بعد عامين‏..‏ ماذا بقي من الثورة ؟
بقلم: فاروق جويدة
1/24/2013 Tweet 1999 
الثورات مثل الحروب يمكن لنا ان نحدد بدايتها ولكننا عادة لا نملك القدرة علي ان نحدد نهايتها انها الحلم ولكن الحقيقة شئ آخر وفي تاريخ الإنسانية ثورات اهتزت بها ثوابت الكون والبشر..

 واصبحت كالزلازل والبراكين غيرت وجه الأرض ودمرت أشياء وفجرت ينابيع ماء وربما احرقت الأخضر واليابس وهناك ثورات اخري لم تتجاوز حدود العاصفة ليهدأ بعدها كل شيء.. بقيت الثورات في كل الأحوال حركة يصنعها البشر تشبه تماما تقلبات الأرض حين تثور وصراخ الطبيعة حين ينفجر منها الغضب
عامان مرا الآن علي ثورة يناير ونحن الآن نقف بعيدا عن المشهد حتي وان بدا اننا مازلنا نعيش فيه يصعب علينا تقييم ما حدث خاصة ان النتائج جاءت علي غير ما أردنا في الكثير من جوانبها وان المسار اختلف والنفوس تغيرت ولم تكن النوايا علي نفس الدرجة في النقاء والطهارة لشباب قدم روحه فداء للحظة تاريخية نادرة..
لا ننكر ان بيننا الآن من يتساءل ماذا أخذنا من الثورة وماذا بقي من أحلام شبابها الثائر.. البعض منا يري ان الثورة لم تنقذ المصريين من عناء عهد رحل بل ان المأساة زادت.. ومن يراجع مسيرة الأحداث يمكن ان يصدق هذا القول.. لقد زادتنا الثورة انقساما وهذه حقيقة.. وربما زادتنا فقرا واحتياجا للآخرين.. وربما أخذت منا اهم الأشياء وهي الأمن والاستقرار.. وقبل هذا كله ربما اهدرت حلمنا في التغيير..
من يقرأ المشهد قراءة سريعة سوف يخرج بهذه النتائج ولكن علي الجانب الآخر فإن هذه الثورة أخرجت أعظم ما فينا وهي إنتفاضة شعب غاضب ضد حكم مستبد ومع ثورة الغضب كانت هناك امراض مستعصية تسللت إلي الإنسان المصري في السنوات العجاف ولا يمكن ان يبرأ منها بين يوم وليلة كما تصور الحالمون من الثوار.
في ايام الثورة الأولي ظهر الرصيد الحضاري والإنساني للمصريين وتجسد في هذه الروح العالية وهذا الإصرار العجيب وهذه الوحدة التي كانت مثارا لإعجاب العالم كله.. في ايام الثورة تحول الشعب المصري إلي أسرة واحدة اندمجت في لحظة تاريخية نادرة وجمعت كل قواها وفجرت كل طاقاتها لتقدم للعالم نموذجا حضاريا لشعب غاضب وأمة ثائرة.. اختلطت الدماء والأفكار والألوان والعقائد لترسم حلما كبيرا لإرادة عظيمة.. حتي الآن لم يستطع الإبداع المصري بكل اشكاله ان يرسم لنا هذه اللحظة التاريخية وان يجسدها في عمل إبداعي خلاق.
كلنا نعلم ان الشعب غاضب.. وان الحكم مستبد.. وان حقوق الناس ضائعة وان الثورة تدق الأبواب.. ولكننا لم نتصور ان يكون هذا التوحد وهذا الترفع وهذا الإعجاز.
الأيام الأولي للثورة فصل كامل ينبغي ان نضعه في سياق بعيد تماما عن كل ما جاء بعدها إذا كانت الأنهار تحمل في ساعة الفيضان الشوائب وبعد ذلك يندفع ماؤها النقي فإن ثورتنا بدأت بأنقي الأشياء ثم افسدتها الشوائب..
