه، والتي تمثل اصعب حالة على الإنسان العادي، فما بالنا على الشاعر!!:
" وحدي وقفت بساح لست أعرفها
...................لو خيروني بها لاستأنست نفسي"
سنكتفي بهذه الابيات التي توضح العلاقة بين عنوان القصيدة "ثورة النفس" ومضمونها، "المتناقضات"، لننتقل إلى جانب آخر متعلق بلفظ "النفس" والقافية التي استخدمها الشاعر في قصيدته وهي حرف السين، وكأن كلمة "النفس" أخذت وقعها في الشاعر، بحيث لم يقدر أن يتحرر منها، فبدت واضحة من خلال القافية، وهذا امر طبيعي، لكن الملفت للنظر أن الأمر لم يقتصر على القافية فحسب، بل نجد العديد من الأبيات جاءت فيها كلمات تحمل حرف السين: "البؤس، سر، لبسا، اسعف، احساسي، أسبر، السؤال، اسمي، بؤسي، يسعد، بساح، لاستأنست، كؤوس، الألسن، السماء، سبع، اسلفت، اسمعتكم، همسي" كل هذا يعطينا اشارة إلى تعلق الشاعر بحرف السين، والذي يخدم فكرة السؤال، فكلنا يعلم أن المسائل الرياضة يستخدم فيها حرف "س" والتي تعني السؤال وعلى المتلقي أن يجيب عليه.
إذن حرف السين له علاقة وارتباط بالسؤال، هكذا هو مفهومنا عن حرف السين، حتى أننا نقول :"سين، سؤال" لننتظر الاجابة من الطرف المقابل، كتأكيد على وقع الحرف علينا وعلى طريقة تفكيرنا، وهنا نعود إلى ما قلنا في بداية حديثنا: "ان الشاعر يستخدم العديد من الابيات تحمل كلمات فيها حرف السين"، لكن ما حال الابيات الأخرى التي لا يوجد فيها كلمات تحمل حرف السين؟.
سنقدم كافة الابيات التي لم يستخدم فيها حرف السين، وهي:
"صعّدتُ روحيَ في الآفاق أحملها
..............فوق اختلاج الرؤى في ثورةِ النّفْسِ
من أين جئتُ ومن أمضى مشيئته
..............أو أين أذهبُ إن ضمّ الكرى شمسي
من ناب عني في إنفاذ رغبته
.............بل من دعاني وقد كنت الفتى المنسي
عجزي عن الفهم والإدراك يدفع بي
..............نحو ارتيابٍ فشا في الروح كالوَجْسِ
من لي يفنّدُ قول الريح إن نطقت
...............وصار كالصّرِ فعل القول في نفسي
أعشت عيونيَ اذ بانوا أحبتها
..................من ذا يعيد لِلَيْلي الأعــين النُّعْـسِ
هات القميصَ فإن جَلّى غباشتها
............جرّدتُ روحي من حِرْصي وَمِن تُرْسي
يا عثرة العقل ما أبقيت من أملٍ
............كي أعصم الروح إن زلّت خُطى نفسي"
هناك مجموعة من الابيات تحمل صيغة السؤال كما هو الحال في: "من أين جئت، من ناب عني، من لي، من ذا" بمعنى أن كثر من نصف الابيات التي لم تأتي بكلمات تحمل حرف السين، استبدلها الشاعر بصيغة السؤال المباشر، وهذا يعطي اشارة إلى الانسجام والتماهي بين الشاعر وقصيدته، بحيث انعكست حروف كلماتها وقافيتها على مضمونها، مما جعلها وحدة واحدة وكاملة.
القصيدة منشورة على صفحة الشاعر على الفيس بوك.
نشرت فى 23 يونيو 2018
بواسطة magaltastar
الرسالة الثالثة
حول الرواية مرة أخرى
الأربعاء: 20-6-2018
طابت أوقاتك يا عزيزتي
أرجو أن تكوني بخير، لا تقلقي بشأن كثرة الأعمال وازدحامها خصوصا في شهر رمضان وما بعده من (عجقة) العيد السعيد، فكل عام وأنت تتمتعين بالجمال والأناقة والحب، فهي أوقات تتزاحم فيها الفروض الاجتماعية، ولا أحد يستطيع الفكاك من عاداتها إلا من لم يحفل بها مثلي، لقد عودت الآخرين على أن أظل وحيدا، ولا أدخل في هذه الأجواء. لقد سرني أيضا تحسن أمور العمل، فمشروعك منذ رأيتك آخر مرة في تقدم، يسعدني أنك تمنحنين جل الوقت لإنجاز أعمال ذات قيمة جمالية بعيدا عن الهوس القديم، بما ليس منه فائدة حقيقية.
وأما ما جاء في رسالتك الأخيرة بخصوص الرواية، ها أنت تدفعينني لأعاود الحديث عنها، لاسيما أنك ما زلت تظنين أنني قادر على كتابة رواية، وما هي إلا مسألة وقت كما قلت: "كتابتك للرواية ستحدث ولا أظنك إلا مؤجلها ليس أكثر، لديك من القدرة ما يؤهلك لكتابتها وإن بأسلوب حداثي خارج القوالب المعروفة للرواية، يمكنك ابتداع ما يخصك، أثق تماما بما تجود به قريحتك المجنونة". لقد أعجبني وصفك لقريحتي أنها "مجنونة"، أشتاق لذلك الوقت الذي كنت تمتدحين النصوص بقولك: "مجنون"، ها هي تعود وإن بصورة أكثر هدوءا. كم أحب ذلك منك أيتها المجنونة مثلي تماما.
والآن فلتتفضلي علي، وتصغي إلى ما سأقوله حول الرواية.
صحيح أن الأعمال الأدبية ليست إعجازا، وأنه لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، حتى أعظم الأعمال عبقرية وبلاغة، ولكن مع ذلك يجب ألا تقع في محظورات الخطأ الذي سيكون بإمكان القارئ العادي أن يلاحظه فضلا عن الناقد المتوسط والمثقف ذي الدربة في قراءة الأعمال الأدبية.
في هذه الرسالة أحب أن أطلعك على بعض ما قيل في رواية "حرب الكلب الثانية" التي فازت بجائزة البوكر هذا العام. مقال في صحيفة خليجية يبرز فيه كاتبه أخطاء ظاهرة في الرواية، ويقارن تلك الإخلالات بروايات أخرى تدور في فلك الفنتازيا، تعد علامات بارزة في هذا الصنف من الروايات، تلك التي تحدث في عوالم خيالية وتستبق الزمن واللحظة الراهنة كحال رواية "حرب الكلب الثانية"، غير ناسٍ بطبيعة الحال تلك الموجة من الكتابات المادحة للرواية وتمجيدها، محتفلة بالرواية والروائي ومشروعه الكبير، وأنها إضافة مميزة كونها خرجت عن إيقاع مشروعيه الروائيين: "الشرفات"، و"الملهاة الفلسطينية".
ناقد وأكاديمي فلسطيني يصف روايات نصر الله بأنها مملة، ويذكر من ذلك على سبيل المثال رواية "أرواح كليمنجارو" وغيرها، وأنه لم يكد يبدأ الرواية حتى يدفعها جانبا ولا يكملها، ويعيد ذلك إلى ذائقته، بالطبع هو يسخر في "خربشاته" من أن تكون ذائقته هي المسؤولة عن هذا
الملل. هنا مشكلة الروايات الحديثة القائمة على التجريب، كالشعر تماما، تحتاج إلى ذائقة بمواصفات معينة بالتأكيد، وليس نصر الله وحده في هذا، وإنما كتاب روايات آخرون يشاركونه هذا الملل، ويشارك الناقد غيره في هذا الرأي بالتأكيد، وقد قرأت شيئا من هذا مؤخرا.
ما مناسبة هذا الحديث؟ لعلك ستسألين نفسك هذا السؤال، وأكاد أسمعه يرقص مع ضحكة ماكرة على شفتيك، لتظني بي الظنون؛ معتقدة أنني ذو نظرة سوداوية تجاه "الكتاب الكبار"، لا شيء من ذلك هنا، وإن كان في النفس شيء تجاههم، ولكن ليس هذا محله الآن، وأنا أكتب لك بموضوعية وشيء من الحيادية. سأحاول الإجابة على سؤالك مطولا إن استطعت، وأمدتني روحك بالإلهام اللازم والقدرة الكافية لشرح المسألة شرحا وافيا.
تؤكد لك المسألة النقدية حول الروايات الفائزة، يا عزيزتي، أن الأعمال الأدبية الفائزة في المسابقات الأدبية (شعرية، قصصية، روائية، نقدية،...) عدم إجماع الوسط الثقافي على تلك النتائج التي خرجت بها لجان التحكيم، وهذا ابتداء صحي وطبيعي، والمسألة ليست عربية فقط، حتى لا نظل نتهم أنفسنا بالتحيز والمحسوبيات والفساد، كما قال أمجد ناصر عندما خرج من القائمة القصيرة هذا العام في مقال يشنع فيه على الجائزة ولجنة التحكيم وزملائه الأدباء المتأهلين، ويكيل لهم الاتهامات غير المبررة، ونسي أنه كان يوما عضو لجنة تحكيم هذه الجائزة في عام 2010.
لقد حدث ذلك أيضا في الغرب، قبلتنا دائما في الحكم على الأشياء، فها هي (جينفر إيغان)، الروائية الأمريكية تقول: "لقد حكمت جوائز كبرى وأعرف كيف يتم هذا. فالأمر يعود إلى الذوق، ومن ثم الحظ، إذا حدث ووصلت إلى القائمة النهائية فهذا أنك محظوظ بما يكفي لتكتب شيئا يروق لحكام معينين". وبالطبع ليس (إيغان) وحدها، بل للشاعر المكسيكي (أكتافيو باث) رأي مشابه، وهم يعذرون لجان التحكيم، ويقبلون بكل روح رياضية نتائج المسابقات التي رُشحوا لها، ولا يقولون عن كتبهم أنها وحدها المقدسة، تعلو ولا يعلى عليها.
لعلنا جميعنا لم ننس تلك الهجمة الغبية على رواية "كونشيرتو الهولوكست" التي فازت بالجائزة نفسها قبل عامين، واتهام كاتبها بالتطبيع، وذلك الهراء النقدي لنويقد مصري يتدرب على الكتابة، وهذياناته المقيتة في حقها، وقد كرهته على نحو شخصي لقلة أدبه وذوقه المحدود والمنحط وسطحيته في الكتابة الملئية بكل شيء إلا النقد، فإنه لا شك مفارقُهُ إلى الأبد، ولن تبشر كتاباته بأي مستوى نقدي محترم على الإطلاق إن بقي سابحا في جهالاته المفعمة بالزهو الكاذب، والغارقة في الجهالات كثيفة الظلام.
المسألة الثانية وهي مسألة إبداعية محضة، هنا أتذكر ما كتبتُه حول رواية "مملكة الفراشة" في كتابي "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية" وأخطاء الكاتب فيما كتبه في الرواية حول موقع "الفيسبوك". ما حدا بالكاتب أن يبعث إلي برسالة يؤكد فيها صوابه وخطأ وجهة نظري وتحليلي. تمر الأيام وتفوز هذه الرواية بجائزة عربية، فيثور حولها اللغط، ويكتب كاتب آخر مقالاً يبين ما في الرواية من أخطاء، تلك الأخطاء التي أشرت إليها قبله، ويتهم لجنة التحكيم أنها منحت الرواية الجائزة لشهرة الكاتب دون أن يقرؤوا الرواية، إذ لو قرأوا الرواية، كما قال، لما استحقت هذا الفوز.
ماذا أريد أن أقول؟
أردت أن أقول إن هناك استعجالا في كتابة الرواية والتهافت عليها والتلبس بصفتها، وكأن صفة "الروائي" أمارة إبداع وعلامة تميز، وهي "فيزا" الدخول إلى عالم الشهرة والإبداع والجدارة الأدبية، وكأننا بذلك جميعنا نقضي، ونحن لا ندري، على فنون كتابية أخرى، جديرة بالحياة والاحتفاء كالشعر والمسرح والقصة القصيرة والموسيقى مثلا.
هل تلاحظين مثلما ألاحظ أن الحياة الإبداعية العربية والمحلية تفتقر إلى فن المسرح، ونقاد المسرح، وإنتاج المسرحيات، لقد مات هذا الفن الذي هو أبو الفنون جميعها، خلف وراءه خلفة أضاعوه وأماتوه! ولم يعد أحد يحفل به، وأنا واحد من الكتاب الجدد الذين لا يهتمون بالمسرح قراءة واقتناء ومشاهدة ونقدا، بل إنني أؤكد جهلي المطلق بهذا الفن.
تعالي نستذكر معا بعض كتاب المسرح، ولو سألتني عن بعضهم لن أستطيع إلا أن أقول اسمين أو ثلاثة كأقصى حد، وليس من هذه الأسماء أي اسم حديث، وقد أثرت هذا السؤال مرة مع صديق لي، وناقشت معه لماذا نحن، أنا وهو، لا نقرأ مسرحيات ولا نكتب في المسرحيات. ما حدا به أن أحضر لي في اليوم التالي مسرحيتين لكاتب عربي، تجاوز عمر نشرهما أكثر من (47) عاما. إنه خلل فاضح في الحياة الثقافية العربية، ونفص معيب في أبجدياتها الإبداعية بكل تأكيد. ولكن ربما هناك أسباب موضوعية لخفوت هذا الفن وتراجعه.
هل للرواية هذه القدرة من الهيمنة على الصنعة الكتابية، وتوجيه الأقلام نحوها أم أن بريق الجوائز أفسد الخريطة الإبداعية؟ أفكر أحيانا بما سيحصل بفن الرواية لو توقفت كل الجوائز التي تخصها؟ هل سيعود الكتاب إلى المسرح أم سيعودون للشعر أم أنهم سيصمتون؟ هل سنكتشف حقيقة مواهب أولئك الكتاب؟ أكاد أجزم أحيانا أن ثمة ديكتاتورية غير معلنة مسيطرة على عقول الكتاب ليكتبوا رواية، ديكتاتورية الشهرة والمال، وأصبحت الدوافع غير بريئة، يشوبها التفكير بالدولار، قبل الرواية ذاتها، ما جلب آثارا سلبية جدا على الرواية، وضاعت روايات عظيمة بين هذا الركام الغث، ربما سيكون حكما قاسيا قول أحد أصدقائي: "إذا تحدثنا عن الكم لن يموت أي نوع أدبي. وإذا تحدثنا عن النوع فنحن لا نملك لا رواية ولا قصة ولا مسرح ولا شعر إلاّ ما ندر. المشكلة أن الكل واثق من أنه فوق الجميع، وأقسم أن 99% مصيره المزبلة".
ابتعدت كثيرا عن محور الحديث، أعود فأقول يجب عدم الاستعجال في كتابة الرواية، بل يجب على كاتبها أن يراجعها، ويتتبع كل عنصر من عناصرها، ليرى منطقيته وترابطه مع غيره وواقعيته وجماليته منفردا وبالتضام مع غيره، عليه أن يفعل كل ذلك وأكثر قبل أن يزج بمجموع أوراقه إلى المطبعة، ويشارك فيها في المسابقات فتتعاورها أيدي النقاد ولجان التحكيم. وربما سبب بعضها اكتئابا ثقافيا للجان التحكيم.
في مقابلة مع أحد الروائيين يقول إنه يضع إشارات يتتبع من خلالها عمله الروائي بحيث لا ترتكب شخصياته حماقات سردية، فيَحدُث خلل أو تناقض أو تعارض بين أول الرواية وآخرها. بلا شك في أنه عمل مرهق وصعب، ولكنه ضروري وواجب لمن أراد أن يكون كاتبا روائيا ناحجا. عليه أن يتخلص من السيطرة العاطفية لبعض سخصياته عليه، ويكون موضوعيا بدرجة
فنية عالية. يُنقل عن (ماركيز) أنه خرج من غرفته وهو يبكي عندما اضطر فنيا لقتل شخصية "الجنرال" في إحدى روايته، ولكنه لا بد من أن يفعل ذلك، فلم يجعل الشخصية تقوده لكي تدمر عمله الروائي، كم كان شجاعا وناجحا وعبقريا.
بعد كل هذا الاستطراد أعود إلى ما بدأت به هذا الحديث؛ لا رواية دون ملحوظات نقدية بكل تأكيد، ولكن على الكاتب أن يتجاوز عقليات النقد المتوسطة والعالية ويتماس مع عقليات النقد الكبرى؛ لتظل الرواية عبقرية في عقول جماهير القراء الواسعة، من قراء مدربين ذوي ذائقة فنية عالية وحساسة ونقاد صحف، وهنا تحوز هذه الرواية صفة الإبداع حتما، من المثقفين والنقاد والقراء على حد سواء، ولا يستطيع أحد أن يلاحظ أخطاءها وعوارها، إن وجدت، إلا كبار النقاد، وهنا تصبح مسألة الجوائز سهلة، وستخف موجات الانتقاد الحادة لكل عمل روائي يفوز.
هل سأستطيع، كما قلت وتنبأتِ، أن أكتب تلك الرواية التي في ذهني؟ لا أدري إلى الآن هل باستطاعة قدراتي الذاتية تفتيق الخيال على تقنيات خارجة من "قريحتي المجنونة" لصنع رواية مذهلة تتجاوز عقليات النقد الصحفي لتتماس مع عقول النقد الكبرى، فما زلت مؤمنا أن للروايات عوالم سحرية، وأنها خلق من بعد خلق في ظلمات ثلاث (الشكل، والتقنيات السردية، والفكرة المدهشة)، وقليل جدا من الروائيين من نجح في أن يكون عظيما، كالشعراء تماما، فالشعراء العظام نادرون؛ ربما على طول تاريخ البشرية لن تجدي عشرة شعراء حقيقيين، وليس كتبة شعر، وكذلك هم الروائيون، فالروائيون العظماء نادرون أيضا، ولست أعني كتاب الخراريف والحكايات وأصحاب السقطات السردية. فـ "الرواية ليست لعبة شكلية أو حكاية تروى بنسق حكائي فحسب، بل هي انغماس في صيرورة الحياة وبحث في التجديد وحس جمالي في استخدام اللغة والقدرة على معاينة المعضلات المعاصرة والتوفر على معارف عدة من العلوم الحديثة والفلسفة والفكر والتاريخ والفنون والاقتصاد وعلم النفس والاجتماع"، كما تقول الكاتبة العراقية لطفية الدليمي. فإذا لم يقرأ الكاتب فلسفة وفكراً ونقداً وأساطير ولغة وعلم نفس، سيكون حكّاءً يتقن الثرثرةَ، ولن يصبح كاتبا كبيرا يوما ما، ثمة ضحالة ثقافية وفكرية، يا عزيزتي، في الروايات المنشورة مؤخرا، وسبق أن ناقشنا ذلك في بعض لقاءاتنا على قلتها.
ملاحظة أخرى: كثيرة هي الروايات العربية التي اعتمدت على تقنية واحدة ومكررة، حتى غدت كلاسيكية بسبب كثرة الروائيين الذين اعتمدوها. فأين التجديد في الشكل؟ وأين الرّواية العربية التي ابتكرت شكلها الخاص؟ بل كيف يفكر الروائيون في الروايات التي يكتبونها؟ الرّواية المكتوبة هي الصيغة الأخيرة لعملية التفكير بالرواية، لكن كيف توصل إلى ذلك وهواجسه الإبداعية فالرّواية المنشورة منجز مكتوب ونهائي بعد هذه العملية. هناك تقنيات سردية صعبة ومعقدة تحدث عنها روائيون كبار، غربيون بالطبع، ولم يستطع أي روائي عربي الاقتراب منها. ثمة استسهال في بناء الرّواية. والروائيون ليسوا معنيين بالإبداع، معنيون بالنشر والترشح للجوائز. كم روائيا الآن يكتب من أجل الابداع؟ أسئلة ستجدين إجاباتها صادمة ومحزنة إلى حد المصير الأسود للرواية المعاصرة، عربيا على الأقل.
