دار الرسيس للنشر والتوثيق الإلكتروني

مجلة أدبية ؛شعر قصة رواية مقال

لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ
إنّ تجزئة اللّحظة الكُـلَّ هي ما يزيد شعورنا تعاسة. المرجوّ ألاّ ننظر إلى لحظات الحياة على حدة. بمعنى ألاّ ننظر إلى كلّ لحظة وهي في حالة انفصال عن نظيراتها من اللّحظات.. إنّك وحدة مشتّتة في لحظات متفرّقات في الوظيفة الجزئيّة و الفعل، مجتمعاتٌ في الوظيفة الكليّة و النّسَـق.. إنّما المطلوب إذنْ، أن نستوعب الحياة بوصفها وحدة جامعة للحظات متعدّدة مختلفة، و من ثَـمّ نقرؤها في تعدّدها و اختلافها داخل نسَـقِ الوحدة الجامعة.. 
هل تبدو المسألة شائكة؟ ربّما.. سأقرّب المشهد: 
حين تحيا لحظةَ َالفشل الــمُرّة، عليك أن تقرِنَها في ذهنك و فورا، بإمكانيّة أن تُـتْــلَى بلحظة نجاح لذيذة، و ذاك يدعوك إلى الاجتهاد في أن تستطعم مذاق اللذّة البعيدة فيما أنت تتطعّم مذاق النّفورالآنيّ. و العكس جائزٌ. عِشْ دائما لحظتيْك المتناقضتيْن في إطار الوحدة الكلّيّة للزّمن نفسهِ.. بمعنى أنّك مدعوّ إلى احترام مسافة الأمان الفاصلة بين فضاء الحرمان و فضاء المتعة ، مع وجوب اعتبار أنّ إحداهما تستتبعُ الأخرى و تستدعيها اقتضاءً و ضرورة.. تعلّم مثلا أن تنظر إلى لحظة الاحتضار و أنتَ ترقص في لحظة فرح، أوأن تستشعر لحظة الموت الكريهة في لحظة ولادة زاهية مزهرة. و ألاّ تنشغل عن لحظة نخوة عبقريّة متوهّجة في لحظة منكسرة ذليلة خامدة. عشْ قبحكَ على أنّه زائل، و أنّ بجواره في مكان قريب وعلى بُعدِ لبُرهة متوقّعة، جمالا يتربّص. وكلّ عكس صحيح.. 
لا تُجزّئْ زمانك.. لا تجعل من اللّحظة النّوعيّة الواحدة هي المطلَقة في زمانيّتك، كأن تسْكرَ بانتصاراتك غافلا عمّا داخل النّصر من بذرة سقوط فُجائيّ.. كأن تمشي في الأرض مرحا فـتنسى المنزلق الوعـرتحت قدميْك. كأن تُمعِن في الغـمّ العاجل ناسيا أنّ الطّمأنينة العاجلة مُحاذية.. كأن تستسلمَ للضّحك فـينهمر الدّمعُ من داخل القهقهة نفسِها.. كأن تكون على حافّة السّقوط الصّريح فيحدثُ انتشالُ خرافيّ / واقعيّ، من خارج حُسبانكَ المحدود (وهو كذلك خرافيّ في محدوديّته)..
أنتَ الذي هو أنتَ، لستَ أنتَ.. أنتَ لست من يُديرُ حالَ نفسِه.. أنت مُدارٌ من خارجكَ.. أنتَ مُـريدُ لا مُــديرٌ.. لا تطمئنّ لأيّة حال كنتَ عليها.. أرِدْها و لا تطمئنّ بها أو لها.. كنْ أنتَ و سواك في آن.. كنْ أنتَ السّوى، ذلك البديل الآخر.. فأنتَ احتياطيّ في كلّ حالة، وإن كنتَ لاعبًا على الدّوام .. كنِ الحيّ الميّتَ.. كن الموفّق المُخفق، كن الصّاعدَ الهاوي. كن الحُـرّ العبْدَ. كنِ النّشازَ والانسجام. كن الغنيّ الأفقر. .. كن الجميلَ القبيح. والعكس الصحيح.. كنْ الضفّة ونظيرتَها المقابلة.. ورد في نقد الاستبطان قولٌ لأحد الفلاسفة: لا يمكنُ أن أكون في الشّرفة وأرى نفسي مارّا في الشّارع ".. كنْ أنتَ ذلك الواقفَ المارَّ. الثّابتَ المتحوّلَ.. كن الشّيْء وضدّه.. هنا و هناك ، في آن. الآنَ و بعْـدَ، في آن، في فوق و في تحت. في الوراء والأمام. كيلا تأسَى على ما فاتك أوما يفوت، ولا تفرحْ بما أوتيتَ أو بما لم تُــؤْتَ..
___________ 
سيف الدّين العلوي

المصدر: مجلة عشتار الالكترونية
magaltastar

رئيسة مجلس الادارة

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 108 مشاهدة
نشرت فى 11 فبراير 2018 بواسطة magaltastar

مجلة عشتار الإلكترونية

magaltastar
lموقع الكتروني لنشر الادب العربي من القصة والشعر والرواية والمقال »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

713,704