دراسة استطلاعية في ديوان الرقابة المالية
أطروحة دكتوراه فلسفة في إدارة الأعمال من الجامعة المستنصرية

المقدمة

تتجه منظمات الأعمال المعاصرة للبحث عن أساليب جديدة للتنافس تحاول من خلالها تحقيق قفزات نوعية وكمية تفوق طموحات مثيلاتها في بيئة عملها, ولم تعد أساليب التعلم والتفكير والإضافة المعرفية بشكلها التقليدي كافية في عالم المعلومات والتكنولوجيا الرقمية والجزيئية الدقيقة التي شاركت المدير قيادته للمنظمة وتأهيله المستمر للإبداع والتطوير، وصارت العمليات العقلية والفكرية المبدعة هي الأكثر حضورا وتأثيرا لفك أواصر التعقيد البيئي والتنظيمي بأساليب تحليلية ومنطلقات فلسفية تضمن للمنظمة البقاء والنمو.


وتجاوزت حاجة المنظمة للإبداع كشيء مادي يلبي حالة قائمة إلى فكر مجدد قادر على قلب التهديد فرصة متجاوزا كل ما هو تقليدي إلى ما هو مدهش، وأضحت المنظمة مستعينة بعلوم الفسيولوجيا والاجتماع والتربية وعلم النفس لدراسة التفكير البشري واختيار التفكير الإبداعي منه أسلوبا بعد أن أدركت أن التفكير التقليدي قائم على منطلق ثابت ويفتح آفاق ذهنية محدودة وبعد عمليات متعددة و متكررة للتعلم والتطوير والتدريب، وأنه غير كاف لحاجتها من الابتكار والإبداع وبلوغ السبق في أفكارها وإنتاجها.
كما وان منظمات الأعمال ومنذ الربع الأخير للقرن المنصرم وبعد أن تزايدت تطبيقات ومفاهيم نظرية النظم المفتوحة، وتشعب العلاقات والتفاعلات الداخلية للمنظمة، وانحسار المذهب المادي من التأثير في ذلك، أصبحت أكثر حاجة لتحديد وتعريف واقعها الدقيق، وبرزت مفاهيم الثقافة التنظيمية متفقة في إيماءاتها الأولى مع أطروحات المذهب العقلي والموضوعية في التفكير، ونمت تبعا لذلك ثقافة تنظيمية لتبلغ حدود الهيمنة على جل ما في المنظمة وتقود توجهاتها لتصبح الهوية الحقيقية للمنظمة عبر نسيج ثقافي قوي تمتزج مكوناته لتؤثر بوضوح وفاعلية في تمييز أهداف ورؤية ورسالة المنظمة وعملياتها التشغيلية، وتعزز فيها حالة التكامل والكفاءة في استخدام الموارد وتحديد جدارتها، ولعل المثير لدراسة الثقافة التنظيمية قدرتها على التحرك الأميبي والتنوع لتوليف مكوناتها ومرتكزاتها الفكرية مما حدا بالمنظمة إلى الإمعان والدقة في تكوين ثقافتها وتطويرها والتمسك بها.


وإزاء هذه المخاضات الفكرية والعملياتية للمنظمة وتأثير بيآتها ودخولها المجالات العالمية ومتطلباتها المادية والمالية وتنوع المنتجات أضحت هذه المنظمة في حاجة ماسة لفحص واختبار وتقييم وظائفها، ولم تعد أساليب التدقيق والرقابة التنظيمية كافية للتحقق من كفاءة وفاعـلية النشاط ألعملياتي والتنظيمي لمفرده، وبرز التدقيق الاستراتيجي كأداة فاعلة للرقابة الإستراتيجية ليمزج مفاهيم وأفكار الإستراتيجية والمحاسبة والتدقيق، وتحاول تطبيقاته تحديد الرؤية الحقيقية لواقع المنظمة والاستفادة منها في تلبية متطلبات الإدارة الإستراتيجية وتقديم المعلومات بخصائص شمولية، وموضوعية، وفي وقتها ومكانها المناسب بما يساعد قيادة المنظمة ـ من خلال ذلك ـ على الاهتداء إلى قرار استراتيجي صائب، وتنفيذ خيارات إستراتيجية تستكشف فاعلية الأهداف، والقيادة، والتقدير الدقيق لمستقبل المنظمة.
إن الأهمية البالغة ـ كما وردت آنفا ـ لكل متغير من متغيرات الدراسة يدفع لاستشعار مرتكزاته الفكرية في بيئة العمل العراقية وإجراء التطبيقات الفكرية والتحليلات الإحصائية في واحدة من اعرق منظمات الدولة العراقية (ديوان الرقابة المالية) لميزاته الواضحة كموقع إداري متقدم ضمن الهيكل التنظيمي للدولة، وتخصصه بأعمال رقابة وتدقيق أداء السلطة التنفيذية، ومتابعة إنفاق وتحصيل المال العام، كما إن العمر الزمني للديوان قد منحه حالة من الاستقرار النسبي في تركيبة الثقافة التنظيمية والمهنية العالية في المهام التي يمارسها.


