غادة بنت أحمد حسن

مهما حاز المرء من علم فمن دون تربية للنفس و تزكية لها لا يبقى لهذا العلم أثراً على نفسه أو غيره و إن بقي على الألسنة حروفاً و جملاً تتردد ، إن ظن بها أنه يعلو ، فإنما جبالٍ من الوهم يرتقيها و لكن رأسه على أسفل ! .

و العلم وقود التربية يؤمن لها ذلك الوهج المتلألئ لذاته المضيء لغيره و لمن حوله سبلاً قد مهدها لهم بجميل حرفه و عذب لفظه و رقي كلماته و سحر بيانه ، فمن ذاق الإبداع و تنعم حقاً في روضته يأبى عليه قلمه أن يخط و لو الذرة من حرف يجرح و لا يداوي .....

تتجافى كلماته عن مضاجع الأذى و النيل من الآخرين حيث السكنى في قلوب ما عرفت للجمال طريقاً و إلا فعلى من ادعى البينة .

الإبداع دوماً قرين التي أصلها ثابت لأِنه يصدر عن نفس كريمة تسخو و تنفق و لا تخشى من ذي العرش إقلالاً تعود بفضل الزاد لضمان الزيادة (لئن شكرتم لأزيدنكم) ، مهما حاولت المجتثات من فوق الأرض أن تتسلل إليها في لحظات عابرات ما يخلو منها حتى ذوي العقول و الألباب ، فإذا باليمين لا تطاوع و تشتد قبضة الأنامل ، ويتجمد المداد في القلم ، فكيمياء ذوبانه لا تعمل إلا في أجواء دافئة من الكرم والصفح و العفو وحسن الظن و التماس السبعين واحداً تلو الآخر ،
أما في أجواء الشح حيث الحالة النفسية الملازمة للبخل فإن تلك التفاعلات مهما اشتدت ، لا تظفر من هذا المداد بأي نتيجة .

من عرف الإبداع حقاً ، حروفه عنده كقطرات غيث تبقى نقية ما بقيت في سماء إبداعه ، فإذا ما لمس تهدد هذا النقاء إذا نزلت في أرض التعليقات ، فإنه يظن بها ،
يوقن أن التخاطب ليس هو الوسيلة الوحيدة للإرسال ، قد يكون الصمت أقوى و أكرم (فليقل خيراً أو ليصمت) ، و لكنه يحتاج إلى أجهزة استقبال في ذواتنا على درجة عالية من الإحساس و الفهم .

المبدع له من الحكمة في تعليقاته أوفر الحظ و النصيب ، فلا يصادم الآخرين في مشاعرهم مهما قويت عنده اللاقناعة و اشتدت ، فإذا ما سقطت الحروف منه سهواً لشدة غيرته على دينه و شغفه بحب أمته فمن المفترض أن يبدأ العد التصاعدي للسبعين ، لا أن يُقابل بألسنةٍ حداد تجعل الحليم حيراناً ، أكان ما كان إبداع أم خداع ؟
إذ كيف يحلق بك عالياً في سماءٍ ما ، ثم يهوي بك أخرى في مكان سحيق ، تارة يبهر ناظريك بألوان زهور تحيل الصحراء خضرة نضرة ، يتفنن في زراعتها و تنسيقها ، فإذا ما عَمِدَ إلى تقليم أشجار وارفة الظلال من بعض أوراق لم تأخذ حقها من الرعاية و السقيا فاصفرت و ذبلت ، و كفى بصاحبها نبلاً أن تعد له تلك الأوراق عداً ، و بدلاً من أن تتوجه أدوات البناء لنقد المقال ، إذا بالإبداع جثة هامدة تحت معاول هدم الذات. والأدب دوماً لقلم المبدع حبه كان لزاماً .

