اختيار أدوات السياسات للإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة

يحتاج تحقيق أهداف الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة إلى إصلاح جوهري لأدوات السياسات. لذلك يجب تقييم مدى فاعلية أدوات السياسات الحالية وإدخال أدوات جديدة، خاصة الأدوات المبنية على الحوافز التي تشجع السوق والعمل على تطبيقها بشكل واسع.


يتطلب تحقيق أهداف التنمية المستدامة مجموعة من أدوات السياسات للمساعدة في تحقيقها، ومنها:
- الأدوات التشريعية
- الأدوات الخاصة بإصلاح السوق
- الأدوات الوقائية
- الأدوات الاقتصادية
- الأدوات التي تتناول رفع الوعي

إن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يحتاج إلى تفعيل مجموعة من أدوات السياسيات المتنوعة مع المرونة في تطبيق تلك الأدوات.


1 الأدوات التنظيمية (التشريعية)
إن الأدوات التنظيمية (التشريعية) كانت النتاج الأول لأدوات السياسة البيئية التي وضعت في الستينات والسبعينات، ويشار إليها أحياناً بسياسات "السيطرة والتحكم".

وتضم الأدوات التنظيمية الأكثر استخداماً المعايير البيئية كمعايير الإنبعاثات والمنتجات، التصاريح، العقوبات والغرامات البيئية، وأدوات الرصد.

المعايير البيئية: تمثل حجر الزاوية لمعظم الأدوات التنظيمية (التشريعية). إن تحديد المعايير البيئية فى حاجة إلى اتفاق واضح حول أهداف نوعية البيئة المرغوب فيها، والتكاليف التي يقبل المجتمع تحملها لتحقيق هذه الأهداف. هذا ويمكن أيضاً وضع معايير بيئية قياسية بالرجوع إلى مفهوم أفضل التكنولوجيات المتاحة. من ناحية أخرى فإن التأثير على القطاعات الاقتصادية والقضايا الاجتماعية يجب أن يؤخذ في الاعتبار حيث قد تؤدي المعايير البيئية المرتفعة إلى ارتفاع التكاليف، التي يجب أن تتحملها الصناعة وفى النهاية المستهلك. وتؤدي مثل هذه التكاليف إلى فقدان التنافس في بعض الصناعات، وبالتالى تؤدى إلى البطالة، والمشكلات الاجتماعية.

هذا وتحدد معايير الإنبعاثات الحد الأقصى المسموح به من تركيز الملوثات أو حمل التلوث للوسط البيئي. كما توضع معايير البيئة المحيطة لحماية الإنسان عند الاستنشاق أو تناول الأطعمة (على سبيل المثال: معايير جودة الهواء). وتحدد معايير المنتج الحد الأقصى لتركيز بعض المواد التي تضر بالبيئة أو صحة الإنسان في المنتج. ومن أمثلة هذه المواد تركيز الرصاص والكبريت في الوقود.

إن تصاريح استخدام الموارد البيئية وصرف الملوثات من الأدوات التقليدية المستخدمة و التي تهدف إلى حماية نوعية البيئة والموارد الطبيعية من خلال فرض القيود على بعض أنشطة التنمية. تعتمد التصاريح على معايير نوعية البيئة (الإنبعاثات، التكنولوجيا، أو معايير جودة البيئة المحيطة). تستخرج التراخيص لفترة محدودة من الوقت للتحكم الإداري في استخدام الوسط البيئي والموارد. على سبيل المثال، فإن صرف مياه الصرف غير المعالجة، الإنبعاثات الغازية، اوالتخلص من النفايات الخطرة أواستخراج المياه الجوفية، واستغلال الموارد المعدنية،...الخ. تخضع إلى استخراج التصاريح التي تمنح بناءاً على توافق هذه الأنشطة مع المعايير والأهداف المحددة.

الغرامات البيئية تفرض كإجراء لتطبيق نظام التصاريح والتراخيص البيئية، والهدف منها هو ضمان تحقيق أهداف بيئية محددة. فإذا قام نشاط ما بمخالفة الشروط التي ينص عليها التصريح (مخالفة المعايير المحددة)،أو مارس التصريف بدون تصريح فإن الشخص المسئول أو المنشأة تخضع للغرامات البيئية، التي عادتا ما تتكلف أضعاف رسوم استخراج التصاريح. هذا ويمثل مستوى الغرامات أهمية من أجل تحقيق الإلزام والإلتزام المقبول، فإن الغرامات المنخفضة التكلفة تعتبر غير كافية لضمان التوافق، بينما تواجه الغرامات المرتفعة صعوبة فى التطبيق.

