مصر .. فى مسلسلات رمضان
فاروق جويدة 928 طباعة المقال

حين تشاهد امامك مليار جنيه وهى تتساقط فوق التراب مثل الفراشات الجميلة ثم تختفى بين الحشائش والأعشاب، وكان من الممكن ان تتجمع سربا يحلق امامك فى الفضاء ويصنع لوحة سريالية بديعة، لابد ان تحزن .. وحين تشاهد نجوم مصر الذين صنعتهم على عينها سنوات طويلة وهم شاحبون باهتون مرتبكون فلابد ان تتساءل: هل هناك ايد خفية تحاول إسقاط هذا الصرح العريق، وتسأل ايضا أليست لنا عقول تعى وقلوب تحس ورؤى تعكس امامنا حقيقة الأشياء، والمواقف .. فى بعض الأحيان اجد مشهدا فى احد المسلسلات بدون ذكر اسماء حيث لا فكر ولا قيمة فلاهم اضحكوا المشاهد ولا هم غيروا فكره ولا هم اضافوا له شيئا، واسأل لماذا ظهروا ولماذا كان التعب والسهر والكاميرات والأضواء والإرهاق .. وهل يساوى اى قدر من المال هذه الوقفة وهذا التعب وهذا الأثر السيئ الذى تركه الفنان للمشاهد.

فى الأعوام الماضية كنا نقول ان حالة الفوضى فى الشارع المصرى انعكست على الفن وتركت لنا هذه النماذج المهلهلة المشوهة من الأعمال الفنية الرخيصة والهابطة والمسفهة فى معظم الأحيان .. ولكننا هذا العام وامام اكثر من اربعين مسلسلا واكثر من مليار جنيه واكثر من عشرات الملايين من المشاهدين وقبل هذا كله سمعة تاريخ طويل من الفن الجميل

اضع اولا امام الفنانين الكبار ومتوسطى القيمة والواعدين فى المستقبل حيرتى وحزنى مع كل ما رأيت حتى الآن.

أولا : هل نحن امام نصوص درامية حقيقية كتبها مؤلفون يعرفون معنى الدراما ورسم الشخصيات ام اننا امام نماذج مشوهة لكتابات ركيكة ساذجة وشخصيات بلا ملامح، فبعض المسلسلات او الأغلب منها بلا فكر على الإطلاق، وإذا كان النجوم الكبار مازالت لهم مكانة عند المشاهد فإن مثل هذه النصوص تسحب الكثير من رصيدهم، وإذا كانت هناك اعمال على درجة من الحرفية وفيها عبق الدراما الحقيقية إلا ان اغلبية المسلسلات بلا نصوص، وتتذكر العهد الجميل لمسلسلات رمضان فى رحاب اسامة انور عكاشة او وحيد حامد او محمد جلال عبد القوى ومصطفى محرم او فى قصص كبار كتابنا التى تحولت الى دراما تليفزيونية مثل اعمال نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وفتحى غانم، وتجد ان الدراما بلا نص عبث طفولى شديد السذاجة.

إذا تركنا غياب النص الحقيقى واتجهنا الى فن الدراما ورسم الشخصيات فأنت امام نماذج بشرية مشوهة .. وهذه الصورة المشوهة تأتيك فى اكثر من مجال .. وتعكس سلوكيات وحوارا ابسط ما يوصف به انه كلا م رخيص ولا يليق ان يخرج من فم فنان ولا استطيع ان اضع كلاما منه بين هذه السطور ..

وإذا ابتعدنا قليلا عن لغة الحوار الهابط فنحن امام نماذج سلوكية واخلاقية غاية فى السوء .. ان الأداء المقنع الجميل المتمكن احيانا يتحول الى نموذج سلوكى خاطئ، بماذا نفسر جلسات المخدرات بكل انواعها والفنانون يؤدون الأدوار بطريقة مخيفة فى الإقناع بحيث تتحول الى دروس حقيقية للأجيال الجديدة فى تناول المخدرات، هناك فرق بين ان تصل الرسالة بصورة سلبية قبيحة وان تصل بصورة غاية فى الإقناع، وماذا يعنى ان يكون مشهد التعاطى كاملا ومؤثرا ويأخذ من الوقت والجهد بحيث يتحول الى كارثة درامية وليس مجرد مشهد فى مسلسل تليفزيونى .. ان تركيب المخدر بل وطريقة الحصول عليه واستخدامه والإحساس به ومدى تأثيره كلها خطوات غاية فى الإقناع .. وفى الوقت الذى تحارب فيه الدولة ظاهرة الإدمان ككارثة اجتماعية واخلاقية وصحية فإن المسلسلات تشجع الشباب وتدعوهم للانضمام الى صفوف المدمنين وتقدم لهم فى البيوت دروسا فى اساليب التعاطى .

