| للمراجعات الفكرية للجماعات الإسلامية | ![]() |
![]() |
![]() |
خالد السرجاني منذ إعلان الجماعة الإسلامية لمبادرة وقف العنف وما تبعها بعد ذلك من مراجعات فكرية وفقهية، ونحن حائرون بين مستويين وحيدين للتعليق والتحليل هما الإشادة العاطفية الإنشائية البالغة، والشجب المشكّك فيما حدث باعتباره خطوة تكتيكية تسعي إلي الحصول علي اعتراف المجتمع والخروج من السجون، ثم العودة مرة أخري لممارسة العنف. ولم تخضع هذه المبادرة والمراجعات لدراسة علمية رصينة. ولعل الكتاب الذي صدر الأسبوع الماضي ودشَّن به الصديق «ضياء رشوان» نشاط برنامج دراسة الحركة الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، يسد هذا الفراغ في الدراسات العربية حول هذه المراجعات. والكتاب يضم أعمال ندوة نُظِّمت بمناسبة مرور عشر سنوات علي مبادرة وقف العنف وعنوانه «المراجعات من الجماعة الإسلامية إلي الجهاد». وترجع أهمية الكتاب إلي أنه يضم باحثين وخبراء من مذاهب فكرية مختلفة ناقشوا كلهم المراجعات من منظورات مختلفة ومن زوايا متعددة. فهناك المحللون المتخصصون في الجماعات الإسلامية ويقف علي رأسهم محرر الكتاب ضياء رشوان وعمرو الشوبكي الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، فضلا -بالطبع- عن الصديق نبيل عبد الفتاح أول من بدأ دراسة الظاهرة الإسلامية في كتابه الرائد الذي صدر في بداية ثمانينيات القرن الماضي بعنوان «المصحف والسيف» ونبيل أعمل مناهج بحث غربية غير مسبوقة لدراسة هذه الظاهرة هي في معظمها مناهج ما بعد البنيوية. وهناك المنتمون إلي الظاهرة الإسلامية مثل كمال السعيد حبيب ومنتصر الزيات وناجح إبراهيم أحد أبرز أعضاء الجماعة الإسلامية الذي يمكننا أن نعتبر دراسته في الكتاب بمثابة شهادة من الداخل حول المراجعات، لأن ناجح أحد الذين شاركوا في إعدادها وصياغتها، وهو في دراسته أو شهادته يكشف الكثير من الحقائق والمعلومات حول عملية صنع المراجعات، لكن هناك نقطة أشار إليها أو مرَّ عليها دون تفاصيل كافية وهي الخاصة بانتشار فكر المبادرة في البلاد العربية، حيث قال إن فكرة المبادرة انتشرت في البلاد العربية وتم تقليدها بحذافيرها في بلاد كثيرة وعلي سبيل المثال لا الحصر اليمن والسعودية والجزائر والمغرب. لكنه لم يقدم أي أمثلة مفصَّلة وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل عما إذا كانت الجماعات الجهادية المصرية تنتمي عضويا إلي تنظيمات إقليمية أم أن العلاقة فيما بين هذه الجماعات لا يتعدي مستوي الأفكار المرجعية فقط، ونعتقد أن هذا الأمر يمكن أن يكون محوراً لأبحاث قادمة لبرنامج دراسة الحركة الإسلامية. وهناك أيضا الليبرالي مثل الدكتور وحيد عبد المجيد الذي تناول في الكتاب مسالة غاية في الأهمية هي «مستقبل العلاقة بين الدولة وأعضاء الجماعة والجهاد بعد المراجعات». وفيها يري أن هناك عاملين يقفان وراء المرجعات هما فشل مشروع تغيير النظام السياسي في مصر عبر استخدام القوة. والثاني : التطور الكبير الذي حدث في تفكير قادة الجماعة والجهاد المحبوسين فقد أتيحت لهم فرصة واسعة للاطلاع والتأمل والتعمق. وهو يري أن هناك عدة سيناريوهات للعلاقة بين الدولة وأصحاب المرجعات تناول كلاً منها بالتفصيل هي : العودة إلي العنف أو إطلاق عنف جديد، وتشكيل حزب سياسي، والعمل السياسي غير الحزبي مستقلا عن الدولة أو بالتعاون معها، والمشاركة في العمل العام عن بعد. وآخر سيناريو من وجهة نظر عبد المجيد هو الأقرب إلي طبيعة الجماعة الإسلامية وهو الاقتصار علي العمل الدعوي. ويري عبد المجيد أن أعضاء الجهاد وضعهم يختلف، لأن تكوينهم السياسي ينطوي علي بعد سياسي، وبالتالي فالأرجح أن يكون الطريق أمامهم أصعب إلا إذا توافرت ظروف تدفع نظام الحكم إلي تشجيع بعضهم علي التحرك في مواجهة الإخوان المسلمين. وإذا كان عبد المجيد قد حدد عاملين رئيسيين يقفان وراء المراجعات، فإن محرر الكتاب ضياء رشوان وسَّع من الأمر في مقدمته الشاملة الوافية للكتاب حيث قال إن هناك ثلاثة عوامل دفعت الجماعة الإسلامية لكي تعلن مبادرتها لوقف العنف أولها يتعلق بالسياق الإقليمي، فترتيب الأولويات النظرية والحركية للجماعة جعلها تحول الأولويات من العدو القريب وهو الدولة في مصر إلي العدو البعيد وهو الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والصهيونية. وعدد رشوان التطورات الإقليمية التي دفعت الجماعة إلي إعادة ترتيب الأولويات. أما العامل الثاني فقد مثَّلته النجاحات النسبية التي حققتها السياسة الأمنية الحكومية والتي أوصلتها إلي الاعتراف بتعرضها إلي ما أسمته قيادتها بالهزيمة العسكرية. والعامل الثالث من وجهة نظر ضياء رشوان فقد نبع من داخل الجماعة ذاتها، ويتعلق بالخبرة الطويلة التي اكتسبها القادة التاريخيون المؤسسون لها عبر بقائهم في السجون المصرية منذ عام 1981 وحتي وقت إعلان مبادرة وقف العنف عام 1997 حيث انتقلوا من مرحلة الشباب المبكر بكل ما فيها من حماس ونزق إلي مرحلة الكهولة التي توجب طريقة أكثر حكمة ورصانة في النظر والرؤية كذلك أتاحت تلك الفترة الطويلة من العزلة الإجبارية عن التفاعلات اليومية الكثير من الوقت لهذه القيادات لكي يطلعوا علي المدارس الأخري في الفكر الاسلامي بخاصة مدارس الإسلام التاريخي التي لم تتح لهم فترة النشاط العملي الكثيف الاطلاع عليها قبل دخولهم السجن. ومثل هذا الكتاب لايمكن الإحاطة به في مقال صحفي واحد بل يمكن القول إن رصانة الدراسات والأبحاث التي يضمها واللغة الأكاديمية العلمية التي كتبت بها لا تعطي أي فرصة للاجتزاء، أو الاختصار، أو العرض بل هو في المجمل كتاب لاغني عن قراءته لمن يريد أن يحيط بموضوعه. بل تكمن أهميته في نقطة أخري مهمة هي أنه يؤسس لمجال جديد من الدراسات في الوطن العربي لم تكن موجودة من قبل. فالدراسات العلمية عن الأصولية الإسلامية توجد في المكتبات الفرنسية والبريطانية والأمريكية والهولندية بصورة أوسع مما هي موجودة في الدول التي أنتجت هذة الظاهرة وهناك متخصصون في هذا المجال في الخارج مثل «أوليفيه كاريه» وجون أسيوزيتو وجيل كيبل و أوليفيه روا، في الوقت الذي نجد فيه أن متخصصينا في هذا الموضوع متفرقون بين الفضائيات.. والدراسات الأكاديمية غائبة عن النقاش العام الأمر الذي يجعل المواطن العادي تائها بين الخطابات الدعائية سواء تلك التي تتعاطف مع الظاهرة أم تلك التي تعاديها بشراسة بما يؤثر سلبيا علي الثقافة السياسية في المجتمع. وبالتالي فإن الاحتفاء بهذا الكتاب المهم، لا يجب أن يقتصر علي موضوعه ومضمونه، وإنما لابد أن يمتد إلي جهوده التأسيسية في مجال الدراسات التي يعمل فيه وهو الحركة الإسلامية بعيد عن تحيزات المستشرقين الجدد مثل «بابيس» وأمثاله ، والتي كانت من كثرتها تجعل بعض الباحثين العرب ومعظم وسائل الإعلام تعتمد عليها في تناول الظاهرة الإسلامية الأمر الذي أنتج صورة ذهنية غير دقيقة حولها . بل ومن النقاط البالغة الأهمية في الكتاب هو أن محرره حوَّل عدداً من المنخرطين والناشطين في الظاهرة إلي باحثين ومحللين الأمر الذي يمكن أن يعطي لنا مؤشرا حول سبيل آخر يمكن أن يتخذه قادة الجماعات التي راجعت أفكارها وهو البحث العلمي الجاد والرصين أو علي الأقل كتابة شهاداتهم حول هذه الفترة المهمة من تاريخ مصر بعدما كانت هذه الشهادات قاصرة في السابق علي ضباط الأمن الذين تعاملوا مع الظاهرة أو المحامين الذين ترافعوا عن الشخصيات الرئيسية فيها. |






ساحة النقاش