الاتفاق التطوعي (المواثيق) تمثل الاتجاه الجديد للأدوات التنظيمية. حيث يمكن تعريفها كاتفاق بين الجهة التنظيمية(المختصة) والصناعة للوصول إلى هدف بيئي محدد في إطار زمني معين(توفيق الأوضاع البيئية). وفي حالة عدم تحقيق الهدف، يمكن للجهة التنظيمية فرض إجراءات الإلزام الأخرى. و تميز المواثيق، مقارنة بالأدوات التنظيمية الأخرى، مرونتها (تعتمد المواثيق على التفاوض)، وتمنح الجهة المتسببة في التلوث الوقت اللازم للتعديل أو وضع خطة عمل لتحقيق الأهداف البيئية الموضوعة.

الرصد وإصدار والتقارير من العناصر الهامة للإلزام بتوفيق الأوضاع. فبدون المتابعة المنتظمة والدقيقة والمنهجية. لن تحقق أي من الأدوات هدفها. وهناك نوعين من الرصد والمتابعة يجب إتباعهم للتأكد من التوافق مع التشريعات البيئية وهما:
- متابعة البيئة المحيطة في جميع الأوساط (الهواء، المياه، التربة) للتأكد من توافقها مع معايير الجودة البيئية.
- الرصد الذاتي الذى تقوم به الصناعة لتقييم تأثيراتها البيئية ومدى توافقها مع التصاريح البيئية.

2 الأدوات المبنية على الحوافز للتشجيع على تصحيح السوق

تعتبر الأدوات المبنية على الحوافز هى الجيل الثاني لأدوات السياسات البيئية التي تم صياغتها وإعمالها في الثمانينات والتسعينات في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي. ومن الممكن اعتبارها استجابة بديلة لعيوب النظم واللوائح.

وتعتبر الفكرة وراء الأدوات المبنية على التحفيز هي أن الحوافز الاقتصادية يمكن أن تشجع العملية المصممة لتحقيق الهدف البيئي كما أن تطبيقها يتسم بالمرونة وذاتية الدفع ويساهم في التشجيع اكثر من النظم واللوائح البيئية. ومن أهم أهداف الأدوات المبنية على التحفيز إقناع الأفراد والشركات بخفض تأثيرهم على البيئة من خلال تغيير حوافزهم الاقتصادية وتسمح بوجود حالة من الاختيار. ومن الممكن أن تحقق الأدوات المبنية على التحفيز نتائج سريعة كما أنها أقل من الأدوات التنظيمية من حيث التكلفة. ومن أكثر الأدوات المبنية على التحفيز استخداماً الضرائب، والرسوم، والدعم.

الضرائب والرسوم البيئية تنقسم الضرائب والرسوم البيئية إلى ضرائب ورسوم على الإنبعاثات الملوثة للبيئة وضرائب ورسوم على المنتجات. تضم الأمثلة ضريبة الكربون، وضريبة على الوقود المحتوى على الرصاص، وضريبة على المبيدات الحشرية أوضريبة على المدافن الصحية. ويستلزم التطبيق الفعال للضرائب والرسوم البيئية وجود مؤسسة للإلزام قوية ونظام رصد فعال. هذا ويمكن تخصيص إيرادات الرسوم البيئية للأغراض البيئية أو صناديق البيئة التي تستثمر الموارد المالية كقروض ميسرة أو منح في المشروعات البيئية.

رسوم المستهلك تفرض رسوم المستهلك على توفير خدمات مياه الشرب والصرف الصحي وجمع المخلفات والتشجيع على الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية بما في ذلك المعادن والبترول واستخراج المياه. هذا بالإضافة إلى رسوم دخول مناطق المحميات الطبيعية. وتعتبر هذه الأداة من الأدوات الهامة للإدارة البيئية المحلية ومن المهم أن تفرض هذه الرسوم حسب الكمية أو الحجم (الرسوم ترتبط بحجم المياه المستخدمة أو حجم المخلفات المتولدة).

أما الدعم فهو عكس الرسوم ويهدف إلى تشجيع سلوك مرغوب مثل استهلاك المنتجات والخدمات من خلال المنح أو القروض الميسرة أو الأعفاء الضريبى.

