ملخص المادة العلمية

1- فضل الحياء. 2- تعريف الحياء وأقسامه. 3- كيف يكون الحياء من الله تعالى.

 

 

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إن لكل دين خلقا، وإن خلق الإسلام الحياء)).

هذا حديث عظيم، بيّن فيه النبي  أن الغالب على أهل كل دين سجيّة سوى الحياء، والغالب على أهل ديننا الحياء، لأنه متمّم لمكارم الأخلاق، وإنما بعث النبي  لإتمامها.

ولما كان الإسلام أشرف الأديان أعطاه الله سبحانه أسنى الأخلاق وأشرفها وهو الحياء.

ولقد كان النبي  المثل الأعلى في الحياء: فعن أبي سعيد الخدري  قال: ((كان رسول الله  أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرف ذلك في وجهه)).

ولقد كثرت الأحاديث عن النبي  في مدح الحياء والحث عليه وبيان منزلته من الدين.

عن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي  مر برجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال : ((دعه، فإن الحياء من الإيمان)).

وعنه  قال: قال رسول الله : ((الحياء والإيمان قًرِنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر)).

وعن ابن مسعود  قال: قال رسول الله : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت )).

وقد اختلفت عبارات العلماء في الإعراب عن معنى الحياء. فقيل: هو خلق يبعث على فعل الحسن وترك القبيح. وقيل: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره.

وقال الزمخشري: هو تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم.

وقال الراغب: الحياء انقباض النفس من القبيح.

وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي فلا يكون كالبهيمة. وهو مركب من جبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقا، وقلّما يكون الشجاع مستحيا.

فالحياء خلق الكرام، وسمة أهل المروءة والشرف، وعنوان الفضل والعقل، من حرمه حرم الخير كله، ومن تحلى به ظفر بالعزة والكرامة ونال الخير أجمع.

والحياء أمارة صادقة على طبيعة الإنسان، فهو يكشف عن قيمة إيمانه ومقدار أدبه. فعندما ترى الإنسان يشمئز ويتحرج من فعل ما لا ينبغي، أو ترى حمرة الخجل في وجهه صابغة إذا بدر منه ما لا يليق، فاعلم أنه حي الضمير، نقيّ المعدن، زكي العنصر. وإذا رأيت الرجل لا يكترث ولا يبالي بما يبدر منه فهو امرؤ لا خير فيه، وليس له وازع يمنعه من ارتكاب الجرائم، واقتراف الآثام الدنايا.

وقد جعل العلماء الحياء قسمين:

الأول: الحياء من الناس.

ومنه أن يطهّر الإنسان فمه من الفحش، وأن يعزّ لسانه عن العيب، وأن يخجل من ذكر العورات، فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابئ بمواقعها وآثارها.

ومنه أن يقتصد المسلم في تحدّثه بالمجالس، فإن بعض الناس لا يستحيون من امتلاك ناصية الحديث في المحافل الجامعة، فيملئون الأفئدة بالضجر من طول ما يتحدثون.

ومنه أن يخجل الإنسان من أن يؤثر عنه سوء، وأن يحرص على بقاء سمعته نقية من الشوائب، بعيدة عن الإشاعات السيئة.

ومنه أن يعرف لأصحاب الحقوق منازلهم، وأن يؤتي كل ذي فضل فضله، فللغلام مع من يكبرونه، وللتلميذ مع من يعلمونه مسلك يقوم على التأدب والتقديم، فلا يسوغ أن يرفع فوقهم صوته، ولا أن يجعل أمامهم خطوة.

وأما القسم الثاني من الحياء فهو الحياء من الله عز وجل، فنحن من خيره، ونتنفس في جوّه، وندرج على أرضه، ونستظل بسمائه، والإنسان بإزاء النعمة الصغرى من مثله يخجل أن يقدم إلى صاحبه إساءة، فكيف لا يخجل الناس من الإساءة إلى ربهم؟ الذي تغمرهم آلاؤه من المهد إلى اللحد، وإلى ما بعد ذلك من خلود طويل.

إن حق الله على عباده عظيم، ولو قدروه حق قدره لسارعوا إلى الخيرات يفعلونها من تلقاء أنفسهم، ولابتعدوا عن السيئات خجلا من مقابلة الخير المحض بالجحود والخسّة.