وعلى الرغم من كل ما يقال حول الرواية ما زال هناك سؤال يدور في رأسي: هل يمكن أن يأتي يوم وتموت فيه الرّواية كما ماتت المقامات والملاحم مثلا؟ فالقصة القصيرة تحتضر
وكذلك المسرحية، صحيح أيضا أن "كل فن أدبي فيه إبداع ويستطيع أن يُحدث في المتلقي الدهشه، ويجعله يحلق بالفكر والخيال، فهو لا يموت مهما ضعفت أنفاسه"، وهنا أتذكر كاتبا فلسطينيا أصدر كتابين في المقامات، ولكنني لم أستطع قراءتهما، ويجب علينا الاعتراف أن حضور القصة القصيرة في المشهد الثقافي ضعيف جدا، وكذلك المسرحية خصوصا أنه لم يعد أحد يكتبها إلا نادرا جدا، وصحيح أن هناك فورانا في الرّواية، لكنها حتما ستموت يوما لصالح فنون أخرى كما ماتت الملاحم والمقامات والسير الشعبية.
على كل حال، أشكر لك فضلك في الإسهاب في الرد على الرسالة السابقة، وأتمنى أن نلتقي قريبا، فقد حان الوقت الذي تصافح فيه عيناي جمالك البهي الذي اشتقت إليه بكل ما في من قوة روحية وعقلية.
دمت بخير ومجد وألق، أرجو أن تتذكريني وأنت في معمعة العمل، وحاولي أن تكتبي لي عن أي شيء أردت، فالروح تسعد كلما نهلت من خمرة حرفك. أحبك
المشتاق إليك دوما: فراس حج محمد
نشرت فى 23 يونيو 2018
بواسطة magaltastar

75/ 200 / ب / بحث لم ولن يتكرر استنسخوه (المقنع الكندي: تحليل قصيدته " يُعَاتِبُنِي فِي الدَّيْنِ.." نقدياً و بلاغياً وعروضياً / رؤىً جديدة اقرأوا البحث والتحليل إلى آخره رجاءً وتأملوا معي ، والليالي يلدن كلّ عجيب !! كريم مرزة الأسدي ....أولاً - أبيات القصيد :
وَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِــي أَبِـــي*** وبَيْنَ بَنِــي عَمِّـي لَمُخْتَلِفٌ جِـدَّا
أَرَاهُمْ إِلَى نَصْرِي بِطَاءً وإنْ هُـــمُ ****دَعَوْنِي إِلَـى نَصْرٍ أَتَيْتُهُمُ شَدَّا
فَإِنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لُحُومهُمْ** وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدا
...........................................................................
ثانياً - القصيدة :
قال محمد بن ظفر بن عمير الكندي الملقب بالمقنع الكندي ( توفي 69 هـ / 689م - العصر الأموي) قصيدته الشهيرة - قصيدة دين الكريم - من البحر الطويل :
1 - يُعَاتِبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَــا**** دُيُونِيَ فِي أَشْيَاءَ تُكْسِبُهُمْ حَمْدَا
2 - أَلَم يَرَ قَومي كَيفَ أوسِرَ مَرَّة **** وَأُعسِرُ حَتّى تَبلُغَ العُسرَةُ الجَهدا
3 - أَسُدُّ بِهِ مَا قَدْ أَخَلُّوا وَضَيَّعُوا***ثُغُورَ حُقُوقٍ مَا أَطَاقُـوا لَهَا سَدَّا
4 - فَمَا زَادَنِي الْإِقْتَارُ مِنْهُمْ تَقَرُّبًا**وَلا زَادَنِي فَضْــلُ الْغِنَى مِنْهُمُ بُعْدَا
5 - وَفِي جَفْنَةٍ مَا يُغْلَقُ الْبَـابُ دُونَهَـا ****مُكَلَّلَـةً لَحْمًا مُدَفَّقَـةً ثَــرْدًا
6 - وَفِي فَرَسٍ نَهْدٍ عَتِيـقٍ جَعَلْتُــهُ**** حِجَابًا لِبَيْتِي، ثُمَّ أَخْدَمْتُهُ عَبْــدا
7 - وَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي أَبِـــي**** وبَيْنَ بَنِــي عَمِّـي لَمُخْتَلِفٌ جِدَّا
8 - أَرَاهُمْ إِلَى نَصْرِي بِطَاءً وإنْ هُــمُ **** دَعَوْنِي إِلَى نَصْرٍ أَتَيْتُهُمُ شَدَّا
9 - فَإِنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لُحُومهُمْ**وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدا
10 -وَإِنْ ضَيَّعُوا غَيْبَي حَفِظْتُ غُيُوبَهُمْ** وإنْ هُمْ هَوُوا غَيِّي هَوِيتُ لَهُمْ رَشْدًا
11 - وَلَيسوا إِلى نَصري سِراعاً وَإِن هُمُ *** دَعوني إِلى نَصرٍ أَتَيتُهُمُ شَدّا
12 - وإنْ زَجَرُوا طَيْرًا بِنَحْسٍ تَمُرُّ بِي****زَجَرْتُ لَهُمْ طَيْرًا تمُرُّ بهِمْ سَعْدَا
13 - وَإِن هَبطوا غـــوراً لِأَمرٍ يَســؤني**** طَلَعــتُ لَهُم مـا يَسُرُّهُمُ نَجــدا
14 - فَإِن قَدحوا لي نارَ زنــــدٍ يَشينُني*** قَدَحتُ لَهُم في نار مكرُمةٍ زَنـدا
15 - وَإِن بادَهونـي بِالعَـــداوَةِ لَم أَكُــن****أَبادُهُمُ إِلّا بِما يَنـــعَت الرُشـــدا
16 - وَإِن قَطَعوا مِنّي الأَواصِر ضَلَّةً**** وَصَلتُ لَهُـم مُنّي المَحَبَّــةِ وَالوُدّا
17 - وَلاَ أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عَلَيْهِمُ*** وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الحِقْدَا
18 - فَذلِكَ دَأبي فـــي الحَياةِ وَدَأبُهُم****سَجيسَ اللَيالي أَو يُزيرونَني اللَحدا
19 - لهُمْ جُلُّ مَالِي إِنْ تَتَابَعَ لِــي غِنًى*** وَإِنْ قَلَّ مَــالِي لَــمْ أُكَلِّفْــهُمُ رِفْـدَا
20 - وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ ثَاوِيًـا** وَمَا شِيمَةٌ لِي غَيْرَهَا تُشْبِهُ الْعَبْدَا
21 - - عَلَى أَنَّ قَوْمِي مَا تَرَى عَيْنُ نَاظِرٍ***كَشَيْبِهُمُ شَـيْبًا وَلاَ مُرْدِهِمْ مُرْدَا
22 - بِفَضْلٍ وَأَحْلاَمٍ وَجُودٍ وسُــؤْدُدٍ*** وَقَــوْمِي رَبِيعٌ فِي الزَّمَانِ إِذَا اشْتَــدَّا
....................................................................................
ثالثاً - نظرة عروضية :
القصيدة من البحر الطَّوِيْل وزنه بحسب الدائرة العروضية:
فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ ** فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ
لا يستعمل هذا البحر إلا تاما وجوبا.
ضابطه :
طَويلٌ لَهُ دُونَ البُحورِِ فضائل ** فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِلُ
للبحر الطَّوِيْل عروض واحدة تامة مَقْبُوضَة (قبضها واجب) ، وهو زحاف جارٍ مجرى العلة ، ولها ثلاثة أضرب صحيح (مَفَاْعِيْلُنْ) ، مقبوض ( مَفَاْعِلُ) مثل عروضته ، و محذوف معتمد (مَفَاْعِيْ ) - ويستحسن قبض "فَعُوْلُنْ" الواقعة قبل هذا الضرب -
أ - قصيدة شاعرنا المقنغ الكندي : عروضها مقبوضة وجوباً، وضربها صحيح ، وهذا وزنها:
فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِلُنْ*** فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ
أما الزحافات والعلل في البحر الطَّوِيْل فيجوز في حشو الطَّوِيْل:
(مَفَاْعِيْلُنْ) تَصْبَحُ : مَفَاْعِيْلُ ، مَفَاْعِلُنْ
(فَعُوْلُنْ) َتصْبَحُ : فَعُوْلُ ،عُوْلُنْ ، عُوْلُ.
ب - في هذا العجز: (طَلَعــتُ لَهُمْ مـا يَسُرُّهُمُ نَجــدا) ، قد ورد في كلّ المراجع والمصادر بهذه الصيغة ، وكان ثقيلاً مكروهاً على أذني ، ولم أرَ من أشار إليه أو قطّعه عروضيا ، والحق فيه ثلاثة زحافات تعاقبت في حشوه، أحدها مكروه ، وهي قبض (فَعُوْلُنْ) الأولى فأصبحت (فَعُوْلُ) ، وكف ( مَفَاْعِيْلُنْ) الأولى فأصبحت (مَفَاْعِيْلُ) ، وثرم ( فَعُوْلُنْ) الثانية فأصبحت (عُوْلُ ) ، التقطيع :
طَلَعــتُ لَهُمْ مـا يَسُرُّهُمُ نَجــدا
طَلَعْــتُ / لَهُمْ مـا يَ/ سُرْرُ/ هُمُو نَجْــدا
فَعُوْلُ / مَفَاْعِيْلُ / عُوْلُ / مَفَاْعِيْلُنْ
ج - البيتان الثامن والحادي عشر متشابهان في المعنى واللفظ ، وكل المصادر والمراجع التي أعتمدت عليها تدونهما ، ولكن المشكلة العروضية ، جميع ما أعتمدت عليه تكتب عجز البيت الحادي عشر هكذا : (دَعوني إِلى نَصيرٍ أَتَيتُهُمُ شَدّا)، وبهذا التشكيل يكسر الوزن إلا بحذف الياء من ( نصيرٍ ) ، لتكون ( نصرٍ) ، فيصبح العجز (دَعوني إِلى نَصرٍ أَتَيتُهُمُ شَدّا)، فيكون التقطيع :
فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُ مَفَاْعِيْلُنْ
لأن لو قبلنا بما أتت به كل المراجع والمصادر التي أعتمدت عليها ، ورضينا بقبض
(مَفَاْعِيْلُنْ) في الحشو ، وسكّنا ميم فتكون (أَتَيتُهُمْ) لكانت التفعيلة الثالثة في العجز ( فَاعِلَنْ) ، وهذه ليست من تفعيلات البحر الطويل ، يعني يكون التقطيع (فَعُوْلُنْ مَفَاْعِلُنْ فَاعِلَنْ مَفَاْعِيْلُنْ).
من كل هذا أريد أن أقول إن البيت الحادي عشر منحول ، وليس من القصيدة على أغلب الظن !!!
والسؤال الأهم كيف عبر هذا البيت من يومه حتى يومنا ؟!! وتنقله المراجع والمصادر والمواقع حتى الأدبية المتخصصة ، ليس من ناحية العروض فقط ، ولكن تكرار المعنى واللفظ للبيت الثامن ، والثامن أقوى تشكيلاً.
د - في عجز البيت الثامن عشر :(سَجيسَ اللَيالي أَو يُزيرونَني اللَحدا) ، هنالك احتمالان لإعراب (أو) ، إما أن تكون عاطفة ، فالفعل (يُزيرونَني) ، تلفظ فيه النونيَن ، نون الجمع ونون الوقاية ، وتختلس الياء للكسر ، فيكون تقطيع العجز : (فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاْعِيْلُنْ) ، وإما أن تكون (أو) أداة نصب للفعل المضارع ، ففي هذه الحالة تحذف نون الجمع ، وتبقى فقط نون الوقاية ، فيلفظ الفعل بنون واحدة هي نون الوقاية ، وعليك تحريك ياء المتكلم بالفتح (يُزيرونيَ) ، ويبقى التقطيع السابق نفسه ، والله خير الحاكمين .
تنويهات :
أ - لا يجوز اجتماع الكف والقبض في (مَفَاْعِيْلُنْ). والْكَفّ والْقَبْض إن وقعا في جزء أو جزأين قُبِلا، فإن زادا عن ذلك لم يتقبلهما الذوق.
ب - الْخَرْم (حذف أول الوتد المجموع أول التفعيلة) وذلك في تفعيلته الأولى (فَعُوْلُنْ) فإن كانت سالمة أصبحت (عُوْلُنْ) ويُسَمَّى هذا ثَلْمًا، وإن كانت مَقْبُوضَة صارت (عُوْلُ) ويُسَمَّى ثَرْمًا.
ج - لا تأتي عروض الطويل سالمة (مَفَاْعِيْلُنْ) إلا عند التصريع فتكون سالمة مع التصريع ومقبوضة حيث لا تصريع.
يبقى عليك تقطيع القصيدة ، فهو سهلٌ يسير على المتمرس !!
..........................................................................
رابعاً - اسمه ونسبه وولادته :
جاء في (الأغاني) : " اسمه محمد بن ظفر بن عمير بن أبي شمر بن فرعان بن قيس بن الأسود ابن عبد الله بن الحارث الولادة - سمي بذلك لكثرة ولده - بن عمرو بن معاوية ابن كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب قحطان شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية وكان له محل كبير وشرف ومروءة وسؤدد في عشيرته
قال الهيثم بن عدي أن عمير جده سيد كندة وكان عمه عمرو بن أبي شمر ينازع أباه الرياسة ويساجله فيها فيقصر عنه."
وفي اسم أبيه خلاف، قيل: عمير، وقيل ظفر بن عمير ، وقيل عميرة.
ولد الكندي في وادي دوعن بحضرموت في قبيلة كندة اليمنية جنوب الجزيرة العربية ، من أهل حضرموت وُلد بـوادي دوعن ، ولا تعرف سنة مولده ولكنه عاصر الدولة الأموية،فهو من شعرائها ، ( توفي 69 هـ / 689م).
...............................................................
خامساً - لقبه :
يقول صاحب ( الأغاني) : " المقنع لقب غلب عليه لأنه كان أجمل الناس وجها وكان إذا سفر اللثام عن وجهه أصابته العين.
قال الهيثم كان المقنع أحسن الناس وجها وأمدهم قامة وأكملهم خلقا فكان إذا سفر لقع - أي أصابته أعين الناس - فيمرض ويلحقه عنت فكان لا يمشي إلا مقنعا."
و قيل العكس : كان من أجمل أهل زمانه وأحسنهم وجها ، وأتمهم قامة ، فكان إذا كشف وجهه يؤذى ، فكان يتقنع دهره ، فسمي لذلك المقنع.
وقيل أيضاً لأنه فارس رئيس مغطى بالسلاح كما قال الجاحظ ، وهو الأقرب للعقل و المنطق ، وهكذا ذهب التبريزي في تفسيره للقبه بقوله : ن المقنع هو اللابس لسلاحه.
............................................................................................
سادساً - حياته :
يقول أبو فرج الأصفهاني في ( أغانيه) " ونشأ محمد بن عمير المقنع فكان متخرقا في عطاياه سمح اليد بماله لا يرد سائلا عن شيء حتى أتلف كل ما خلفه أبوه من مال فاستعلاه بنو عمه عمرو بن أبي شمر بأموالهم وجاههم وهوي بنت عمه عمرو فخطبها إلى إخوتها فردوه وعيروه بتخرقه وفقره وما عليه من الدين فقال هذه الأبيات المذكور."
عاصرالمقنع الكندي عبدالملك بن مروان وامتدحه ،كان له محل كبير وشرف ومروءة وكان المقنع يُعرف بمكانته ومنزلته الرفيعة داخل عشيرته. إذ كان جدّ المقنع عمير زعيم كندة، وبعد موته نشأ خلاف بين والد المقنع وهو ظفر وعمه عمرو بن أبي شمر على الزعامة ، وقد كان هذا الخلاف سبباً في الخلاف بين المقنع الكندي وأبناء عمّه في ما بعد وقد يكون هذا سبب رفض أبناء عمّه تزويجه أختهم مما قيل عنه.
فقد نشأ شاعرنا في وسط هذا وعرف بالإنفاق وحب العطاء فانفق ما تركه له والده حتى أصبح مديوناً، وجاءت إحدى قصائده (الدالية الخالدة الني تسمى : دين الكريم) معبرة عن حاله بعد استدانته من أبناء عمه، وتعد هذه القصيدة من أطول القصائد التي كتبها، واشهرها، وفي هذه القصيدة قام بالرد على أقاربه بعدما عاتبوه على كثرة إنفاقه والاستدانة منهم، فهو الكريم الذي لا يرد سائل، فدافع عن نفسه في هذه القصيدة.
....................................................................................
سابعا - من أشعاره :
لم يتم جمع أشعاره في ديوان وتفرق الكثير منها، ولم تكن قصائد الكندي طويلة فكان أطولها القصيدة الدالية، و من بعدها قصيدة تضم 18 بيت وباقي القصائد تتراوح بين سبعة أبيات وبيت واحد، وتدور معظم قصائده في نفس إطار القصيدة الدالية والتي سبق ذكرها.
وذكر ألدكتور نوري حمودي القيسي في كتابه ( شعراء أمويون ) ما مجموعه واحد وثمانون بيتاً في ثلاثة عشر نصاً ما بين قصيدة ومقطوعة ونتفة وبيت يتيم .
وقد أنشد الكندي بعض أشعاره بين يدي عبد الملك بن مروان، وتوفى عام 69 هـ ، وقيل 70هـ.
يمتاز شعره برصانة الأسلوب وانتقاء الألفاظ والمفردات الشعرية بعناية فائقة تعرب عن تمكنه في صناعة الشعر وسمو مكانه بين شعراء العربية، فشعره من أحسن ما قيل في معناه جزالة ونقاوة وسباطة وحلاوة.
وتعد قصيدة الدالية قصيدة (دين الكريم) المتقدم ذكرها من أشهر قصائد المقنع ، وأشرنا من قبل .
شاعر مقلّ من شعراء الدولة الأموية، ومن جيد شعره :
إِنِّي أُحَرِّضُ أَهْلَ الْبُخْلِ كُلَّهُمُ*** لَوْ كَانَ يَنْفَعُ أَهْلَ الْبُخْلِ تَحْرِيضِي
مَا قَلَّ مَالِيَ إِلاَّ زَادَنِي كَرَمًا ***حَتَّى يَكُونَ بِرِزْقِ اللَّهِ تَعْوِيضِي
وَالْمَالُ يَرْفَعُ مَنْ لَوْلاَ دَرَاهِمُهُ** أَمْسَى يُقَلِّبُ فِينَا طَرْفَ مَخْفُوضِ
لَنْ تَخْرُجَ البِيضُ عَفْوًا مِنْ أَكُفِّهِمُ*** إِلاَّ عَلَى وَجَعٍ مِنْهُمْ وَتَمْرِيضِ
كَأَنَّهَا مِــــنْ جُلُودِ الْبَاخِلِينَ بِهَـا****عِنْدَ النَّوَائِبِ تُحْذَى بِالْمَقَارِيضِ
ومن جيده أيضاً:
نَزَلَ الْمَشِيبُ فَأَيْنَ تَذْهَبُ بَعْدَهُ***وَقَدِ ارْعَوِيتَ وَحَانَ مِنْكَ رَحِيلُ
كَانَ الشَّبَابُ خَفِيفَــــــةً أَيَّـــامُهُ*** وَالشَّـــيْبُ مَحْمَلُهُ عَلَيْكَ ثَقِيلُ
لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَمَاحَةً***حَتَّى تَجُـــودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ
الصداقة والصديق) قال المقنع الكندي:) وفي كتاب
وَصَاحِبُ السَّوْءِ كَالدَّاءِالْعَيَاءِ إِذَا ** مَا ارْفَضَّ فِي الْجِلْدِ يَجْرِيهَا هُنَا وَهُنَا
يَجْرِي وَيُخْبِرُ عَنْ عَوْرَاتِ صَاحِبِهِ*** وَمَا يَـــرَى عِنْدَهُ مِـنْ صَــالِحٍ دَفَنَا
كَمُهْرِ سَـــوءٍ إِذَا رَفَّعْتَ سِـــيرَتَهُ *** رَامَ الْجِمَــاحَ وَإِنْ أَخْفَضْــتَهُ حَـرَنَا
إِنْ يَحْيَ ذَاكَ فَكُنْ مِنْهُ بِمَعْزِلَــةٍ *** وَإِنْ يَمُـــتْ ذَاكَ لاَ تَشْــهَدْ لَـهُ جَنَنَــا
.................................................................................