الحقيقة ، و إن خبا ضوُءها و هدأ بريقُها ، صنو الإبداع ، البحث عنها ، لا عن الزيف المبهرج الألوان ، مراد المبدع ، يجوب سماء هذا الكون تجذبه الفكرة فهي همه ، قد يبحث عن الشخص ، و الاسم عنده أداة تعريف .
فإذا ما وقع منه المدح أو التقويم لا الذم ، كان بحق و اعتدال دون إسراف و لا مخيلة ، لا يكسر به حاجزاً و لا يتعدى حدوداُ ، فينساب منه مهذباً راقياً فيطمأن إليه القلب و تسكن النفس ، فإذا العمل بلا فتور و الإخلاص بلا التفات و اليقين بلا تردد .
قد لمس بأب و حنكة مكامن الإبداع في عقل المتلقي و شعوره بفكرة يطرحها أو رأي يناقشه أو ثغرة يسدها أو رؤية يصحهها أو خطأ يصوبه أو صواباً فيتممه ،
فلا تعدم من العسل الشفاء فضلاً عن طيب المذاق .

المبدع و إن اختلف مع من حوله من السلف كانوا أم من الخلف ، شافعياً كان أم حنبلياً ..الخ ، الإبداع عنده هو الاقتداء بأولئك الأئمة بأدبهم و أخلاقهم عند اختلافهم ، و ليس بفقههم و إجماعهم فقط .

المبدع في كتاباته أو تعليقاته يكتب وفق خطة محكمة و أهداف محددة و فكرة يسعى جاهداً لإيصالها ، بينه و بين العشوائية و الارتجالية عداءٌ مستحكم لا يزول ،
يطيل الفكر فيما يرد إلى عقله ، و يقلب النظر دوماً فيما صاغه قلمه ، ما كان همه يوماً تسويد الصفحات و سيل المشاركات ، يملك الأوراق بالكيف و لا تملكه بالكم ، لا يكرر نفسه ، الحرف لديه أسير ، إما أن يطلقه بخبر يقين ، أو هو عنده مكرم المثوى عسى أن ينفعه يوماً ما .

المبدع جريئة معانيه ، حييةٌ متأنقةٌ ألفاظه ، مُطلقاً عنانها ، مانحاً كل قارئ حرية الفهم و الاستدراك ، فلا يشعر بالتضييق و الحصار .

المبدع كلما ازداد تألقاً ازداد حرصه ، و لا يأنف ، أن يأخذ من حين لآخر خطوة إلى الوراء حتى لا يحرق فكرته بسرعة عرضها و استهلاكها ، يقف و يراجع ماذا قدم و ماذا يؤخر .

المبدع حريص على كل ما من شأنه أن يمنحه التميز في خُلقه و طرحه و نقده و صمته ! هو في المائة الراحلة ، في حله و ترحاله يترك لك من الفعل و الأثر ما لا تجد له شبيهاً و لا مثيلاً .

المبدع يملك من المرونة ما يستوعب به الآخر ، مشاعره النفسية عند الاختلاف كما هي عند الاتفاق و إلا ما جدد و أبدع .

المبدع لا يتعمد الصدام مع المحيط الذي يحيا فيه و إن بدا للآخرين ذلك ، و لكنه يرفض التقليد و يحن دوماً إلى التجديد حيث يجد نفسه و قلمه ، حيث يضع لبنة في صرح البناء لمجد أمته ،
حيث يصنع الحياة .

  • Currently 35/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
11 تصويتات / 501 مشاهدة

أحمد السيد كردي

ahmedkordy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

20,806,637

أحمد السيد كردي

موقع أحمد السيد كردي يرحب بزواره الكرام free counters

هل تعرف أن بإمكانك التوفير بشكل كبير عند التسوق الالكتروني عند إستعمال اكواد الخصم؟ موقع كوبون يقدم لك الكثير من كوبونات الخصم لأهم مواقع التسوق المحلية والعالمية على سبيل المثال: كود خصم نمشي دوت كوم، كود سوق كوم وغيرها الكثير.
شاركنا برأيك
..
تابعونا على حساب

أحمد الكردى

 موسوعة الإسلام و التنميه

على الفيس بوك

ومدونة
أحمد السيد كردى
على بلوجر