لقد حددت المسارات البحثية للدراسة استرشادا بمسارات البحث العلمي والمناهج الفكرية التي تناسبها، إذ انطلقت في معضلتها الفكرية تتساءل عن توافر القواعد المعرفية لمتغيراتها، وهل أن هذه المتغيرات يؤثر بعضها في البعض الأخر، وأعدت لذلك استمارة استبيان وضحت معلوماتها بمقابلات شخصية لقياس قوة الثقافة التنظيمية والقدرة الإبداعية والمعرفة الأولية بالتدقيق الاستراتيجي، ووزعت هذه الاستمارة على عينة قصدية (عمدية) شملت (62) موظفا بدرجات وظيفية متباينة (درجة خاصة، مدير عام، مدير)، أعيد منها (57) استمارة اعتمدت للتحليل الإحصائي الملائم للدراسة، وحللت إجاباتها تبعا لفرضيتين أساسيتين لاختبار تأثير كل من المتغيرات التوضيحية (التفكير الإبداعي والنسيج الثقافي التنظيمي) في المتغير الاستجابي (التدقيق الاستراتيجي)، وانبثق منها فرضيات فرعية لتحديد تأثير المتغيرات الفرعية منها.
وتوزع المحتوى ألمعلوماتي للدراسة في ستة فصول على وفق التخصص الفكري لكل منها, حددت الثلاثة الأولى منها لعرض المرتكزات الفكرية وما تم اختياره منها للاختبار العملي لمتغيراتها الرئيسة والفرعية, وخصص الفصل الرابع لعرض دراسات سابقة شاركت هذه الدراسة في البحث في احد فصولها في الأقل، وتحديد منهجية الدراسة ومسارات بحثها، و تعريف موجز لموقع الدراسة ووصف عينتها المختارة، أما الفصل الخامس فقد احتوى نتائج التحليل الإحصائي والتأثير بين المتغيرات المبحوثة، وأخيرا فإن الفصل السادس تضمن تبيانا للاستنتاجات والتوصيات الخاصة بموقع الدراسة وإطارها النظري والتحليلي والتوصية بقبول أنموذج الدراسة وإمكانيات تطويره المقترحة.
لقد قدّمت الدراسة ضمن الملاحق المرفقة اثنين من الاستراتيجيات التي تساهم في تطوير واقع العمل الإداري والتنظيمي للمنظمة العراقية، وتقليل حلقات الروتين الزائدة والمعقدة وما قد ينجم عنها من حالات الفساد الإداري والمالي في مختلف المستويات الوظيفية (إستراتيجية تطوير التفكير الإبداعي للمديرين، وإستراتيجية التدقيق الاستراتيجي

الفصل الأول:

التفكير الإبداعي: المرتكزات الفكرية ومهارات التفكير الإبداعييفكر العاملون في المنظمة ويدركون بأساليب مختلفة، وليس هناك حالة أو مفردة صحيحة أو مقبولة في تجريدهم من هذه الطاقة أو جعلها متساوية بينهم. بيد أن حاجة المنظمة إلى التفكير المتميز المبدع ولدى قيادتها بالذات شيء آخر وضرورة ومتطلب حيوي إذا أريد لهذه المنظمة البقاء والنمو في عالم الحداثة والصراع التقني والاجتماعي والاقتصادي، وفلسفة التمايز النوعي للمنظمات على أساس جدارة محددة.
واتجهت منظمات الأعمال لوضع نماذج غير تقليدية من التفكير أو المعاني المفهومة لوقائع وأحداث البيئة، وصاغت نماذج عقلية متماسكة منطقياً تخترق هذه البيئة لتعزيز معتقداتها وتوقعاتها وصيرورتها إلى أساليب عديدة لمقاومة حالات الفشل واختيار الأفضل والملائم على وفق أسس قوية وفرص تغيير مناسبة، واستمرار المنظمة في مراجعة وتعديل حلقات التعلم التقليدي والتدريب والتطوير لاستكشاف مهارات التفكير المبدعة، وتوجيه السلوك اليومي لقياداتها صوب هذه المهارات المتجددة.
وإذ خصص هذا الفصل للولوج في بعض معالم التفكير الإبداعي وفلسفة الحقائق التي يعنى بها، فان العرض الإجرائي للفقرات التي استوقفت الدراسة لبحثها توزعت على المبحثين الآتيين:
المبحث الأول: المرتكزات الفكرية للتفكير الإبداعي.
المبحث الثاني: مهارات التفكير الإبداعي.


كما سعى هذا الفصل إلى توفير المعلومات الكافية عن التساؤل (1) من مشكلة الدراسة، والمتعلق بالقدرات الإبداعية للقيادات الإدارية، وكذا الاستفسارات الآتية:
1- ما هي المضامين الأساسية لمفهوم التفكير الإبداعي؟
2- هل أن التفكير الإبداعي قابل للتطوير والتأهيل لمستويات ارفع؟
3- هل يمكن قياس وتحديد التفكير الإبداعي؟
4- هل هناك تقنيات معتمدة لممارسة التفكير الإبداعي؟
5- ما هي المهارات الفكرية للمبدعين؟

الفصل الثاني:

الثقافة التنظيمية: المرتكزات الفكرية والنسيج الثقافي التنظيميركز هذا الفصل على دراسة الثقافة التنظيمية كنسيج مكونات محسوسة ومميزة للمنظمة، والتحري عن أبعادها وخصائصها وتأثيرها في سلوك المنظمة والفرد، وتنوع جهد الباحثين والمنظرين فيها لدراسة اتجاهات الفهم الدقيق للقيم والاعتبارات السائدة، وكذا الانتماء للجماعة والمنظمة من خلالها، وكيفية تمثيلها الحالة المعنوية والدلالة الواضحة للمنظمة كلما امتدت وترسخت فيها مفاهيم تلك القيم والمعتقدات والطقوس والرموز والأساطير التي الفتها أو أضافت لها خصائص جديدة.
وتوزعت معلومات هذا الفصل على المبحثين الآتيين:
المبحث الأول : المرتكزات الفكرية للثقافة التنظيمية.
المبحث الثاني: النسيج الثقافي التنظيمي.
كما سعى هذا الفصل إلى تأمين الإجابة عن التساؤل(2) من مشكلة الدراسة في خصوصية الثقافة التنظيمية وانفرادها في كل منظمة، إذ بحث في المحاور الآتية:
1- كيف نشأت الثقافة التنظيمية؟ وما هي أصولها؟
2- ما هي المفاهيم الحديثة للثقافة التنظيمية؟
3- ما مدى الأهمية والوظائف التي تؤكدها الثقافة التنظيمية؟
4- ما هي الخصائص والأبعاد المميزة لثقافة المنظمة؟
5- كيف تبنى وتطور ثقافة المنظمة؟
6- ما مدى فاعلية النسيج الثقافي التنظيمي وأثره في سلوك الفرد والمنظمة؟

الفصل الثالث:

لتدقيق الاستراتيجي: المرتكزات الفكرية وخيارات التدقيق الإستراتيجيتنامى التوجه الذهني والإدراك الواسع للمدقق ليصبح العدسة التي تبدو من خلالها المخاطر المحتملة، وفاعلية تقييم صريح ومحايد لأداء المنظمة ومنظوماتها الفرعية. ان عمليات التدقيق وان بنيت على قواعد نظرية ومهنية محددة وأوجدت لها الأدوات والمقاييس المتنوعة فإن سلوك القائد الإداري ولاسيما في المستوى الاستراتيجي بالذات يمارس دور المدقق، ويتطلب ذلك تمتعه بمهارات وخصائص فكرية مبدعة وإحاطة بمزايا تنظيمية متنوعة، تساهم جميعا في ترسيخ تلك القواعد والقيم والأعراف التي تنظم وتحكم عمل ذلك القائد ليكون مدققا استراتيجيا ناجحا.
ركز هذا الفصل على محاولة تأطير فكري وتحليل موضوعي للتدقيق الاستراتيجي وعرض الإسهامات النظرية لبناء التراكم المعرفي للمصطلح، وكذا الإجابة عن الفقرتين الثالثة والرابعة من المعضلة الفكرية لمشكلة الدراسة، إذ وقع الاستعراض الفكري لمضمون الفصل الحالي ضمن المبحثين الآتيين:
المبحث الأول: المرتكزات الفكرية للتدقيق الاستراتيجي.
المبحث الثاني: خيارات التدقيق الاستراتيجي.
كما سعى هذا الفصل إلى تأمين الإجابة عن التساؤلات الآتية:
1 ـ ما هي المفاهيم التاريخية والمعاصرة للتدقيق الاستراتيجي؟
2 ـ ما هي الأهمية والوظائف التي يتوخى التدقيق الاستراتيجي بلوغها؟
3 ـ ما هي البيئة الملائمة للتدقيق الاستراتيجي؟
4 ـ ما هي المقاييس والنماذج الفاعلة للتدقيق الاستراتيجي؟
5 ـ ما هي الخيارات التي يمارسها التدقيق الاستراتيجي في فحص واختبار المنظمة؟

الفصل الرابع:

دراسات سابقة ومنهجية الدراسةيحتم التطبيق العملي لأفكار ومتغيرات الدراسة الحالية الرجوع إلى الجهود البحثية التي تشاطر هذه الدراسة واحدا أو أكثر من متغيراتها المبحوثة، والحرص على اختيارها زمانيا (لا تتجاوز عقدا زمنيا)، وان تتوزع مكانيا في مواقع بيئية وتخصصات قطاعية متنوعة لتثير حالة من الاتفاق في مضمون المفاهيم والمتغيرات المبحوثة ومكوناتها وتمايزا في النتائج المستحصلة، وتحديد ماهية الاستفادة منها.
كما إن الخطوات البحثية بحاجة هي الأخرى لتأطير مجالاتها وتحديد المداخل والأسس التي استطردت فيها تلك الجهود الباحثة عبر تحليل واستدلال فكري وإحصائي، وفي حدود العينة والموقع اللذين خضعا للدراسة، وخلال المدة الزمنية التي استغرقتها.
وانطلاقا من القاعدة النظرية المرتسمة لهذه الدراسة فإن تأطير رؤية البحث العلمي التي تداولها هذا الفصـل تجلت في المبحثين الآتيين:
المبحث الأول: دراسات سابقة.
المبحث الثاني: منهجية الدراسـة.
المبحث الأول: دراسات سابقة مختارة


تشكل الدراسات السابقة (التي أمكن الرجوع إليها) لباحثين في مجالات المعرفة التي تتناولها الدراسة الحالية حجر الأساس والإسناد التاريخي لها، مع الإقرار بأن جميع مفردات تلك الدراسات كانت وليدة ظروفها، وبلورت أفكار أصحابها، وأكدت الترابط المعرفي مع زمان ومكان هذه الدراسة. وقد صنفت الدراسات المشار إليها آنفا على وفق مجالها المعرفي وسنة إصدارها وعلى وفق ما أتيح للباحث من مصادر كالآتي:
1- الدراسات في مجال الإبداع والتفكير الإبداعي.
2 ـ الدراسات في مجال النسيج الثقافي التنظيمي.
3 ـ الدراسات في مجال التدقيق الاستراتيجي.
4- مجالات الاستفادة من الجهود السابقة.


أفادت مراجعة الأدبيات التي أمكن الحصول عليها في إغناء الدراسة الحالية من خلال الأوجه الآتية:
أ ـ الاستفادة من العديد من المصادر والمراجع لإسناد الجانب الفكري والتطبيقي للدراسة.
ب ـ تحديد الملامح الأساسية لمنهجية الدراسة الحالية، ورسم منطلقات الأثر بين المتغيرات المبحوثة في حدود مشكلة وأهداف وفرضيات الدراسة.
ج ـ تقدير حجم ونوع ومكان المجتمع الملائم، وعينة الدراسة.
د ـ تحديد الأساليب الخاصة بجمع المعلومات والمقاييس، وكذا الأساليب الإحصائية الفاحصة لخصائص العينة وطرائق التحليل والاستدلال لنتائج الدراسة.
هـ التعرف على النتائج التي توصلت إليها الدراسات السابقة والآثار المتحققة عنها في تحسين المواقع التطبيقية أو توقعات الباحثين في الدراسات النظرية منها.
زـ افتقار الدراسات التي تم الرجوع إليها إلى دراسة تحليلية (أكاديمية) على المستويين المحلي والأجنبي تبحث في متغيرات الدراسة الحالية مجتمعة، والاكتفاء باثنين منها في الأكثر.
ح ـ اعتماد الدراسات السابقة في بحث التدقيق بالشكل العام، واستناد عملياته إلى قواعد ومعايير محددة بعيدا عن السلوك التفكيري للمدقق، والتوجه الثقافي للمنظمة ضمن الإطار الاستراتيجي.
ط ـ رأت معظم الدراسات التي رجع الباحث إليها في مجال الإبداع ضرورة إيجاد السبل الناجعة في تأهيله كمنظار للتوجه الاستراتيجي وعدّه الميزة التنافسية التي يصعب اختراقها.
المبحث الثاني: منهجية الدراسة
هدفَ هذا المبحث إلى تأطير فني لما أمكن الوصول إليه من مفاهيم نظرية وتطبيقية لمحاور الدراسة، إذ أشير إلى منهجية البحث وكينونته بالغوص الفكري في مهام متخصصة ومحددة، والبحث العلمي لا يمّكن الباحث من التساؤل وتجميع الحقائق كافة في بحث واحد، بل انه يطور ويعرض قدرات بحثية وحقيقة أسباب واقعية دعت لإعداد البحث. وقد حددت المحاور الرئيسة للدراسة بالاتي:


مشكلة الدراسة:

حالة غموض تثير اهتمام الباحث وتدفعه لإيجاد حل مناسب، وتوصف بالتحدي الذي يواجه الباحث، ويركز جهوده للتوصل إلى مسبباتها وتقديم الحلول المناسبة لها. وإذ يؤكد تنامي نطاق الأعمال في اقتصاد المنظمات المعاصرة لثورات المعرفة، الحاجة إلى ابتداع أساليب وأدوات رقابة جديدة تغطي جميع الفعاليات والأنشطة ومنها الإستراتيجية بشكل متمايز، لكونها المسئولة عن ترسيخ الجدارة الجوهرية وكسب الميزة التنافسية المستدامة، وإيجاد أفضل السبل في استثمار الموارد.
وفي الوقت الذي تبرز فيه أساليب التدقيق الشائعة وفلسفة الاختبار الشامل أو الجزئي (وهو الأسلوب السائد) لمراجعة الأعمال السابقة واستصدار قوائم ذات طبيعة مـالية واضحة، فإن منظمات الأعمال وبغية التحقق واختبار الوضع الاستراتيجي الذي تعيشه قد تفتقر إلى أدوات رقابة تمتاز بالشمولية والكفاءة في تحديد قيمة الأعمال وأثرها في النتائج المستقبلية للمنظمة.
ومن هنا تسعى الدراسة الحالية إلى تعزيز الإضافة الفكرية عبر إجراءات الدراسة والاستقصاء والتحليل لتحديد المؤثرات العضوية للبيئة الداخلية للمنظمة وأثرها في اختيار وتبنى التوجه الاستراتيجي في إجراءات الرقابة بشكلها العام والتدقيق بشكل خاص.
وتتضح أبعاد مشكلة الدراسة في التساؤلات الآتية:
1- هل أن المهارات الإبداعية سائدة فكرا وإنتاجا بما يناسب متطلبات العمل الرقابي خصوصا والإداري عموما؟
2- هل أن المنظمة تتمايز بثقافة تنظيمية تربط (تاريخا وحاضرا) بين المكونات المادية والبشرية والمجتمعية تعزز حالات الخصوصية المميزة لها وتساهم في إثرائها؟
3- هل أن مفهوم التدقيق الاستراتيجي ومرتكزاته الفكرية حاضرة في المنظمة على وفق بعض إجراءات وخيارات التدقيق الاستراتيجي؟
4- ما مقدار الخصائص المميزة للمنظمة في حدود المتغيرات المبحوثة؟
5- ما هو أثر لكل من مهارات التفكير الإبداعي ومكونات ثقافتها في خيارات تدقيق أعمالها الإستراتيجية؟


أهداف الدراسـة:

تتمثل أهداف الدراسة بالغايات التي تحاول بلوغها ومنها النتائج التطبيقية التي تستحصلها وتعزيز المنطلقات الفكرية التي نشأت منها. ومن هنا فان هذه الدراسة تسعى لتحقيق الأهداف الآتية:
1- توضيح المعالم المعرفية لمتغيرات الدراسة (الرئيسة والفرعية)، ومحاولة التحري عن مكنوناتها والإسناد الفكري لفلسفة كل منها.
2- الخروج بنتائج تساعد في بيان الأهمية المتزايدة ووضع معايير التدقيق الاستراتيجي وتحقيق حالة التمايز وتكامل النسيج الثقافي للمنظمة المبحوثة
3- التعريف بمواقع البحث والتحليل العلمي للدراسة والتي تدور في أروقة ديوان الرقابة المالية الذي يضطلع بمهام، وله خصائص تقترب إلى حد كبير من المنطلقات الفكرية والمنظورات إليها المستقبلية للدراسة.
أهمية الدراسة ومسوغات إعدادها:
تعتمد أهمية البحث على طبيعة المشكلة التي يسعى إلى حلها وطبيعة الأهداف التي يراد بلوغها، وتنطلق الأسس الأولية لمفاهيم هذه الدراسة من واقع البيئة المحلية (العراقية) لتمزج خلفيات نظرية أطرت فلسفيا وعينت سلوكا استراتيجيا مبدعا صوب التمايز التنظيمي القائم على الموروث النظري والإجرائي للمنظمة وإعدادها لتنشيط وتفعيل استخدام الموارد المتاحة لها.
وتتأتى أهمية هذه الدراسة للمنظمات العراقية من حالات التوقف الكلي عن العمل أو انخفاض معدلات الإنتاجية في بعض منها وتفشي حالات الفساد الإداري والمالي بسبب الابتعاد عن معايير الأداء وقواعد العمل وضعف الخبرات الفنية والإدارية، وكذا هيمنة الثقافة الفردية على الثقافة المنظمية التي يفترض لها التأثير البالغ (تفكيرا واداءا وتوقيتا وتفاعلا مع الآخرين) في تغطية متطلبات الأعمال كافة.
وتحاول هذه الدراسة إضافة لبنة متواضعة في صرح الفكر الإداري والتنظيمي عبر اختبارات وتحليل المعلومات المستقاة من مجال تطبيقها العملي.
وتتضح أهمية الدراسة بالشواهد الآتية:
1- حاولت هذه الدراسة (على قدر المصادر التي تم الرجوع إليها) تغطية البعد النظري لكل متغير فيها (وأكدت في حدود علم الباحث) إنها تكتسب الريادة في دراسة اثنين من تلك المتغيرات المؤثرة في حياة المنظمة: "التفكير الإبداعي" و"التدقيق الاستراتيجي" على المستوى المحلي للبحث العملي.
2- رسخت هذه الدراسة المفاهيم والأساليب الحديثة في تمازج الحقول المعرفية، وأكدت تعزيز المعرفة لدى القيادات الإدارية بشكل خاص، إذ استمزجت مفاهيم الإدارة والإستراتيجية والمحاسبة والتي يعد كل منها حقلا معرفيا له سمات وأهداف وأدوات محددة.
3- تبرز الأهمية الزمنية للدراسة من خلال الوقت الذي زامن إعدادها، إذ تتزايد الرغبة بالحاجة إلى كبح حالات الفساد الإداري والمالي في عدد غير قليل من الوحدات الحكومية والمختلطة، إنتاجية كانت أم خدمية.
4- تبرز الأهمية المكانية للدراسة من خلال الموقع الذي تجرى فيه اختبارات الجانب التحليلي لمفاهيمها النظرية المحددة، إذ تجرى تلك الاختبارات في واحدة من اعرق المنظمات الحكومية الرئيسة والتي تعنى بمراقبة المال العام (أنفاقا وتحصيلا).