وإذا تركنا المخدرات ودنيا الإدمان فإن زجاجات الخمور لم تترك مسلسلا من المسلسلات وكأنها دعوة للشباب من لا تعجبه المخدرات عليه بالكحوليات وكأن شباب مصر تنقصه كوارث جديدة .. الغريب انه لا يوجد مبرر إنسانى او درامى لتناول الخمور خاصة انها لا ترتبط بواقع اجتماعى او ظروف اقتصادية يمكن ان تتناسب مع الدور والشخصية والعمل الفنى بصورة عامة.

إذا تركنا عالم الإدمان كنماذج لسلوكيات خاطئة فإن اكثر ما يثير التساؤل ما تتعرض له المرأة فى هذه الأعمال من الإهانات .. فى اكثر من مسلسل انتشرت ظاهرة الاعتداء على المرأة بالضرب والتجريح والإهانة وهو ضرب شديد القسوة على الوجه بالركل والألفاظ السوقية الجارحة .. والسؤال ما هى اهمية ضرب المرأة بهذه الصورة الوحشية فى الأعمال الدرامية .. افهم ان ذلك يحدث فى الدراما الأجنبية من خلال مشاهد عنف او جريمة ولكن ماذا عن ضرب سيدة بيت غلبانة تربى الأبناء بما يرضى الله ولم ترتكب خطأ او جريمة .. كانت هناك تجاوزات فى تجسيد اعمال العنف وكأنها جواز سفر لتحقيق مشاهدة اعلى، والحقيقة انها تعكس سلوكيات مريضة اكثر من فن واقعى مقنع وجميل .

ثانيا : خطأ شديد ان يعرض هذا الكم من المسلسلات فى شهر واحد نحن امام 40 مسلسلا كل منها 30 حلقة اى اننا امام 1200 حلقة اى 1200 ساعة اى اننا امام 40 ساعة مسلسلات كل يوم، وهذا يعنى ان المطلوب من المصريين ان يحصلوا على اجازة كاملة طوال شهر رمضان من اعمالهم لكى يتفرغوا لمشاهدة مسلسلات رمضان .. وإذا اضفنا لذلك كله تكاليف انتاج هذه المسلسلات وقد تجاوزت المليار جنيه فلنا ان نتصور كم من الأموال تكلفت هذه المسلسلات يوميا طوال الشهر الكريم ..

ثالثا : نأتى بعد ذلك الى لعنة اخرى وهى الإعلانات التى حرمت المشاهد من ان يرى خمس دقائق كاملة من احداث المسلسل .. ان الإعلانات تستغرق ساعة كاملة واكثر من زمن المسلسل، اما الأحداث على الشاشة فهى لا تتجاوز عشر دقائق كل يوم وكانت النتيجة هى الشعور بالملل ورفض الملايين مشاهدة هذه المسلسلات .. ان تقديم الأعمال الفنية بهذه الصورة وسط دوامات الإعلانات افقدت المشاهد متعة ان يتابع احداث المسلسل او ان يشاهد حلقة من حلقاته بالكامل وكانت النتيجة ان المشاهد يعبث طوال الليل متنقلا بين القنوات حيث لا متعة ولا فن ولا حتى راحة بال .. ان المعارك الدائرة على الإعلانات بين القنوات الفضائية والمسلسلات مهزلة لابد ان توضع لها نهاية ولنا ان نتصور اكثر من مليارى جنيه اموالا ضائعة ما بين مسلسلات لا يتابعها احد واعلانات تستنزف الوقت والعمر وصحة المشاهدين.

