النظافة من الإيمان

P

]وقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلَى والِدَيَّ وأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)[ وأصلي وأسلم على خير هاد الذي علمه ربه فعلم وعلم، وعلى آله وصحبه وسلم0

أما بعد

   نظرة فاحصة لما يحدث حولنا، وما تطالعنا به وسائل الإعلام من المشكلات التي تحتاج الوقوف أمامها، من قتل وسرقة وتسول واغتصاب وعقوق والدين، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما سبب هذه المشكلات؟

    والإجابة عن هذا السؤال تتضح من قول الشاعر:

إذا الإيمـان ضاع فلا أمان           ولا دنيا لمن يحـي دينـا

ومن رضي الحياة بغير دين           فقد رضي الفناء لها قرينا

    فالشاعر يرى أن ضياع الإيمان سبب انتشار الفساد مما يؤدي إلى فقدان الأمان، وقد يظن بعض الناس أن المقصود بالإيمان هو الدين الإسلامي، وأريد أن أنوه هنا إلى معنى كلمة "الإيمان" فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وليس معنى ذلك أن الشاعر لا يقصد الدين الإسلامي، بل يقصده لأنه المنظم لتعاملات البشر، ولكنه لا يقف عند الإسلام فقط بل يتخطاه إلى الإيمان"الاقتناع" بالدين وتطبيق مبادئه0

    وعودة أخرى إلى الأبيات التي يرى فيها الشاعر أن الأمة التي يختفي فيها الإيمان ينتشر فيها الفساد، ويختفي منها الأمان، لأن الدين الإسلامي منظم لحياة البشر في معاملاتهم اليومية، وفي البعد عنه انتشار للسلوكيات الرديئة من قتل وسرقة وزنا وغير ذلك مما يشعر الإنسان بعدم الأمان، ومن ثم يكون الحل في العودة إلى الإيمان بالدين الصحيح" الإسلام"، وعندما أعود إلى عنوان محاضرة اليوم" النظافة من الإيمان" يحضرني سؤال: هل هذا العنوان حديث نبوي كما يقال أم قول مأثور؟

    والإجابة أن هذا قولا مأثورا نسب إلى النبي e، وهذا لا يعني أن النظافة ليست من الإيمان فـ" الطهور شطر الإيمان"0

    والآن هيا نقترب من الإيمان بالدين الحق لنرى وضع النظافة فيه، من خلال محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية:

*هل فعلا اهتم الإسلام بالنظافة؟ ما الدليل؟

*لماذا اهتم الإسلام بالنظافة؟

*ما مظاهر اهتمام الإسلام بالنظافة؟

    ومعا نخطوا نحو أول مبدأ من مبادئ الإسلام" النظافة"، بدليل أن الإنسان الذي يريد الدخول في الإسلام ينبغي أن يغتسل أولا قبل النطق بالشهادتين، على الرغم من أن هذا الأمر مستعجل؛ بمعنى أنني إذا كنت في موقف أريد شيئا ولكنه بعيد المنال لا أهتم بالمقدمات، وذلك يذكرني بموقف سيدنا نوح عليه السلام مع ابن عوج حينما طلب منه أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم فرفض أكثر من مرة، فقال له: قل: نوح يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وكذلك الموقف حينما يكون غير المسلم يريد الدخول في الإسلام، كان الأحرى بنا أن نستعجله في النطق بالشهادتين قبل أن يتراجع، ولكن قدم الغسل على النطق بالشهادتين احتراما لقدسية الإسلام، مما يؤكد أهمية النظافة في الإسلام، وهناك عدة أدلة على تمسك الإسلام بالنظافة من بينها:

]وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً (48)[[ الفرقان: 48]

]ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (157) [[ الأعراف: 157]

]وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) [الحج: 26 ]

]يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إلَى الكَعْبَيْنِ وإن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) [[ المائدة: 6]

]  يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ولا جُنُباً إلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُواً غَفُوراً (43)[[ النساء: 43]0

    عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله r قال:" لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة"[ رواه البخاري]0

    وإجابة السؤال الثاني: لماذا اهتم الإسلام بالنظافة؟ أن هناك عدة عوامل تدعو لذلك منها:

*حرص الإسلام على المظهر المشرف للمسلم حتى يكون باعثا للجذب لا التنفير، حيث إن كل شيء له ظاهر يتمثل في الشكل الخارجي، وباطن يتمثل في المضمون أو المحتوى، فإذا كان الظاهر منفر قد لا ينظر للمحتوى، والعكس0

*أن النظافة تقي الجسم من الأمراض؛ مما يحافظ على صحة المسلم وسلامة بدنه، عن أبي هريرةy قال: قال رسول الله r:" المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف"[رواه مسلم] حتى لا تكون الأمة الإسلامية فريسة سهلة لأعدائها لأن العقل السليم في الجسم السليم0

*أن النظافة من الطب الوقائي والوقاية خير من العلاج فقد ثبت في بعض الإحصاءات الدقيقة أن مجموع الدخل الذي تحصل عليه أوروبا وأمريكا من الضرائب الباهظة هو أقل بكثير مما تنفقه تلك الدول على معالجة الأمراض الناتجة عن التدخين[1]، وأن بعض الدول الصناعية تفقد في كل عام خمسين يوم عمل نتيجة الأمراض التي تصيب العمال والموظفين من التدخين؛ الذي يسبب تلوث الهواء، ومن ثم ينعكس على صحة ليس المدخن فقط بل كل من حوله0

*أن النظافة لها أثر في بناء الشخصية، وثقة المسلم بنفسه، فكلما شعر الشخص بالنظافة في بدنه والبيئة المحيطة ازدادت ثقته بنفسه وتمتع بالهدوء، والعكس صحيح لذلك جعل الإسلام إماطة الأذى عن الطريق صدقة، حتى يبتعد الأذى عن الناس0

    وفي النظافة يقول عبد الله القحطاني:

غَسلُ اليَدَينِ لَدى الوُضوءِ نَظافَةٌ

أَمرَ النَبيُّ بِها عَلى اِستِحسانِ

وَكَذَلِكَ الرِجلانِ غَسَلُهُما مَعاً

فَرضُ وَيَدخُلُ فيهِما الكَعبانِ

غَسَلَ النَبيُّ وَصَحبُهُ أَقدامَهُم

لَم يَختلف في غِسلهم رجلان

فَإِذا اِستَوَت رِجلاكَ في خُفَّيهِما

وَهُما منَ الأَحداثِ طاهِرَتانِ

وَأَرَدتَ تَجديدَ الطَهارَةِ مُحدِثاً

فَتَمـامُها أَن يُمسَـحَ الخُفّانِ

وَإِذا أَرَدتَ طَهارَةً لِجَنابَةٍ      

فَلتُخـلَعا وَلتُغسَـلِ القَدَمانِ

وَإِذا اغتَسَلتَ فَكُن لِجِسمِكَ دالِكاً  

حَتّى يَعُمَّ جَميعُهُ الكَفّانِ

وَإِذا عَدِمتَ الماءَ فَكُن مُتَيمِّماً  

مِن طيب تُربِ الأَرضِ وَالجُدرانِ

    وفيما يلي بعض فوائد النظافة التي حث عليها الإسلام كما جاء في أقوال العلماء:

1- فوائد الاغتسال:

- الاغتسال بالماء الساخن وحمامات البخار: يعمل على تفتح مسام الجسم جميعها، ويؤدي هذا بالتبعية إلى تنفس خلايا الجسم بشكل طبيعي، وكذا يجدد الاغتسال بالماء الساخن الخلايا التالفة والمتهالكة؛ فيكتسب الجسم النشاط والحيوية، وتهدأ الأعصاب، ولو كان الحمام الساخن في الليل فإنه يساعد على النوم الطبيعي العميق، والحمام الساخن يقلل من احتمالات الإسهال لأنه يعين على الهضم الجيد.  

-الاغتسال بالماء البارد: يجعل جميع خلايا الجسم بما فيها من شرايين وأوردة تعاود الانكماش بعد التمدد، وهذا يساعدها على اكتساب المـرونة اللازمة التي تقيها كثير من أمراض القلب والدورة الدموية؛ مما ينشط التنفس ويزيد من احتمالات اعتدال النبض والضغط، ويمكن أن يستعمل بعد الماء الساخن لتقوية البشرة وإمداد الجسم بالحيوية والنشاط، على ألا يكون الماء شديد البرودة، ولا يستعمل الحمام البارد عقب الجماع أو عقب الطعام مباشرة لما يسببه من أخطار.