تضم أمثلة أوجه الدعم: دعم توليد الطاقة من المصادر غير التقليدية (الرياح)، دعم استخدام الوقود قليل التأثير على البيئة، أوجه الدعم الزراعي لتوفير منتج معين أو تصدير المنتجات الزراعية. ومن أضرار أوجه الدعم انها تستهلك الإيرادات العامة ومن الممكن إساءة استخدامها (تصل إلى المتلقي غير المقصود.

الرهونات – التأمين: تشجع المستهلك أو المنتج على التخلص الآمن من المنتجات/المخلفات التي يمكن أن تتسبب في التلوث. وتعمل من خلال إضافة رسوم إضافية على سعر المنتج، تسترد عند إعادتها أو التخلص منها بطريقة آمنة. وينتتشر إستخدام هذه الطريقة مع الزجاجات والعلب الصفيح والأواني المصنوعة من البلاستيك والبطاريات...الخ

أدوات التعويض تنطبق على الأفراد أو الجهات الذين يفقدون دخلاً نتيجة القيود البيئية المفروضة. على سبيل المثال، يمكن تعويض المزارعين عن قيود استخدام الأراضي في مناطق المحميات الطبيعية، أو على امتداد المجاري المائية الحساسة حيث يمنع استخدم الأسمدة الكيماوية أو العضوية. من ناحية أخرى، يمكن أن يستحق التعويض على الصناعة لمعادلة التلوث البيئي، مثل زراعة منطقة معينة بالأشجار التي تمتص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتولد عن محطات الكهرباء.

الاتجار في تصاريح التلوث واستخدام الموارد تصمم بهدف التحكم في نوعية البيئة أو معدل استنزاف الموارد الطبيعية من خلال إدخال آلية يسمح من خلالها للجهة المتسببة في التلوث بشراء وبيع حصص الانبعاثات. فإذا قامت الجهة المتسببة في التلوث بالحد من الإنبعاثات بنسبة أكبر من التي يقرها الجهاز التنظيمي فإنها تحصل على رصيد الحد من التلوث ويمكن أن يباع هذا الرصيد إلى جهة أخرى متسببة في التلوث مثل شركة تستخدم التكنولوجيا القديمة ولا تستطيع الحد من التلوث بالقدر الكافى.

3 الأدوات الوقائية
تهدف الأدوات الوقائية إلى فحص عملية التنمية للتأكد من أن المشروعات والبرامج والمنتجات لا تتسبب في تأثيرات سلبية على البيئة أو المجتمع. والهدف من هذه الأدوات ضمان تحقيق الفهم الجيد للتأثيرات الجانبية للمشروعات أو المنتجات على البيئة والصحة العامة حتى يأخذها صناع القرار في الاعتبار.

تقييم الأثر البيئي (EIA) أداة توقعية لتحديد وتقييم وتخفيف الآثار البيئية والاجتماعية والآثار الأخرى المرتبطة بالمشروعات. الهدف الأساسي من تقييم الأثر البيئي هو تيسير عملية اتخاذ قرار سليم ومتكامل يضم الاعتبارات البيئية بوضوح.

التقييم البيئي الاستراتيجي يعتبر أداة لتناول الاعتبارات والعواقب البيئية للسياسات والخطط والبرامج المقترحة. ويتشابه مع منهجية تقييم الأثر البيئي لكن على مستوى السياسات ويأخذ في الاعتبار الآثار التراكمية للمشروعات المقترحة.

تقييم الأثر الاجتماعي يقوم بتحليل ومتابعة الآثار الاجتماعية المرغوب فيها وغير المرغوب فيها ،الإيجابية والسلبية لعملية التنمية. يتناول تقييم الأثر الاجتماعي التأثيرات الأخلاقية، والثقافية، والمؤسسية، والترفيهية والسياحية، والفقر...الخ. وتعتمد على المشاركة القوية للمجموعات المستهدفة والجهات المعنية.

تقييم الاستدامة أداة جديدة نسبياً لتقييم مدى استدامة السياسات والخطط والبرامج والمشروعات معتمدة على الخبرة المكتسبة من تقييم الأثر البيئي. وقد حاز تقييم الاستدامة على الاهتمام العالمي إلا أنه لم يطبق كأداة إجبارية..