رابعا : كانت آخر المهازل فى دنيا المسلسلات والإنتاج والإعلانات هى برامج المقالب، وهى اهانة للفن المصرى بنجومه وتاريخه ورسالته، ولا يعقل ان يفرط الفنان فى تاريخه من اجل بضعة دولارات يتحول فيها الى اضحوكة للمشاهدين .. ان كل فنان ينبغى ان يدرك قيمته ويشعر بأنه يمثل النموذج والقدوة .. ولنا ان نتصور الضرب بالشلاليت والألفاظ والشتائم البذيئة وحالات الإغماء التى قد تهدد حياة البعض والعالم العربى كله يشاهد هذه الفضائح على الشاشات والفنانين المصريين يتسابقون من اجل بضعة دولارات ومشاهد مخزية لا تليق ابدا برسالة الفن والفنان .. لقد اساءت هذه البرامج التافهة لكل من يشارك فيها خاصة انها تحولت الى ظواهر عنف تهدد حياة المشاركين ما بين الإغماء والعصبية والتطاول وكلها اشياء لا تليق .

خامسا : تبقى بعد ذلك بعض التساؤلات حول هذا الكم من الأموال التى انفقت على انتاج هذه المسلسلات وما هى مصادر تمويلها؟! ان البعض يرى ان هناك مبالغات شديدة فى حجم الأموال التى يحصل عليها الفنانون فى هذه الأعمال وان هذه الأموال تحمل رسالة اكبر من مجرد انتاج مسلسل، لأن تشويه الدراما المصرية بهذه الصورة وبحيث تبدو بهذه السطحية وهذه الضحالة وهذا الابتزال يمثل هدفا فى حد ذاته .

لا اعتقد انه يضير احدا ان نسأل عن مصادر تمويل هذه المسلسلات ومن الذى دفع مئات الملايين لإنتاج هذا الفن الساذج .. الجانب الثانى فى هذه القضية هو تشجيع هذه النماذج الفجة فى الأعمال الدرامية والتى تصور لنا خرائب بشرية فى السلوك والأخلاق ولغة الحوار دون ان تقدم نموذجا واحدا ايجابيا .. لمصلحة من ان تبدو مصر بهذه الصورة الكريهة فى عيون الناس، لا ننكر ان هناك شيئا من الحقيقة ولكن هل المصريون بكل هذا السوء الذى نقدمه فى مسلسلات رمضان كل عام .. وهل يعقل ان تكون هذه صورتنا امام الأشقاء العرب وليس امامهم الآن غير الدراما المصرية بعد غياب الدراما السورية وكانت منافسا خطيرا للفن المصرى فى السنوات الماضية .. هل هذه هى حقيقة ما يجرى فى مصر ما بين العنف والقتل والمخدرات والشم والإدمان والخيانات الزوجية والرقص بكل الوانه .

ان البعض يتساءل الآن وله الحق: على من تعرض هذه الأعمال الدرامية، وهذا لا يعنى ان تكون هناك انواع للرقابة ولكن الا توجد جهة لتقييم مثل هذه الأعمال من الناحية الفنية والأخلاقية والسلوكية، وهل من حق اى شخص لديه بعض الدولارات ان يدخل مجال الإنتاج ويفسد اذواق اجيال كاملة ويشوه افكارهم وسلوكياتهم ويمضى، هل من حق اى شخص ان يكتب مسلسلا دون دراية بقواعد هذا الفن ورسالته؟!

إذا كانت لدينا صناعات تسمى تحت السلم فهناك ايضا مسلسلات واعمال فنية تدخل فى هذا الإطار وهى نماذج مشوهة حيث لا نص ولا فكر ولا قدوة ولا إحساس بالمسئولية .. على الشاشات نماذج كريهة لمجتمع وصل الى اقصى درجات السقوط والانحطاط وهذه ليست مصر التى نراها كل يوم فى وجوه ملايين البسطاء الفقراء الذين يقاومون الفقر بالكبرياء .



..ويبقى الشعر

يارب فلتجعل نهاية رحلتــــــــى

عند السؤال شفاعتــــى وثباتــــــــى

أنا فى رحابكَ جئتُ أحمل توبتـى

خجلانَ من شططـــى ومن زلاتــى

أنت الغفورُ وكان ضعفى محنتى

وعذابُ قلبى كان فى هفواتـــــــــى

أشكو إليكَ الآن قلة َ حيلتـــــــى

وهوانَ عمرى .. حيرتى وشتاتــى ..