ثامناً - تحليل قصيدته الخالدة :
أ - المقدمة والمناسبة :
يطلُّ علينا هذا الشاعر المقنع الأموي بإطلالة غير( طللية) ، لا وقوف على الأطلال ، ولا تشبيب ، ولا نسيب ، ولا قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ ، ولا لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمدِ ....كما ذهب الشعراء الجاهليون ، بل ولا حتى بـ تأسفتْ جارتي لما رأتْ زوري ، أو تحاوبن بالأرنانِ والزفراتِ كما أنشد دعبل العباسي ... ما هكذا تورد يا ( كندي) الإبل...!!!
شاعرنا دخل علينا بالعتاب ، وهاجمنا بالدفاع ...!! كم كانت نفسيته متألمة ، حزينة ، متعبة ، ولا تعب إبان لحظات نظم القصيدة ، مشاعر مكبوتة حتى الانفجار ببوح إنساني رفيع ، وما الإنسان إلا بالإنسان !! فوجد نفسه في صراع فكري اجتماعي وجداني سلوكي ...فعدَّ نفسه لتعداد خصاله الحميدة وأياديه الكريمة ونفسه الكبيرة ، وجعل من مظلوميته جسراً لعبور بني أبيه وبني عمه إلى المجد الرفيع والسؤدد السامي !!
إنَّ السببَ المباشر ، والمناسبة الأليمة لنظم المقنع أفضلِ عقد قصائده - والتي اشتهرت على الألسُن، وخلدها الدهر أنَّه أحبَّ ابنة عمِّه أيضًا، وخطبها إلى أبيها وإخوتها، فرفضوا تزويجه إيَّاها، وما الحجة؟!!
نعم الحجة جاهزة هي فقره ودَينه، وما سبب فقره ودينه؟ لأنَّه لا يردُّ السائلين والمحتاجين والفقراء، وبابه مفتوح للضيوف على مصراعيه!!:
ب - تحليل أبيات القصيدة نقدياً وبلاغياً:
1 - يُعَاتِبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَــا*** دُيُونِيَ فِي أَشْيَاءَ تُكْسِبُهُمْ حَمْـدَا
يشرع بعتاب قومه له في دَيْنه ،ويأتي بجناس ناقص بين ( َديْن) في صدر البيت و ( ديون ) في عجزه ، فيحصر أمر ( ديونه) بأداة الحصر ( إنّما) ، وبعد ( الحصر) يكمل ... هذه الديون صرقتها في أشياءَ - ممنوعة من الضرف - تجلب لهم الثناء والحمد !! وقلب السحر على الساحر !!
و الحقُّ هذا من أعمال النفوس الكبيرة الأثيرة ، المضحية من أجل الآخرين وإسعادهم ، وله في قصيدة أخرى ما ذهبنا إليه ، قوله :
لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَمَاحَةً ***حَتَّى تَجُـــودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ
2 - أَلَم يَرَ قَومي كَيفَ أوسِرَ مَرَّة **** وَأُعسِرُ حَتّى تَبلُغَ العُسرَةُ الجَهدا
البيت الثاني كله أسلوب إنشائي طلبي استفهامي ،الغرض منه التقرير و اللوم و التأكيد.
و الاستفهام المنفي ، تكون الإجابة عنه بالإثبات باستخدام (بلى) : (أَلَم يَرَ قَومي كَيفَ؟!...) الجواب بالإيجاب : ( بلى، رأى قومك كيف....) ، ومن بعده بثلاثة قرون جاء أبو فراس الحمداني بالصيغة نفسها وجاوب بنفسه : ( أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ؟! ....بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ...).
وبعد حصر الديون لتكسبهم مجدا ، يشرع بالبيت الثاني مستفهماً منهم مستنكراً قباحتهم معه ، ويلبس لباس التوازن المتعقل بين يسره وعسره (بطباق) جميل ، بل ويزايد عليهم أنه يجهد نفسه بالعسرة. ويواصل البيت الثالث وتعال معي رجاءً!!
3 - أَسُدُّ بِهِ مَا قَدْ أَخَلُّوا وَضَيَّعُوا***ثُغُورَ حُقُوقٍ مَا أَطَاقُـوا لَهَا سَدَّا
دقّق معي الصيغ البلاغية المتتالية في هذا البيت ( أسدُّ ...سدّأ) ،جناس ناقص اشتقاقي رائع يتلقف السامع الفطن القافية قبل أن ينطقها الشاعر ، والشاعر لم يترك مجالاً للشك والريب ، حسم الأمر حسماّ ،أن ديني وديوني ما كانت سوى تسديد لما أخلّيتم وضيعتم من ثغور الحقوق ...الطباق جلي وواضح بين ( أسدُّ و أخلّوا) ، و (ثغور حقوق ) يشبه الشاعر الحقوق بالثغور التي يجب سدادها وهو تجسيد للمعنى حيث يشبه شيء معنوي بشيء مادي ، والكناية عن عجزهم في ( ما أطاقوا لها سدّا) بيّنة!
(ما) في صدر البيت موصولة بمعنى الذي والجملة التي بعدها صلة الموصول لا محل لها من الإعراب .. أما ( ما ) في عجز البيت فهي (ما) النافية ، حيث نفت استطاعة القوم على أداء الحقوق ، والكلمتان جناس تام !
وما اكتفى الرجل ... ويقيني أن الهموم والأفكار والتساؤلات والإجابات كانت مختمرة في عقل ووجدان الشاعر قبل عقد قصيدته إبان لحظات الإبداع ، وبالتالي هي قصيدة تختلف عن ( ألا هبّي بصحنك فأصبحينا) لعمرو بن كلثوم وغيرها !! إذ أفكارها متسلسلة ...مرتبة ... مجهّزة بأدوات حصرٍ وشرطٍ واستفهام وتأكيد ، وتكرار لفظي مقصود ...كأنه يشك ويرتاب من أهله وبني عمّه أن يقتنعوا بحججه وأقاويله ونظمه.
ونواصل ، ولك أن تواصل المسيرة معي ، ولا أعدك ، وربّما أنت أيضاً مشفقٌ عليَّ وعلى نفسك ، أن نشرح القصيدة بيتاً بيتاً ، فأنا أسير معك ناقداً أديبا، لا معلماً ناهجاً القصيدة سلسة ، من السهل الممتنع ، جليّة واضحة لكلِّ أديبٍ أريب ، جلّها يغطي كلّها !! مهما يكن من أمر أسير وتسير معي إلى هذها البيت :
4 - فَمَا زَادَنِي الْإِقْتَارُ مِنْهُمْ تَقَرُّبًا****وَلَا زَادَنِي فَضْــلُ الْغِنَى مِنْهُمُ بُعْدَا
العلاقة بين الشطرين علاقة ( مقابلة ) ، لذا لا يفوتك ما في الشطرين من جناسٍ ، و ( زادني ....زادني ) و ( مِنْهُمْ ...مِنْهُمْ ) ، ومن طباقٍ بين ( الإقتار ...الغنى) و ( تقرباً ...بعدا).
زادتني دهشة هذه المقابلة بجناساتها وطباقتها ، وهذا الأسلوب الخبري المنفي لكي يستبعد تقرّبه لقومه وتذلله لهم عند الحاجة ، وبعده عنهم إبان الغنى والخير، فحبّه لهم بعيد عن المصالح ، لأنهم هم أهله وكفى ، ويذكّرهم هو من هو ؟!!
5 - وَفِي جَفْنَةٍ ما يُغْلَقُ الْبَـابُ دُونَهَـا ****مُكَلَّلَـةً لَحْمًا مُدَفَّقَـةً ثَــرْدًا
6 - وَفِي فَرَسٍ نَهْدٍ عَتِيـقٍ جَعَلْتُــهُ**** حِجَابًا لِبَيْتِي، ثُمَّ أَخْدَمْتُهُ عَبْــدا
كأنّي بهذا المقنع الفارس لفروسيته ، لا لجمال وجهه فقط تقنع : يقول لقومه و أهله وبني عمه ما كانت ديوني - أيّها السادة!!- لإعلاء شأنكم ، ورفع مجدكم ، وتسديد ثغور حقوقكم فقط ، وإنمّا للبذل الباذخ وكرمي وجودي - وكنّى في قوله : ( ما يُغْلَقُ الْبَـابُ دُونَهَـا ) - عن فتح الموائد التي تتسع لسد الأبواب لكثرة الضيوف ، وعليها أكاليل من اللحوم والثريد الطيب وما تشتهون !!!
قوله: (مدفقة) أي مملوءة. والأحسن أن يروى معه : (ثرداً) بضم الثاء. ويروى (مدفقة ثردا) بفتح الثاء. والمراد مثردة ثرداً دقيقاً . وقال بِشر الأسيدي:
إني ليمنعني من ظلم ذي رحمٍ *** لب أصيل وحلم غير ذي وصمِ
إن لان لنت وإن دبت عقاربه *** ملأت كفيه من صفحٍ ومن كرمٍ
في البيت السادس وصف فرسه بأنه (فَرَسٍ نَهْدٍ عَتِيقٍ ، والنه د: الجسم المشرف من الخيل) ، أي كناية موصوف عن صمودها بوجه الأعداء ، لم يرد بقوله جعلته حِجَابا لبيتي أَنه يحجب بَيته ، بل فرس هَذِه صفته جعلته نصب عَيْني وأكبر همي ، و جعلت عبداً خَادِمًا لَهُ فِي تَدْبِير شؤونه.
فذلكة الأقوال لشرح الأبيات الستة ، ما ذكره المروقي عن شرحها في شرح ديوان حماسة أبي تمام : " كأن قومه ينعون عليه سرفه في الإنفاق، وتخرقه في الإفضال، وتجاوزه ما تساعده به حاله وتتسع له ذات يده إلى الاستقراض، وبذل الوجه في الأديان، فقال: كثرت لأئتمتهم فيما يركبني من الديون، وإنما هي مصروفة في وجوه مؤنها علي، وجمالها لهم، وقضاؤها في أنفسهم يلزمني، ومحامدها موفرة عليهم. ثم أخذ يعد فقال: من تلك الوجوه أن ما ينوب من الحقوق فيخلون بها ويضيعونها عجزاً عن الوفاء بواجبها، أنا أسد ثغورها، وأقيم فروصها.
ومنها: أن لي دار ضيافة قدورها مشبعة موفورة، وجفانها معددة منصوبة، لا يمنع منها طالبها ولا يحجب عنها رائدها، فلحمانها كلأكاليل على رءوسها، وثرئدها قد نمق تدقيقه."
7 - وَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي أَبِـــي**** وبَيْنَ بَنِــي عَمِّـي لَمُخْتَلِفٌ جِدَّا
8 - أَرَاهُمْ إِلَى نَصْرِي بِطَاءً وإنْ هُــمُ **** دَعَوْنِي إِلَى نَصْرٍ أَتَيْتُهُمُ شَدَّا
9 - فَإِنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لُحُومهُمْ**وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدا
العلاقة بين هذه الأبيات علاقة إجمال بالمساواة قبل التفصيل وبعده ، البيت السادس أسلوبه خبري توكيدي إنكاري لوجود مؤكدين اثنين ، هما إنّ ، واللام المتصلة بكلمة مختلف ؛ وزادها (جدا) ،فأخلاقه غير أخلاق اللائمين اللوّم من أخوته بني أبيه ، وأبناء عمّه.
والبيت الثامن يتضمن علاقة مقابلة ما بينه وبين قومه المخصوصين ، ، هم بطاء لنصرته ، لا يعيرون اهتماماً به ، وهو يشدّ إليهم معاوناً مسرعاً ، بإسلوب تعليقي شرطي ، يأتيهم شدّا نتيجة وجواباً لدعوته مدّا !! ولا يفوتك الطباق بين بطاء وشدّا
وفي البيت التاسع يبدأ بالكناية عن غيبته وذكره بالسوء من قبل أهله وقومه الأقربين ، في قوله ( إذا أكلوا لحمي ) ، ويقابلها بكناية أخرى : ( وفرتُ لحومهم) ، أي حفظتهم في ذكر الخير ، ودافعت عنهم ، ويتابع متألماً حزيناً في الشطر الثاني وأعني العجز وإذا أسقطوني وشوهوا سمعتي ، وهدموا مجدي وهذه الكناية الثالثة ، ليدمغهم بالكناية الرابعة ( بنيت لهم مجدا) ، أي خلقت لهم طيب الذكر ، والسمعة الحسنة ، وما أجمل الصيغة البلاغية بتشبيه من اختصّهم بالعتاب بالوحوش الكاسرة الناهشة للحمه بقسوة مريرة ، و تشبيه المجد بالبناء الشامخ ، وبإيجاز بليغ معبر ،وأيضاً هنالك طباقات في البيت مثل هدموا وبنيت ، وأكلوا ووفرت !!
ويواصل دربه الشعري المتألم المنفجر من وجدان مكلوم مخذول ، ليس له من معين، بمقابلات ...فإن ضيعوا غيبه ، حفظ غيوبهم ، وإن ضلّلوه ، تمنى لهم الرشد والتوفيق والهداية.
10 -وَإِنْ ضَيَّعُوا غَيْبَي حَفِظْتُ غُيُوبَهُمْ** وإنْ هُمْ هَوُوا غَيِّي هَوِيتُ لَهُمْ رَشْدًا
فالطباقات تتوالى (ضيعوا ... حفظت ، غيي ... رشدا ) ، وما أجمل الشعر بهذه المفارقات والتضادات ، لأن الأذن تأبى الرتابة في الشعر ، تنتظر المفاجآت والتقلبات بضربات قاضية غير مألوفة .
12 - وإنْ زَجَرُوا طَيْرًا بِنَحْسٍ تَمُرُّ بِي****زَجَرْتُ لَهُمْ طَيْرًا تمُرُّ بهِمْ سَعْدَا
المقصود بزجر الطير للنحس والسعد : كان من عادات العرب الجاهليين الجاهلية أن يحتكموا لتحليق الطيور في الإقدام على أمورهم أو الإحجام عنها ، فإن لم يطر الطير ليتيقنوا من وجهته ( يمينًا أو شمالاً ) زجروه ليطير ، فإن طار يميناً استبشروا واحتسبوا ذلك فأل خير وسعد وهو السانح وإن حلق شمالاً ؛ اعتبروا ذلك نحسًا وفأل سوء ، وهو البارح . ومتى ما أرادو النحس لشخص ما زجروا له طيرًا لتحلق شمالاً فيلحقه السوء، ومتى ما أرادوا سعده زجروا له الطير جهة اليمين ليسعد ويكون موفقا.
على العموم في المقطع الثاني ( 8 - 16) ، دلالة تكرار المتضادات ، والمقابلات ، والأسلوب التعليقي الشرطي ، وعلاقة النتائج بالأسباب جلية واضحة في القصيدة، والحق هو بيان الاختلاف والتباين بين صفات الشاعر وأخلاقه وصفات قومه وأخلاقهم ، أما العلاقات ، فالعلاقة بين الشطرين علاقة ( مقابلة ). وهنالك طباقات أخرى تجدونها في الأبيات المتبقية من المقطع كـ (نحس- سعد ، هبطوا - طلعت ، ، يسؤني - يسرهم ، ، بادهوني - لم أكن أبادهم ،، قطعوا - وصلت ) ، وجناسات تامة أو ناقصة ، كـ (زجروا - زجرت ،تمر بي - تمر بهم ، قدحوا - قدحت ، زند - زندا ، بادهوني - أبادهم ).
17 - وَلاَ أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عَلَيْهِمُ*** وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الحِقْدَا
يبدأ بجملة خبرية منفية في صدر البيت ، والالتفات بعجزه ، ويردُّ عجزه على صدره بتجانس كلمتي الحقد ... كأنه يعكس لنا ما قاله عنترة بن شداد ( 525 - 608م ) الجاهلي الذي توفي قبل وفاته بثمانبن عاماً ، وذلك بقوله :
لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلو بِهِ الرُتَبُ ***وَلا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ
مهما يكن ، ثبّت شاعرنا لنفسه الرئاسة على قومه في هذا البيت ، فهو العطوف ، يجيب دعوة المضطر إذا دعاه!! ، لا يحمل الحقد الدفين ، وما ذلك بتكلف منه ولا بتصنعٍ ولا تجمّل ، وإنما هذا طبع العلا والترأس !!
18 - فَذلِكَ دَأبي فـــي الحَياةِ وَدَأبُهُم****سَجيسَ اللَيالي أَو يُزيرونَني اللَحدا
أما هم ويعني بني عمّه ، فشأنهم أن أن يأكلوا لحمي ، ويهدموا مجدي أبد الدّهر ، سجيس الليالي أو ..يقبرونني، وما يُزيرونَني اللَحدا إلا كناية عن دفنه في القبر ، وأخذنا (أو) على اعتبارها عاطفة ، وإذا جعلناها بمعنى إلى أن ، فننصب الفعل المضارع بعدها ، ونحذف النون الأولى ، ةنحرك ياء المتكلم بالفتح ، كما ذكرنا سالفاً في فقرة العروض ، ويصبح المعنى إلى أن يقبروني ...!!
على ما يبدو شاعرنا عرف نفسه ذهب زيادة في الهجوم وهجاء أقرب المقربين إليه ، جرّ نفسفه عن المبالغة في صرف أمواله ، وأبدل كلمة ( كلّ) بكلمة ( جلّ) في البيت التالي ، ليقنعنا بمصداقية أقواله :
19 - لهُمْ جُلُّ مَالِي إِنْ تَتَابَعَ لِــي غِنًى*** وَإِنْ قَلَّ مَــالِي لَــمْ أُكَلِّفْــهُمُ رِفْـدَا
وسار على أسلوبه السابق بتشكيل علاقة سبب فنتيجة ، مستعملاً أدوات الشرط ، لهم جُلّ مالي إن توفر لي الغنى ، وإن حاطني العوز ، وأحوجني الفقر ، لا أمدّ يدي إليهم ليرفدوني ...إذاً ما هو السبب الحقيقي للحقد عليك ، وغيبتك ، وهدم مجدك .... هل يعني أن طبعهم بشري ، وأنت طبعك ملائكي ؟!!! نحن لا نعطي لهم الحق بالإساءات إليك ، ولكن من حقّنا أن نتساءل ؟ ...هل أنت معي يا شاعري الرائع - ، أم تركتني لحالي مدردما حنقا....!!!