2- فوائد الوضوء: إن عملية غسل الأعضاء المعرضة دائما للأتربة من جسم الإنسان في منتهى الأهمية للصحة العامة، فأجزاء الجسم تتعرض طوال اليوم لعدد مهول من الميكروبات تعد بالملايين في كل سنتيمتر مكعب من الهواء، وهي دائما في حالة هجوم على الجسم الإنساني من خلال الجلد في المناطق المكشوفة منه، وعند الوضوء تفاجأ هذه الميكروبات بحالة كسح شاملة لها من فوق سطح الجلد، وهو هدي الرسول r، وبذلك لا يبقى بعد الوضوء أي أثر من أدران أو جراثيم على الجسم إلا ما شاء الله.

  -المضمضة: أثبت العلم الحديث أن المضمضة تحفظ الفم والبلعوم من الالتهابات، وتحفظ اللثة من التقيح، وتقي الأسنان وتنظفها بإزالة الفضلات الغذائية التي تبقى بعد الطعام في ثناياها، وتقوي بعض عضلات الوجه، وتحفظ للوجه نضارته واستدارته0

  - غسل الأنف: أظهر بحث علمي أجراه فريق من أطباء جامعة الإسكندرية أن غالبية الذين يحرصون على الوضوء باستمرار قد بدا أنفهم نظيفا خاليا من الأتربة والجراثيـم والميكروبات، مما ينعكس على الحالة الصحية للجسم كله، حيث تحمـي هذه العملية الإنسان من خطر انتقال الميكروب من الأنف إلى الأعضاء الأخرى في الجسم.  

- غسل الوجه واليدين: ولغسل الوجه واليدين إلى المرفقين فائدة كبيرة جدا في إزالة الأتربة والميكروبات فضلا عن إزالة العرق من سطح الجلد، كما أنه ينظف الجلد من المواد الدهنية التي تفرزها الغدد الجلدية، وهذه تكون غالبا موطنا ملائما جدا لمعيشة وتكاثر الجراثيم.  

- غسل القدمين: أما غسل القدمين مع التدليك الجيد فإنه يؤدي إلى الشعور بالهدوء والسكينة، لما في الأقدام من منعكسات لأجهزة الجسم كله، ومن أسرار ذلك الشعور الطاغي بالهدوء والسكينة الذي يلف المسلم بعد أن يتوضأ.  

     وقد ثبت بالبحث العلمي أن الدورة الدموية في الأطراف العلوية من اليدين والساعدين، والأطراف السفلية من القدمين والساقين أضعف منها في الأعضاء الأخرى لبعدها عن المركز المنظم للدورة الدموية وهو القلب، ولذا فإن غسل هذه الأطراف جميعا مع كل وضوء ودلكها بعناية يقوي الدورة الدموية، مما يزيد في نشاط الجسم وحيويته. وقد ثبت أيضا تأثير أشعة الشمس ولا سيما الأشعة فوق البنفسجية في إحداث سرطان الجلد، وهذا التأثير ينحسر جدا مع توالي الوضوء لما يحدثه من ترطيب دائم لسطح الجلد بالماء، خاصة تلك الأماكن المعرضة للأشعة، مما يتيح لخلايا الطبقات السطحية والداخلية للجلد أن تحتمي من الآثار الضارة للأشعة.  

3- فوائد الاستنجاء: أثبت الطب الحديث أن النظافة الذاتية للأعضاء التناسلية تقي الجهاز البولي من الالتهابات الناتجة عن تراكم الميكروبات والجراثيم، كما أنها تقي الشرج من الاحتقـان ومن حدوث الالتهابات والدمامل، خاصة مرضى السكر أو البول السكري ، وقد تنتقل الأمراض في وقت لاحق إلى الزوجة عند الجماع، وقد يؤدي إلى عقم تام.  