تتزاحُم الأيامُ بين خواطـــــــرى

ما بين ذنبٍ حائـــر وعظــــــــــاتِ

يارب سيرتَ القلوب مواطنــــــًا

للحبِ .. فأغفر يا كريــم هنـَاتــــــى

قد كان ذنبى أن قلبى عاشـــــــقٌ

فأضعتُ فى عشق ِ الجمال ِحياتــى

أنتَ الذى سطرتَ قلبى غنـــــوة للعاشقينَ .. وهذه مأســــــاتـــــــى

أغفر ذنوبَ العشق ِأن جوانحــــى

ذابتْ من الأشــواق ِ والعبـــــــراتِ

والآن جئتكَ بعد أن ضاق المــدى

واثــَّاقـَلـَتْ فى رهبةٍ خطواتــــــــى

ندمًا على عمر تولى ضائعــــــًا

أم خشية ًمن طيفِ عمــــــــر ٍ آت

أسرفتُ فى ذنبى وبابك رحمتــى

ولديكَ وحدك شاطئ ونجاتـــــــى

>>>

فى هذه الأرض ِ الشريفةِ أشرقتْ

يومًا قلاعُ النـور والبركــــــــــاتِ

بدأ الوجودُ خطيئة ً ثم انتهــــــى

بالصفح ِ والغفـران ِفى عرفـــــاتِ

حتى أطل على الوجودِ محمــــدٌ

فازينت عرفــاتُ بالصلــــــــــواتِ

فأضاء تاريخٌ وقامت أمـــــــــــة ٌ

بالحق ِتكتبُ أروع َالصفحــــــــاتِ

وسرى على أرجائها وحى الهدى

جبريلُ يتلو أقــــــدسَ الآيــــــــاتِ

ومحمدٌ فى كل ركن ٍ ساجـــــــدٌ

يُحيى قلوبًا .. بعد طول ِ مــــــواتِ

بدءُ الخليقةِ كان من أسرارهـــــا

حين استوت بالخلق ِ فى لحظاتِ

وتزينت لنبيّها حتى بـــــــــــــدا

نورُ الرسالةِ فـوقَ كل حصـــــاة ِ

وتكسرتْ أصنامُ مكة .. وانزوى

خلفَ الحطام ِ ضلالُ ليل ٍ عــاتِ

فى حضن ِمكة َ كان ميلاد الهدى

والدهرُ يشدو أعــذبَ النغمــــاتِ

أممٌ أفاقت من ظلام ِعهودهـــــــا

واستيقظت من بعدِ طول ِسُبــاتِ

القى عليك الحاقدون ضلالهـــــم

وتسابقوا فى اللغو والســــوءاتِ

أترى يعيب الشمسَ أن ضياءهـــا

أعمى حشودَ الجهل ِ والظلمــاتِ

لو يعلم الجهلاءُ رحمة ديننـــــــا

لتسابقوا فى البر والرحمـــــــاتِ

لم يشهد التاريخُ يوما أمــــــــــة ً

جمعتْ حشودَ الحق ِفى لحظــــاتِ

لم تشهد الدنيا جموعًا سافــــــرتْ

عبرت حدود الأرض ِ والسمــواتِ

لكنه الإسلامُ وحد بينهـــــــــــــم

فتسابقــــــوا للهِ فى عرفــــــــــــاتِ

هذا هو الإسلامُ دين محبــــــــــةٍ

رغمً اختلافِ الجــاهِ والدرجـــــاتِ

 

من قصيدة «على باب المصطفى» سنة 2010

[email protected]

 

azazystudy

مع أطيب الأمنيات بالتوفيق الدكتورة/سلوى عزازي

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 91 مشاهدة
نشرت فى 3 يوليو 2015 بواسطة azazystudy

ساحة النقاش

الدكتورة/سلوى محمد أحمد عزازي

azazystudy
دكتوراة مناهج وطرق تدريس لغة عربية محاضر بالأكاديمية المهنية للمعلمين، وعضوالجمعية المصرية للمعلمين حملة الماجستير والدكتوراة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

3,734,315