مستشارك النفسى و الأسرى ( د. أحمد شلبى)

موقع للارشاد النفسى للمتميزين وذوي الإعاقة والعاديين

في أيام شح فيها الصدق مع النفس وقل فيها الوفاء لأناس عاشوا فينا وعشنا معهم وبينهم فإننا نحتاج إلى فترات  من المكاشفة والمصارحة مع أنفسنا وأن نأجج لواعج الحنين كي نعيد البصلة إلى وجهتها الصحيحة ونكبح جماح النفس حتى لا تتوه منا وسط زحام من المشاغل والمشاكل التي يبدو  أنها لا تنتهي ولن تنتهي إلا مع انتهاء هذه الدنيا.

 

وعاطفة الحنين لم يتطرق إليها من علماء النفس إلا النادر جدا ، بينما تناولها العديد من رواد النقد الأدبي حيث فرضت نفسها كعاطفة إنسانية وكظاهرة فنية تبدت من خلال العديد من الأشكال الأدبية كان أبرزها الشعر.

وتلفتنا هذه العاطفة النبيلة إلى وجود علاقة حميمية بين  علم النفس والأدب حيث أن الأدب في مجمله هو

أشكال تعبيرية عالية الجودة عن مكنونات النفس السامية أو ما يطلق عليه علماء النفس (الأنا الإعلى)

وربما كان هذا هو أحد الأسباب لظهور طيار التحليل النفسي للأدب

ولبروز محاولات عديدة تناولت بعض الأعمال الروائية والدرامية أو السير الذاتية لبعض الأدباء والكتاب بالتحليل المتعمق، وإن كان هذا الاتجاه لم يأخذ ما هو جدير به من اهتمام حتى الآن.

 

وعودة إلى عاطفة الحنين التي تمثل شكلا من أشكال الصدق مع النفس لنتأمل بعض مظاهرها وأشكالها العجيبة:

1-أحيانا  نركب قطار الزمن لنرجع إلى الماضي ونسلط الضوء على ذكريات أحببناها ولا نمل من تكرارها والتواصل مع من يشاركنا في تذكرها.

 

2-ونقف أمام أماكن عشقناها ونود الذهاب إليها والتمتع بالسير فيها، ومن اللافت للنظر أن العديد منا ممن نشؤوا في قرًى أو مدن صغيرة وحكمت عليهم الأيام وظروف العمل أن يسكنوا في مساكن أو مناطق أكثر تمدينا ومع ذلك فأنهم ينزعون للرجوع إلى مسقط رأسهم والتمتع بأشكال الحياة البسيطة التي حرموا منها ويودون العودة والاستقرار بها رغم بهرجة المدنية وسحر الأضواء.

 

3-وفي مرات عديدة نازعتك نفسك لتناول أكلات شعبية معينة تناولتها منذ فترة أو في مكان معين، وربما تكون أرخص ثمنا أو أقل قيمة غذائية مما تتناوله من أطعمة الآن، فلماذا هذا الحنين إذن؟

 

4-وفي أحيان أخرى تتذكر أشخاصا لهم معزة وتقدير في مفسك: اساتذة لك أو أصدقاء أو زملاء وتتمنى لو عادت الأيام ليعود التواصل بينكم،

بل ربما تذكر أشخاصا قد رحلوا عنا وتشتاق إلى الجلوس معهم والتمتع بعذب أحاديثهم رغم أنك تدرك أن هذا مستحيل على المستوى الواقعي؟

 

5-وما سر هذا الحنين إلى الوطن إذا كتب عليك السفر خارجه لفطرة طويلة أو قصيرة؟

حتى أنك تشتاق لكل كبير وصغير فيه وتود أن تقبل ترابه ومبانيه شوارعه وكل من فيه؟

لقد سطر شعراء المهجر –وهم أدباء فرضت عليهم ظروف معينة العيش خارج أوطانهم- سطروا ورسموا صورا بل لوحا شعرية وادبية ما كانت لتتفجر في مخيلتهم وهم في أحضان أوطانهم فكانوا كالطير المهاجر الذي يغدو في الصباح ليبحث عن لقمة العيش والحياة الكريمة وما يلبس أن يعود أو يتمنى العودة لعشه الدافئ ولصحبته الودودة ولأيامه الحلوى.

 

6-وعندما ترتقي النفس إلى مستويات سامية من الصدق والصفاء تهفو إلى الأماكن المقدسة وتدفع آلآلاف من أوراق العملة التي كدت وعرقت لتدبيرها كي تشبع هذا الحنين وعندما لا تستطيع ذلك قد تزرف الدمع شوقا وحنينا،

  • عند رؤية مشاهدها عبر أجهزة الإعلام أو عند تذكرها وربما يكون من ذهب لزيارتها

من قبل أكثر شوقا وحنينا ممن لم يذها بعد ، فما سر هذا الحنين؟

 

  • هذه هي عاطفة الحنين وتلك بعض مظاهرها وغيرها كثير لكن تتعدد الرؤا في تفسيره وتوصيف أسباب حدوثها:
  • ا)- فهل هي رغبة الإنسان في  العودة إلى الفطرة لصافية التي تحجب الرؤيا عنها بعض ظروف الحياة فيحتاج إلى ان يتصل بها من جديد؟(فطرة الله التي فطر الناس عليها...)
  • والفطرة من وجهة نظرنا عبارة عن المبادئ الأساسية التي غرست فينا وتميز كل كائن  عن غيره من الكائنات، وهي تنقسم إلى قسمين: مبادئ عمومية تحكم الكائنات جميعا، ومبادئ  خاصة بكل كائن تتفق مع أمكاناته والمهمة التي خلق لأجلها،ونظرية العودة إلى الفطرة ليست قاصرة على بعض علماء النفس فقط وإنما ينادي بها بعض علماء الإدارة وغيرهم.
  •  
  • ب)-أم هي حاجة نفسية تلح على صاحبها أحيانا وتطالبه بالإشباع
  •  
  • ج)-أم هي نزوع للصدق مع النفس ورؤيتها عبر مرايا خالية من الخدوش والرتوش.
  •  
  • د)- أم نزوع إلى السلامة وهروب من بعض الأحداث الأليمة في الواقع؟
  •  

ه)- أم شوق للإنسان أن يتذكر إنسانيته وعواطفه التي ضاعت منه في مواقف كثير وسط طوفان المادية الجارف؟

  •  
  • و)- أم هي لحظات صدق مع النفس يفيق فيها الإنسان عندما يتعرض للغواية بأن يبيع ضميره أو يترك بعض مبادئه من أجل حفنة من المال أو منصب زائل أو وجاهة اجتماعية زائفة؟
  • أم هي ذلك كله أو بعضه؟ وهل فتشت يوما عن أسباب هذه العاطفة الإنسانية السامية وأشكالها عندك؟ نرجو أن يتم ذلك قريبا.

 

مع أطيب أمنياتنا لك بكل التوفيق.

 

mostsharkalnafsi

بقلم د. أحمد مصطفى شلبي [email protected]

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 167 مشاهدة
نشرت فى 30 أكتوبر 2013 بواسطة mostsharkalnafsi

ساحة النقاش

د.أحمد مصطفى شلبي

mostsharkalnafsi
• حصل علي الماجستير من قسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس في مجال الإرشاد الأسري والنمو الإنساني ثم على دكتوراه الفلسفة في التربية تخصص صحة نفسية في مجال الإرشاد و التوجيه النفسي و تعديل السلوك . • عمل محاضراً بكلية التربية النوعية و المعهد العالي للخدمة الاجتماعية . »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

190,192