ولقد بيّن النبي  كيف يكون الحياء من الله؟ فعن ابن مسعود  قال: قال رسول الله  ذات يوم لأصحابه: ((استحيوا من الله حق الحياء)). قالوا: إنا نستحيى من الله يا رسول الله الحمد لله. قال: ((ليس كذلك، ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء)).

وهكذا بيّن  أن حقيقة الحياء من الله تكون بمجموع هذه الأمور، وأن من ترك منها شيئا نقص حياؤه على قدر ما ترك منها.

وأول هذه الأمور: حفظ الرأس مجملا عبارة عن التنزه عن الشرك، فلا يضع رأسه لغير الله ساجدا، ولا يرفعه على عباد الله تكبرا، فإن السجود لغير الله شرك، قال : ((لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)).

والتكبر على عباد الله كبيرة، وكلاهما من موجبات النار.

قال تعالى:  إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار  [المائدة:72].

وقال النبي : ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)).

وأما تفصيلا: فحفظ الرأس معناه: أن يحفظ العبد الرأس وما وعاه من الحواس كالفم واللسان، والعين والأذن.

فحفظه يكون باجتناب أكل الحرام وما فيه شبهة، فإن النبي  قال: ((كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به)).

وأكل الحرام يمنع قبول الدعاء كما في الحديث: ((إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى:  يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون .

ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟.)) وأما اللسان فإمساكه عن الحرام والشر واجب، وقد كثرت الأحاديث في الأمر بصيانة اللسان، منها:

قوله : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)).

ولما أرشد النبي  معاذ بن جبل ودلّه على أبواب الخير كلّها قال: ((ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: أمسك عليك لسانك)). وقال لسفيان الثقفي وقد قال له: ((ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ  بلسان نفسه وقال هذا)).

وإنما كان اللسان بهذه المنزلة من الخطر: لأن به يكون الشرك بالله، والكفر به، وبه يكون الكذب، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، وبه يكون القول على الله بغير علم، وكل ذلك من الموبقات.

وأما العين فقد أمر المسلم بحفظها عن النظر إلى ما متّع الله به الكفار من متاع الحياة الدنيا.

قال الله تعالى:  ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى  [طه:131].

وقال تعالى:  لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد  متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد  [آل عمران:196].

وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : ((انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)).

وقد أمر الله تعالى أيضا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر عما لا يحل النظر إليه.

قال تعالى:  قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون  وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن [النور:30-31].

وقال  لعلي  قال: ((يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وعليك الثانية)).

وسئل  عن نظر الفجأة؟ فقال: ((اصرف بصرك)).

وقال : ((إياكم والجلوس في الطرقات))! قالوا: يا رسول الله! ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها!.

فقال : ((فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه)). قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: ((غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)).

وإنما شدد الإسلام في النظرة لأنها بريد الشهوة ورائد الفجور، ولقد أحسن من قال:

كل الحوادث مبدأها النظــر                  ومعظم النار من مستصغر الشرر

والمرء ما دام ذا عين يقلبـها                  في أعين الغيد موقف على الخطر

كم من نظرة فعلت في قلب صاحبها            فعل السهام بلا قوس ولا وتــر

يسـر ناظـره ما ضـر خـاطره             لا مرحبا بسرور جــاء بالضرر

ومما يجدر التنبيه عليه أنه لا فرق في النظرة بين أن تكون مباشرة أو غير مباشرة، فالنظرة إلى الصورة في الورق أو في المجلة أو على الشاشة حرام كالنظر إلى المرأة.

أما الأذن: فحفظها يكون بترك الاستماع إلى الخنا والفجور، وبترك الاستماع إلى القينات والمعازف، وبترك الاستماع إلى كل ما حرم الله الاستماع إليه، فإن المسلم مخاطب بتغيير المنكر إذا رآه أو سمعه، فإذا استمع الإنسان للمنكر ألفه قلبه، حتى لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا.

وقد جعل النبي  استماع الأذنين زنا كزنا العينين، فقال : ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه)).

ويدخل في حفظ الرأس حفظه عن نظر من لا يجوز له النظر إليه، فرأس المرأة عورة، و((الأذنان من الرأس))، كما قال النبي ، فلا يجوز لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تكشف رأسها بحضرة الأجانب، ينظرون إليه، فضلا عن أن يمسّوه. كما يدخل في حفظ الرأس حفظ الوجه من تغيير خلق الله، فلا يجوز لرجل أو امرأة الاعتداء على الوجه بتغيير خلق الله.