أنموذج الدراسـة:

يقصد بالأنموذج تمثيل أو تصور ظاهرة أو مشكلة معينة، توصف بأشكال بيانية أو معادلات رياضية تعبر عن مسارات البحث وتوضح المكونات الأساسية لها. وقد بلورت مراجعة الأدبيات (التي أمكن الرجوع إليها) والتي تناولت واحداً أو أكثر من متغيرات هذه الدراسة بناء التصميم الأولي لأنموذج الدراسة من خلال المتغيرات الرئيسة (توضيحي واستجابي) التي تلاءمت مع المشكلة المبحوثة والأهداف المحددة للدراسة، ويعبر الأنموذج الذي يعرضه الشكل الآتي عن واقع الدراسة النظرية التحليلية لتلك المتغيرات، واختبار الأثر بينهما على وفق العنوان المحدد للدراسة.
الأنموذج الافتراضي للدراسة

فرضيات الدراسة:

الفرضية هي تصور أو استنتاج عقلي يتوصل إليه الباحث ويتمسك به بصورة مؤقتة، ويمثل رأيا أوليا في حل المشكلة، وتتمايز الفرضية الجيدة بالمعقولية، وإمكانية التحقق، والقدرة على التفسير للظاهرة، والبساطة والوضوح. وفي حدود المتغيرات المحددة في هذه الدراسة كما عينت بالأنموذج السابق وكذا المسارات البحثية لمشكلة الدراسة وأهدافها، فان الفرضيات التي سيتم اختبارها في الدراسة الحالية تتمثل في فرضيات التأثير الآتية:
الفرضية الرئيسة الأولى: (وجود تأثير ذو دلالة معنوية إحصائية للتفكير الإبداعي في التدقيق الاستراتيجي)، وقد تفرع منها عدد من الفرضيات.
الفرضية الرئيسة الثانية: (وجود تأثير ذو دلالة معنوية إحصائية للنسيج الثقافي التنظيمي في التدقيق الاستراتيجي)، وقد تفرع منها عدد من الفرضيات.
منهج الدراسة:
اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي الذي يركز على وصف دقيق وتفصيلي لظاهرة أو موضوع محدد على صورة نوعية أو كمية أو رقمية بهدف تقويم وضع معين أو رصد لظاهرة وفهم مضمونها. ومما يعزز تلاؤم أسلوب البحث العلمي للدراسة مع هذا المنهج أنها تتوافق مع مراحله الأساسية التي يحددها للبحث (مرحلة الاستطلاع والتحليل، مرحلة الوصف الموضوعي)، بعد تحديد واضح لمشكلة وأهداف الدراسة.
معلومات الدراسة:
كانت الجهود البحثية للحصول على المعلومات الساندة للدراسة من مصادرها كما يأتي:
1 ـ معلومات الجانب النظري.
استندت الدراسة في جانبها النظري إلى المصادر الآتية:
ـ الكتب العلمية والدوريات (مقالات، بحوث، دراسات) في موضوعات (المنظمة، والإستراتيجية، والمحاسبة والتدقيق، والبحث العلمي).
ـ المعاجم والقواميس اللغوية.
ـ تصفح المواقع الالكترونية على الشبكة العالمية (Internet).
ـ مراسلات بأسلوب البريد الالكتروني.
2 ـ معلومات الجانب العملي (التحليلي).
عززت المعلومات الموضحة في جانب الدراسة العملي من خلال استبانة الدراسة التي استرشد فيها بآراء العينة المبحوثة في مستوى توافر وتحقق المتغيرات الرئيسة والفرعية للدراسة في بيئة عمل المنظمة من خلال المقابلات الشخصية أو الاتصالات الهاتفية مع العينة المبحوثة بعدّها القيادات الإدارية في المنظمة الخاضعة للدراسة والاستماع لأرائهم عن الدراسة وطبيعة تصريف أعمال المنظمة.
واعتمدت الدراسة استخدام قائمة فحص واختبار متغيراتها (Checklist) كإحدى الأدوات الرئيسة في الحصول على المعلومات لما تمتاز به من تطابق في مفهومها وخصائصها مع الأهداف المحددة، وتنقسم أنواعها على وفق الغرض منها كالتقييم أو المتابعة أو الكشف عن حالة مفترضة.
ومع مراعاة ما جاء آنفا فان الإستبانة المعدة للدراسة مرت بالخطوات الإجرائية الآتية:
* تصميم الإستبانة:
صممت الإستبانة لبيان جزأين رئيسين أولهما معلومـات تعريفية عن المستجيبين مثل (الجنس، والعمر، والتحصيل العلمي، ومدة الخدمة، والمساهمات والمشاركات التطويرية) وثانيهما لتحديد رأي المستجيب في الفقرات متغيرات الدراسة الرئيسة لوحدها تارة ومن خلال المتغيرات الفرعية لكل متغير رئيس تارة أخرى، بما ينسجم مع الفرضيات المحددة للدراسة. وكانت متغيرات الدراسة كما يأتي:
1. التفكير الإبداعي، وتضمن متغيري: التسبيب، والتوليف.
2. النسيج الثقافي، وتضمن متغيرات: الرموز، والطقوس والتقاليد، والقصص، والهيكل التنظيمي، وهياكل القوة، وأنظمة الرقابة.
3. التدقيق الإستراتيجي، وتضمن متغيرات: تدقيق الأهداف، وتدقيق الإستراتيجية، وتدقيق القيادة، وتدقيق الأداء.
* قياس الإستبانة:
لأغراض تحديد آراء المستجيبين في مفردات الإستبانة أستخدم مقياس (ليكرت) ذي الخيارات الخماسية، وهو مقياس شائع الاستخدام في البحوث الإدارية والاجتماعية، معتمدا التسلسل العددي لدرجة اتفاق الإجابة مع مضمون الفقرة من (1) إلى (5) مع تحديد الدرجة الكبرى للدرجة الأكثر اتفاقا.
* تحكيم الاستبانة:
أخضعت الاستبانة لتحكيم الأساتذة الأكاديميين والخبراء في الحقول المعرفية والاختصاصات ذات العلاقة بمجاليها النظري والتحليلي.
اختبارات الدراسة:
قام الباحث باختبارات الصدق والثبات للفقرات الواردة في استمارة الاستبيان.

مجتمع وعينة الدراسة:
يمثل مجتمع البحث أفراداً أو مشاهدات موضوع البحث كافة. وان إجراء اختبارات البحث على كامل مجتمع الدراسة يكون مفضلا في معظم حالاته على اختبار عينة، بالنظر للنتائج القريبة للواقع والأكثر قابلية للتعميم.
وحرصا من الباحث في زيادة التحري الدقيق عن المجتمع والعينة الفضلى لإجراء التطبيقات العلمية للدراسة، تضمنت الإستبانة بيانات استرشادية طلبت من السادة المحكمين آرائهم في الدراسة ومنها تحديد مجتمع وعينة البحث التي أشير فيها تحريريا وشفاهة للباحث إلى أفضلية إجراء تلك الاختبارات في منظمة ذات استقرار وظيفي (دوران عمل منخفض) وميزات ومكونات ثقافية عالية.
ولذلك فان الحدود المؤطرة للدراسة كانت كالآتي:
* الحدود المكانية:
اختير ديوان الرقابة المالية كونه الوحدة التنظيمية المعنية بمهام فنية تقترب أو تشابه مفهوم وإجراءات وأبعاد ابرز المتغيرات التي تبحثها الدراسة (التدقيق الاستراتيجي) فضلا عن الخصائص المقترحة لاختيار المنظمة موضوع البحث، وأخضعت جميع دوائر وأقسام الديوان داخل وخارج بغداد لإجراءات البحث في اختبار قدرات المديرين الفكرية المبدعة وكذا الاختبارات المناسبة لثقافة هذه المنظمة ومكوناتها.
* الحدود البشرية:
إن الحدود البشرية للدراسـة تعني العينة التي يقع عليها الاختيار لإجراء تطبيقات الدراسـة، وعلى وفق ما أشير سابقا فان اختيار العينة ونوعها تم بأسلوب العينة الحكمية أو القصدية (Judgmental Sample) وهي العينة التي يتم انتقاء أفرادها بشكل مقصود من قبل الباحث نظرا لتوافر الخصائص فيهم دون غيرهم، وتكون هذه الخصائص من الأمور المهمة للدراسة. ومن هنا جاء اختيار عينة الدراسة على أساس المستوى الوظيفي الذي يناسب عنوان الدراسة، إذ اختير الموظفين في الإدارتين العليا والوسطى وحددت عناوينهم الوظيفية.
موقـع الدراسـة: ديوان الرقابة المالية.

الفصل الخامس:

التحليلات الإحصائية

هدف هذا الفصل إلى وصف وتشخيص متغيرات الدراسة من خلال نتائج التحليل الإحصائي الأولي لها، وكذا بيان أثر كل من المتغيرات التوضيحية (التفكير الإبداعي، النسيج الثقافي التنظيمي) في المتغير الاستجابي للدراسة (التدقيق الاستراتيجي) في حدود النتائج التي تم الوصول إليها على وفق إجابات العينة المبحوثة في ديوان الرقابة المالية وباستخدام الوسائل والأدوات الإحصائية المناسبة لطبيعة المتغيرات والدراسة.
ومن هنا فان المعلومات المؤدية لغايات هذا الفصل اندرجت ضمن مبحثين:
المبحث الأول: وصف وتشخيص متغيرات الدراسة والتحليل الإحصائي الأولي.
المبحث الثاني: تحليل تأثير المتغيرات التوضيحية في المتغير الاستجابي.

الفصل السادس:
الاستنتاجات والتوصيات

استكمالا لمنهجية البحث العلمي لهذه الدراسة، والأطر الفكرية لمتغيراتها وتطبيقات التحليل الرياضي والإحصائي المستخدمة بما يتناسب مع حدودها وفرضياتها، فقد خصص هذا الفصل لاستعراض النتائج التي توصلت إليها وما هي إمكانية نقل وتطبيق أنموذجها إلى واقع التطبيق العملي في منظومات الأعمال، ومدى نجاح ذلك الأنموذج الفرضي في تصور اثر المتغيرات التوضيحية المبحوثة في المتغير الاستجابي ضمن المدة الزمنية التي وقعت الدراسة فيها.
واتجه توزيع مضامين هذا الفصل على المبحثين الآتيين:
المبحث الأول : الاستنتاجات.
المبحث الثاني: التوصيات.

المبحث الأول : الاستنتاجات

استعرض هذا المبحث بعض النتائج التي تبلورت من المرتكزات الفكرية والتحليلات والتطبيقات العملية للدراسة في حدود الموقع والعينة المختارة، وصنّف المحتوى ألمعلوماتي للمبحث على الفقرات الآتية:
1- الاستنتاجات النظرية: وتوزعت على محاور التفكير الإبداعي، والثقافة التنظيمية، والتدقيق الإستراتيجي.
2- الاستنتاجات التطبيقية:وبدأت بالاستنتاجات الخاصة بالعينة المبحوثة وموقع الدراسة، ثم تلتها الاستنتاجات الناجمة عن فرضيات الدراسة:
أولا- التوافق لدى القيادات الإدارية بين السلوك الفردي في مهارات التفكير الإبداعي والمحتوى الثقافي للمنظمة.
ثانيا- توافق أو تلاؤم جزئي يعبر عن حالة أو وقت محدد بين المتغيرات الفرعية (مهارات التفكير الإبداعي ومكونات النسيج الثقافي التنظيمي) إذ أكدت الاختبارات الإحصائية تأثير التفكير الإبداعي وكل من المهارات الفرعية المختبرة في خيارات التدقيق الاستراتيجي كما يأتي:
• يؤثر التفكير الإبداعي وكل من المهارات المختبرة في تدقيق الأهداف. ويؤكد ذلك الإضافة الفكرية المبدعة وتسبيب الأهداف المرسومة بالقدرات والموارد المتاحة وتوليف المعلومات ذات العلاقة بتلك الأهداف.
• يؤثر التفكير الإبداعي وكل من المهارات المختبرة في تدقيق الإستراتيجية مما يؤكد مراجعة مراحل التحليل وصياغة وتنفيذ الإستراتيجية ومحاولة تصحيح مساراتها بوقت مبكر.
• يؤثر التفكير الإبداعي وكل من المهارات المختبرة في تدقيق القيادة وبنسبة تأثير ضعيفة وان كانت ذات دلالة معنوية مما يوضح الحاجة إلى ترسيخ مفاهيم القيادة الإدارية والإستراتيجية وإعداد برامج وأدوات اختبار القيادات الإدارية.
• يؤثر التفكير الإبداعي إجمالا ومهارة التوليف حصرا في تدقيق الأداء، دون ظهور تأثير لمهارة التسبيب في تدقيق الأداء. ويشير ذلك إلى تركيز المدقق الاستراتيجي في استخدام وتطبيق القواعد والمعايير والأدوات المناسبة في تدقيق الأداء دون الرجوع إلى بعض الأسباب الدافعة لذلك الأداء مع الحرص على استقطاب المعلومات ذات العلاقة بنتائج الأداء.
ثالثا- وجود تأثير ذو دلالة معنوية إحصائية للنسيج الثقافي في التدقيق الاستراتيجي وعلى النحو الآتي:
• يوثر النسيج الثقافي التنظيمي إجمالا في عمليات التدقيق الاستراتيجي ومنها بشكل متميز الخيارات المختبرة. ويؤكد ذلك رسوخ واستقرار هذه الثقافة وتمايز قوتها في بيئة العمل وانغماسها ضمن قرارات القيادات الإدارية.
• كما يؤثر كل من مكونات النسيج الثقافي المختبرة في كل خيار تدقيقي تلجأ القيادات الإدارية لتدقيقه واختباره مما يؤكد فاعلية هذه المكونات الثقافية وانسجامها في بيئة العمل وهي موضع اهتمام هذه القيادات.