ولكن الرجل ضربني بهذا البيت يخبرني بمؤكدين أنه عبد الضيف ، وهو ليس بعبدٍ ولا يشبه العبد إلا في كرمه ، فأخجلني ..اقرأ !! :
20 - وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ ثَاوِيًـا** وَمَا شِيمَةٌ لِي غَيْرَهَا تُشْبِهُ الْعَبْدَا
عجز البيت نأكيد لصدره ، و(العبدا) مضاف إليه حلّ محل المضاف ، ونصب بنزع الخافض ، وأصل الجملة ( تشبه شيم العبد ) ، فنزعت ( شيم) ، وحلّ العبد محلها منصوباً
الآن ندخل إلى رحاب البيتين الأخرين العجيبين :
21 - - عَلَى أَنَّ قَوْمِي مَا تَرَى عَيْنُ نَاظِرٍ***كَشَيْبِهُمُ شَـيْبًا وَلاَ مُرْدِهِمْ مُرْدَا
22 - بِفَضْلٍ وَأَحْلاَمٍ وَجُودٍ وسُــؤْدُدٍ*** وَقَــوْمِي رَبِيعٌ فِي الزَّمَانِ إِذَا اشْتَــدَّا
البيتان الأخيران على أغلب ظني منحولان عليه ودخيلان ، ولا توجد في جميع المراجع ولا المصادر ، لأنه ينقلب على ننفسه وشعره وأحاسيسه 180درجة ، إذ تذهب - ولا أقول يذهب - إلى النقيض ، إذ حشر الاستدراك ( على أن) بتكلف وتصنع ، وما هكذ كانت الأبيات السابقة ، لا مقابلات ولا طباقات ، وإنما جناسات (كَشَيْبِهُمُ شَـيْبًا وَلاَ مُرْدِهِمْ مُرْدَا) ، ودقق بالمبالغة في المدح ( مَا تَرَى عَيْنُ نَاظِرٍ كــ) ... معقول يا مقنع أنت مذبذب ومتقلب هكذا ، في البداية لم نرضَ عليك ولا على قسوتك على بني أبيك وبني عمك ...!! ، وفي البيت الأخير أخذ يقسّم ، ويعدد مزاياهم وصفاتهم الصالحة في الفضل والحلم والجود والسؤدد ، ودقق معي - يا صاحبي - في العجز الأخير (وَقَــوْمِي رَبِيعٌ فِي الزَّمَانِ إِذَا اشْتَــدَّا) ... الله - أخاف ما ترضى ...!!- هذا العجز تختلف لغته عن لغة ذلك العصر ، كأنّي بالمتنبي وهو في شعب بوان الفارسي ، ةمطلع قصيدته :
مَغَاني الشِّعْبِ طِيباً في المَغَاني*** بمَنْزِلَةِ الرّبيعِ منَ الزّمَانِ
وَلَكِنّ الفَتى العَرَبـــيّ فِيهَا***** غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ
إنّا لله وإنّ إليه راجعون ....اقرأ الخاتمة رجاءً ، ولم ألتفتُ فيها لهذين البيتين الأخرين ...!!
ج - الخاتمة :
لماذا - يا سيدي الكندي - يريد بنو أبيك وبنو عمك أكل لحمك ، وهدم مجدك ، وهم بطاء إلى نصرك ، ويزجرون الطير لنحسك ، ويحفرون قبرك ، ويأخذون جلّ مالك ويحقدون عليك وظلمك ،إذا كنت تتمتع بكل هذه الصفات أو النعوت التي صدعت رأسنا بها ورأسك ؟!
أليس أيها المقنع بالرياء والكذب من حقنّنا أن نتساءل مثل هذه الأسئلة الساذجة ؟!!
الحقُّ أنني لا أصدّقك ، وفي شكّ من أمرك ، من يومي إلى يومك ...!!
والسبب بسيط لأنني لم أسمع وجهة نظرك غيرك من أهلك...!!
ثم كيف خلّدت هذه القصيدة؟ ولماذا؟!!!
ببساطة القول لأن كل إنسان يرى نفسه مظلوماً حتى من أقرب الناس إليه ، ولا يرى نفسه ظالماً ، وأنا مع المتنبي العظيم وقوله :
والظّلمُ من شيم النفوس فإنْ ترى *** ذا عفّةٍ فلعلّة لا يظلم ُ
ولهذا قيل:
احذر عدوّك مرّة ****واحذر صديقك ألف مرّة
فلربّما انقلب الصّــديقُ ، فكان أعرف بالمضرّة
نعم خلّدت لأن كل واحد منّا يلبس رداء الضحية والمظلومية ..!!
" وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"
د - معاني بعض الكلمات الواردة في القصيدة:
الإقتار: ضيق العيش، والفقر.
أخلـُّـوا : قصَّروا وأنقصوا ، ولم يؤدوا على وجه التمام .
ثغور : الفتحات التي ينفذ منها العدو عادة.
مكلَّلة : أي عليها من اللحم مثل الأكاليل.
والدفق: الصبّ.
النهد: الفرس القوي العظيم العتيق الكريم . جعلته حجاياً لبيتي: إنه نصب عينيه خدمة الضيوف.
مدفقة : أي مملوءة. والأحسن أن يروى معه: (ثرداً) بضم الثاء. ويروى (مدفقة ثردا) بفتح الثاء. والمراد مثردة ثرداً دقيقاً. والنهد: الجسم المشرف من الخيل.
الْجَفْنَة : الْقدح الْعَظِيم ومكللة أَي عَلَيْهَا من اللَّحْم مثل الأكاليل والمدفق من الدفق وَهُوَ الصب وكنى بِهَذَا عَن الامتلاء والثرد جمع ثريد وَهُوَ مَا يتَّخذ من كسر الْخبز والمرق.
زجروا : أزعجوا وأفزعوا .
نحس : الشر والضر والخسران .
سعدا : الخير واليمن والتوفيق والسعادة.
يُزيرونَني : و زيّر يُزِّيِّر موجودة في اللهجة المغربية والجزائرية و تعني لفّ الشيء و و ربطه، على أغلب الظن الشاعرَ يعنيه من بيته أنهم سيلفونه باللحد و هو حفرة القبر، و هذا كناية عن الدفن.
جاء في لسان العرب التالي: الزِّيارُ: ما يُزَيِّرُ به البَيْطارُ الدابة، وهو شِناقٌ يَشُدُّ به البيطارُ جَحْفَلَةَ الدابة أَي يلوي جَحْفَلَتَهُ، وهو أَيضاً شِناقٌ يُشَدُّ به الرَّحْلُ إِلى صُدْرَةِ البعير كاللَّبَب للدابة.
سَجيسٌ صِيغَة فَعيل من ( سَجَسَ) : لاَ أَفْعَلَهُ سَجيسَ اللَّيالِي والأَيَّامِ ، سَجيسَ الدَّهْرِ لا أَفْعَلهُ أَبَد.اً
جل : معظم.
. رفدا : العطاء والصلة
الدأب : العادة والشأن.
..............................................................
تاسعاً - المراجع والمصادر :
1- الأغاني : أبي الفرج الأصفهاني - - دار الفكر - بيروت - ط 2 - تحقيق سمير جابر .
2 - شرح ديوان الحماسة المؤلف: أبو على أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني (المتوفى: 421 هـ) المحقق: غريد الشيخ وضع فهارسه العامة: إبراهيم شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2003 م 1.
3 - التذكرة الحمدونية : ابن حمدون - موقع الوراق) - الموسوعة الشاملة .
http://www.alwarraq.com
4 - الموسوعة الحرة - ويكيبديا - المقنع الكندي .
ومراجعها :
أ - لغتي الخالدة: الفصل الأول/ وزارة التعليم-الرياض، 1430هـ
www.alukah.netالمقنع الكندي" "ب -
.2009-10-08. اطلع عليه بتاريخ 20 أكتوبر 2016
ج - هاشم الأعلام .
د - المقنع الكندي".
Al- Hakawati". al-hakawati.net
. اطلع عليه بتاريخ 20 أكتوبر 2016
5 - الأعلام : خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1396هـ) -ج - - دار العلم للملايين الطبعة: الخامسة عشر - أيار / مايو 2002 م.
ويهمش صاحب الأعلام عن المراجع والمصادر التي تناولت المقنع الكندي بالآتي :
- البيان والتبيين والتبريزي 3 والشعر والشعراء والمرزباني والتاج: مادتا قنع، وفرع. والوافي بالوفيات 3: والأغاني : وسمط اللآلي 615 والحيوان: انظر فهرسته. وفيه كثير من شعره. والمرزوقي 1178 و 1734 وتاريخ الشعراء الحضرميين وفيه: (ولد نحو 65 هـ ومات نحو 128) وكلا التاريخين خطأ، ففي الأغاني، طبعة الدار 6: 211 أنه (كان ممن يرد مواسم العرب مقنعا) وكان شعره، وقد سار وتناقله الرواة، مما أنشد بين يدي عبد الملك بن مروان، وعبد الملك مات سنة 86 هـ فلو قدرت وفاته، لا ولادته، نحو سنة 65 لكان أدنى من الصواب.
(6 - بهجة المجالس وأنس المجالس - ابن عبد البر - (
موقع الوراق - الموسوعة الشاملة. ومما جاء فيه :
واسمه محمد بن عمير بن أبي شمر الكندي ، وكان من أجمل أهل زمانه وأحسنهم وجها ،وأتمهم قامة ، فكان إذا كشف وجهه يؤذى ،فكان يتقنع دهره ، فسمي لذلك : المقنع. وشعره هذا من أحسن ما قيل في معناه جزالة ونقاوة وسباطة وحلاوة.
7 - الإمتاع والمؤانسة : أبو حيان التوحيدي - ()- موقع الوراق - الموسوعة الشاملة.
8 - لباب الآداب: أسامة بن منقذ - موقع الوراق - - الموسوعة الشاملة.
ومما جاء فيه :
بليغ العتاب
قول المقنع الكندي
يعاتبني في الدين قومي، وإنما **** ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
...... عدّة أبيات من قصيدته ، ويواصل ( بليغ العتاب):
ما بين قول المقنع الكندي: (يُعَاتِبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي...)، وبين قول الأسيدي : (ملأت كفيه من صفحٍ ومن كرمٍ) ، ننهي بحثنا ، ولله في خلقه شؤون ، وأنا الممنون ...!!!
(9) - البناء القيمي في دالية المقنع الكندي - د. محمد حسين العبيدي - موقع النور - بتاريخ 26 / 6/ 2012م. نظر بتاريخ 28 / 5 / 2018م .
(10 ) - شعراء أُمويون : د. نوري حمودي القيسي - عالم الكتب - بيروت - ط 1 - 1 / 1 / 1985 م.
كريم مرزة الأسدي
ملاحظة : هذا البحث كتبته في أسبوع بجهدٍ متواصل ، يعني في السنة أنشر نيفاً وخمسين نصّاً أدبياً ما بين بحث مفصلٍ ، أو مقالة موسعة ، أو قصيدة مطولة ، ليس لغرض ترقية علمبة ، أو مصلحة مادية ، وإنما خدمة لأدبنا وتراثنا ولغتنا الجميلة ، وللأجيال والأمة ، لذا أعتذر عن أي سهوٍ ، أو خطأ مطبعي ، والكمال لله وحده :
على المرء أن يسعى بمقدار جهدهِ **** وليس عليه أن يكون موفقا
ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ .
كريم مرزة الأسدي
نشرت فى 11 يونيو 2018
بواسطة magaltastar

رحلة مع الاديب بو مدين جلالي
..حميد شغيدل الشمري
...............................
عندما كُنا صغاراً لا ننام ُإلا على حِكاياتِ أمهاتنا ألعجيبةِ والتي بقيت راسخة في أذهاننا الى ألان كنا نحلمٌ مع أحلامِ أبطال القصةِ وحينَ يأخذٌ ألوسنُ مأخذهُ نتيهُ كأننا نطيرُ بينَ ألسَماءِ والأرضِ بأجنحةٍ فضيةِ
نقطفٌ الأزهارً والثمارَ وتعلو كركراتنا لتملأ الأجواء حبورا. ضاعَت تلكَ الأحلامُ في صراعنا مع ألعمرٍ والزمنٍ الذي تغيركثيرا لم يبقَ من أحلامنا سوى ذكريات تتشضى بين متاهاتِ الألمِ وألفرحٍ بينَ ألحبِ والبغضٍ.
لم ننسً لكن لم نجدْ من يعيدنا ولو بقليلٍ الى تلك الصور الرائعة.
وانا اتصفحُ نتاجات الاصدقاءِ في واحةِ التجديد ِركَزتُ رمحي على صورٍ تجاوزت بمداياتها أحلامنا التي قتلها الزمنُ .من خلالٍ رائعةٍ الاستاذ (بو مدين جلالي).
وصفُ لفصلٍ الخيرِ فصلُ الربيعِ الاخاذ يكادُ ينقلك على الجناحِ الفضي بين خيوطِ الشمس وأريج الزهرِ وخضرةِ الخمائلٍ وحفيف الاشجارٍ.
الطيورُ وزقزقاتها ومداعبة النسيمِ لأفنان ألأشجار .همسُ جميلُ لعاشقينِ من العصافيرِ
الأنتقالاتُ الادبيةُ في النصِ من فنونِ الأدبِ التي لا يجيدها الا اهلها لذا نجدُ الاستاذَ (بو مدين )ينقلنا من فننٍ الى فننٍ بكل ِسلاسةٍ وجمالٍ، لم يولج نفسهُ بالكلماتِ المعقدةِ الغريبةِ بل بالسهلٍ ألممتنع.
صورُ رائعةً ينقلها الينا بقلمهٍ الذي تجاوزً الات التصويرِ وفرشاةِ رسامي كل العصور يدخلُ بنا الى الربيعِ الحقيقي ليسَ ربيع ُالسياسةِ القذرةِ الى ربيعٍ نشمُ فيه ِعبق الازهار ورائحةُ الشجرِ .
نكادُ نلمسُ حباتُ ألمطرِ وتحفك فراشاتُ الحبِ .وتغفو على خريرِ ماءِ ألجداولِ بخمائلِ غناء كانت تعيشُ بسباتٍ شتوي طويلٍ هاهي الأن تكسر طوق البرد لتدخلَ في دفئ وروعةِ العالمِ الجميلِ عالمُ ملئ بالحبِ .
ماذا يمكن لي أن اخطَ حروفي أمامَ عملاقّ ينسجُ ألحرف كما يٌنسج الحريرٌ ويصوغُ عباراته كما يُصاغ التبرُ .
أقفُ إجلالا أمام روعةِ كلماتك استاذي...واقفٌ مذهولاُ اقرأ وأتبصر وأستفيدُ
قبول عذري وامتناني
لم ننسً لكن لم نجدْ من يعيدنا ولو بقليلٍ الى تلك الصور الرائعة.
وانا اتصفحُ نتاجات الاصدقاءِ في واحةِ التجديد ِركَزتُ رمحي على صورٍ تجاوزت بمداياتها أحلامنا التي قتلها الزمنُ .من خلالٍ رائعةٍ الاستاذ (بو مدين جلالي).
وصفُ لفصلٍ الخيرِ فصلُ الربيعِ الاخاذ يكادُ ينقلك على الجناحِ الفضي بين خيوطِ الشمس وأريج الزهرِ وخضرةِ الخمائلٍ وحفيف الاشجارٍ.
الطيورُ وزقزقاتها ومداعبة النسيمِ لأفنان ألأشجار .همسُ جميلُ لعاشقينِ من العصافيرِ
الأنتقالاتُ الادبيةُ في النصِ من فنونِ الأدبِ التي لا يجيدها الا اهلها لذا نجدُ الاستاذَ (بو مدين )ينقلنا من فننٍ الى فننٍ بكل ِسلاسةٍ وجمالٍ، لم يولج نفسهُ بالكلماتِ المعقدةِ الغريبةِ بل بالسهلٍ ألممتنع.
صورُ رائعةً ينقلها الينا بقلمهٍ الذي تجاوزً الات التصويرِ وفرشاةِ رسامي كل العصور يدخلُ بنا الى الربيعِ الحقيقي ليسَ ربيع ُالسياسةِ القذرةِ الى ربيعٍ نشمُ فيه ِعبق الازهار ورائحةُ الشجرِ .
نكادُ نلمسُ حباتُ ألمطرِ وتحفك فراشاتُ الحبِ .وتغفو على خريرِ ماءِ ألجداولِ بخمائلِ غناء كانت تعيشُ بسباتٍ شتوي طويلٍ هاهي الأن تكسر طوق البرد لتدخلَ في دفئ وروعةِ العالمِ الجميلِ عالمُ ملئ بالحبِ .
ماذا يمكن لي أن اخطَ حروفي أمامَ عملاقّ ينسجُ ألحرف كما يٌنسج الحريرٌ ويصوغُ عباراته كما يُصاغ التبرُ .
أقفُ إجلالا أمام روعةِ كلماتك استاذي...واقفٌ مذهولاُ اقرأ وأتبصر وأستفيدُ
قبول عذري وامتناني
نشرت فى 2 يونيو 2018
بواسطة magaltastar
الفرح المسروق في قصة
"شموع ليلية الميلاد
فاضل الفتلاوي
جميل ان يكون الأدب يؤرخ/يوثق ما يحدث في بلداننا، فالأدب أبقى وأكثر ديمومة من الخبر أو البيان الحكومي/السياسي، وفي حالة العراق وبعد الحروب الطاحنة التي خاضها من بداية القرن الماضي وحتى الآن، نجد أهمية خاصة للأدب الذي يتناول احداث الحرب.
في هذه القصة نجد الحديث يتمحور حول الإنسان أكثر منه حول الحرب، فغاية الأدب هو الكائن البشري وليس افعال الخراب والقتل، من هنا نجد الكاتب يحاول أن يتجنب الخوض في الأعمال الحربية، فهو في العقل الباطن يرفضها، لهذا نجده يقفز عنها قدر الامكان، وكأنه بهذا "التجنب" يريدنا نحن القراء أن لا نتأثر بسلبياتها، لهذا فضل عدم الخوض بتفاصيلها قدر ما يستطيع.
دائما للعنوان هدف وغاية، وهو المدخل الذي من خلاله يمكننا أن ندخل إلى النص الأدبي، "شموع ليلة الميلاد" يعطي مدلولا بالفرح والأمل، فهناك شموع في ليلة ميلاد "ماهر"، وعام جديد ينتظره. يبدأ القاص في الحديث عن الأجواء الاحتفالية التي تواكب هذه الليلة، "رغم إن هناك متسع من الوقت إلا إن الاستحضارات على أشدها لاحتفالية عيد ميلاده" مما يجعل المتلقي يدخل إلى تلك الأجواء الاحتفالية، وإذا ما توقفنا عند ما سبق، سنجد أن الأمر متعلق بإنسان، له أب، وله أم، وأصدقاء، وأحباء، وهذا ما فصله لنا القاص: "المرأة الاربعينية في أوج نشاطها والرجل منهمك في اعداد بطاقات المدعوين والمحتفى به على وشك الوصول، تناثرت الورود والهدايا في غرف البيت" إذن العلاقة الاجتماعية الإنسانية حاضرة في القصة، وهي الحدث الأهم في القصة، لهذا يركز عليها "فاضل الفتلاوي" أكثر من غيرها، فعندما سلط الأضواء على الأب والأم أرادنا أن نعرف بأن "ماهر" ليس مجرد فرد، بل له ارتباطات عاطفية،عائلية/اجتماعية/إنسانية.
من المفترض أن يكمل لنا القاص الاحتفالية التي بدأت، لكن هناك اتصال يأتي ل"ماهر" ويدعوه للالتحاق بالجبهة، "مكالمة وردت الى ماهر بالالتحاق فورا وقطع اجازته" وهنا تأخذ القصة منحى جديد، منحى آخر، ينتزع "ماهر" من أمه وأبوه وأصدقائه ليخوض حربا في: "وها هي الموصل التي تغيرت ملامحها كثيرا، أزيز الطائرات لا يهدا للحظة، أعمدة الدخان تتصاعد ،سوداء داكنة" هذه اجواء الحرب، التي يحاول القاص قدر الامكان أن يبعدنا عنها، فهو لا يريدنا أن نتأذى منها كما تأذى بطله "ماهر" فيعمل جاهدا على تقليل من مشاهدها قدر ما يستطيع، لهذا عندما تحدث عن استشهاد "ماهر" قال: "تحصنوا في دار نصف مدمرة، أكتشف موقعهم، فجر البيت، وسط الظلمة والدخان الكثيف استشهد ماهر" وتأكيدا على ميل القاص للأمل وللفرح جعل نهاية القصة بهذا الشكل : "وصياح وزعيق الاعداء يسمع بوضوح، حبسوا انفاسهم بانتظار الدعم الذي وصل اخيرا، تلمس عباس جثمان زميله الشهيد والليل في هزيعه الاخير، يا للهول هذه شموع في جيب ماهر...
