مستشارك النفسى و الأسرى ( د. أحمد شلبى)

موقع للارشاد النفسى للمتميزين وذوي الإعاقة والعاديين

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إلي الأم المعذبـــة

 

وردت إلينا من أم حسين هذه الشكوى العجيبة : إنها تشكوا إلي الله ثم إلينا من سوء معاملة بعض الناس لأبنها ، وما أدراك ما إبنها طفل صغير السن وصاحب إعاقة ذهنية . لكن بعض الناس من جيرانها لم يتركوه في حاله وإنما إتهموه بأنه سبب شقائها .

أمر عجيب لكن كيف ؟

أظن هذا التساؤل قد ورد إلي ذهنك عزيزي القاري الكريم .

وأنت تطالع هذه الشكوى

ولقد انتابني نفس الإستغراب الذي شعرت به أنت فتوجهت إلي الأم أطرح عليها نفس التساؤل وكانت الإجابة أعجب .

* قالت الأم : إنهم يتهمونه بالقيام بعمل أعمال شريرة لهم تفسد عليهم حياتهم الزوجية وتسبب التعاسة لهم والشقاء ، وتستغرب الأم وهي تواصل حديثها : طفل صغير متخلف عقلياً لا يفقه شيئاً !!  صفحة بيضاء كما تقول !! فكيف يتهمونه أنه سبب تعاستهم !! وما دخل هذا الطفل الصغير بالآخرين !

إنهم لم يكتفوا بذلك بل يعاملونه معامله سيئة صباح مساء صحيح أن هناك الكثير من الناس يعاملونه معاملة حسنه ، لكن ما ذنب هذا الطفل ؟ ولما يعاملونه هذه المعاملة السيئة ؟

* عندما كنت أطالع تاريخ الأهتمام بأصحاب الظروف الخاصة في المجتمعات البدائية ( حيث يحتل أصحاب الظروف الخاصة جزءاً من دراستي واهتمامي ولي في هذا المجال ثلاث مؤلفات فضلاً عن الكثير من الأبحاث ) .

عندما كنت أطالع هذا الاهتمام بهم في المجتمعات البدائية لاحظت أنهم ينظرون إليهم نظره ظالمة في غالب الأحوال .

* ففريق كبير منهم ينظر إليهم علي أنهم ضعفاء لا يستطيعون الصيد والقنص والحرب ولذا يلقون بهم في الصحراء خارج خيام القبيلة أما الفريق الثاني فيظن أنهم محل سكن الجان فيتخوفون منهم ويحرضون الناس علي الابتعاد عنهم حتى لا يؤذنهم بأعمالهم الشريرة التى يدبرونها لهم .

وظننت أن هذا التفكير الظالم قد إنتهي مع إنتهاء عصور الجهالة قبل الإسلام ، ولم يدر بخلدى أن بعض الناس في القرن الحادي والعشرين مازالوا يفكرون بهذه الطريقة الخرافية . وربما من هذا المنطلق يأتي المثل الثائر ( كل ذي عاهة جبار ) .

* فهل هو جبار لأنه يتلبسه الجان ويقوم بأعمال شريرة للآخرين كما يظن أصحاب هذا التفكير القاصر الذي تعانى منه صاحبه المشكلة .

* أم هو جبار لأنه يستفيد ويوظف قدرته المتبقية كي يتكيف مع ظروفه ويثبت ذاته بل ويتفوق علي أقرانه ؟

* أرجو حين تردد هذا المثل أن لا تكون من النوع الأول لأن هذا التفكير خرافي وساذج كما ترى وإنما كن من النوع الثاني الذي يحسن الظن بالناس ويشجعهم ويساعدهم علي إكتشاف قدراتهم وتوظيفها بحيث يكونون مفيدين لأنفسهم ومصدر خير وعطاء لأسرهم ومجتمعاتهم .

ولذا فأننى أقدم لهذه الأم ولكل من عنده ابن أو قريب أو جار أو زميل أو شخص يهمه أقدم هذه المعلومات البسيطة التى تساعدك في توجيهه كي ما يحيا حياة سعيدة معتمداً علي نفسه ، متفوقاً علي غيرة ومصدر عطاء لأسرته ومن حوله .

من هم أصحاب الظروف الخاصة ؟

* أنهم مجموعات من أبناء أي مجتمع تعرضوا لظروف معينة ( يمكن أن يتعرض لها أي أحد ) جعلتهم مختلفين عن الأفراد العاديين لهذا المجتمع : صعوداً أو هبوطاً ، تفوقاً أو قصوراً ، الأمر الذي أدى إلي تدخل المتخصصين ببعض الوسائل أو المعينات التربوية أو النفسية أو الاجتماعية التي تمكنهم من أن يوظفوا قدراتهم ويعيشوا حياتهم ويعتمدوا علي أنفسهم ويقوموا بأداء المهام والالتزامات المطلوبة منهم تجاه أسرهم ومجتمعاتهم .