لقد اتضح لنا بعد عامين ان الثورة أخذت مسارا غريبا عن بدايتها وأن الوجوه التي رفعت رايات الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية هي نفس الوجوه التي اهدرت هذه القيم وتخلت عنها وكأن ثوار اليوم لم يبتعدوا كثيرا عن حكام الأمس في الفكر والثوابت والأهداف.. وأن مقاعد السلطة التي افسدت الراحلين هي نفسها التي اوشكت ان تفسد القادمين.
< تخلصت الثورة من نظام مستبد جلس علي انفاس المصريين عشرات السنين وأضاع علي مصر فرصا كثيرة في النمو والإبداع والتقدم وتغيرت الوجوه وبقي الإستبداد اسلوب حياة وميراث شعب.
< تخلصت الثورة من حزب سياسي واحد سيطر علي مفاصل الدولة بكل مؤسساتها واقام كل قواعده علي مجموعة من الأشخاص احتكروا السلطة والمال والمناصب واقاموا كل شيء علي اهل الثقة وابعدوا تماما كل صاحب خبرة.. وتصور المصريون ان الأشباح رحلت ولكن الغريب ان امراض الراحلين تسللت إلي صفوف القادمين الجدد وسرعان ما رأينا نفس الأمراض التي ثار المصريون عليها وقد تجسدت في منظومة جديدة حيث السيطرة والانفراد بالقرار وتوزيع الغنائم وحصار كل معارض والجري وراء المناصب وكأن الماضي قد استنسخ نفسه في صورة استبداد جديد.. وهنا وجدنا لعبة الكراسي الموسيقية فقد اختفي الحزب الوطني ليحل مكانه حزب الحرية والعدالة.. أغلبية في الحكومة اغلبية في السلطة التشريعية.. اصرار علي الإمساك بسلطة القرار في كل شيء محاولة دءوبة لتغيير كل الثوابت وإهدار كل القيم.. خرجنا من سطوة الوطني لنقع فريسة الحرية والعدالة وبعد ان عانينا سنوات طويلة في ظل استبداد اعمي وجدنا انفسنا امام قرار مرتبك واجراءات تحكمها الفوضي.
< تجسدت أحلام المصريين في الثورة في الحرية والعدالة والحياة الكريمة واكتشفوا ان منظومة الاستبداد لم تتغير.. ان الحرية عادت تأخذ شكلا جديدا من اشكال السيطرة والحكومة عادت تفتش مرة أخري في جيوب الفقراء في صورة ضرائب أو زيادة الأسعار والحلم في حياة كريمة تحول إلي المزيد من العشوائيات وارتفاع في نسبة الفقر والفقراء وبقي الحال علي ما هو عليه امام سياسات افتقدت الشفافية والإرادة السليمة والقرار الحكيم.
< بقدر ما وحدتنا ايام الثورة الأولي بقدر ما فرقتنا توابعها فقد انقسم الشارع المصري امام قرارات عشوائية ومحاور جديدة وفصائل دينية ومعارك كلامية وخرجت علينا أشباح القرون الخوالي بأفكار غريبة وبعد ان كنا نعاني في العهد البائد من أزمة طائفية واحدة كان النظام يحشدها لينشر الفوضي وجدنا انفسنا امام انقسامات جديدة علينا.
خرج الإخوان المسلمون من السجون والمعتقلات.. وخرج السلفيون من سواتر الدعوة وخرجت الفلول من جحورها.. وخرجت النخبة من غيبوبتها.. وانقسم هؤلاء جميعا علي انفسهم.. إن الإخوان يريدون السلطة كاملة وهم غير قادرين علي ملأ الفراغ كله في إدارة شئون البلاد.. والسلفيون كانوا مفاجأة المشهد السياسي لأنهم اصحاب دعوة حتي ولو جاءت خارج الزمن وكانت المفاجأة ان تركوا الدعوة واحترفوا السياسة.. والفلول تائهون بعد رحيل عوائلهم.. وبقية الشعب المصري مازال يجلس في الشوارع في انتظار احلام ومكاسب لا تجيء.