المبحث الثاني : التوصيـات

اختتم هذا المبحث حلقات هذه الدراسة باستعراض توصيات عدة يؤمل أخذها بعين الاعتبار لتحقيق النتائج التي تم التوصل إليها والإفادة منها في واقع العمل الميداني لمنظمات الأعمال، وفتح آفاق جديدة للبحث العلمي في الموضوعات والمتغيرات التي خضعت لاختباراتها التحليلية.
1- التوصيات الخاصة بموقع وعينة الدراسة:
أ - تشكيل وحدة إدارية متخصصة أو تطوير قسم تقويم الأداء لتبني عمليات وخيارات التدقيق الاستراتيجي ضمن الأعمال الثابتة للقسم كالآتي:
أولا- فحص ومراجعة وتدقيق الجوانب الإستراتيجية (رسالة، رؤية، أهداف، استراتيجيه) أو تنظيمية (تشغيلية، موارد، سياسات داخلية) الخاصة بأعمال الديوان.
ثانيا – المساهمة (وبالتعاون مع الدائرة الفنية والدراسات) بإعداد برامج تدقيق متخصصة لعمليات التدقيق الاستراتيجي في كل خيار من الخيارات التي يمكن تدقيقها وإبداء الرأي فيها، بما يناسب أعمال الوحدات الخاضعة للرقابة.
ثالثا – التوجيه إلى هيئات الرقابة المالية بإجراء الاختبارات الفاحصة للمفاهيم الإستراتيجية للوحدات الخاضعة للرقابة وتثبيت فقرة خاصة بذلك في تقارير ديوان الرقابة المالية.
ب- تعزيز البناء الثقافي المتميز لديوان الرقابة المالية بما ينسجم مع المكانة الإدارية والوظيفية والتطلعات المستقبلية والأدوار التي يمكن الاضطلاع بها مستقبلا وكالاتي:
أولا- تفعيل الجانب الإعلامي للديوان ونشـر ثقافته والتعريف به عن طريق (اللقاءات، المعارض) التي توضح تاريخيا أو حاضرا صلاحياته و مسؤولياته، التخصص الوظيفي، الدور الذي يضطلع به ضمن الهيكل الإداري للدولة.
ثانيا – إقامة الدورات والندوات الدورية والاستثنائية لدراسة وتحليل وتوفير متطلبات العمل الرقابي والمحاسبي لعموم قطاعات الأعمال الحكومية.
ثالثا – زيادة التعاون وفتح قنوات الاتصال الدائمة مع المنظمات والوحدات التي تعنى بالتدقيق الاستراتيجي وتبادل الخبرات والمشورة الفنية، كما هو حاصل مع المنظمات المحلية والإقليمية والدولية المتخصصة بالمحاسبة والتدقيق.
رابعا – إعادة هيكلة وترتيب الوحدات الداخلية على وفق أسس مهنية وإدارية وتلبية متطلبات الأعمال، بما يضمن انسيابية متقدمة للأداء وتعزيز هياكل القـوة (المعرفية، الفنية، الإدارية) لإسناد ثقافة الوحدة المعنية والديوان ككل.
ج – تنمية وتطوير قدرات التفكير الإبداعي لعموم الموظفين وللقيادات الإدارية بشكل خاص، من خلال الآتي:
أولا- إقامة الدورات التدريبية بأساسيات الإبداع والتفكير الإبداعي بشكل دوري.
ثانيا – تحفيز عموم العاملين على تقديم الأعمال الإبداعية وتقييمها على وفق ضوابط علمية.
ثالثا – إجراء الاختبارات الدورية لمهارات القيادات الإدارية، واعتماد ذلك أساسا في التقييم السنوي والترقية.
2 – التوصيات العامة:
أ- في مجال التدقيق الاستراتيجي:
أولا - تشكيل وحدات متخصصة بالتدقيق الاستراتيجي في كل من الدوائر الرئيسة في الدولة والوزارات كافة (ترتبط بالمشرف العام للوزارة) تعنى بمراجعة وتدقيق نشاطات الإدارة الإستراتيجية في موقعها.
ثانيا- إعداد برامج متخصصة لتدقيق عمليات الإدارة الإستراتيجية وخيارات التدقيق الأكثر أهمية في كل موقع تبعا لتخصصه وطبيعة عملياته.
ثالثا- إعداد الملاكات الكافية المؤهلة فنيا وأكاديميا لاختبارات التدقيق الاستراتيجي، وتأهيلهم بدورات فنية ومناهج تدريبية متخصصة.
رابعا- إضافة موضوع التدقيق الاستراتيجي إلى الدراسات الأكاديمية في المعهد العالي للدراسات المالية والمحاسبية لبناء قاعدة فكرية وتطبيقية للمرتكزات الفكرية لهذا الموضوع الحديث في بيئة العمل العراقية.
خامسا- التنسيق بين ديوان الرقابة المالية ودوائر المشرف العام في الوزارات ودائرة النزاهة والمعهد العالي للدراسات المالية والمحاسبية لإقامة الدورات التدريبية لتطوير الملاكات الرقابية وإعدادهم كمدققين استراتيجيين.
سادسا- تطبيق إستراتيجية التدقيق الاستراتيجي الموضحة بالملحق (4) في منظمات الأعمال العراقية على وفق طبيعة المنظمة وقطاعها ونشاطها.
ب- في مجال التفكير الإبداعي:
أولا- تجنب المداخل القسرية والتفكير الأحادي لحلول المشكلات، و محاولة إيجاد صياغات إبداعية وحلول عديدة للمشكلة الواحدة، وتشجيع روح المبادرة في تقديم أفكار جديدة.
ثانيا – تشكيل وحدة فاعلة للإبداع ورعاية المبدعين، توجه أفكارها وتطبيقاتها لاجتذاب الأفكار الجديدة والمفكرين لاسيما في الاختصاصات التنظيمية.
ثالثا – حث القيادات الإدارية على المشاركة في البرامج الاجتماعية والعلمية التي تقيمها المنظمات المعنية بتدريب وتطوير القدرات الفكرية بشكل عام ومنها الإبداعية بشكل خاص وان كان بعض من هذه البرامج خارج تخصص المدير أو المنظمة لزيادة المعرفة الضمنية للمديرين.
رابعا – إجراء الاختبارات الدورية لتقدير مستويات التفكير الإبداعي الذي يمتلكه المدير وكم حاجته للتطوير.
خامسا – تطبيق إستراتيجية تطوير التفكير الإبداعي لعموم العاملين وللقيادات الإدارية بشكل خاص في منظمات الأعمال العراقية.
ج- في مجال الثقافة التنظيمية:
أولا– إيجاد صيغ فاعلة لتحديد وتقدير ثقافة المنظمة وتمييز المكونات الداخلية للنسيج الثقافي التنظيمي.
ثانيا– إمكانية تقييم ثقافة المنظمة وتثبيتها قيمياً كإحدى الموجودات غير الملموسة التي تعزز الدور الذي تلعبه المنظمة في بيئتها.
ثالثا– إجراء اختبارات دورية (مسح، استبيان، مشاهدة) لثقافة المنظمة لتقدير العاثر الذي تلعبه المنظمة عموما وكل من مكوناتها بشكل مستقل في الأداء التنظيمي والاستراتيجي واعتماد ذلك ضمن حالات التغير.
رابعا– تعزيز الهيكل الاجتماعي (العضوي) داخل المنظمة لإسناد ثقافتها وبما ينسجم مع الثقافة الفردية وسلوك العاملين.
خامسا – ترسيخ المرتكزات الفكرية للثقافة التنظيمية (مكونات، أبعاد، أنواع، نسيج ثقافي) داخل المنظمة ونقلها للعاملين عن طريق:
• تحديث أساليب وإجراءات التوظيف دوريا.
• إعادة توصيف ومواصفات الوظيفة.
• زيادة مجالات التعلم الفردي – التنظيمي.مواكبة التطورات التكنولوجية ذات العلاقة
• تحديد عوامل التنافسية التي يمكن للثقافة التنظيمية ونسيجها التنظيمي بعثها وتمايزها.
3 ـ التوصيات الخاصة بأنموذج الدراسة والدراسات المستقبلية:
من خلال نتائج وتحليلات الدراسة التي تم توصل إليها، فان التوصية بشأن أنموذجها الافتراضي والدراسات المستقبلية المقترحة تتحدد في الآتي:
أ - اعتماد المؤشرات المعروضة للتحليلات الإحصائية للتأثير في المتغيرات المبحوثة، أساسا في دراسة وتقييم البيئة الداخلية لديوان الرقابة المالية.
ب - إمكانية تطبيق متغيرات الدراسة والأنموذج الافتراضي لها في اختصاصات أو قطاعات عمل أخرى (كالصناعة، والإسكان، والاستشارات،والمالية، والخدمات).
ج- إمكانية استخدام متغيرات فرعية جديدة غير المستخدمة في هذه الدراسة لواحد أو أكثر من متغيراتها الرئيسة و مقارنة النتائج بين هذه الدراسة والدراسات اللاحقة لها.

ahmedkordy

(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)

  • Currently 80/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
26 تصويتات / 2330 مشاهدة
نشرت فى 4 أغسطس 2011 بواسطة ahmedkordy

أحمد السيد كردي

ahmedkordy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

19,164,174

أحمد السيد كردي

موقع أحمد السيد كردي يرحب بزواره الكرام free counters

هل تعرف أن بإمكانك التوفير بشكل كبير عند التسوق الالكتروني عند إستعمال اكواد الخصم؟ موقع كوبون يقدم لك الكثير من كوبونات الخصم لأهم مواقع التسوق المحلية والعالمية على سبيل المثال: كود خصم نمشي دوت كوم، كود سوق كوم وغيرها الكثير.

..
تابعونا على حساب

أحمد الكردى

 موسوعة الإسلام و التنميه

على الفيس بوك

ومدونة
أحمد السيد كردى
على بلوجر