 

* فمثلاً الإنسان الأعمى حدث عنده قصور في حاسة البصر لسبب أو لأخر فلا يتمكن بالوسائل العادية من القراءة والكتابة وأداء بعض المهارات الأخرى ، فأستخدمت وسيلة معينة وهي طريقة (برابل) التي يكتب بها المكفوفون حتى تمكنه من القراءة والكتابة والتواصل مع أصدقائه وهكذا . . .

وابن صاحبـه المشكلة وأمثـاله تعرضـوا لظروف خاصـة ( قد تكون وراثيــة أو أثنــاء الولادة أو لأي سبب أخـر ) مما جعلهم يعانون من قصور في بعض قدراتهم الذهنية وفقاً لأختبارات الذكاء المتاحة لنا الآن )الأمر الذي تطلب أن يتعلموا في مدارس أو فصول أو معاهد أو مراكز خاصة حتى يتكيفوا مع ظروفهم ويعيشوا حياتهم ويعتمدوا علي أنفسهم . . . .  إلي أخره .

 

* إما الموهوبون أو المتفوقون فقد لوحظ أن لديهم قدرات تحتاج إلي إثراء وتدعيم بشكل معين لذا فهم يدخلون مدارس أو فصول مخصصة لهم حيث تقدم لهم برامج تمكنهم من الاستفادة والاستثمار لقدراتهم وإمكاناتهم . .  وهكذا .

  

  •  أصحاب الإعاقة الذهنية :-

وهم الذين يعانون من ظروف ذهنية خاصة ، وهم أنواع عديدة تختلف وفقاً لنسب ذكائهم علي إختبارات الذكاء علي النحو التالي :-

* تلاميذ فصول صعوبات التعلم : وهم الذين تتراوح نسب ذكائهم علي اختبارات الذكاء بين 70 ، 80 درجة .

* أبناء فصول أو مدارس أو معاهد التربية الفكرية : وتتراوح نسب ذكائهم في العادة بين 55 ، 70 درجة في العادة .

* أبناء معاهد التأهيل : وتتراوح نسب ذكائهم بين 55 ، 25 درجة علي اختبارات الذكاء .

* أقل من 25 : درجة وفي العادة تكون لهم أماكن خاصة لرعايتهم والعناية بهم .

 

وإنطلاقاً من ذلك كله أقول لهذه الأم :

1- عليك أولاً أن تتجهي إلي أحد العيادات أو المراكز النفسية لقياس نسبة ذكاء ابنك .

2- التوجه إلي نوع التعليم المناسب له وفقاً لنسبة ذكاءه " كما سبق الإشارة " .

3 - عليك أن ترضي بقضاء الله وقدره " فالمؤمن في كل أحواله خير إن أصابته ضراء صبر فكان خير اً له وإن إصابته نعماء شكر فكان خيراً له كما أخبرنا النبي ( ص ) في الحديث الصحيح" .

ولن يختار لنا الله إلا الخير ولقد رأيت أناس كثيرين أصيبوا بإعاقات مختلفة فصبروا وأخذوا بالأسباب فكانت هذه الظروف خيراً لهم ولأسرهم .

4- ولا تقلقلي " عزيزتي الأم " إن إتجهت بابنك صوب التعليم المناسب له فالتربية الآن تصنع المعجزات وعن طريق المعهد أو المركز أو المدرسة الذي ستتجهين إليه سيتعلم ابنك القراءة والكتابة وسيكتسب المهارات اللازمة لإدارة حياته داخل هذا المعهد وسيتعلم مهنه يرتزق منها ويتزوج ويعتمد علــي نفسـه ، بل ربما تكون عنده هوايــة وقــدرات خاصة كامنــة ستكتشف وتستثمر عن طريــق المعهد / المدرسة ، وربما ترينه رياضياً مشهوراً أو فناناً موهوباً أو مهنياً بارعاً .

5- ولقد شاءت إرادة الله وحكمته أن يكون لك ثواباً مضاعفاً : جزاء لصبرك علي ما تعرض له ابنك من ظروف ذهنية خاصة ، وهو إن كان ابتلاءاً فسيكون رحمة وخير من الله لكم ، ثم صبرك أيضاً علي إيذاء هؤلاء الجيران أصحاب هذا التفكير القاصر . نسأل الله أن يلهمهم الثواب .

- فلا تجزعي ولا تحزني وتسلحي بالإرادة القوية والأخذ بالأسباب وبالحكمة والبصيرة وايقنى أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ولأصحاب هذا التفكير القاصر أصرخ فيهم أن اتقوا الله ولا تسيئوا الظن بالناس فالابتلاء ليس بعيداً عن أحد فلا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك وعودوا لأنفسكم في جلسة حساب وعتاب فما ذنب هذا الطفل الصغير البرئ أن تجعلوه شماعة تعلقون عليها عجزكم وفشلكم في الحياة الزوجية ، وانى لأعتقد أن سبب تعاستكم وشقاؤكم هو في المقام الأول نابع من هذا التفكير العاجز القاصر وليس بسبب هذا الطفل المسكين .، اتقوا الله وحاسبوا أنفسكم وعودوا إلي ثوابكم ورشدكم ومن كان بيته من زجاج فلا يلقي الناس بالطوب ) وإذا أغرتكم قوتكم وقدرتكم علي ظلم إنسان ضعيف فتذكروا قدره الله العزيز القوى القادر الذي ينصر المظلوم ويستجيب دعاءه .

 - وتعرض أي إنسان لظروف خاصة ليس أمراً بعيداً عنكم فالأولي بكم أن تحمدوا الله أن عافاكم من هذه الظروف وان تصححوا  أخطاءكم وتحسنوا معاملة الطفل البرئ حتــى تعوضوه عن سابــق إساءتكم له .

* تجربـــة مضيئــة :-

 وأختم بهذه التجربة المضيئة لأم لها ظروف تشابه إلي حد بعيد صاحبه المشكلة :

الحاجة / فاطمة " كما يعرفها من حولها " تزوجت منذ فترة طويلة لكن لم ترزق الوُلد ، ترددت علي الأطباء كثيراً هى وزوجها وكان الأمل يحدوهما أن يرزقا ولو بطفل وحيد ينير عليهما بيتهما وحياتهما .

 وبعد صبر طويل رزقت الأسرة بطفل وحيد بالفعل لكن تشاء إرادة الله سبحانه أن يكون من أصحاب الظروف الذهنية الخاصة " داون " تقول الأم : أصابني الجزع في البداية عندما أكتشفنا هذه الحقيقة لكننى لم ألبث أن تمالكت نفسي وتحكمت في إنفعلاتى فأنا بشر ، صبرت طويلاً وحمدت الله كثيراً وقلت أنه يأمرنا بالأخذ بالأسباب و لا يفعل شئياً إلا لحكمة ولن يأتى إلينا بشئ إلا وفيه الخير والرحمة ، بدأت أقرأ حول هذا الموضوع وتسلحت بالإصرار ، بالإصرار .  بالإصرار ، والصبر الجميل وتحليت بالتفاؤل والأمل ، وإيقنت أن الله لا يضيع أجر المجتهدين ، قرأت ودرست وبحثت وقمت بالعمل الدئوب مع ابني حتى نجحت معه ونجح هو الأخر في حياته وهو الآن حاصل علي شهادة ، متزوج ، يعمل براتب شهري ، معتمد علي نفسه ، يقوم بالوفاء بالتزاماته .

 

- وقد أغراني نجاحي في هذه التجربة أن أقوم بعمل جمعية خيرية تطوعية تقوم برعاية أصحاب الظروف الخاصة من متلازمة " داون " وتحل مشاكلهم وتؤهلهم وكانت هذه الجمعية بفضل الله سبباً في مساعدة الكثيرين منهم (فَعَسىَ أن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) ( سورة النساء /الآية 190 ) فأنظر كيف كانت معاناة هذه الأم مع ابنها الوحيد سبباً في إضاءة الطريق للكثير من الأسر للأخذ بأيدي أبنائهم  أصحاب الإعاقة وإنقاذهم من التسول في الطرقات أو الجلوس داخل بيوتهم بل داخل غرفهم بل ومن علي فرشهم ليصبحوا أناساً مفيدين لأنفسهم يحملون الراحة والطمأنينة لأسرهم ويبذلون ما استطاعوا من جهد بحب ورضا لبيئاتهم ومجتمعاتهم .

 

بقلم الدكتور أحمد مصطفى شلبي

 

mostsharkalnafsi

بقلم د. أحمد مصطفى شلبي [email protected]

ساحة النقاش

د.أحمد مصطفى شلبي

mostsharkalnafsi
• حصل علي الماجستير من قسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس في مجال الإرشاد الأسري والنمو الإنساني ثم على دكتوراه الفلسفة في التربية تخصص صحة نفسية في مجال الإرشاد و التوجيه النفسي و تعديل السلوك . • عمل محاضراً بكلية التربية النوعية و المعهد العالي للخدمة الاجتماعية . »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

190,238