اوقدوا الشموع حول جثمانه وراحوا يغنون اغنية الميلاد"
دائما للعنوان هدف وغاية، وهو المدخل الذي من خلاله يمكننا أن ندخل إلى النص الأدبي، "شموع ليلة الميلاد" يعطي مدلولا بالفرح والأمل، فهناك شموع في ليلة ميلاد "ماهر"، وعام جديد ينتظره. يبدأ القاص في الحديث عن الأجواء الاحتفالية التي تواكب هذه الليلة، "رغم إن هناك متسع من الوقت إلا إن الاستحضارات على أشدها لاحتفالية عيد ميلاده" مما يجعل المتلقي يدخل إلى تلك الأجواء الاحتفالية، وإذا ما توقفنا عند ما سبق، سنجد أن الأمر متعلق بإنسان، له أب، وله أم، وأصدقاء، وأحباء، وهذا ما فصله لنا القاص: "المرأة الاربعينية في أوج نشاطها والرجل منهمك في اعداد بطاقات المدعوين والمحتفى به على وشك الوصول، تناثرت الورود والهدايا في غرف البيت" إذن العلاقة الاجتماعية الإنسانية حاضرة في القصة، وهي الحدث الأهم في القصة، لهذا يركز عليها "فاضل الفتلاوي" أكثر من غيرها، فعندما سلط الأضواء على الأب والأم أرادنا أن نعرف بأن "ماهر" ليس مجرد فرد، بل له ارتباطات عاطفية،عائلية/اجتماعية/إنسانية.
من المفترض أن يكمل لنا القاص الاحتفالية التي بدأت، لكن هناك اتصال يأتي ل"ماهر" ويدعوه للالتحاق بالجبهة، "مكالمة وردت الى ماهر بالالتحاق فورا وقطع اجازته" وهنا تأخذ القصة منحى جديد، منحى آخر، ينتزع "ماهر" من أمه وأبوه وأصدقائه ليخوض حربا في: "وها هي الموصل التي تغيرت ملامحها كثيرا، أزيز الطائرات لا يهدا للحظة، أعمدة الدخان تتصاعد ،سوداء داكنة" هذه اجواء الحرب، التي يحاول القاص قدر الامكان أن يبعدنا عنها، فهو لا يريدنا أن نتأذى منها كما تأذى بطله "ماهر" فيعمل جاهدا على تقليل من مشاهدها قدر ما يستطيع، لهذا عندما تحدث عن استشهاد "ماهر" قال: "تحصنوا في دار نصف مدمرة، أكتشف موقعهم، فجر البيت، وسط الظلمة والدخان الكثيف استشهد ماهر" وتأكيدا على ميل القاص للأمل وللفرح جعل نهاية القصة بهذا الشكل : "وصياح وزعيق الاعداء يسمع بوضوح، حبسوا انفاسهم بانتظار الدعم الذي وصل اخيرا، تلمس عباس جثمان زميله الشهيد والليل في هزيعه الاخير، يا للهول هذه شموع في جيب ماهر...
اوقدوا الشموع حول جثمانه وراحوا يغنون اغنية الميلاد"
اعتقد أن النهاية السريعة جاءت لتؤكد أن القاص يريد أن يخرج ويخرجنا من الأجواء الحرب، ولهذا اختزل الأحداث المؤلمة وتقدم من جديد نحو الفرح عندما قال "اوقدوا الشموع حول جثمانه وراحوا يغنون اغنية الميلاد" من هنا يمكننا أن نقول أن مثل هذه القصة تحمل بين ثناياها دعوة لرفض الحرب، فهي مؤلمه لأبطالها ولراويها ولمتلقيها، وهذه الدعوة هي الأهم وأجمل فيما جاء في القصة.
القصة منشورة على صفحة القاص على الفيس بوك.
نشرت فى 13 مارس 2018
بواسطة magaltastar

من جمالية النص الأدبي الاستمتاع به، إن كان من خلال اللغة أو الفكرة أو اسلوب وطريقة تقدم النص الأدبي، وبالتأكيد اللغة في الأدب إحدى العناصر التي تجعل النص متألق، وما يلفت النظر وجود بعض الشعراء من استطاعوا أن يأسسوا لغة خاصة بهم، تميزهم عن سواهم، "ومنصور الريكان" واحد من هؤلاء الشعراء، ومن يقرأ له يعرفه شاعر لا يؤمن بالسواد المطلق، حتى عندما يريد أن يتناول واقع مؤلم، وكلنا يعرف ما حل في العراق، ومع هذا استمر الشاعر في بث الأمل والتشبث بالحياة، الحياة التي تمتد من حضارة سومر إلى العراق الحديث، لهذا كان شعره اقرب إلى وصايا الأنبياء الذين يبشروننا بالخلاص وبالحياة السعيدة.
هذا عندما يتحدث عن الألم والقسوة، فما بالنا إذا تحدث عن الفرح، عن المرأة، عن الطفولة؟، بالتأكيد سيسمعنا لغة تحلق بنا في عنان السماء، وتأخذنا إلى ألفاظ مطلقة البياض، بحيث ينسجم ما يقدم لنا من أفكار مع الأداة اللغوية، فنكون أمام نص ناصع البياض.
يفتتح الشاعر قصيدته فيقول:
"غنج الحمام اذا تدلل او خجل
قبلتها شفتي على صمت الجمال أراها تهوي بالقبل"
يبدأ الحديث عن شيء/حدث وكأنه ليس له علاقة بالشاعر، فهو يتحدث من موضع المحايد، حتى عندما قام بتقبيلها كان يتحدث من موقع المحايد "قبلتها شفتي" فيبدو لنا وكأنه ليس هو من قام بالتقبيل بل شفتاه، لكن الدافع لهذه القبلة هو الجمال الذي يصدر، ينبعث من الحبيبة/الطفلة، وأيضا وجد منها الميل نحو هذه القبل، وكأنه بهذه الشروحات التي يقدمها يبين لماذا قال "قبلتها شفتي"، فالتقبيل فعل مستحب من الفاعل والمفعول به، وهناك جوي/حالة خاصة تحث على الإقدام عليه.
يتقدم الشاعر أكثر من الحبيبة/الطفلة من خلال قيامه:
"ومسكت خدها ناعما سبحان ربي ما عمل
ولصوتها الأنغام من دلع المقام
فلرب عنق من رخام"
يضيف الشاعر جمالية أخرى لهذه الحبيبة/الطفلة، فهي ناعمة، من شدة نعومتها استحضر الله خالق الجمال ومن أوجد هذه النعومة، فتعظيم الخالق يضيف هالة من قدسية الجمال على المحبوبة/الطفلة، وإذا ما أضفنا أنغام صوتها نكون أمام جمال متكامل، يحثنا على الفعل ـ التقبيل ـ ويمتعنا بالمشاهدة وبالسمع ، ويجعلنا نستحضر الله الخالق، وهنا كان أثر الجمال مطلق على الشاعر، بحيث جعله يهيم في عالمه الخاص، عالم المحبوبة/الطفلة.
إذن نحن امام جمال مقدس، أليس منشؤه الله؟:
"سكنت هنا وتململ الشوق احتراسا من كلام
ولصمتها التبجيل والتعظيم قد أنسى السلام
يا بوحها"
حالة الاحتباس عن الكلام، لا تكون إلا أمام العظماء، وهذه الجميلة جعلت الشاعر يحتبس الكلام، فنومها جعل السكوت، الصمت ملازم وواجب، فأثرها وهي فاعلة يجعل من حولها يتفاعل معها، وأثرها وهي نائمة تجعل للسكون وللصمت طعم خاص، كما هو الحال في حالة حضورها بنشاطها وحيويتها، من هنا تأخذ صفة (المقدسة) ولهذا نجد أثرها مطلق على من هم حولها.
وإذا ما توقفنا عند "يا بوحها" والتي جاءت بصيغة الاستغراب لأثر هذا الجمال الذي يحدثه صمتها وكلامها، يتأكد لنا أن "منصور الريكان" يحدثنا عن قدسية الجمال وليس عن شيء أو كائن عادي.
دائما الطفولة تثير فينا الفرح، وتمنحنا ما نحتاجه من أمل، وتعيدنا إلى عالم البراءة والبساطة، وهذا ما كان من المحبوبة/الطفلة:
"يا بوحها
هي لم تبح بل عينها فضحت رؤاها صرحها
وغفت تدندن في رؤاي كما الملاك"
اعتقد عندما اقرن الشاعر لفظ "ملاك" أراد أن يؤكد على حالة القدسية التي تنثرها المحبوبة في المحيط.
يقربنا الشاعر من حالة التوحد التي جمعته بالمحبوبة/الطفلة، فيقدمنا مرة أخرى من أثرها وقوة حضورها عليه فيختم قصيدته قائلا:
"خاطت مساحات التعجب بارتباك
وسمت كما النعناع تصدح ها انا
وأراني من بوح الهوى متلعثما
قالت تعال
صدح الخيال"
عدم كشف كل ما أحدثته المحبوبة في نفس الشاعر "خطت مساحات التعجب" فجعلته مرتبكا، لكنه ارتباك حب وفرح ، وليس اضطراب ناتج عن قهر وألم، ونجدها تلاعبه لعبة الأطفال بسعادة ومرح.
والأهم في القصيدة أن الشاعر أسمعنا صوتها، من خلال:
"قالت تعال
صدح الخيال" وبهذه الخاتمة يمكننا أن نتخيل مساحة الفرح الذي خلقته المحبوبة بكلامها، فالخيال يأخذ مجده، وهل هناك حدود للخيال؟
نشرت فى 12 مارس 2018
بواسطة magaltastar
مناقشة رواية "كلام على شفا شفتين" في دار الفاروق
ضمن الجلسة نصف الشهرية التي تعقدها اللجنة الثقافية في دار الفاروق في نابلس تمت مناقشة رواية "كلام على شفا شفتين" ل"جميل عجوري" وقد افتتح الجلسة الروائي "محمد عبد الله البيتاوي" فقال: لن أتحدث عن الرواية وإنما سأتحدث عن دور الناشر وما يجب أن يقوم به حيال أية نص يصدر عن دار النشر القائم عليها وكذلك عن أخطاء بعض الناشرين، إذ من المفترض أن يقوم بتصويب الأخطاء التي قد توجد في النص المنوي نشره إذ أنه لا يوجد نص يقدم لناشر يخلو من الأخطاء ولكن بنسب متفاوتة، كذلك على الناشر أن يقوم بعملية تحرير للنص حتى يفرغه من كل التشوهات التي يمكن أن تكون قد وردت فيه عن قصد من الكاتب أو دون قصد منه, لأن الكاتب وهو ينسخ نصه في أوقات كثيرة يكون محلقا خارج الأجواء المفترضة فيقع في مطبات على الناشر أن يخلصه منها , إذ لا يقتصر دوره فقط على تصحيح الأخطاء المطبعية والإملائية التي كلنا نقع فيها, ولذا فإن مهمة إخراج النص بصورة جيدة هي مهمة الناشر وليس الكاتب. لأنه المسؤول عن كل ما في الكتاب، وكذلك فإن هيئة التحرير تحرص على أن تراقب النصوص بحيث لا تقدم أن نص ضعيف، لا يصل إلى حد معين من القبول لدى الهيئة، لهذا أقول أن من هذا النص تتحمل مسؤوليته بعض الأخطاء فيه دار النشر.
ثم تحدث الأستاذ "سمير عودة" فقال: أننا أمام نص وطني فيه تكرار للعديد من الأحداث، هناك شريحة من المناضلين يأتون من الخارج لمساندة الفلسطينيين في نضالهم ضد المحتل، لكن حبكة العمل لم تكن موفقة، فهناك تشتيت عند الكاتب، وتركيب الشخصيات غير موفق بتاتا، من الطفل حتى الشيخ، وعندما تحدث عن المرأة المسيحية في النضال، لم يكن مقنع بطريقة تقديمه لها، كما أنه عندما تحدث عن "فلسطين" الفتاة المناضلة جعل أمها خائنة وعميلة للمحتل وهذا أمر غير مقبول بالمطلق، حيث أن لاسم "فلسطين" دلالة خاصة ولا يمكن القبول بأن تكون والدتها خائنة/عميلة، وحتى عندما قدم بطل روايته باسل" جعله شخصا متوحشا غير إنساني، وهذا يضر بصورة المناضل الفلسطيني، كما أنه كان غير موفق في اختيار ابطال الرواية وقد بالغ كثيرا في الاعمال التي قاموا بها، وأخيرا أقول في هذه الرواية أحيانا تجد نفسك تسبح في الماء وفي لحظة تجدها تسبح على الرمال.
أم الأستاذ "عمار خليل" فقد قال: إن أول ما ترى من أي رواية هو شكلها وعنوانها ، هنا في هذه الرواية يجذبك العنوان ، فترغب وبشدة بقراءتها ، والكشف عن سر هذا العنوان . الروائي هنا ، يقدم مقدمة خاصة يحاول تبرير ما لا يحتاج إلى تبرير ، فالكتابة هي حالة عفوية تنطبق من رغبة فكرية وواقعية ، ولعل هذه المقدمة كانت في غير محلها . يدخل الكاتب في عالم روايته بحدث مأساوي حزين ، قتل وإعدام وتشريد ، ومن الضحية هنا ، انه طفل صغير ، فتزداد المأساة قتامة وحزنا . اللغة في الرواية كانت حادة ، فكل الشخصيات تتحدث بنفس الوتيرة وبذات الطابق اللغوي ، نعم ، كانت اللغة متينة ، ولكن لم تكن انسيابية . تتسارع الأحداث في الرواية إلى حد عدم السيطرة الذهنية لدى القارئ ، ولعل الكاتب أراد التنقل زمانيا ومكانيا ، ليرسم في روايته مساحات تخدم روايته ، ولكن هل وفق حقا إلى هذا الهدف .؟؟ القضية الوطنية النضالية هي القلب النابض في هذه الرواية ، فمحورها يبحر في عمق الوطن ، ويستدعي الكاتب ابطالا من خارج الوطن ليبذلوا ويقدموا واجبهم العروبي والوطني ، وهنا في رأيي قد همش الكاتب الأبطال الحقيقيون في هذا الوطن وهم كثيرون ، فإفراد هذه المساحة الكبيرة في الرواية لهؤلاء الأبطال من خارج الوطن قد أثر سلبا على الرؤية الوطنية للرواية . الأسماء التي استخدمها الكاتب ، قد تعطي إشارة ومغزى اكثر من الاسم نفسه ، فمثلا ( ثكل ) والذي يعني لغويا الفقد ومدلوله الحزين ، فلا ادري أكان هذا ايجابيا أو سلبيا في الرواية ، واسم فلسطين تلك الرائعة الجميلة يصدمك الكاتب عندما تعرف أن أمها جاسوسة للمحتل ، وهذا باعتقادي خطيئة فكرية ووطنية على الرغم أن الكاتب يعرف جيدا ونحن أيضا أن فلسطين ضاعت بالتخاذل والخيانات . الكاتب يمتلك مشاعرا صادقة ، وكأنه يكتب الرواية من دمه ، ولكن هناك زلات للكاتب ، ولعل مصدرها الحرص لتوصيل الفكرة للقارئ ، وهذا لم يوفق به الكاتب ، فعلى الكاتب ان يحترم عقل القارئ ويترك له المساحة الكافية في التحرك في الرواية وما على الكاتب الا ان يبدع ما بين سطوره .
اكتب رسالة...
ثم تحدث الشاعر "جميل دويكات" الذي قال أن هذا العمل من أضعف الأعمال التي نوقشت، وكنا نتمنى على الكاتب والناشر الحضور ليستفيدوا من الآراء التي تناولت الرواية، فالخلل واضح في الرواية إن كان من خلال الأحداث المضخمة وتركيبة الشخوص العجيبة، فهم يبدون لنا وكأنهم أبطال الأفلام الحربية الامريكية.
أما الأستاذ "رائد الحواري فتحدث قائلا: "هنا خلل في الاحداث وحتى أننا؛؛ نجد هذا الخلل في الاسماء فكلها كانت اسماء توحي بالحرب والمعارك، ونجد كافة الشخصيات مارست العنف دون تمييز بين الصغير أو الكبير، الرجل أو المرأة.
وقد تقرر أن تكون الجلسة القادمة في يوم السبت الموافق 24/3/2018 مناقشة المجموعة القصصية "عشاق المدينة" للقاصة الفلسطينية "نزهة الرملاوي
نشرت فى 11 مارس 2018
بواسطة magaltastar
مناقشة رواية "علي" في دار الفاروق
ضمن الجلسة نصف الشهرية التي تعقدها دار الفاروق تمت مناقشة رواية "علي، قصة رجل مستقيم" للكاتب الفلسطيني "حسين ياسين". افتتح الجلسة الروائي "محمد عبد الله البيتاوي" منوها أن أهمية هذه الجلسة تكمن في حضور الكاتب "حسين ياسين" وهذا ما سيجعل النقاش أكثر حميمية، أما بخصوص الرواية فهي تتناول جزءا من تاريخ شعبنا الفلسطيني والظروف التي مر بها خلال فترة الاحتلال الانجليزي، حيث نجد أن ظروفا قهرية قد أجبرت عليا بطل الرواية إلى الهجرة القصرية عن وطنه فلسطين ليناضل في اسبانيا ويستشهد هناك، في سبيل المبادئ التي آمن بها. أما بخصوص الشكل الذي قدمت به الرواية فقد قسمها الراوي إلى فصول,واضعا لكل فصل عنوانا منفصلا مما يسهل على القارئ سهولة تناوله للنص المطروح أمامه ، وكأن الراوي بهذه الشكل أراد أن يشير إلى الزمن الذي كتبت فيه الرواية.
ثم فتح باب النقاش فتحدث الشاعر "جميل دويكات" فقال: هذه الرواية من الروايات القلائل التي تشد المتلقي إليها، فاللغة جميلة مطعمة بالتراث الشعبي الفلسطيني من خلال الأمثال والحكايات، والمرأة الفلسطينية حاضرة وتأخذ دورها كالرجل تماما، ودورها لم يقتصر على الساحة الفلسطينية فحسب، بل نجد حضورها في اسبانا ايضا، لهذا نقول أن الراوي استطاع أن يقدم المرأة كقرين للرجل في كافة الأحداث التي تحدث عنها، ونجد الراوي يكسر الزمن وهذا ما جعل الرواية بعيدة عن الشكل التقليدي، ومنحها جمالية اضافية، وهنا علاقة وطيدة بين "علي" والمرأة والشبابة"، حتى أن السجان اثرت عليه وجعلته يتماهى مع اللحن الذي يعزفه "علي". أما موضوع الرواية فيحدثنا الراوي عن علاقة "علي" بالحزب الشيوعي الفلسطيني في فترة 1929-1939، فهنا ثقافتين، ثقافة الشرق وثقافة الغرب، ونجد الشخوص غالبيتها جاءت بشكل ايجابي، وهناك تناول للنظام الرسمي العربي والتخاذل الذي وقع تجاه فلسطين، أما بخصوص اللغة فهي لغة جميلة وجاءت بشكل متقن وقد جعلتها الأمثال المستخدمة أكثر قربا من المتلقي.
أما الاستاذ "سامي مروح" فتحدث قائلا: "الرواية سهلة التناول، لغتها جميلة، المعلومات التي تطرحها مهمة جدا لنا وهي بالتأكيد جديدة علينا، فلم يسبق أن سمعنا بأن هناك من الفلسطينيين من قاتل في اسبانيا إلى جانب الثورة ضد حكم فرانكو، والأهم في الرواية أن الشخوص تتحدث بلغتها، الفلاح يتحدث بلغة الفلاح والمثقف يتحدث بلغته، وهذا ما جعل شخصيات الرواية مقنعة لنا، وهذه الحرية التي منحها الراوي للشخصيات منحت شخصياته خصوصية فبدت وكأنها مستقلة بذاتها، ونجده قد ركز على المرأة فأعطاها دورا حيويا وفاعلا كحال الرجل، وهذا إن دل على شيء فهو أن الراوي يحترمها ويتعامل معها بشكل موضوعي، لهذا وجدناها ـ في أحيان كثيرةـ تبدو أهم وأكثر فاعلية من الرجل، وهناك مشهد في غاية الروعة عندما تحدث عن "الكلب عنتر" الذي هجم على المحتل عندما حاولوا القبض على ابنه ونجد لقاء هذه الرواية مع رواية "مجانين بيت لحم" لأسامة العيسة، وأيضا المشهد التي يتناول لقاء "علي مع أمه" كل هذا جعل من الرواية متألقة وتستحق أن تقدم للجمهور الفلسطيني والعربي ليتعرف على تاريخنا وما قدمناه في الماضي.