كان انقسام الشارع المصري فكريا وسلوكيا وإنسانيا أخطر الأمراض التي ظهرت بعد الثورة وامتدت آثارها إلي البيت المصري الذي انقسم علي نفسه بين الآباء والأبناء.
< خرج شباب مصر في ايام الثورة الأولي وقدموا للعالم اروع واجمل نماذج العطاء والتحضر في السلوك والمواقف.. رحل منهم من رحل.. وسجن منهم من سجن.. وجلست أجيال كاملة من الشباب علي ارصفة الانتظار.. لم يتحقق حلم هذه الأجيال في سلطة أو قرار أو حرية أو حياة كريمة وغابت العدالة تماما في توزيع الغنائم والأدوار.. استأثرت الأجيال القديمة بشيء من الغنيمة.. وخرجت وجوه جديدة وسيطرت علي المشهد رغم اننا لم نعرفها من قبل فلا هي كانت ضد نظام رحل.. ولا هي كانت صاحبة دور في يوم من الأيام.. واختلط المشهد السياسي مع المشهد الديني ولم نعد نفرق بين قدسية الدين وشطط الساسة.
< هنا اتسعت دائرة الرفض والغضب ووصلت في احيان كثيرة إلي مناطق العنف في المظاهرات والحشود والاعتراضات الفئوية وكل فريق يطالب بحقوقه ويحاول ان يجني شيئا من ثمار الثورة التي بخلت علي دماء ابنائها.
< زادت حدة الأزمات التي يعيشها الشارع المصري.. بدأت بغياب الأمن وبدأ البكاء علي أشباح الماضي حتي وان كان مستبدا فقد كان آمنا وهنا ومع غياب الأمن سادت حالة من الفوضي التي أثرت علي جوانب الإنتاج الذي بدأ بتدهور السياحة وانتهي بتوقف العمل في وحدات إنتاجية كثيرة وهنا ايضا ارتفع عدد العاطلين في الشوارع وزادت حدة الأزمة الاقتصادية امام ارتباك الحكومة وقراراتها الارتجالية المتعارضة ما بين زيادة الضرائب وارتفاع الأسعار وسقوط هيبة الدولة.. لم تستطع حكومات ما بعد الثورة ان تحقق حلم الإنسان المصري في حياة كريمة وتوزيع عادل للثروة وحريات يستطيع ان يعبر فيها عن فكره ورأيه وقناعاته.
< هنا دارت معركة دامية بين اجهزة الدولة والإعلام المصري الذي خرج من سجون الماضي وانطلق يواجه السلبيات بعنف شديد كان فيه بعض التجاوز ولكن لا شك ان الإعلام كان اكثر اطراف المشهد السياسي استفادة من الثورة فقد انطلق من قيوده رافضا ان يعود إليها مرة أخري.. كان آداء الإعلام فيه الكثير من الشطط ولكن خطايا الحرية يعالجها المزيد من الحرية وليس القمع والإستبداد.
< كان ينبغي ونحن نتخلص من فساد العهد البائد ان نتخلص من فساد انفسنا فقد اتضح لنا بعد رحيل منظومة الفساد ان المصريين قد ورثوا بعض هذه الجينات وان ازمة مصر لم تكن فقط في حكامها ولكنها ايضا في شعبها وما تركته عليه أزمنة الفساد من امراض فكرية وسلوكية واخلاقية وفي ظل أمية تجاوزت20 مليون مواطن ومعدلات فقر وصلت إلي ما يقرب نصف سكان الوطن وامام نظام تعليمي متخلف وثقافة تسطحت وإعلام يحتاج إلي ثورة امام هذه الظواهر جميعها كان من السهل ان تفقد الثورة الكثير من وهجها خاصة امام صراعات وانقسامات حادة ومخجلة بين القوي السياسية.
لقد نجحت ثورة يناير في إزاحة نظام مستبد ولكن بقيت ازمات مصر وشعبها وهذه تحتاج إلي مجموعة ثورات متلاحقة في التعليم والثقافة وسلوكيات الناس واخلاق المجتمع وهذه تحتاج إلي وقت طويل وعلينا ان نبدأ من الأمس وليس غدا.