    وفي عام 1963 في مدينة "داندي" في إنجلترا حدث أن انتشر مرض التيفود بشكل عاصف مما أصاب السكان بالذعر الشديد، وبذل الجميع طاقاتهم في محاولات شتى لوقف انتشار المرض، وفي النهاية اتفق العلماء على إذاعة تحذير في مختلف وسائل الإعلام يأمرون الناس بعدم استعمال الأوراق في دورات المياه، واستبدالها باستخدام المياه مباشرة في النظافة وذلك لوقف انتشار العدوى[2]، وبالفعل استجاب الناس، وللعجب الشديد توقف فعلا انتشار الوباء وتمت محاصرته0

    وإجابة السؤال الثالث: ما مظاهر اهتمام الإسلام بالنظافة؟

هناك عدة مظاهر منها:

1.         الاغتسال في عدة مواقف منها:

*قبل النطق بالشهادتين0

*بعد الأحداث الكبرى" الحيض، النفاس، الجنابة"0

*صباح يوم الجمعة، والعيدين0

2.         أن الصلاة التي هي عماد الدين، والركن الأول من أركان الإسلام بعد النطق بالشهادتين لا تصح دون أن يسبقها الوضوء أو التيمم إذا لم يتوافر الماء0

3.         وجوب الاستنجاء بعد قضاء الحاجة، فحينما نزلت على الرسول e آية ] لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ (108) [[ التوبة: 108]  بعث رسول e إلى عويم بن ساعدة فقال: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم ؟» فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا وغسل فرجه أو قال مقعدته, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «هو هذا»[3]، ومن هذا نتعلم الانتفاع بما هو مفيد حتى لو أخذ ممن هو على غير الدين0

4.         استخدام السواك لإزالة آثار الطعام من الأسنان0

5.         وضع آداب للتعامل اليومي في الطعام وغيره، عن عمر بن أبي سلمة يقول كنت غلاما في حجر رسول الله r، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله r:" يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك، فما زالت تلك طعمتي بعد"[رواه البخاري]، والصحفة إناء الطعام، فعندما وجد الرسولr يد عمر بن أبي سلمة تتحرك في إناء الطعام، نهاه عن ذلك حتى لا يصاب من يأكل من نفس الإناء بنوع من الضيق خشية تلوث الطعام من يد هذا الغلام، فأمره بتسمية الله قبل تناول الطعام حتى يطرد الشياطين، والأكل باليد اليمنى النظيفة التي لا يستنجي بها، والأكل مما يليه(أمامه) بعيدا عن الآخرين، فلو التزم الجميع بذلك لتناولوا الطعام بنفس مفتوحة، ولوضع الله تعالى بركته في هذا الطعام0

6.         إماطة الأذى عن الطريق، فقد يسير في الطريق شخص غير مبصر، أو مشغول بقضية ما؛ مما يجعله لا ينظر جيدا أمامه؛ فيصطدم بمسببات الأذى من قاذورات وغيرها، مما يضره 0

7. التزين قال تعالى: ] يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ (31) [[ الأعراف:31] وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قوله: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحس أن استنظف (آخذ) كل حقي الذي لي عليها؛ فتستوجب حقها الذي لها علي، لأن الله -تعالى- يقول: ]ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [ [البقرة:233 ] صدق الله العظيم.

   وهنا نتساءل: لماذا كان الطهور شطر الإيمان؟

    والإجابة : لما له من مردود إيجابي على صحة كل من الفرد والمجتمع، الذي يضم أبناءنا الذين قال فيهم الشاعر حطان بن المعلي [4]:

وإنمـا أولادنا بيننـــا           

          أكبـادنا تمشي على الأرض

لوهبت الريح على بعضهم          

           لامتنعت عيني عن الغمض

فمن واجبنا الحفاظ عليهم، ومن الحفاظ عليهم، يأتي الحفاظ على البيئة المحيطة بهم، ولا يتثنى ذلك إلا بتعليمهم النظافة التي حث عليها الإسلام بنوعيها"المادية والمعنوية"، فالطهارة المادية تشمل نظافة الجسم والمأكل والملبس والبيئة المحيطة، وفي هذا يحضرني موقف الشاعر علي الدرويش الذي أرسل خطابا إلى معلم ولده في الكُتاب يقول فيه:

أكل الغـلام ولم يُغَسِّـل بعدما      

أكل الطـعام وفرَّ عني واحـتجب

وسـألت عنه فقيل لي لم ندره      

حتـى تحـقق أنـه لك قد ذهـب

فإذا أتى الكتّاب فاقرع بالعصا  

فوق الحصير ومس ما فوق الركب

واشهر عصا التأديب لا تضرب بها  

غضباً فكم لم يهد ضالّاً من ضرب

واعـلمه أن الاتسـاخ مذمّة      

ورجـوعه متسـحّباً غير الأدب

وأفده أن الدين حـب نظافة      

وتشـبث الأوسـاخ مُفْضٍ للجرب

إني شكرتك وهو يقرأ أحرفاً      

حفظاً فكيف يكون شكري إن كتب

إن الصغير يشب مع عاداته      

حتـى يشـيب وإنه مع من غلب

والطهارة المعنوية تشمل طهارة القلب من الأحقاد والضغائن، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ماذا فعل فقهاء المسلمين للحفاظ على هذا المبدأ"الطهارة"؟

استخرج فقهاء المسلمون قاعدة " سد الذرائع " (والذرائع هي الطرق والوسائل)، ومؤدى هذه القاعدة: أن بعض الأشياء تحرم لأنها مفضية إلى الحرام ومؤدية إلى الوقوع فيه، فعلى سبيل المثال من الأمور التي تسبب مشكلات لا حصر لها، والتي تنتج عن عدم النظافة بنوعيها، وكذلك تسبب أمراضا لا علاج لها، والتي يعدها الإسلام من أكبر الكبائر الممارسات الجنسية الخاطئة، خارج إطار الزواج الصحيح في التوقيت"الطهر" والمكان المخصص لذلك" الفرج"] ويَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ (222) [ [ البقرة: 222] لذلك وضعوا قواعد مستمدة من الكتاب والسنة من يلتزم بها يتجنب الوقوع في هذا الخطأ من بينها[5]:

1. تحريم الدخول إلى بيت غيرك دون استئذان حيث يقول تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) [[النور: 27- 28]، فقد ترى إذا دخلت بدون استئذان ما يثير غرائزك، ويجعل أهل البيت يضيقون بوجودك لكشفك عوراتهم  .

2. الأمر بغض البصر، أي كفه عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه من رجل أو امرأة، فقال سبحانه ]قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) [ [النور : 30 ] .

3. النهى عن التبرج، هو كل زينة أو تجمل تقصد المرأة بإظهاره أن تحلو في أعين الأجانب يقول  ][6]وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وأَطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33) [[الأحزاب: 33]

4. تحريم الخضوع بالقول، وهو ترقيق الكلام إذا خاطبت المرأة الرجل] يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً (32[[ الأحزاب: 32]، وفي هذا الأمر لنساء النبي r؛ وإن خصهن بالأمر دون سائر النساء، إلا أنهن قدوة لجميع نساء المسلمين، ومن ثم فإن الأمر الإلهي يشمل سائر نساء المسلمين0

5. جعل الحياء شعبة من شعب الإيمان، فقد قال رسول الله r : " الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان"[رواه البخاري]

6. الترغيب في الزواج ] وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) [[ الروم:1 2]، وكذلك الأديان الأخرى تقدس الزواج، وتحرم الزنا؛ ففي العهد القديم: " ولا تشته إمرأة قريبك " [ خروج 20: 14 تثنية 5: 18  ]، والوصية السابعة من الوصايا العشر التي تلقاها موسى عليه السلام كانت: " لاتزن ". وفى العهد القديم كذلك: "الزاني بامرأة عديم العقل "[ أمثال 6: 29] وينقل إنجيل متى عن السيد المسيح أنه قال: " إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في  قلبه " [الإصحاح : 28 ] .

هذا إلى جانب منع الإسلام تربية الكلاب في المنازل حرصا على صحة الإنسان، وقد أثبت العلم الحديث أن الكلاب تنقل أمراضا كثيرة للإنسان كداء الكلب والكي المائي. قال رسول الله r :" من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص كل يوم من عمله قيراط" [رواه البخاري]

 والرسول r هو أول من دعا إلى الحجر الصحي وطبّقه، قال أسامة: قال رسول الله r :"الطاعون رجس أرسل على { طائفة من بني إسرائيل }  أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه "[رواه البخاري]، وذلك منعا لانتشار العدوى0

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : كيف تصدى الإسلام لبعض المشكلات المرضية من خلال النظافة؟

    أسس الإسلام قواعد الطب الوقائي من الأمراض عن طريق النظافة، وفيما يلي بعض الملامح التي تؤكد عناية الإسلام بصحة الإنسان[7]:

(أ) التحكم في  الأمراض التي تنتقل عن طريق البراز:

1.  يحث الإسلام على استخدام اليد اليسرى لغسل السبيلين مع إبقاء اليد اليمنى نظيفة للوضوء والأكل، عن عائشة رضي الله عنها قالت "كانت يد رسول الله r اليمنى لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه، وما كان من أذى ".. رواه أبو داود.

2.  إن المناطق الباردة الرطبة وذات الظل تعتبر جوا ملائما لنمو أغلب أنواع البكتيريا وبويضات الديدان، ويساعد في ذلك خلوها من تأثير الأشعة فوق البنفسجية القاتلة للجراثيم، ولقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r " أتقوا اللاعنين قالوا وما اللاعنان؟.. قال: الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم " رواه مسلم.

3- إن الكثير من الديدان تصيب الإنسان عن طريق اختراق جلد القدم،  ويحصل ذلك عادة إذا ما سار الإنسان حافيا حيث روى جابر قال سمعت رسول الله r يقول في غزوة غزوناها " استكثروا من النعال فإن الرجل ما يزال راكبا ما انتعل "  رواه مسلم 0

(ب) التحكم في  الأمراض التي تنتقل عن طريق الهواء:

إن نفخ الرذاذ وزفره يؤدي إلى انتقال كثير من الأمراض المعدية كالأنفلونزا والتهابات الحلق والسل وغيرها من الأمراض وخاصة الفيروسية، ولذلك فإنه ينصح  بعدم النفخ والتنفس في آنية الأكل والشرب، كما يستحسن تغطية الوجه أثناء العطس والتثاؤب، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال ":نهى رسول الله r أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه " رواه أبو داود..

(ج) التحكم  في الأمراض المتنقلة عن طريق الماء:

يعتبر الماء الراكد جوا ملائما لنمو الكثير من البكتريا عن أبي هريرة t قال: سمعت رسول الله r يقول: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه " متفق عليه .

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما دور المجتمع المدني في هذا الموضوع؟

    والإجابة أن الأسرة هي المؤسس الأول لكل السلوكيات، ومن ثم ينبغي عليها القيام ببعض الواجبات من بينها:

1.  تعويد الطفل على السلوكيات الإسلامية مثل :غسل اليدين قبل الأكل وبعده، واستخدام السواك أو معجون الأسنان، والتزام الأكل باليد اليمنى ومما يليه، والاستنجاء باليد اليسرى، وغسل الوجه عند الاستيقاظ، وعدم قضاء الحاجة في الظل أو المياه الراكدة، والحرص على وضع القمامة في الأماكن المخصصة لها، وسماع الأصوات الهادئة والمنخفضة، وتغيير الملابس الداخلية، ومراعاة نظافة الملابس الخارجية وغسلها، وتجنب المشي حافياً، وتجنب استخدام أدوات غيره كالأمشاط والملابس والفوط، وتغيير أغطية الأسرّة والوسادات، والاستحمام اليومي، وتمشيط الشعر، وإزالة الشعر الزائد، وتقليم الأظافر، وعدم إلقاء النفايات في المجاري المائية الصالحة للاستهلاك الآدمي0

2.  التعاون مع عمال النظافة بإلقاء النفايات في صناديق القمامة، ونشر الوعي لدى الأطفال بأهمية الحفاظ على صناديق القمامة، لأنها تمنع عنا أضرارا كثيرة، ولا مانع أن تحكي الأم لأطفالها قصة تبرز فيها أهمية التخلص من القمامة مثل قصة ملك الزبالة التي قام فيها رئيس الزبالين بمنع الزبالين من أداء عملهم، فعم الوباء في المدينة0

3.  الترشيح البسيط للمياه وتطهيرها في البيت بربط قطنة على فوة الصنبور أثناء أخذ مياه الشرب وطهي الطعام0

4.         التنظيف اليومي للمنزل 0

المصدر: الدكتورة/ سلوى عزازي

azazystudy

مع أطيب الأمنيات بالتوفيق الدكتورة/سلوى عزازي

  • Currently 124/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
41 تصويتات / 1865 قراءة
نشرت فى 8 فبراير 2010 بواسطة azazystudy

ساحة النقاش

الدكتورة/سلوى محمد أحمد عزازي

azazystudy
دكتوراة مناهج وطرق تدريس لغة عربية محاضر بالأكاديمية المهنية للمعلمين، وعضوالجمعية المصرية للمعلمين حملة الماجستير والدكتوراة »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,918,641