أما الأستاذ "محمد شحادة" فقال : "على مستوى اللغة فهي لغة جميلة وخالية من الأخطاء، فعندما استخدم اللغة المحكية أراد بها أن يقرب القارئ من شخصيات الراوية، فالأمثال التي جاءت على لسانها يقرب المسافة بين تلك الشخصيات والقارئ، فجاء النص مترابطا ومتينا، لقد لاحظنا سعة اطلاع الكاتب وكذلك الدقة التي استخدمها في تناوله للأحداث التاريخية، أما بخصوص المكان فاستطيع القول أن الرواية عابرة للقارات، فنجد "علي" في فلسطين ثم في موسكو ثم في اسبانيا، لهذا كانت الرواية حافلة بالأحداث، وهذا تطلب من الراوي وجود عدد كبير من الشخصيات، ويمكننا القول أن الراوي استوحى من رواية "السفينة" لجبرا إبراهيم جبرا لأنها تناولت القضية الفلسطينية من على ظهر السفينة، ومن رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني" إذ يتحول الطفل خلدون إلى" دوف" مشاهد يخدم بها روايته.
أما الاستاذ "سمير عودة" فقال: "صورة الغلاف "المرأة والناي" تشير إلى "علي" وعلاقته بأمه، والعنوان الذي جاء بالخط الأبيض يخدم فكرة استقامة علي، ولباس المرأة يؤكد على فلسطينيتها، لهذا نقول إن صورة الغلاف كانت موفقة تماما وتخدم الفكرة التي جاءت بها الرواية، أما بخصوص الأحداث فهي تقدم لنا الفلسطيني "علي" الذي قال: "أتطوع للحرب الأممية في اسبانيا فلا يضن احدا أنني أفعل ذلك هربا من النضال القاسي الذي يخوضه شعبي "وعندما تناول الراوي مرحلة طفولة "علي" قدمها لنا بشكل موضوعي وجميل، وعندما تحدث عن شبابه وطريقة التفكير التي يتبعها "عار علي إذا شبعت وجاع شعبي" يشير إلى التوحد والإخلاص وانتماء علي لبسطاء شعبه الذي قدم حياته للمظلومين منهم، ورغم حالة اليتم التي وجد نفسه فيها إلا أنه استطاع أن يجد منفذا فكريا له من خلال قوله: " من المكن أن يكون الإنسان يتيما ولكنه من المستحيل أن يكون يتيما من الوطن، وهذه الثقافة هي التي جعلته ينخرط في النضال ويواجه المحتل والحركة الصهيونية معا، فعندما تحدث عن "اليخندرا" التي جاءت من اسبانيا وعادت إلى وطنها بعد أن وجدت الكذب والخداع الذي تمارسه الحركة الصهيونية أراد أن يقول كل من يأتي إلى فلسطين ليقيم الاشتراكية هو واهم ومخدوع، فالنضال والاشتراكية تقام في الوطن الأم، الوطن الذي انت فيه، وليس في أوطان الآخرين.
ونجد الراوي يقدم المرأة بطريقة استثنائية فهي حاضرة في كافة الأحداث والأمكنة، يبقى أن نقول أن "عليا" اختار الذهاب إلى اسبانيا وهو قوي والضابط الانجليزي كان مهزوما، لهذا يمكننا القول أن "عليا" اختار الذهاب إلى اسبانيا وهو راض.
أما الروائية "خلود نزال" فتحدثت عن جمالية اللغة التي كانت أقرب إلى الشعر، فالسلاسة مهدت النص أمام المتلقي ليتلقفه بلهفة، فالأحداث التاريخية لم تكن متاحة لنا، وهي جديدة وتعرفنا على فترة من تاريخ كنا نجهله، والتي نجد فيها كل شيء، الأمثال، الحكايات، اللغة العامية والفصيحة، وما لفت انتباهي طريقة تناول الراوي للمكان، فهو يحدثنا عن حيفا والقدس بشكل لم نألفه من قبل، فيكاد أن يتوحد مع المكان لهذا وجدنا هذا الوصف الدقيق والممتع.
وتحدث الأستاذ "خالد خندقجي" فقال: "نشكر "محمد عبد الله البيتاوي" على دعوتنا لحضور نقاش رواية "علي" والذي يهم كل من يريد أن يتعرف على تاريخ الشيوعيين الفلسطينيين، خاصة في البدايات، التي كان الشيوعي الفلسطيني هو الأكثر نضجا ومعرفة بما يحاك لفلسطين ولشعبها، فهذه المرحلة مهمة جدا لأنها تعرفنا على النضال الشيوعي الفلسطيني والذي واجه الاحتلال الانجليزي والهجرة الصهيونية معا، أما أن حدث الرواية الأهم والأبرز فهو المتمثل بذهاب "علي" إلى اسبانيا والمشاركة في الثورة ضد فرانكو وهذا فخر للشيوعيين الفلسطينيين الذين ساهموا في هذه الثورة ضد الفاشية، وقبل أن أنهي كلمتي أحب أن أسأل الكاتب كيف استطاع أن يكتب رواية تاريخية بهذا الجمال وبهذا الشكل، وكم من الوقت أخذت منه كتابتها، وأخيرا أشكر الكاتب على هذا العمل وعلى ما فيه من معرفة ومعلومات.
اما الاستاذ رائد الحواري فتحدث قائلا: الأهم في هذه الرواية أنها نبشت تاريخا كان مخفيا علينا، تاريخ فلسطين التي ساهم ابناؤها في النضال الأممي ضد فرانكو، رغم عدم قناعتنا ـ في ذلك الوقت والظرف ـ بهذا الأمر، واعتقد بأن هذه الرواية الأولى والوحيدة اتي كتبت عن تاريخ الشيوعيين في تلك الفترة 29-39، وهذا ما يحسب للكاتب والذي بالتأكد بذل جهدا غير عادي لتقديم هذا العمل الروائي لنا وللجمهور العربي والعالمي. أما بخصوص لغة الشخوص فهي لغة سلسة ونجدها تتحدث بلغتنا نحن في فلسطين، لهذا هي قريبة منا.
وفي نهاية النقاش تحدث الروائي "حسين ياسين" فقال: أنا سعيد أن اكون بينكم، فكل الحضور قرأوا الرواية وقدموا وجهات نظرهم، لكن أحب أن اتكلم عن "فوزي صبري النابلسي" الذي سرق بارودة وقتل اثنين من الانجليز وهو ما زال ولد، فهو مناضل بالسليقة، بعد انتهاء الحرب في اسبانيا ذهب إلى فرنسا وتطوع في المقاومة الشعبية الفرنسية وقاتل النازيين، إلى أن تم اعتقاله، لكن رفاقه الذين عرفوه قرروا أن يقتحموا السجن ويخرجوه من المعتقل وهذا ما كان، علمت الصحف العبرية بهذا المناضل وبدأت تبحث عن "فوزي النابلسي" فوجدت أنه تزوج بنت فلسطينية يهودية وأنجب منها بنتا، وعاشت في دير للأيتام فجيئ بها إلى فلسطين على أنها يهودية، وبنت فوزي الآن تعيش في إسرائيل على أنها يهودية، وعندما علمت بحقيقة والدها وبأنه عربي فلسطيني، رفضت أن تخبر أحدا من أفراد أسرتها.
نعود إلى الحرب في اسبانيا، فهناك40 ألف متطوع شاركوا في هذه الحرب من كافة أنحاء العالم/ لكن لم يكن منهم أي عربي، مما جعلني ابحث عن أي إنسان عربي شارك في الحرب، وكما أن سمعة العرب السيئة عند اليسار في العالم لأنهم شاركوا مع فرانكوا ـ المغاربة الذين استخدمهم فرانكو ـ جنودا لقمع الثورة، متجاهلين أن المغرب العربي كان تحت الاحتلال الاسباني، إن كان ثوريا أم فاشيا ـ.
تعرفت على كاتب الماني تحدث عن "فوزي النابلسي" وعن "علي عبد الخالق" وان الاثنين قتلوا في اسبانيا، من هنا بدأت البحث، سألت "بسام الصالحي، تيسير عاروري، سألت الشيوعيين الفلسطينيين والأردنيين والإسرائيليين، لكن كانت المعلومات قليلة، وبعد البحث استطعت أن اعرف بلد "علي" وعرفت بأنه يتيم الأب وأنه عاش فقيرا وحيد الأم، هذا ما جعلني أعيد كتابة 150 صفحة وهي ما كتبته عن "علي" وابدأ الكتابة من جديد.
مشكلة الحزب الشيوعي كانت في التعريب، فاليهود أرادوا أن يكون الحزب لهم فقط، لكن الكومنترون لم يوافق على دخولهم للأممية الشيوعية دون أن يكون هناك أعضاء عرب في الحزب، ومن هنا بدأ دخول العرب للحزب، لكن اليهود لم يكونوا على وفاق معهم، فكان الحزب فعليا حزبان، لكل حزب هدف وغاية ونضال ونهج يختلف عن الأخر، فاستخدم اليهود السجن كأحد الوسائل ليزيحوا العرب من الحزب، وكان الخلاف حول الهجرة اليهودية ودورها في سلب الفلاحين ارضهم، وكان الخلاف حول هبة البراق وثورة القسام، وثورة 1936، وهناك موقف متناقض بين اليهود والفلسطينيين حول الحرب في اسبانيا، فاليهود خونوا كل يهودي يذهب إلى اسبانيا، لكن الصهاينة لاحقا ـ وبعد أن أخذ الاسبان يحتفلون بالثورة وبالشهداء الذي سقطوا فيها ـ اكتشفوا أن من ذهب من اليهود هم كنز لهم، فبدأوا يقدمونهم على أنهم أبطال شاركوا في الثورة فأقاموا لهم نصبا في اسبانيا يخلد مشاركتهم، وهذا التصرف الانتهازي لا يلغي المقولة التي قالها احد الصهاينة عندما كان يذهب اليهود إلى اسبانيا: "الإقامة في حميتا ـ مستعمر في الجليل ـ افضل من مدريد".
وفي نهاية الجلسة كان هناك بعض الأسئلة من الحضور، فسأل الشاعر "عمار خليل" من أين جاء "علي" بالثقافة التي تحدث بها في الرواية؟
وأجاب الروائي "حسين ياسين": "علي كان قارئا نهما ووجوده في حيفا جعله مثقف ويعرف كثير من الأمور.
وأضاف "خالد الخندقجي" أن الثقافة مهمة جدا عند الشيوعيين وتعد أحد أهم الواجبات للشيوعي.
وسأل "عمار خليل" أن صورة الغلاف لا تشير إلى وجود رجل لماذا؟
أجاب "حسين ياسين" المرأة تمثل فلسطين، وأم علي، لباسها كنعاني، الشبابة تشير إلى الموسيقى الحزينة، وعلي يحب الطرب، لهذا أقول أن الغلاف منسجم تماما مع المضمون.
وقال الشاعر "موسى أبو غليون" أن عبارة "قصة رجل مستقيم" لا تناسب "علي" لأنها تحمل مدلولا دينيا أكثر منه فكري، فأرى في اختيار هذه العبارة عدم التوافق أو الانسجام.
فأجاب "حسين ياسين" لكل فكر ايدلوجيا, مبادئ أخلاقية، ومن حق كل حامل فكر أن يقول "مستقيم".
ثم تحدثت الرواية "عفاف خلف: وقالت أن هذه الجلسة جعلتها في شوق لقراءة الرواية والتعرف على ما فيها.
وختمت الجلسة بحوارات جانبية كثيرة كلها ارتبطت بكتابة الرواية التاريخية التي من الممكن أن تؤرخ لحدث أو حركة أو شخصية كان لها دور بارز في الساحة أيا كانت هذه الساحة . ثم قام البيتاوي بشكر الكاتب الذي تجشم عناء السفر من داخل الخط الأخضر ليحضر بنفسه هذه الجلسة التي نوقشت فيها روايته التي قدمت إلى جائزة البوكر وقد وصلت إلى مراتب متقدمة .
وقد قررت اللجنة أن يكون يوم البست الموافق 10/3/2018 مناقشة رواية "كلام على شفا شفتين" للروائي الفلسطيني جميل عجوري، والرواية من منشورات المكتبة الشعبية، ناشرون نابلس.
نشرت فى 26 فبراير 2018
بواسطة magaltastar
الإغراق في رواية
"العين المعتمة"
زكريا محمد
قبل حاولي عشرين عاما قرأنا هذه الرواية في ملتقى بلاطة الثقافي، وما أذكره: ولا أحدا منا استطاع أن يدخل إلى عمق الرواية باستثناء "عباس دويكات" الذي تحدث عن رمزية رقم ثلاث والذي يشير إلى نجمة داود، والآن حاولت أن اتقدم من الرواية مرة أخرى، فوجدتها غارقة في الرمز والفانتازيا، فمن المشاهد المغلقة هذا المشهد:
"حول نفسه إلى ظل، مشى كظل وصار يراقب جسده الذي يتبعه، ...قال أن الجسد والظل أخوان من دون رحم واحد، وقال إننا ننقسم إلى أثنين، والثاني أشد صلابة من الأول" ص27و28، هذا ما حدث مع إبراهيم المؤذن، فنجد حدث مقفل تماما ويحتاج إلى أشعة ليزر لنستطيع أن نفهم أو نستوعب هذا الحدث.
وهناك مشهد أخر غارق في الفانتازيا "صار يحلم في الليل أن له ثديين كثديي زوجته، وأن أبنته ترضع منهما باسمة" ص34، وهذا ما كان "وفيما بعد تبين أن الحلم لم يكن حلما، فقد عمل جسده بالرغبة الهائلة التي بثها على التحول إلى جسد أنثى...أن الإنسان قادر على التحول من ذكر ومن أنثى إلى ذكر بالرغبة وحدها" ص35، مشهد لا يمكن أن ندخل إليه من أي منطق أو نجد له تفسير، لا بالعقل وإلى بما هو ما فوق العقل، خاصة إذا علمنا أن هذا الرجل المتحول ترك زوجته وكأنها نعجة ولدت له فتركها دون أي إحساس بالذنب أو شعور بالإثم "لم يكن لأم بلقيس من دور، كان وجودها زائد عن الحاجة، وقد فهمت هي ذلك فرحلت ذات صباح دون أن يحس بها أحد" ص36، وإذا ما أخذنا مكانة الأم وحضورها في وجدان الراوي أو الشخصية الروائية فلن نجد لهذا الحدث أي منطق أو تحليل يدخلنا بشكل سليم إلى الفكرة التي أرادها الراوي.
وعندما يستخدم الرقم الثلاثة والذي تكرر بشكل كبير في الرواية:
"قطقط ماو
قطقط ماو
قطقط ماو
صرخة ثلاث صرخات مفاجئة" ص23، لن نستطيع أن نربطها بأي شيء، ورغم علمنا الرقم ثلاثة مقدس مع الرقم سبعة، ومع هذا يفلت من بين أيدينا ولا نستطيع أن نربطه بشيء، وإن ربطناه بالضباع أو البومة فهو ربط شكلي، بمعنى لا يفيدنا في الدخول إلى الرواية.
"وفي الليل حملت وردة الأباريق وذهبت إلى العين النزازة، ذهبت وعادت ثلاث مرات" ص81، كانت هذه تماثيل بشير الأعور الذي اغتصبته الغولة عنوة وأخذته إلى الأعماق ليعود بعد ثلاث سنين" ص82، وهناك العديد من النماذج على هذه الشاكلة، لكنها أيضا كانت مقفلة وكأن تكرار رقم ثلاث شيء من المتعة عند الراوي، ولا يوجد شيء فيه أو يوحي إلى شيء، فهو يستخدم في أحداث الشر وأحداث الخير ودون أن يترك للمتلقي أي فجوة يستطيع ان يفهم أو يدخل إلى الهدف/الفكرة التي قصد.
من هنا نقول من حق أي كاتب أن يكتب ما يريد، لكن من حقنا عليه أن يكون هنا شيء/اشارة تمكن القارئ من أخذ أي شيء مما يقرأ، المتعة، الفكرة، لكننا لم نأخذ من الرواية إلا قتامة سوداء وطلاسم أشبه بتلك التي يكتبها (السحرة)، وإذا ما استثنينا اللغة الجميلة التي جاءت في الرواية نكون أمام نص غارق في السواد والعتمة والطلاسم ويزيدنا كآبة.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 1996
وهناك مشهد أخر غارق في الفانتازيا "صار يحلم في الليل أن له ثديين كثديي زوجته، وأن أبنته ترضع منهما باسمة" ص34، وهذا ما كان "وفيما بعد تبين أن الحلم لم يكن حلما، فقد عمل جسده بالرغبة الهائلة التي بثها على التحول إلى جسد أنثى...أن الإنسان قادر على التحول من ذكر ومن أنثى إلى ذكر بالرغبة وحدها" ص35، مشهد لا يمكن أن ندخل إليه من أي منطق أو نجد له تفسير، لا بالعقل وإلى بما هو ما فوق العقل، خاصة إذا علمنا أن هذا الرجل المتحول ترك زوجته وكأنها نعجة ولدت له فتركها دون أي إحساس بالذنب أو شعور بالإثم "لم يكن لأم بلقيس من دور، كان وجودها زائد عن الحاجة، وقد فهمت هي ذلك فرحلت ذات صباح دون أن يحس بها أحد" ص36، وإذا ما أخذنا مكانة الأم وحضورها في وجدان الراوي أو الشخصية الروائية فلن نجد لهذا الحدث أي منطق أو تحليل يدخلنا بشكل سليم إلى الفكرة التي أرادها الراوي.
وعندما يستخدم الرقم الثلاثة والذي تكرر بشكل كبير في الرواية:
"قطقط ماو
قطقط ماو
قطقط ماو
صرخة ثلاث صرخات مفاجئة" ص23، لن نستطيع أن نربطها بأي شيء، ورغم علمنا الرقم ثلاثة مقدس مع الرقم سبعة، ومع هذا يفلت من بين أيدينا ولا نستطيع أن نربطه بشيء، وإن ربطناه بالضباع أو البومة فهو ربط شكلي، بمعنى لا يفيدنا في الدخول إلى الرواية.
"وفي الليل حملت وردة الأباريق وذهبت إلى العين النزازة، ذهبت وعادت ثلاث مرات" ص81، كانت هذه تماثيل بشير الأعور الذي اغتصبته الغولة عنوة وأخذته إلى الأعماق ليعود بعد ثلاث سنين" ص82، وهناك العديد من النماذج على هذه الشاكلة، لكنها أيضا كانت مقفلة وكأن تكرار رقم ثلاث شيء من المتعة عند الراوي، ولا يوجد شيء فيه أو يوحي إلى شيء، فهو يستخدم في أحداث الشر وأحداث الخير ودون أن يترك للمتلقي أي فجوة يستطيع ان يفهم أو يدخل إلى الهدف/الفكرة التي قصد.
من هنا نقول من حق أي كاتب أن يكتب ما يريد، لكن من حقنا عليه أن يكون هنا شيء/اشارة تمكن القارئ من أخذ أي شيء مما يقرأ، المتعة، الفكرة، لكننا لم نأخذ من الرواية إلا قتامة سوداء وطلاسم أشبه بتلك التي يكتبها (السحرة)، وإذا ما استثنينا اللغة الجميلة التي جاءت في الرواية نكون أمام نص غارق في السواد والعتمة والطلاسم ويزيدنا كآبة.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 1996
نشرت فى 25 فبراير 2018
بواسطة magaltastar
الألم والشباب في قصيدة
"العروبة"
عبد الحي فخري جوادة
شيء جميل أن نجد الشباب يتناولون مأساتنا وما حل بنا، فنحن وهم في البؤس معا، لكن نحن الشيوخ/الآباء من أوصلهم إلى ما هم فيه، فعلنا تقع المسؤولية، وعندما نستعيد تاريخنا المعاصر سنجد أن الشباب هم من قاد الجماهير وقام بالثورات، من عبد الناصر إلى ياسر عرفات، أما على صعيد الأحزاب والنظريات الفكرية والعقائدية فنجد مشيل عفلق وانطون سعادة وجورج حبش، وكلهم قاموا بوضع نظريات ومفاهيم جديدة وهم في سن الشباب، فلم يتجاوز أيا منهم خمسة وثلاثين عاما، وكان بإمكان ما قدموه أن يكون الخلاص لنا لو احسنا استخدامه وفهمناه وأخذنا به.
لكن في هذا الزمن الأعوج نجد من يريد/يطالب الشباب أن يكونوا تحت مظلتنا نحن الهرمين العجائز، وعليهم أن يرجعون لنا في كل صغيرة وكبيرة، فهم "جهال" وبحاجة إلى الحكمة!!، ليس في مجال السياسية والنظريات والأفكار الجديد فحسب بل حتى في الأدب، فنجد هناك آباء روحانيين للأدب وعلى الشباب أن يخضعوا لهم طواعية أو غصبا، اعتقد أننا بحاجة إلى حركة تمرد في كل نواحي الحياة، السياسية والفكرية والثقافية والأدبية والفنية، وبالتأكيد من سيقود هذا التمرد هم الشباب ولسنا نحن الذين تسببنا بكل ما جرى لهم ولنا وللوطن.
فعندما تقدم قصيدة من شباب تحمل مشاعر الألم على ما آلت إليه أحولنا، إلا يعد ذلك تمرد ورفضا للواقع ومن يقوده؟ "عبد يحي جوادة" يبدأ قصيدته بما هو مفترض أن يكون:
"نُصّبت في متن الوجود تعاليا
لا صوت يعلو ان هممت بقولي
لا من يحرك ساكنا في حضرتي"
يقدم العظمة والهيبة والمكانة الرفيعة التي كانت عليها "العروبة" التي كنا نحن فيها، هذا الإرث العظيم الذي نتغنى به الآن وسنتغنى به لأنه مجدنا وعزتنا فلا يمكننا أن نهمله أن ونلغيه لأنه حقق لنا:
"ونظمت من أنف الشعوب توابعا
فأنا المؤلف والمحذ انا المقفي
وحفرت في هاماتهم وجلا اذا ما لاح طرفي
ووهبتكم كل الشموخ وعزتي
وسمرتي" تناقض كبير بين ما كان، ما كنا، وما نحن فيه الآن، ورغم عدم توافقنا من النظرة الفوقية التي استخدمها الشاعر "ونظمت من أنف الشعوب توابعا" لأن أن المقطع الأخير جاء أكثر منتقيا وجمالا عندما قال "ووهبتكم كل الشموخ وعزتي
وسمرتي" فاللون يعطي دلالة على العمل والارتباط بالأرض، وهذا يشير إلى ارتباط الإنسان العربي بالأرض، وعلى العلاقة الاجتماعية والعمرانية ـ زراعة وبناء ـ، إذن كنا شيء عظيم، فما حل بنا؟، كيف أصبحنا؟ أسئلة يطرحها الشاعر الشاب وكأنه يديننا نحن الشيوخ، الآباء بها:
"والان كم منفية فيكم بكل عروبتي
مزقت أشلاء فاصغرها ذبيح لم يزل يسبى
وأكبرها بعيد لم يطأ حلمي"
استخدام الشاعر لياء الأنا/الملكية والتي جاءت في "عروبتي" أراد بها تجريدنا من المجد السابق ويلحقنا بالعار الذي أحدثناه للمواطن وللوطن وللفكرة، فنحن (الكبار) من اقترف الجريمة بحق إرثنا ومجدنا وكرامتنا، وعلينا أن نتحمل المسؤولية ونتيجة ما اقترفناه، وبالتأكيد سيكون ذلك بعزلنا عن مركز القيادة والمسؤولية وافساح المجال لمن هم انقياء، مخلصين للفكرة، وعندهم طاقة وارادة وحيوية للعمل.
فمن يشعر بهذه المشاعر:
"فقدت الروح من جسدي
سُلبت الضاد من لغتي
وحذفت من متن المدى"
بالتأكيد هو يحمل احساس مرهف، يحمل عبأنا وانكساراتنا على كاهله، ويريد أن يقدمنا إلى الأمام، ويرفع ما حل علينا من ويلات.
يبدأ الشاعر بالتوجه إلى الشباب، متجاوزا الهزائم ووقع الحال، يحاول أن يستنهضهم بقوله:
"أنا العروبة لم أزل أذبح هنا
أسبى أنا
وبيَ الخريف ينتظر"
هناك انثى (العروبة) تذبح والتي تأخذ شيء من صفات لأم، التاريخ، الأمجاد والكرامة، وهي بحاجة إلى من يساعدها، أليس الشباب أولى بتلبية النداء وهم الأقرب إليها؟
تأكيدا على أن النداء موجه للشباب وليس لمن ساهم طواعية أو كرها أو وقف بالحياد، يقول الشاعر:
" أنا العروبة
يا تُرى
فيكم رياحا تخصب الغيم المعلق في المدى
فتعيد ريع الحب في جوف المقل ؟"
العطاء والفعل والطاقة تكمن في الشباب، وليس في من هزموا مرات عديدة.
يختم لنا "عبد الحي جوادة" قصيدته بمقاطع تحث على العمل وتعطي الشباب طاقة وتمنحهم الارادة والفكرة:
"أنا العروبة احتضر
يا هل ترى
بعد النزيف بكم دمً من خافقي
فيلوح لي وصلي إذا حان اللقى ؟
ويعيد لي بعض الأمل ؟؟؟".
هذا على صعيد الفكرة التي جاءت في القصيدة وشكل تقديمها، وبالتأكيد كان الشاعر موفقا فيهما، لكن على صعيد اللغة فنجد بعض الكلمات والمقاطع وكأنها اقحمت في القصيدة اقحاما، كما هو الحال في:
"وحفرت في هاماتهم وجلا اذا ما لاح طرفي" المقطع طويل وفيه شيء من التكلف خاصة
" فأنا المؤلف والمحذ انا المقفي"
"اذا ما لاح طرفي"
وهناك امثلة أخرى: "وحذفت من متن المدى"
وهذا المقطع: "فتعيد ريع الحب في جوف المقل ؟"
اعتقد بأن كان بإمكان الشاعر أن يأتي بشيء أفضل مما كان، لكن يبدو أن صعوبة وقسوة الواقع والتوتر انعكست على جمالية القصيدة، فكان ما كان.
نشرت فى 25 فبراير 2018
بواسطة magaltastar
{{{ شاعر وقصيدة }}}
{{ضوء على قصيدة }}
أصدقائي رواد المجلة لنا كل أسبوع اضاءة على شاعر
وقصيدة زاوية نختار قصيدة من قصائدكم وتكون تحت المجهر الغاية منها الإضاءة عليها وإظهار الجمال فيها أتمنى أن تنال إعجابكم
(((عطش الحروفِ إلى الصّدى)))
شعر: صالح أحمد (كناعنة)
///
ليلٌ... وأخيِلَةٌ تَنوحُ على صَدايْ
والريحُ تعصِفُ في المَدى:
- ما رافعي إلا هُداي..
- ما مُنقِذي إلا يَدايْ.
كم مَوجَةً رَقَصَت على رَملي الذي ما عادَ لي...
مُذ وافَقَت ريحي سُدايْ؟!
كم غَيمَةً عبَرَت ولم يَعبأ بها شَفَقي؟
وكنتُ أخافُ مِن سِحرِ الكلامِ على المَقامْ!
عَطشى حُروفي للصّدى ..
ويَدي تُكَفكِفُ جُرحَها
فينا يَظَل يُزمجِرُ الأبَدُ :
يا ظَلَّ هذا الكونِ أينَ غدي؟
عبَثًا بَقيتُ أصارعُ الوَقتَ الذي لم يُبقِ لي
إلا فَراغًا يَستَفيقُ المُتخَمونَ بِخَمرِهِ،
يَتَقاسمون الجَريَ نَحوَ مَلامِحِ العَثَراتِ في وَهمِ الطّريقْ...
صُبّي غُبارَكِ نَخبَنا يا ريحُ؛
أنجبناهُ كي يُسبى إلينا عنفوانُ الذّكرياتِ،
ويَصطَفي مِن صَمتِنا ما نَحتَسيهِ للَحظَةِ العارِ المُميتْ.
الخيلُ والبيداءُ، والعلمُ المُعانِدُ في خِيامِ اللاجئينَ،
قلوبُنا الظّمأى لأشرِعَةِ التّوَغُّلِ في العَراءِ،
ثَقافةُ الأحلامِ تَبسُطُ كَفَّها للّيلِ والأسماءِ؛
تَعتَنِقُ السّدى نَهجًا لينكَسِرَ الحنينْ.
نادَيتُ.. كم نادَيتُ والأحلامُ تحبِسُني
والليلُ يزحَفُ، والصّدى بِفَراغِنا يُقعي
يا دولَةَ الأسماءِ يا موتًا تَنَفَّسَني
لن تَحبَلَ الأيامُ إن أسكَنتُها صَدعي
كم غَنّتِ الأشواقُ عَن شَمسٍ ستُنجِبُني
للمُعجِزاتِ السَّبعِ تَستَهدي فَضا شَمعي
مُذ تاهَت الأزمانُ عَن شَفَقٍ تَناهَشَني
كي يَكتَسي نَزفي وقد ألقَمتُهُ ضَرعي
وتَسابَقَت سُحُبُ السُّدى أفُقًا يُراوِدُني
عن صادقِ الأشواقِ، فالنِّسيانُ أو صَرعي
ومَضَيتُ والنّكَباتُ لا تَنفَكُّ تَطلُبُني
كي أستَكينَ لها مَضَت تَقتاتُ مِن دَمعي
صَرعى ظُنوني والرّؤى تَرتاعُ مِن وَسَني
والآهُ تحرِقُني وتَغرِسُ بي نُهى رَجعي
***
يا ظِلَّ هذا الظِّلِ! أينَ يَدي؟
والليلُ يدفَعُني إلى مَوتٍ يُساجِلُني
فلينتّشِ العَجَبُ!
عَقَّت رِياحٌ طَقسَها مُذ أجدَبَ اللّهَبُ
الموتُ صارَ حليفُنا،
وَجُنونُنا السَّبَبُ!
فليَستَحِ العَجَبُ
نادَيتُ، كم نادَيتُ والأهواءُ تحجُبُني
عن مُعجِزاتِ غَدي، وعمّا اسوَدّ من ظِلّي
سَبَبًا! وكُنتُ جَعَلتُ من صَوتِ الأنا وَثَني؟
وجَعَلتُ صَوتِيَ يكتَسي مما ارتَوى جَهلي؟
تَعدو الدّقائِقُ دونَما رِئَةٍ على وَهَني
يَقتاتُ وَقتي مِن دَمي، وَيَصُدُّ عَن وَصلي
عَبَثًا لأُرجِعَ ما مَضى، أو قُل ليُرجِعَني
أستَصرِخُ الكَفَّ التي تَقتاتُ مِن لَيلي
أتَكُفَّ عَن قَتلي!
((ومضات حولها .)).
امتاز الشاعر والأديب الأستاذ صالح احمد في كتاباته الشعرية أم النثرية
على جذالة في التعبير وكثافة في الصور البيانية التي تطرح قضية معينة
او تصور واقع معين تنشط الذاكرة بقوتها وشفافية المعنى
قد يجنح الى الرمزية التعبيرية ليربط الواقع بالخيال بأسلوب شيق ممتع
ففي القصيدة هنا ابتدأ بصور الليل والخيال والنواح على الاصداء بتشابيه تدل على صعوبة الموقف المراد طرحه عن واقع العمر والزمن وتداخل المشاعر الانسانية المتناقضة وانتقل للجوء بالراحة الى البارئ والدعاء وربطها بالكف الذي يرفع للدعاء وانتقل الى الرادع الاخلاقي واهمية الاخلاق والمقام في السيطرة على المشاعر الانسانية
تنقل الى الظلم والتساؤل عن مخلفات العمر وما بقي له فيها وربطه بالمتخمين
يتابع السرد القصصي للقصيدة باسلوب شعري بقيد الموازين تسهل عملية الانتقال من فكرة الى اخرى بتناسق ومترادفات تناسب قوة الكلمة مستخدما كافة انواع المحسنات البيانية والبديعية من ربط بين صفات الانسان والطبيعة من نواح وموت ـ الطقوس أجذب اللهب بصور ولا اروع منها نغما متناسقا
ازدحمت القصيدة بصور ولا أروع منها مستخدما الجناس والطباق تمتع القارئ
فأنتج قصيدة بروعة مبدعها اتمنى له دوام النجاح والتقدم وهذه صورة مختصرة جدا لروعة القصيدة
....نفن مردم
..
نشرت فى 7 فبراير 2018
بواسطة magaltastar
بسم الله الرحمن الرحيم
بكل الحب والود أُهدي هذه الإضاءةَ المتواضعة على قصيدة (تواضعى سموَّ البرنسيس) للشاعر المبدع وأخي الحبيب / رحاب عابدين ، مُتمنيًّا له كل التوفيق والتألق الشعري .
.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..
الشاعرُ الشاعرُ الحَقُّ هو من يتجاوز مقامَ النقل المباشر الساذج للأشياء في عالمنا الخارجي ، ويتجاوز مرحلة تركيبها إلى مقام الرؤية الشعرية والرؤيا ، لذا عندما نقرأ قصيدة (تواضعى سموَّ البرنسيس) نجد أنها قصيدةٌ كتبها الشاعرُ بروح صوفية غير مقيمة ، تسافر عبر الأشياء نحو قلبِ العالم ، روحٍ تُوحِّدُ بين الحلم والواقع ، تؤلف بين الأطراف المتناقضة ، لا تعني بالشائع بل بما ليس نعرفه ، روح صوفية تغييرية ؛ فهي تقدم العالم في صورة جديدة ومختلفة عبر تجربتها الشعرية ، حيث تتوزع القصيدة إلى متواليات : متوالية البوح الذاتي من خلال توظيف روح الطبيعة من أنهار ونجوم وشموس ، ثم متوالية الإنكار ثم متوالية مقامات المحبين ، وتجربة التنائي .. ونرى أنها تنهض على التكرار : ويظهر من خلال تكرار حرف النفي (لا) سبع مرات متتابعة في قوله :
وإذا الفجرُ صار بعيدا
والصبح هام جهيدا
والليل هدهد للدجى جِيدا
فلا أنتِ أنتِ !!
ولا الدموعُ دموعُ
ولا هذى العيون عيونُ
ولا أنا أنا أو أنا !!
ولا هذا الصباحُ صباحُ
ولا الذى بالقلب بالقلبِ
...
والتكرار هنا يؤدي وظائف دلالية وتداولية ، ويحمل معاني إدراكية تجذب وتثير وتوجه أفق انتظار القارئ ، تتضافر هذه الجمل المنفية جميعها وتتعالق ، وتتعانق مما يؤدي إلى رباط وثيق بين أجزائها ، ومَرَدَّ ذلك أن نواتها واحدة ، بالرغم من عدم الإعلان عنها بشكل مباشر وهي الإنكار : إنكارٌ للذات وللحبيبة وللطبيعة .. ولعل ذلك يستدعي عندي بيتَ أبي تمام :
لا أنت أنت ولا الديار ديار . . خَفَّ الهوى وتولت الأوطار
وكذا ما جاء في قصيدة لوركا (أغنية جوالة في أثناء النوم) :
لو كان الأمر بيدي يا فتى
لأتممنا هذه الصفقة
ولكني لم أعد أنا
وبيتي لم يعد بيتي
.. .. .. ..
ونرى متوالية البوح الذاتي من خلال توظيف روح الطبيعة في قصيدة شاعرنا الجميل (رحاب عابدين) متجسدة في قوله : وحين تَحادَثَ القلبُ
واشتهى بالفردوس مملكتهْ
وتعطر الضىُّ بالإشراقِ وانطلقا
لامه القلبُ الحنونُ وانحدرت بالرؤى فِكَرُ
فكأنما لسرابٍ كانت حكاياهُ
وكأنما للمواجد أضحت دعاواهُ
وللخريف على الأصداف متكأٌ من الغيم أشقاهُ
فالندى لم يعد من برَدَى
ولا صارت الأمواه نيلاً من سجاياهُ
ولا دجلةُ فى عشق الفرات سرت بالهوى سراياهُ
فالكونُ كلّاً غائبٌ وابتساماتُ الطيورِ دموعُ
والبوحُ على أرَجِ النجوم شرارٌ تحدو وتضطرم
.. .. .. .. .. ..
ثم متوالية مقامات المحبين ، وتجربة التنائي تتجلى في قوله :
وتثرثرين أثرثر كالعُبابِ
بالذى قد كان منى
والذى قد كان منك
ونمضى والحديثُ اصطخابُ
وأحبك كحريقٍ من الطهرِ
وتحبين روحكِ تمرقين بكل بابِ
وتتلين أقساماً صادقاتٍ
أنك أبداً - وربِّكِ - لا تكذبينَ
وأحب صدقكِ لكن لست أعرفه
وأهوى كِذابَك والعشقُ مكذابُ
وتقولين بأنى أجرح الوردَ
وأجرح الخَلقَ وأجرح الأطهارَ
وهذى الخلقُ أعداءُ
وأقول كلا ، والظالمون كثارٌ
وما قول الحقيقة للظالمين سوى جهادِ
وناشدُ الحق إذا فرّط لا تسل عن نَجاواه
.. .. .. .. ..
في الختام أقول بأن التجربة الشعرية عند شاعرنا القدير (رحاب عابدين) عبارة عن حالة نفسية ووجدانية تستغرق كيان الشاعر كله ، وهو حين ينغمس فيها لا يستطيع إلا أن يفعل ما تمليه عليه .. والواقع أنها تعصره عصرا ، فيبدأ فى الصراخ ، لكن صراخه لا يسمعه أحد سواه ، وهو صراخ مكتوم يصاحبه البحث عن الكلمات التى يتوالى بعضها إلى جوار بعض .. القصيدة عند أخي الشاعر الحبيب (رحاب عابدين) هي رحلة حياة كاملة .
أسأل الله أن أكون قد وُفقت في تقديم إنارةٍ يسيرة على قصيدة أخي الشاعر الحبيب (رحاب عابدين) : (تواضعى سموَّ البرنسيس) ، مًتمنيًا له المزيد من التألق .
مع أرق تحياتي وخالص مودتي
محمد السيد إبراهيم
.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..
الشاعرُ الشاعرُ الحَقُّ هو من يتجاوز مقامَ النقل المباشر الساذج للأشياء في عالمنا الخارجي ، ويتجاوز مرحلة تركيبها إلى مقام الرؤية الشعرية والرؤيا ، لذا عندما نقرأ قصيدة (تواضعى سموَّ البرنسيس) نجد أنها قصيدةٌ كتبها الشاعرُ بروح صوفية غير مقيمة ، تسافر عبر الأشياء نحو قلبِ العالم ، روحٍ تُوحِّدُ بين الحلم والواقع ، تؤلف بين الأطراف المتناقضة ، لا تعني بالشائع بل بما ليس نعرفه ، روح صوفية تغييرية ؛ فهي تقدم العالم في صورة جديدة ومختلفة عبر تجربتها الشعرية ، حيث تتوزع القصيدة إلى متواليات : متوالية البوح الذاتي من خلال توظيف روح الطبيعة من أنهار ونجوم وشموس ، ثم متوالية الإنكار ثم متوالية مقامات المحبين ، وتجربة التنائي .. ونرى أنها تنهض على التكرار : ويظهر من خلال تكرار حرف النفي (لا) سبع مرات متتابعة في قوله :
وإذا الفجرُ صار بعيدا
والصبح هام جهيدا
والليل هدهد للدجى جِيدا
فلا أنتِ أنتِ !!