.. ويبقي الشعر

هانت علي الاهل الكرام دمانــا
وتفرقت بين الرفاق خـطــانـا
عدنا إلي الميدان نسأل حلمنــــا
بكت الربوع وحزنـهــا أبكــانـــــــــــا
أين القلوب تضيء في أرجائــه
وتزف شعبا في الصمــود تفانـي ؟!
أين الرفاق وأين صيحات بدت
للكون بعثــــا عاصفــــا أحيانـــــا ؟!
أين الشباب وقد توحد نبضهم
وتجمعوا في بأسهـم إخـوانا ؟!
أين الحناجر كيف قامت صرخة
كم أيقظت بصهيلها الفـرسانـا ؟!
وجه الشهيد وقد تناثـر في المدي
وغدا نجوما في دجـــي دنيـــانـــــــــا
جسد يحلق في الأيادي سابحــا
في حضن أم أشبعتـــــه حنـانــــــــا
هانت علي الأهل الكـــرام دمــانـــــا
***
نامت علي الدرب الحزين جوانح
وتجمدت خلف الرؤي أجفــانـا
والناس تسأل: ما الذي يبقي لنا
بعد الشهادة موطنـا ومكـــانا ؟
يوما غرسنا الحلم في أعماقنا
حتي غدا في يأسنا بــــركانـا
أن نطلق الشمس السجينــــة بيننا
ليطل صبح من خريف صبانـــا
في ساحة الميـــدان كنا أمــــــــة
وهبت رحيق شبابهـا قــربــــانـــــا
أجسادنا كانت تلـــوذ ببعضهــــا
حزن التـــراب يعانـــــق الأكفــانــــــا
يتعانق الدم الجسور علي الثري
كنا نـــراه كنيســـة وأذانــا
في ساحة الميدان صلـينا معــا
قمنا حشودا نرجــــم الشيطانــا
وتطوف في الميدان أرواح بــــدت
فوق البيـــوت أزاهرا وجـنانــا
الكون صلي.. والربوع تطهــرت
من رجس عهد مظـلم أعمانــــا
هانت علي الأهـــل الكرام دمانـا
***
هل تذكرون شبابنـــــــــا وصبانـــا
والأرض تحضــن بالدموع دمانا ؟!
ونطوف في صخب الشوارع لا نري
غير الرصاص علي المدي يلقانـــا
وقذائف القناص تطفئ أعينـــا
فـيتيـــه بين جنوده نشـوانـا
لم يرحم العين السجينة في الأســي
رسم النهاية خســـة وهوانـــا
يلقي علينا النار وهي خجولــة
والنار ترحـــم بعضـهـــا أحيانــا
كنا نري أن الوفاء ضريبـــــة
حق لمن وهــب الحيـاة وعانــي
عدنا إلي الميدان نســـأل: ما بـــــه؟
صرخ الحزين وبؤســـــــه أدمانـــــــا
حين انتفضنا في الشوارع لم يكن
سوق الغنائـم مطمعـــــــا أغرانـــــــــا
هانت علي الأهل الكرام دمــانـــا
***
أتري نسيتم دمعنا ودمـــانــا
عرس تبدل بيننـــــا أحزانــــا
ما عادت الأيدي تصافح بعضهــــا
حتي خـطانـا.. لم تعـــد كخطانا
كيف الدماء تمردت في مهدهــــــا
وبكل قلب مزقــــت شريانــــــــــــــا ؟
صرنا أمام الناس خدعة صبيــة
هدموا البلاد.. وخـربـوا الأوطانـا
هانت علي الأهل الكرام دمانا
عاد الزمان الوغد يعبث خلســة
ويدور حـول دمائنــــــا ظمآنـــــــــــا
وطن يساومنا.. وعهد فاجـــر
وفساد طاغية.. وشعـب عــانـي
وتسابقت للثأر عصبة قاتــــل
حشدوا الفلول.. وحاصروا الفرسانـا
فرعون في صخب المزاد يبيعنا
ويطل خلـــــف جنوده سكرانـا
وعصابة التدليس ترتع حولــه
وتـشيـــد من أشلائنا التيجـانـا
فإذا انتشي الفرعون قام رجالـه
سحلوا النساء.. وضاجعوا الشيطـانا
ركـب العبيد الساجدين بعرشــه
ألغوا الأذان.. وحاصـــروا القرآنـا
وعلي بقايا النهر جاعت أمــــة
كم أطعمـــــت من خيرها بلدانــا
نهبوا ثمار الأرض.. باعوا سرها
الذئب يعوي.. واللصوص حزاني
تتنكرون لمن أضاءوا ليلــكـــــــم
وتبايعــون الأفـك والبهتـــــــــانـــــــــــــا!
من شردوا وطنـا وباعوا أمــــــــة
وتواطئــوا في غيهــــــم أزمانـــــــا
هانت علي الأهل الكرام دمانا

من قصيدة "هانت على الأهل الكرام دمانا" سنة 2012
[email protected]

المزيد من مقالات فاروق جويدة

azazystudy

مع أطيب الأمنيات بالتوفيق الدكتورة/سلوى عزازي

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 86 مشاهدة
نشرت فى 26 يناير 2013 بواسطة azazystudy

ساحة النقاش

الدكتورة/سلوى محمد أحمد عزازي

azazystudy
دكتوراة مناهج وطرق تدريس لغة عربية محاضر بالأكاديمية المهنية للمعلمين، وعضوالجمعية المصرية للمعلمين حملة الماجستير والدكتوراة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

4,762,502