تقييم دورة الحياة أداة لتقييم الآثار البيئية المرتبطة بالمنتج أو الخدمة. وتختبر الآثار البيئية الكلية للمنتج من خلال كل مرحلة من مراحل حياته: ابتداء من الحصول على المواد الخام (مثل عملية التعدين وتصنيع السبائك) وصولاً إلى تصنيعه في المصنع وبيعه في السوق واستخدامه في المنزل والتخلص منه (عن طريق الحرق أو الدفن أو إعادة التدوير...الخ).

4 الأدوات الاقتصادية (Economy Wide Policy Tools)

ترتبط الأدوات المذكورة سابقاً بأدوات السياسات البيئية. ويمكن للسياسات الاقتصادية مثل السياسة المالية، وحقوق الملكية، والعجز في موازنة الحكومة، وتحرير السوق والتجارة، وتسعير الطاقة، وأوجه الدعم الزراعي، والنظام التعليمي...الخ أن تساعد في سياسات التنمية المستدامة.

هذا والجدير بالذكر أن بعض أدوات السياسات الاقتصادية يمكن أن تحقق فوائد سريعة للبيئة. على سبيل المثال، تحرير أسعار الطاقة والمواد الخام مما يؤدي إلى توفير الطاقة والمواد الخام وبالتالي تحقيق المنافع البيئية. ظهرت هذه الصلة بوضوح في الدول التي تحولت من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق. حيث حققت الزيادة في أسعار الطاقة المدعمة والوقود الفوائد البيئية (انخفاض الانبعاثات واستخراج الموارد الطبيعية) والفوائد الاقتصادية من حيث كفاءة استخدام الطاقة. وبالتالي تتحقق الفوائد الاقتصادية والبيئية ويطلق عليها سياسات (الكسب إلى الكسب) (Win-Win).

استبدال ضرائب الدخل أو ضرائب كسب العمل بضرائب البيئة يقدم آلية تمكن من الانتقال من الضرائب على الشركات والأفراد إلى الضرائب على الخدمات البيئية. فمن ناحية تمكن من تصحيح السوق من خلال إدخال العناصر البيئية، ومن ناحية أخرى، تحد من القيام بالأنشطة البيئية غير المرغوبة وتحد من استهلاك المنتجات والخدمات ذات التأثير السلبي على البيئة مقارنتاً بالبدائل الأخرى.

5 الأدوات التي تتناول رفع الوعي

إن التحدي الأكبر أمام التنمية المستدامة هو تغيير سلوك الإنسان في استهلاك الموارد الطبيعية وحماية البيئة، مع التأكيد على الجانب الكيفي من حياة الإنسان مقارنة بالجانب الكمي واستهلاك السلع. أوضح تقرير "مستقبلنا المشترك" أن التنمية المستدامة تحتاج إلى دعم القيم التي تشجع على الاستهلاك في إطار قدرة النظام البيئي على التحمل. ومن ثم، هناك حاجة متزايدة إلى رفع وعي المستهلك.
إن أنشطة رفع الوعي بالتنمية المستدامة يجب أن توجه نحو جميع الجهات المستهدفة مثل الصناعة والأعمال والحكومات المحلية والجمعيات الأهلية والسياسيين...الخ. كما يجب إدراج مفهوم رفع الوعي في جميع السياسات المرتبطة بالتنمية المستدامة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مجموعة متنوعة من الأدوات مثل:

- الأدوات الاقتصادية التي تشجع على استخدام السلع والخدمات التى لها تأثير محدود على البيئة والموارد الطبيعية بدلاً من تلك التي ترتفع تكلفتها البيئية.
- البرامج التعليمية الموجهة نحو المجموعات الاستهلاكية المختلفة من حيث السن والمستوى الاجتماعي مع شرح مفهوم الاستهلاك المستدام، والتهديدات التي تواجه الإنسان إذا لم يتغير نمط التنمية السائد حالياً.
- شهادات و علامات التوافق البيئي التى تتيح معلومات للمستهلك على المنتجات أوالخدمات ذات الأداء البيئى المرتفع.

  • Currently 109/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
36 تصويتات / 2102 مشاهدة
نشرت فى 22 مايو 2010 بواسطة ahmedkordy

أحمد السيد كردي

ahmedkordy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

21,985,793

أحمد السيد كردي

موقع أحمد السيد كردي يرحب بزواره الكرام free counters

نتشرف بتواصلك معنا  01009848570

..
تابعونا على حساب

أحمد الكردى

 موسوعة الإسلام و التنميه

على الفيس بوك

ومدونة
أحمد السيد كردى
على بلوجر