ولا الدموعُ دموعُ
ولا هذى العيون عيونُ
ولا أنا أنا أو أنا !!
ولا هذا الصباحُ صباحُ
ولا الذى بالقلب بالقلبِ
...
والتكرار هنا يؤدي وظائف دلالية وتداولية ، ويحمل معاني إدراكية تجذب وتثير وتوجه أفق انتظار القارئ ، تتضافر هذه الجمل المنفية جميعها وتتعالق ، وتتعانق مما يؤدي إلى رباط وثيق بين أجزائها ، ومَرَدَّ ذلك أن نواتها واحدة ، بالرغم من عدم الإعلان عنها بشكل مباشر وهي الإنكار : إنكارٌ للذات وللحبيبة وللطبيعة .. ولعل ذلك يستدعي عندي بيتَ أبي تمام :
لا أنت أنت ولا الديار ديار . . خَفَّ الهوى وتولت الأوطار
وكذا ما جاء في قصيدة لوركا (أغنية جوالة في أثناء النوم) :
لو كان الأمر بيدي يا فتى
لأتممنا هذه الصفقة
ولكني لم أعد أنا
وبيتي لم يعد بيتي
.. .. .. ..
ونرى متوالية البوح الذاتي من خلال توظيف روح الطبيعة في قصيدة شاعرنا الجميل (رحاب عابدين) متجسدة في قوله : وحين تَحادَثَ القلبُ
واشتهى بالفردوس مملكتهْ
وتعطر الضىُّ بالإشراقِ وانطلقا
لامه القلبُ الحنونُ وانحدرت بالرؤى فِكَرُ
فكأنما لسرابٍ كانت حكاياهُ
وكأنما للمواجد أضحت دعاواهُ
وللخريف على الأصداف متكأٌ من الغيم أشقاهُ
فالندى لم يعد من برَدَى
ولا صارت الأمواه نيلاً من سجاياهُ
ولا دجلةُ فى عشق الفرات سرت بالهوى سراياهُ
فالكونُ كلّاً غائبٌ وابتساماتُ الطيورِ دموعُ
والبوحُ على أرَجِ النجوم شرارٌ تحدو وتضطرم
.. .. .. .. .. ..
ثم متوالية مقامات المحبين ، وتجربة التنائي تتجلى في قوله :
وتثرثرين أثرثر كالعُبابِ
بالذى قد كان منى
والذى قد كان منك
ونمضى والحديثُ اصطخابُ
وأحبك كحريقٍ من الطهرِ
وتحبين روحكِ تمرقين بكل بابِ
وتتلين أقساماً صادقاتٍ
أنك أبداً - وربِّكِ - لا تكذبينَ
وأحب صدقكِ لكن لست أعرفه
وأهوى كِذابَك والعشقُ مكذابُ
وتقولين بأنى أجرح الوردَ
وأجرح الخَلقَ وأجرح الأطهارَ
وهذى الخلقُ أعداءُ
وأقول كلا ، والظالمون كثارٌ
وما قول الحقيقة للظالمين سوى جهادِ
وناشدُ الحق إذا فرّط لا تسل عن نَجاواه
.. .. .. .. ..
في الختام أقول بأن التجربة الشعرية عند شاعرنا القدير (رحاب عابدين) عبارة عن حالة نفسية ووجدانية تستغرق كيان الشاعر كله ، وهو حين ينغمس فيها لا يستطيع إلا أن يفعل ما تمليه عليه .. والواقع أنها تعصره عصرا ، فيبدأ فى الصراخ ، لكن صراخه لا يسمعه أحد سواه ، وهو صراخ مكتوم يصاحبه البحث عن الكلمات التى يتوالى بعضها إلى جوار بعض .. القصيدة عند أخي الشاعر الحبيب (رحاب عابدين) هي رحلة حياة كاملة .
أسأل الله أن أكون قد وُفقت في تقديم إنارةٍ يسيرة على قصيدة أخي الشاعر الحبيب (رحاب عابدين) : (تواضعى سموَّ البرنسيس) ، مًتمنيًا له المزيد من التألق .
مع أرق تحياتي وخالص مودتي
محمد السيد إبراهيم
نشرت فى 17 يناير 2018
بواسطة magaltastar
القسم الثالث من دراستي في رواية الكاتب محمّد أحمد هيبي " نجمة النّمر الأبيض"، وقد كنت سابقًا قد أفضت في دراسة القسميْن الأوّليين من الرواية بناءً على المعاني والدّلالات والشّخصيّة المركزيّة فيها...
والآن سننتقل إلى مرحلة ما بعد النّصّ (نشاط ما بعد القراءة)، بحيث سنتحوّل من مقاربة الشّخصيّة الأنتروبولوجيّة لحركتها على اِمتداد النّصّ بوصفها كيانًا بشريًّا، إلى المعاينة السّيميائيّة بوصفها كيانًا لغويًّا وذلك بإيجاز.
نقول أنّ رواية كاتبنا محمّد هيبي تسير وفق الطّريقة الكلاسيكيّة بشكل تصاعديّ في منحاها وحبكتها، لكنّها تتفرّد بميزات حداثيّة من توظيف لتقنيّات المونولوج والدّيالوج وتيّار الوعي والاِسترجاع الفنّيّ والحلم وأسلوب المفارقة السّاخرة بالمجمل العامّ.
في مضمونها تضرب على وتر "الفقد"؛ وهنا الوطن المفقود؛ إذ رأينا محمّد الأعفم يعيش همّه بشكل طوليّ وعرضيّ محاولًا أن يسترجع وطنه المفقود أو السّليب، مطوّرًا ذلك عبر أليّات من الوعي والذّكريات، وكأنّه يبثّ أمامنا شريطًا يستعرض فيه هواجسه وذكرياته الشّخصيّة والمعرفيّة والاِجتماعيّة والتّراثيّة.
هذه الرّواية تسجّل حالة من الوعي الجمعيّ، منصّبًا الرّاوي نفسه ساردًا أمينًا للحدث، مسجّلًا التّفاصيل خاصّة تفاصيل حكاية التّهجير والاِنتكاب، وذاكرة المكان، ومحاميًا عن الأرض.
تناول الكاتب الأحداث بشكل سرديّ تعاقبيّ، أشبه برحّالة يستعرض الأحداث، لكنّها ليست تقليديّة؛ فكاتبنا يرحل معنا عبر الوعي والوعي المضادّ بشكل حداثيّ، وهو ما يعرف في الحداثة بالسّعي (Quest)، مصطلح مجازيّ يشير إلى تحرّك الذّات نحو الهدف المرغوب فيه، وفي الظّروف العامّة فإنّ هذه الحركة دائمًا تشكّل فصل الذّات عن الهدف القيّم وحركتها نحو الوصل معه.
إذا أردنا إسقاط دلالة الرّواية على الواقع، فنجد أنّ الشّخصيّة المحوريّة تسعى للوصول، بحيث أنّ الرّاوي لم يؤل جهدًا في اِسترجاع المكان وجعله حيًّا وملازمًا لكلّ حركة من حركات الشّخصيّة المركزيّة، وليس أدلّ على ذلك من السّرد الوصفيّ التّفاعليّ الّذي يطغى على الحدث. فإنّ الشّخصيّة في حركيّتها ظلّ المكان ملازمًا لها حتّى يمكن اِعتباره شخصيّة ظلّ للرّاوي الّذي اعتبر المنارة حلمه الأبديّ ولا يمكن التّنازل عنه مهما كلّفت الظّروف. وهو يُدين الأشقّاء العرب أوّلًا في تفريطهم بالوطن قبل أن يأتي المستعمر ويفرض هيمنته ويطمس ملامح القرية، فالمشهد حاضر على ما أعمله المحتلّ من تهجير وطمس للهويّة واِقتلاع البشر والحجر، وكلّ مكوّنات المكان المتمثّل في رواية محمّد هيبي بالمنارة والمعروفة بِ "ميعار".
في أيّامنا هذه لا تزال المئات من أبناء هذه البلدة المهجّرة المنكوبة تحجّ إليها في يوم نكبتها؛ كبرهان دامغ على ضرورة العودة واسترجاع الأرض، وعلى الأقلّ وجدانيًّا وشعوريًّا ووجوديًّا، لمّا تعذّر العودة الحقيقيّة جغرافيًّا كما كان!
لقد قيل في هذه الرّواية الكثير منذ خروجها إلى النّور، ونحن من خلال هذا الاِستقراء نؤكّد أنّ الكاتب يسعى من خلال الآليّات الشّكليّة والفكريّة أن يحملنا إلى قريته المهجرّة، وهو يواجه ذاك المستعمر بأدواته الّتي يعرفها ويحمّله المسؤوليّة، وإن تقادم الزّمن على التّهجير، إلّا أنّ الوعي يرفض كلّ دواعي التّدجين. وبما أنّ الكاتب ملتزمًا لوطنه وأرضه وينأى عن الإقليميّة؛ فهو يدقّ
نواقيس الخطر ليل نهار ليذكّر كلّ فرد بحلم العودة. تعذّر الرّحيل إلى القرية والسّكن فيها واقعًا، هذا قد يخلق حالة صداميّة مستقبلًا، ولمّا لم تتح السّلطات للرّاوي وما يمثّله أن يعود للقرية فإنّه جعل من الجغرافيا تسكن وعيه، ولو بشكل مجازيّ وهذا ما قاله البروفسور إبراهيم طه في تظهيره للرّواية" ... يصرّ الأعفم على أن يقيم المنارة في وعيه، في ذاكرته، حتّى تصير تُبنى وتتشكّل فوق التّراب".
إنّ الطّريق للمنارة هو طريق كلّ إنسان حرّ مناضل يأبى الانهزام والظّلم والتّهجير، وهي درب كلّ من يخوض تجربة مماثلة عن وعي. هذا لا يتأتّى بالخنوع والاستكانة وإنّما بالنّضال وقارعة القانون حتّى لا يذهب حلم العودة هدرًا وبالتّالي تموت القضيّة بموت المطالبين بها.
الرّواية تضرب على وتر الحريّة والكرامة حيال الحالة العربيّة المترديّة الرّاضية بالاِنهزام ولم يفكّروا في دقّ جدران الخزّان
لا بدّ من هزم المستعمر من أنفسنا لنحرّر أرضنا بعدها، هذا ما قاله المفكّر الجزائريّ مالك بن نبي!
إنّ الرّواية تعرّي الواقع العربيّ الفلسطينيّ، وقد حدث ما حدث لتخاذل الأنظمة العربيّة وعدم مطالبتها بالدّولة، وتنازلها عن حقّ فلسطين الّذي اِنتُكب. وما زالت النّكبات تضرب بنا وتتوالى وليس هناك من يقف بوجهها إلّا فيما ندر.
إنّ الرّواية تحرّك المشاعر والوجدان وتذيب الأبعاد الجغرافيّة وتجعل من كلّ الأوطان وطنًا واحدًا ينزف على مائدة العدوّ، وليس من مُشمّر في سبيل اِسترجاع الحقّ بشتّى الطّرق والوسائل، وإن كنّا ندرك في وعينا أنّه لا عودة عن حقّ العودة!
بقلمي: محمود ريّان
نشرت فى 25 ديسمبر 2017
بواسطة magaltastar
قراءة في قصيدة " نثارات " للشاعرة الأردنية/جميلة سلامة.
بقلم : ثروت مكايد
(6-5)
لولا دبيب الأمل لبطل العمل ، ولدفن بعضنا بعضا أحياء :
" أرى الشموس برغم العتم ترقبني
وتستفيق على أبهى صباحاتي
وبرغم الفرح المخبوء في قدري
لا زال ينبض حيا في مساماتي
ورثت كل عناد الريح في وطني
ولم تمت بعد أحلامي كأوقاتي " ..
هذا مقطع من القصيدة قلق ..
وليس فيه ما ينسجم مع جو القصيدة غير الشطر الأول والأخير ، ف " أرى الشموس برغم العتم ترقبني " ، نظرة للغد والأمل كحادي الروح بل هذه الشموس نتيجة ل " سر الحياة وما خبأت في ذاتي " ..وفي قولها : " ترقبني " ، مزيد اهتمام بل فيه من الإشعار بأن البقاء لذلك الذي يحتضنه القلب ، وأنه الحقيقة ، وما يعتور الوجود من عرض زائل وباطل فوجوده إلى زوال أو أن وجوده لتمحيص الحق في النفوس ، واختبارها لمعرفة من يثبت ممن ينكص على عقبيه ..
ومن منطق الفن والحياة أن تقول الشاعرة : " لم تمت بعد أحلامي " ، لأنها لو ماتت ما رأت شمسا فهي إذن من باب تحصيل الحاصل ..
ثم انظر إلى التناقض بين قولها : " رغم العتم " ، وقولها : " أبهى صباحاتي " ، فهل هي عتمة أم إشراقة بهية ؟! ..
وهل يقال : " برغم الفتح ...
لا زال ينبض ؟ ..
لو أنها قالت : برغم الحزن ...
لا زال ينبض ...لكان أقرب إلى العقل والمنطق..
أما عناد الريح فلا ينسجم كذلك والجو العام للقصيدة لكون العناد لا يتفق وأصحاب الرؤى القويمة ، والحلم بتغيير العالم نحو الأفضل .
وإلى لقاء نكمل فيه القراءة.
وتستفيق على أبهى صباحاتي
وبرغم الفرح المخبوء في قدري
لا زال ينبض حيا في مساماتي
ورثت كل عناد الريح في وطني
ولم تمت بعد أحلامي كأوقاتي " ..
هذا مقطع من القصيدة قلق ..
وليس فيه ما ينسجم مع جو القصيدة غير الشطر الأول والأخير ، ف " أرى الشموس برغم العتم ترقبني " ، نظرة للغد والأمل كحادي الروح بل هذه الشموس نتيجة ل " سر الحياة وما خبأت في ذاتي " ..وفي قولها : " ترقبني " ، مزيد اهتمام بل فيه من الإشعار بأن البقاء لذلك الذي يحتضنه القلب ، وأنه الحقيقة ، وما يعتور الوجود من عرض زائل وباطل فوجوده إلى زوال أو أن وجوده لتمحيص الحق في النفوس ، واختبارها لمعرفة من يثبت ممن ينكص على عقبيه ..
ومن منطق الفن والحياة أن تقول الشاعرة : " لم تمت بعد أحلامي " ، لأنها لو ماتت ما رأت شمسا فهي إذن من باب تحصيل الحاصل ..
ثم انظر إلى التناقض بين قولها : " رغم العتم " ، وقولها : " أبهى صباحاتي " ، فهل هي عتمة أم إشراقة بهية ؟! ..
وهل يقال : " برغم الفتح ...
لا زال ينبض ؟ ..
لو أنها قالت : برغم الحزن ...
لا زال ينبض ...لكان أقرب إلى العقل والمنطق..
أما عناد الريح فلا ينسجم كذلك والجو العام للقصيدة لكون العناد لا يتفق وأصحاب الرؤى القويمة ، والحلم بتغيير العالم نحو الأفضل .
وإلى لقاء نكمل فيه القراءة.
نشرت فى 23 أغسطس 2017
بواسطة magaltastar
قراءة في قصيدة " نثارات " للشاعرة الأردنية/جميلة سلامة.
بقلم : ثروت مكايد
(6-5)
لولا دبيب الأمل لبطل العمل ، ولدفن بعضنا بعضا أحياء :
" أرى الشموس برغم العتم ترقبني
وتستفيق على أبهى صباحاتي
وبرغم الفرح المخبوء في قدري
لا زال ينبض حيا في مساماتي
ورثت كل عناد الريح في وطني
ولم تمت بعد أحلامي كأوقاتي " ..
هذا مقطع من القصيدة قلق ..
وليس فيه ما ينسجم مع جو القصيدة غير الشطر الأول والأخير ، ف " أرى الشموس برغم العتم ترقبني " ، نظرة للغد والأمل كحادي الروح بل هذه الشموس نتيجة ل " سر الحياة وما خبأت في ذاتي " ..وفي قولها : " ترقبني " ، مزيد اهتمام بل فيه من الإشعار بأن البقاء لذلك الذي يحتضنه القلب ، وأنه الحقيقة ، وما يعتور الوجود من عرض زائل وباطل فوجوده إلى زوال أو أن وجوده لتمحيص الحق في النفوس ، واختبارها لمعرفة من يثبت ممن ينكص على عقبيه ..
ومن منطق الفن والحياة أن تقول الشاعرة : " لم تمت بعد أحلامي " ، لأنها لو ماتت ما رأت شمسا فهي إذن من باب تحصيل الحاصل ..
ثم انظر إلى التناقض بين قولها : " رغم العتم " ، وقولها : " أبهى صباحاتي " ، فهل هي عتمة أم إشراقة بهية ؟! ..
وهل يقال : " برغم الفتح ...
لا زال ينبض ؟ ..
لو أنها قالت : برغم الحزن ...
لا زال ينبض ...لكان أقرب إلى العقل والمنطق..
أما عناد الريح فلا ينسجم كذلك والجو العام للقصيدة لكون العناد لا يتفق وأصحاب الرؤى القويمة ، والحلم بتغيير العالم نحو الأفضل .
وإلى لقاء نكمل فيه القراءة.
وتستفيق على أبهى صباحاتي
وبرغم الفرح المخبوء في قدري
لا زال ينبض حيا في مساماتي
ورثت كل عناد الريح في وطني
ولم تمت بعد أحلامي كأوقاتي " ..
هذا مقطع من القصيدة قلق ..
وليس فيه ما ينسجم مع جو القصيدة غير الشطر الأول والأخير ، ف " أرى الشموس برغم العتم ترقبني " ، نظرة للغد والأمل كحادي الروح بل هذه الشموس نتيجة ل " سر الحياة وما خبأت في ذاتي " ..وفي قولها : " ترقبني " ، مزيد اهتمام بل فيه من الإشعار بأن البقاء لذلك الذي يحتضنه القلب ، وأنه الحقيقة ، وما يعتور الوجود من عرض زائل وباطل فوجوده إلى زوال أو أن وجوده لتمحيص الحق في النفوس ، واختبارها لمعرفة من يثبت ممن ينكص على عقبيه ..
ومن منطق الفن والحياة أن تقول الشاعرة : " لم تمت بعد أحلامي " ، لأنها لو ماتت ما رأت شمسا فهي إذن من باب تحصيل الحاصل ..
ثم انظر إلى التناقض بين قولها : " رغم العتم " ، وقولها : " أبهى صباحاتي " ، فهل هي عتمة أم إشراقة بهية ؟! ..
وهل يقال : " برغم الفتح ...
لا زال ينبض ؟ ..
لو أنها قالت : برغم الحزن ...
لا زال ينبض ...لكان أقرب إلى العقل والمنطق..
أما عناد الريح فلا ينسجم كذلك والجو العام للقصيدة لكون العناد لا يتفق وأصحاب الرؤى القويمة ، والحلم بتغيير العالم نحو الأفضل .
وإلى لقاء نكمل فيه القراءة.
نشرت فى 22 أغسطس 2017
بواسطة magaltastar
مجلة عشتار الإلكترونية
lموقع الكتروني لنشر الادب العربي من القصة والشعر والرواية والمقال »
ابحث
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
713,188
الصباح والمسافة في ديوان "وأنتِ وحدَكِ أغنيَة " للشاعر الفلسطيني فراس حج محمد