أما الرجل فقد فطره الله على أن يكون ذا لحية قد تكثف وقد تخف، فلا يجوز للرجل أن يعتدي على لحيته بالإزالة، أو بالأخذ منها أخذا يشبه الإزالة، فقد أمر النبي بإعفاء اللحية وتوفيرها، فقال : ((اعفوا اللحى)). ((وفروا اللحى)). ((أرخوا اللحى)). فمن حلق لحيته فقد خالف أمره ، والله عز وجل يقول:  فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم  [النور:63].

أما المرأة فقد خلقها الله لا لحية لها، لكنها قد ينبت في وجهها شعر خفيف، وقد يثقل فيرى، وفي هذه الحالة لا يجوز لها إزالة هذا الشعر، فإن فعلت فهي ملعونة على لسان محمد ، فقد لعن النامصة والمتنمصة.

وأما حفظ الفم، كما يدخل فيه حفظه عن الحرام وما فيه شبهة، كما سبق في حفظ الفم، كما يدخل فيه حفظه عن أن يمتلأ بالمباح، فإن الله تعالى يقول:  وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين  [الأعراف:31].

وقال النبي : ((ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، فإن كان لابد فاعلا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)).

وأما ما حواه البطن فالمراد به الفرج، وحفظ الفروج قد أمر الله به فقال:  قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن  [النور:30-31].

ومدح الحافظين فروجهم فقال:  والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما  [الأحزاب:35].

وحفظ الفرج يكون بحفظه من الوطء الحرام، والنظر الحرام، واللمس الحرام، وقد قال: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) واللمس أشد من النظر.

ومما يحزن القلب تساهل المؤمنات في الذهاب إلى الأطباء الرجال لأتفه الأسباب، وتمكينهم من الكشف على العورة المغلظة والنظر إليها ولمسها من غير ضرورة. فاتقين الله معشر المسلمات، واحفظن فروجكن، واعلمن أن الحياء والإيمان قرناء، إذا رفع أحدهما رفع الآخر. ورحم الله الداية!!.

ويدخل في حفظ ما حوى البطن وحفظ الرجلين عن السعي بها إلى الحرام، وتختص المرأة بحفظ رجليها عن نظر من لا يجوز له النظر إليهما، فرجلا المرأة عورة، ومعنى ذلك أن المرأة التي تلبس جلبابا فوق الكعبين لم تحفظ رجليها ولم تستح من ربها حق الحياء، فكيف بالتي تلبس الملابس التي دون الركبتين أو فوقهما حتى تبدو رجلاها، لا بل فخذاها! إي والله فخذاها، فماذا تستر هذه الجيبة الضيقة القصيرة المفتوحة من الخلف، وإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تهلكنا بما فعل المبطلون.

ومن حقيقة الاستحياء من الرب: ذكر الموت، لأن من ذكر أن عظامه تصير بالية، وأعضاءه متمزقة، هان عليه ما فاته من اللذات العاجلة، وأهمه ما يلزم من طلب الآجلة، وعمل على إجلال الله وتعظيمه.

ومن أراد الآخرة أي الفوز بنعيمها ترك زينة الدنيا، لأن الآخرة خلقت لحظوظ الأرواح، وقرّة عين الإنسان، والدنيا خلقت لمرافق النفوس، وهما ضرتان، إذا أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى، فمن أراد الآخرة وتشبّث بالدنيا كان كمن أراد أن يدخل دار ملك وعلى عاتقه جيفة، والملك بينه وبين الدار، لابد أن يمر عليه، فكيف يكون حينئذ؟ فكذا مريد الآخرة مع تمسكه بالدنيا، فآثروا ما يبقى على ما يفنى.

المصدر: للاستاذ عبدالعظيم بدوي الخلفي
  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 512 مشاهدة

ساحة النقاش

TAHA GIBBA

TAHAGIBBA
الابتسامة هي اساس العمل في الحياة والحب هو روح الحياة والعمل الصادق شعارنا الدائم في كل ما نعمل فية حتي يتم النجاح وليعلم الجميع ان الاتحاد قوة والنجاح لا ياتي من فراغ »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

580,904

السلام عليكم ورحمة الله وبركات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته