اصداف وامواج

ارفع رأسك فوق .......... أنت مصرى

authentication required

أحلامنا بين الواقع والخيال

 التحدى الحقيقى أمامنا هو كيف نحدث نقلة نوعية فى تعليم أبنائنا حتى نتحول إلى نموذج تربوى جديدننتقل به من التعليم إلى التعلم حتى ننمى عملية الإبداع والتفكير الناقد ومهارات التعلم الذاتى المستمر ودعم القدرات العلمية والعملية لدى المتعلمين وتحقيق مجتمع المواطنة والعمل والحرية والدخول بمصر إلى مجتمع المعرفة والمنافسة العالمية

لايتم ذلك إلا بتفعيل دور تكنولوجيا المعلومات حتى نتغلب على تجاوز طرق التدريس التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين واستخدام طرائق جديدة فى بيئات تعليمية غير تقليدية تركز على المتعلم تنمى معارفه ومهاراته الإنسانية والاجتماعية المتكاملة

              


                                  

في مناقشة كتاب إشكالات النقد الثقافي:

مع الناقد الثقافي عبـد الله الغذامي مرة أخرى

فراس حج محمد| فلسطين

في عام 2020 وأنا أعد كتاب "بلاغة الصنعة الشعرية" قرأت ثلاثة كتب للناقد الثقافي عبد الله الغذامي، وهي كتبه الأساسية في التنظير لمشروعه النقدي الفلسفي، وهي كتاب "النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية"، و"المرأة واللغة"، و"تأنيث القصيدة والقارئ المختلف"، ثم رغبت أكثر في معرفة هذا المسرب المعرفي، فقرأت العدد الذي أعدته مجلة فصول المصرية عن النقد الثقافي (العدد 99، ربيع 2017)، وهو "مدونة نقدية كبرى" شارحة ومجادلة لأفكار النقد الثقافي وأفكار الغذامي بشكل خاص، فتعمقت المعرفة والتفريق ما بين النقد الثقافي والدراسات الثقافية، والنقد الثقافي في طرح الغذامي والنقد الثقافي في طروحات أخرى، خاصة بعد أن قرأت كتاب "النقد الثقافي تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية" للناقد أرثر أيزابرجر، ما جعل نظرية الغذامي بالنسبة إليّ مشروعاً نقديا مائزاً ومكتملا، ولعله المشروع الثاني بعد نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني الذي ولد عربيا صرفاً نابعا من صميم الثقافة العربية، نظرية لها مصطلحاتها الخاصة بمفاهيم نقدية وفلسفية عربية، ذات مرجعيات معرفية أصيلة غير مجتلبة لا بالترجمة ولا بالتأثر، وما يسرده من أمثلة من غير الثقافة العربية يبين أن هذه النظرية بمصطلحاتها وإجراءاتها التفكيكية صالحة للتعميم على كل ثقافة شرقية وغربية، لأن ما أبرزه الغذامي كان هذه القاعدة العامة "لكل شعب نسقه وما رًبي عليه في لا وعيه ويتصرف بناء عليه ويتحكم به من حيث لا يدري".

وبعد أن درست شعر المرأة منطلقا من مقولات الغذامي بخطوطها العامة في كتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، عدت إلى لب تلك الأفكار عندما كتبت عن الشاعرة العمانية "عائشة السيفي" مقالاً بعنوان "أمير الشعراء ومحاولة كسر النسق الثقافي" على إثر فوزها بجائزة أمير الشعراء متحدثا عن "الفحولة" و"النسق الثقافي" الذي حكم كثيراً من مفاصل تلك القضية.

وقبل أن أكتب عن السيفي قرأت كتابين آخرين للغذامي وكتبت فيهما مراجعتين وهما: "اللابس المتلبس من أوراق أبي الطيب المتنبي" وكتاب "ماذا لو كنت مخطئاً"، وأخيرا عندما كتب د. إياس الصائغ مراجعته في كتابي "الفنتازيا الإسلامية- ميتافيزيقيا السرد الإسلامي"، وبناها على مبادئ الغذامي الخمسة في النقد الثقافي، عدت إلى كتابه "إشكالات النقد الثقافي: أسئلة في النظرية والتطبيق" بعد أن أصغيت إلى الناقد نفسه وإلى المداخلات النقدية المخصصة لهذا الكتاب في اللقاء الذي بثته عبر الزوم منصة رسول عدنان للأدب (27 أيلول 2026). قرأت الكتاب وأنعش ذاكرتي النقد- ثقافية في الخطوط العريضة لمشروع الغذامي، وعليّ أن أعترف في هذا المقام أن الغذامي هو أستاذي، بكل ما تعني الكلمة من حب الطالب لمعلمه، ومن "شرف التتلمذ" على أفكاره والسير على خطاه والتأثر به، حيث إنني لم أدرس هذا النوع من النقد ولم أسمع به خلال دراستي الجامعية الأولى والثانية ما بين عامي (1991- 1999)، وتلقيته من الغذامي كتباً ومقالات ومحاضرات ولقاءات.

لم يكن الغذامي في هذا الكتاب "إشكالات النقد الثقافي" منظرا بقدر ما كان شارحاً، وأحال القارئ على كتبه السابقة كثيراً، ولذا فإنه يؤكد ما هو مؤكد، ويبرهن على ما هو كائن ومتحقق، وعلى الرغم من ذلك إلا أن الكتاب لفت انتباهي إلى مسائل مهمة، وخاصة تعريفه للجملة وتفريقه بين أنواعها التي يقترحها، وقد انقسمت عنده بشكل صريح إلى جملة نحوية، وجملة أدبية بلاغية، وجملة ثقافية، ولكل نوع مفهوم، وغاية، وحضور في الكتاب، ومن خلال ما طرحه من مسائل أيضاً فإنني لمحت أنواعاً أخرى من الجمل، يسوق أمثلة عليها دون أن يمنطقها ضمن المنطق نفسه، فقد لمحت شيئا من "الجملة الفلسفية"، "والجملة الإجرائية" و"الجملة العلمية"، وعلى المنوال نفسه فقد غابت "الجملة الدينية" و"الجملة التاريخية".

لن أتوقف كثيراً عند "الجملة التاريخية" التي ربما يدخلها الناقد نفسه في "الجملة الثقافية"، لكن عند التعمق في أفكار الغذامي، ربما استطاع الدارس أن يكوّن مفهوما عاما للجملة التاريخية التي تستمد وعيها من تجارب التاريخ عامة كمقولات أصحاب التاريخ والمغرمين بفلسفته من مثل تلك الجملة المشهورة "التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي المرة الثانية كمهزلة"، أو حتى الاكتفاء بشقها الأول "التاريخ يعيد نفسه"، فما يشكل هذه الجملة هو أحداث التاريخ نفسه، لا تراكم الخبرة عند شعب من الشعوب، وكثيرا ما توظف في سياقات للتاريخ علاقة مباشرة فيها.

أما "الجملة الدينية" فلم يدخلها الغذامي ضمن تصنيفاته، وتجنب- ربما على نحو مقصود- أن يناقشها، تلك الجملة التي أراها صيغت بطريقة مذهلة متحررة من راهنيتها، ومن خضوعها للنسق الثقافي الذي جاء النص الديني ليستبدل تلك الأنساق الغائرة في الوعي ليُحل محلها أنساقا عقدية غير قبلية، وغير طبقية، وغير جنسانية كذلك.

فلعله انطلاقا من تعريفه "للجملة الثقافية" واستقرارها في الوعي العام الجمعي، لم ترقَ الجملة الدينية لأن تصبح "جملة ثقافية بديلة"، لكنها يمكن أن تعد مرجعا أخلاقيا وفلسفيا للسلوك وللقول، فهل لم يستطع النص الديني عبر أكثر من أربعة عشر قرنا أن يشكل "جملة ثقافية" للأمة؟ إنها إذاً كارثة مزدوجة، كارثة على المستوى النصي للقرآن الكريم، وعلى مستوى المتلقين لهذا النص المؤمنين به، فلم يؤثر فيهم هذا النص التأثير المطلوب، ولم يكونوا على استعداد للتغيير كما قال سبحانه "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" هذه الآية التي يمكن أن تشكل جملة دينية قوية التأثير إن لم تكن جملة ثقافية عابرة للوعي ومغيرة له.

وبقي احتمال آخر لاستبعاد الغذامي للنص الديني واعتبار ما فيه من منطلقات وعي تأسيسي هو ربما اعتبار الغذامي النقد علمانياً دنيوياً، وهذه فكرة شائعة لدى النقاد ويتصرفون بناء عليها، وسبق أن صرح بها الناقد الثقافي (حقل الدراسات الثقافية) إدوارد سعيد في كتابه " The World, the Text, and the Critic" الذي ترجم إلى "العالم والنص والناقد" في بداية كتابه هذا، وبهذا التأسيس أيضا فإن "الجملة الثقافية" هي جملة ذات إنتاج بشري تختلف اختلافا جوهريا عن "الجملة الدينية" ذات المنشأ الإلهي، وغير خاضعة للعقلية البشرية، فهي كاملة ولا تشير إلى عيب نسقي في التفكير والتصرف، عكس الجملة الثقافية التي تفضح العيب النسقي، كما يصرح الغذامي وكما هو واقع الحال في الجمل الثقافية التي تمثّل بها وشرحها، عدا جملة "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، إلا أن الجملة الثقافية أيضاً كما تعبر عن وعي المتحدث بها، يمكن أن تعبر عن وعي المخاطبين، والنص القرآني، نص خطابي وحجاجي، يفضح عقلية البشر في مستويات ثلاثة: في العادات والتقاليد، وفي التصرفات المعيشية، وفي الاعتقادات الدينية عند الفئات الثلاث: المؤمنين، والمنافقين، والكفار، وفيه الكثير من الجمل الإجرائية التي صيغت على شكل أوامر ونواهٍ كقوله تعالى: "وإن فئتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"، وعلى الرغم من إجرائيتها إلا أنها تحمل نسقا ثقافياً "الصلح بين المؤمنين المقتتلين واجب مجتمعي"، ولكن أين النسقية في الجملة؟ إنها تراعي الممكن المتوقع من أحوال البشر حتى ولو كانوا مؤمنين فقد يقع بينهم قتال، والقتال علامة على الاختلاف، والاختلاف طبيعة البشر، فهو رجع لنسق إنساني أعم من جماعة المؤمنين المخاطبين وقت نزول الآيات، إذاً، فهذه الآية تمثل حسب نظرية الغذامي تأسيساً لوعي ثقافي ذي مرجع ديني ثابت، وتتعامل مع سلوك بشري واقعي تماماً حتى عند الأكثر مثالية من فئات المجتمع (المؤمنين).

إن أخص ما يخص النص الديني القرآني والحديث الشريف أنه نص إنساني، لا بشري، (حسب تفريق الغذامي نفسه بين المفهومين)، فعندما يقول الله تبارك وتعالى: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم". إنها آية تؤسس لمجتمع عالمي يلغي الطبقية والعصبية القبلية ويلغي الانتماء الجغرافي، ويكون فقط الانتماء للفضيلة وحدها "تقوى الله" التي تعني أكثر من معناها الحرفي عند المفسرين- لو أردت أن أفسرها بمنطق الغذامي نفسه- فالتقوى هي اتقاء كل ما يؤدي إلى هدم الوحدة الإنسانية وإلغاء التعارف بين البشر المختلفين دينا وثقافة وموطنا وأعراقاً، وبذلك يكون النص الديني قد أسس لما طالب به الغذامي نفسه في كتابه "إشكالات النقد الثقافي" وهو "التعددية الثقافية"، هذه التعددية التي هي شرعية في النص الديني وعليها شواهد كثيرة.

لاحظوا معي مثلا قول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: "الخلق كلهم عيال الله، أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله"، فلا جملة ثقافية أو فلسفية يمكن أن تتغلب على هذه الجملة التي لا اعتبار فيها إلا للمنفعة الإنسانية، وربط الناس كل الناس إلى مرجع واحد، وهدف واحد، هو نفسه في حديثين آخرين "كلكم لآدم وآدم من تراب"، و"لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى". وكثير من الجمل والأحاديث التي تضمر نسقا دينيا مؤسسيا، وأعتقد أن الإسلام قد نجح من خلالها في هدم كثير من المرجعيات المتأصلة في نفس العربي من عصبية وانغلاق أفق، ورجوع الأمة اليوم إلى ما يشبه العصبيات القبلية على شكل دول قطرية ناشئ عن أمر استعماري أولا وأخيرا الذي عمل على "قتل النسق الثقافي" ذي المرجعية الدينية المتكونة في "الجملة الدينية" التي تقول "إن هذه أمتكم أمةً واحدة، وأنا ربكم فاعبدون".

ولو أردت أن آتي بأمثلة لأتيت بمئات الأمثلة على الجمل الدينية ذات المغزى الثقافي والفلسفي الإنساني العام، حتى تلك الجمل التشريعية التي جعلتها من وحي أفكار الغذامي تحت مفهوم "الجمل الإجرائية" ومنها على سبيل المثال آية الدَّيْن، أطول آية في القرآن الكريم، الآية (282) من سورة البقرة، وآيات الميراث، وآيات القتال والجهاد، وآيات العلم والتفكر التي تؤكد مبدأ العقلنة مقابل مبدأ الشعرنة كما شرحهما الغذامي، فكل تلك الجمل الإجرائية تختزن بعدا دينيا ثقافيا اجتماعيا ذات نسق مضمر مهم للاجتماع الإنساني، حتى وهي تناقش مسائل معيشية راهنة، حسب توصيف الغذامي، فكل تلك النصوص بعيدة عن منطق "الليبرالية الجديدة"، وبعيدة عن منطق الانتهازية والاستعمار ونهب الثروات، فأساس "الغزوات والحروب الإسلامية" إن آمن المغزوّين فلهم ما لنا وعليهم ما علينا (جماعة المؤمنين)، وحتى من لم يؤمن فإنه لا يُكره على الدين، وتوفر له الدولة أو الدولة القائمة بالفتح (بتعبيرات الأمم المتحدة المعدّلة لضرورة السياق) حرية العبادة والأحوال الشخصية حسب معتقداته ولا يهان ولا تنتقص حقوقه الشخصية والمالية والدينية والثقافية والسياسية، وله حق المواطنة في أرضه، ولا يُخرج منها ولا يُهجّر عنها، وعلى الدولة حمايته ورعايته.

إن هذه الاستطرادات على مشروع الغذامي في النقد الثقافي ما هي إلا نوع من استجلاء للنظرية الأصلية والتحقق من مقولاتها، والانفتاح أكثر في مناقشتها، لأنها بعد إن استقرت نظرية نقدية لا تحفل بالجماليات التقليدية وجب علينا جميعا أن نعيدها دائما إلى بؤرة الاهتمام، كونها نظرية نابتة من لحمنا الثقافي الحيّ، ولطالما شكا البعض- ممن لا يتمتعون بالنظرة المعمقة على الحركة الأدبية والنقدية- من أنه لا يوجد لدينا نظرية نقدية خاصة بنا، كالبنيوية والتفكيكية على سبيل المثال، وينسون ويتناسون الجرجاني ونظرية النظم ونظرية النقد الثقافي اللتين أهملوهما، ميممين شطر تزفيتان تودوروف وجيرار جنيت والشكلانية الروسية ورولان بارت، فلا يكتفوا بإماتة المؤلف وحسب، بل وبقتل الناقد ونظريته المستوية على سوقها في البعدين التنظيري والتطبيقي.

للاطلاع على المواد المذكورة في المقال حول الناقد عبد الله محمد الغذامي:

مقالات سابقة

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 32 مشاهدة
نشرت فى 1 أكتوبر 2026 بواسطة ferasomar

ولد عمر بهاء الدين الأميري عام 1916 في مدينة حلب السورية، ونشأ في أسرة علم وثقافة. وقد جمع في شخصيته بين الاهتمام بالقضايا الفكرية والحضارية وبين الحس الإنساني المرهف.

شغل مناصب دبلوماسية وثقافية عديدة، وتنقل بين أكثر من بلد عربي، لكن حياته المليئة بالأسفار لم تُفقده ارتباطه العميق بقيم الأسرة والبيت.وكان يرى أن إصلاح المجتمعات يبدأ بإصلاح الإنسان، وأن التربية الصالحة هي الأساس الحقيقي لأي نهضة حضارية. ولهذا انعكست هذه القناعة بوضوح في كثير من أشعاره ومؤلفاته.

 وقصيدة "أب" هي أشهر قصائد الأميري، والتي يعبر فيها بعاطفة جياشة عن لوعة الأبوة وحنينه العارم لأطفاله بعد فراقهم وغيابهم عن البيت. يقول فيها:

أين الضجيج العذب والشغب أين التدارس شابه اللعب؟

أين الطفولة في توقدها أين الدمى في الأرض والكتب؟

اين التشاكس دونما غرض أين التشاكي ماله سبب؟

أين التباكي والتضاحك في وقت معا ، والحزن والطرب؟

أين التسابق في مجاورتي شغفا إذا أكلوا وإن شربوا؟

يتزاحمون على مجالستي والقرب مني حيثما انقلبوا؟

يتوجهون بسوق فطرتهم نحوي إذا رهبوا وإن رغبوا

فنشيدهم: (بابا) إذا فرحوا ووعيدهم: (بابا) إذا غضبوا

وهتافهم: (بابا) إذا ابتعدوا ونجيهم: (بابا) إذا اقتربوا

بالأمس كانوا ملء منزلنا واليوم، ويح اليوم قد ذهبوا

وكأنما الصمت الذي هبطت أثقاله في الدار إذ غربوا

إغفاءة المحموم هدأتها فيها يشيع الهم والتعب

ذهبوا ، أجل ذهبوا ،ومسكنهم في القلب ، ما شطوا وما قربوا

إني أراهم أينما التفتت نفسي وقد سكنوا ، وقد وثبوا

وأحس في خلدي تلاعبهم في الدار ليس ينالهم نصب

وبريق أعينهم ، إذا ظفروا ودموع حرقتهم إذا غلبوا

في كل ركن منهم أثر وبكل زاوية لهم صخب

في النافذات زجاجها حطموا في الحائط المدهون قد ثقبوا

في الباب قد كسروا مزالجه وعليه قد رسموا وقد كتبوا

في الصحن فيه بعض ما أكلوا في علبة الحلوى التي نهبوا

في الشطر من تفاحة قضموا في فضلة الماء التي سكبوا

إني أراهم حيثما اتجهت عيني كأسراب القطا سربوا

بالأمس في (قرنايل ) نزلوا واليوم قد ضمتهم ( حلب)

دمعي الذي كتمته جلدا لما تباكوا عندما ركبوا

حتى إذا ساروا وقد نزعوا من أضلعي قلبا بهم يجب

ألفيتي كالطفل عاطفة فإذا به كالغيث ينسكب

قد يعجب العذال من رجل يبكي ، ولو لم أبكِ فالعجب

هيهات ما كل البكا خور إني وبي عزم الرجال أب

poets

ملتقى الشعراء والأدباء المحترفين والهواة

عبد الرحمن الأبنودي.. صوت الناس في الشعر

في رحلة الشعر العربي الحديث، برزت أسماء كثيرة ارتبطت بالفصحى والتجديد الفني، لكن عبد الرحمن الأبنودي اختار طريقًا مختلفًا. لم يسعَ إلى مخاطبة القارئ من برج لغوي مرتفع، بل نزل إلى الشارع والقرية والبيت المصري، وجعل من لغة الناس اليومية مادة للشعر والأدب.

استطاع الأبنودي أن يثبت أن العامية ليست مجرد وسيلة للكلام العابر، بل يمكن أن تكون لغة إبداع قادرة على حمل المشاعر الإنسانية الكبرى والتجارب العميقة. ولهذا تحول إلى واحد من أهم شعراء العامية في تاريخ الأدب العربي، وترك أعمالًا ما زالت حاضرة بقوة في الذاكرة الثقافية المصرية والعربية.

ومن بين كل ما كتب، تبقى "جوابات حراجي القط" العمل الأشهر والأكثر تأثيرًا.

من صعيد مصر إلى ذاكرة الأدب العربي

ولد عبد الرحمن الأبنودي عام 1938 في محافظة قنا بصعيد مصر، وهي البيئة التي شكّلت جزءًا كبيرًا من عالمه الشعري. فقد حمل معه إلى قصائده تفاصيل الريف المصري، وأصوات الناس البسطاء، وحكايات العمل والكفاح والحب والفقد.

ومنذ بداياته بدا واضحًا أنه يمتلك قدرة استثنائية على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى صور شعرية مؤثرة. لم يكن مهتمًا بالبطولات الكبرى بقدر اهتمامه بالإنسان العادي الذي يبني حياته يومًا بعد يوم، ويواجه تحدياته بصبر وأمل.

وهذا ما جعل شعره قريبًا من الجمهور، لأن القارئ كان يجد نفسه وأهله وأحلامه بين سطور القصائد.

"جوابات حراجي القط".. عمل يسبق زمنه

تُعد "جوابات حراجي القط" واحدة من أبرز الأعمال في تاريخ الشعر العامي المصري. وقد جاءت في شكل رسائل يكتبها العامل البسيط "حراجي القط" إلى زوجته "فاطنة" أثناء عمله بعيدًا عن قريته في مشروع السد العالي.

ورغم بساطة الفكرة ظاهريًا، فإن النص يحمل عالمًا إنسانيًا واسعًا. فمن خلال تلك الرسائل يتابع القارئ حياة إنسان بسيط يحن إلى أسرته، ويواجه الغربة، ويحلم بمستقبل أفضل، ويتأمل التحولات التي تحدث حوله.

لقد نجح الأبنودي في بناء شخصية حراجي بطريقة جعلتها تبدو حقيقية تمامًا، حتى إن كثيرًا من القراء شعروا أنهم يعرفون هذا الرجل ويعيشون معه تفاصيل حياته اليومية.

لماذا أصبحت "جوابات حراجي القط" عملًا خالدًا؟

هناك أسباب كثيرة جعلت هذا العمل يحتفظ بمكانته عبر العقود.

أول هذه الأسباب هو الصدق الإنساني. فالأبنودي لم يقدم شخصية مثالية أو بطلاً خارقًا، بل إنسانًا عاديًا يشبه ملايين البشر.

أما السبب الثاني فهو اللغة. فقد استخدم العامية المصرية بطريقة فنية راقية، جعلت النص قريبًا من الناس دون أن يفقد قيمته الأدبية.

ويأتي السبب الثالث في قدرته على تحويل حدث يومي بسيط، وهو تبادل الرسائل بين زوجين، إلى عمل أدبي يناقش الحب والغربة والعمل والانتماء والتغيير الاجتماعي.

ولهذا تجاوزت "جوابات حراجي القط" حدود الشعر التقليدي لتصبح شهادة أدبية على مرحلة مهمة من تاريخ مصر الحديث.

الإنسان البسيط بطلًا للقصيدة

في كثير من الأعمال الأدبية القديمة كانت البطولة تُمنح للحكام والقادة والشخصيات الاستثنائية، لكن الأبنودي اختار منحها للعامل البسيط.

فحراجي القط ليس شخصية تاريخية شهيرة، لكنه يمثل نموذجًا واسعًا من الناس الذين يعملون بصمت ويحملون أحلامًا كبيرة في قلوبهم. ومن خلاله استطاع الشاعر أن يعكس صورة المجتمع المصري بكل ما فيه من تحديات وتطلعات.

وهنا تكمن عبقرية الأبنودي؛ إذ جعل القارئ يدرك أن القصص العظيمة قد تكون مختبئة في حياة الأشخاص العاديين.

سحر اللغة عند الأبنودي

امتلك عبد الرحمن الأبنودي موهبة فريدة في التعامل مع اللغة العامية. فقد كانت كلماته تبدو بسيطة وسهلة، لكنها تحمل دلالات عميقة وصورًا إنسانية مؤثرة.

وكان يعرف كيف يصنع من الحوار اليومي شعرًا حيًا، نابضًا بالمشاعر والذكريات. ولهذا لم يشعر القارئ عند قراءة "جوابات حراجي القط" بأنه أمام نص أدبي ثقيل، بل أمام حياة تتحرك وتتكلم بين يديه.

ومن أبرز خصائص أسلوبه:

  • القرب من الناس.
  • الصدق العاطفي.
  • التعبير المكثف والبسيط.
  • الاهتمام بالتفاصيل الإنسانية.
  • القدرة على بناء شخصيات حية ومقنعة.

الأبنودي والهوية الثقافية المصرية

لم يكن الأبنودي شاعرًا يكتب بقلمه فقط، بل كان حارسًا للذاكرة الشعبية المصرية. فقد اهتم بجمع التراث الشفهي والحكايات والأغاني الشعبية، وساهم في الحفاظ على جزء مهم من الثقافة المصرية للأجيال القادمة.

ولذلك تجاوز دوره حدود الشعر ليصبح واحدًا من أبرز الأصوات الثقافية التي دافعت عن الهوية المصرية واحتفت بالإنسان البسيط ومكانته في المجتمع.

إرث لا يزال حيًا

رحل عبد الرحمن الأبنودي عام 2015، لكن تأثيره الأدبي لم يتوقف. فما زالت أعماله تُقرأ وتُدرس، وما زالت "جوابات حراجي القط" تُعد مرجعًا مهمًا لكل من يريد فهم جماليات الشعر العامي العربي.

وقد أثبتت تجربته أن القيمة الأدبية الحقيقية لا ترتبط بنوع اللغة المستخدمة بقدر ما ترتبط بعمق التجربة وصدق التعبير وقدرة الكاتب على ملامسة وجدان الناس.

خاتمة

أعاد عبد الرحمن الأبنودي الإنسان البسيط إلى قلب المشهد الأدبي.

لقد تحولت "جوابات حراجي القط" من مجرد رسائل شعرية إلى عمل خالد يوثق أحلام الناس العاديين وآلامهم وآمالهم. ولهذا لم تبقَ مجرد واحدة من أشهر قصائد العامية المصرية، بل أصبحت علامة فارقة في تاريخ الأدب العربي الحديث، تؤكد أن أعظم الحكايات قد تُولد أحيانًا من أبسط الكلمات.


poets

ملتقى الشعراء والأدباء المحترفين والهواة

أدونيس.. الشاعر الذي أعاد طرح الأسئلة الكبرى

في تاريخ الأدب العربي الحديث، هناك شعراء تركوا بصمتهم من خلال قصائد بعينها، وهناك شعراء تحولوا إلى مشاريع فكرية وأدبية متكاملة. ومن أبرز هؤلاء يأتي أدونيس، الذي ارتبط اسمه بالتجديد الشعري والنقاشات الفكرية حول اللغة والحداثة والثقافة.

لم يكتفِ أدونيس بكتابة قصائد جميلة أو مدهشة، بل سعى إلى إعادة النظر في الكثير من المفاهيم الأدبية السائدة، محاولًا توسيع حدود القصيدة العربية ومنحها إمكانات تعبيرية جديدة. ولهذا أصبح واحدًا من أكثر الشعراء العرب تأثيرًا في النقد الأدبي والحركة الشعرية المعاصرة.

ومن بين نصوصه التي تعبر عن جوهر تجربته الإبداعية تبرز قصيدة "هذا هو اسمي"، التي تكشف جانبًا مهمًا من رؤيته للشعر والإنسان والوجود.

من علي أحمد سعيد إلى أدونيس

ولد أدونيس عام 1930 في قرية قصابين السورية باسم علي أحمد سعيد إسبر. ومنذ سنواته الأولى أظهر اهتمامًا استثنائيًا باللغة والشعر، قبل أن يختار اسم "أدونيس" الذي أصبح لاحقًا أحد أشهر الأسماء الأدبية في العالم العربي.

ومع انتقاله إلى العمل الثقافي والصحافي، أصبح جزءًا من حركة أدبية سعت إلى تجديد الشعر العربي وتحريره من كثير من القيود التقليدية. ولم يكن اهتمامه منصبًا على الشكل الشعري فقط، بل على الرؤية الفكرية التي تقف خلف النص.

لهذا جاءت أعماله مختلفة، تجمع بين العمق الفلسفي والابتكار اللغوي، وتدعو القارئ إلى المشاركة في صناعة المعنى بدل الاكتفاء بتلقيه.

"هذا هو اسمي".. قصيدة البحث عن الذات

تُعد قصيدة "هذا هو اسمي" من النصوص التي تعكس جانبًا مهمًا من عالم أدونيس الشعري. فهي ليست قصيدة تعتمد على الحكاية أو الحدث المباشر، بل تنطلق من سؤال الهوية والوجود.

في هذا النص يتحول الاسم من مجرد علامة تعريفية إلى رمز أوسع يتعلق بالإنسان وعلاقته بالعالم من حوله. فالقصيدة لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح الباب أمام التأمل والتساؤل حول معنى الذات وحدود المعرفة وإمكانية التجدد المستمر.

وهذا النوع من الكتابة يمثل أحد أبرز ملامح تجربة أدونيس، حيث تصبح القصيدة مساحة للتفكير بقدر ما هي مساحة للجمال الفني.

لماذا يُعد أدونيس شاعر الحداثة الأبرز؟

يرتبط اسم أدونيس بمفهوم الحداثة الشعرية أكثر من أي شاعر عربي آخر تقريبًا. ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب التي جعلت تجربته مختلفة ومؤثرة.

فقد عمل على توسيع بنية القصيدة العربية، واستفاد من التراث دون أن يبقى أسيرًا له. كما انفتح على الثقافات العالمية المختلفة، وسعى إلى بناء لغة شعرية جديدة قادرة على التعبير عن أسئلة العصر وتحولاته.

ولم يكن التجديد عنده مجرد كسر للأشكال التقليدية، بل محاولة لإعادة اكتشاف وظيفة الشعر نفسه، باعتباره وسيلة لفهم العالم وإعادة تخيله.

ملامح أسلوبه الشعري

عند قراءة قصائد أدونيس يمكن ملاحظة مجموعة من الخصائص التي تميّز كتابته عن كثير من معاصريه.

من أبرز هذه الخصائص:

  • الاعتماد على الرمزية والصور المركبة.
  • حضور البعد الفلسفي والتأملي.
  • المزج بين التراث والرؤية الحديثة.
  • الابتعاد عن المباشرة في التعبير.
  • توظيف اللغة بصورة إبداعية وغير مألوفة.

ولهذا قد تبدو بعض نصوصه أكثر تحديًا للقارئ مقارنة بالشعر التقليدي، لكنها في الوقت نفسه تمنحه فرصة لاكتشاف مستويات متعددة من المعنى.

بين التراث والتجديد

من المفارقات اللافتة في تجربة أدونيس أنه من أكثر الشعراء ارتباطًا بالتراث العربي، رغم شهرته الواسعة باعتباره رمزًا للحداثة.

فهو لم يتعامل مع التراث بوصفه مادة جامدة يجب تكرارها، بل اعتبره مصدرًا للحوار وإعادة القراءة. ولذلك نجد في أعماله إشارات متعددة إلى التاريخ والأسطورة والتصوف والفكر العربي القديم، لكنها تظهر دائمًا ضمن رؤية جديدة ومعاصرة.

وهذا التفاعل بين الماضي والحاضر منح شعره عمقًا فكريًا وجماليًا خاصًا، وأسهم في استمرار حضوره داخل المشهد الثقافي العربي.

تأثير أدونيس في الأجيال الجديدة

لا يمكن الحديث عن الشعر العربي المعاصر دون التوقف عند تأثير أدونيس في أجيال متعاقبة من الشعراء والنقاد. فقد أسهمت كتبه ومقالاته وقصائده في فتح نقاشات واسعة حول طبيعة الإبداع وحدود اللغة وعلاقة الشعر بالثقافة.

ورغم اختلاف الآراء حول بعض أفكاره ومواقفه، فإن معظم الدارسين يتفقون على أن تأثيره في حركة الشعر العربي الحديثة كان عميقًا ومستمرًا.

ولهذا ظل اسمه حاضرًا في الدراسات الجامعية والندوات الأدبية والحوارات الفكرية لعقود طويلة.

إرث شعري وفكري متجدد

يمثل أدونيس حالة خاصة في الثقافة العربية، لأنه جمع بين دور الشاعر ودور المفكر في الوقت نفسه. وقد ترك وراءه عشرات الأعمال الشعرية والنقدية التي ما زالت موضوعًا للقراءة والتحليل.

ومع كل جيل جديد يعود القراء إلى نصوصه لاكتشاف جوانب مختلفة منها، وهو ما يؤكد قدرة الأدب الحقيقي على تجاوز الزمن والاستمرار في طرح أسئلته الكبرى.

خاتمة

منح أدونيس الشعر العربي أفقًا جديدًا للتأمل والتجريب والبحث المستمر.

وتبقى قصيدة "هذا هو اسمي" نموذجًا معبرًا عن عالمه الشعري، حيث تتحول الكلمات إلى رحلة داخل الذات، ويصبح الشعر وسيلة لاكتشاف المعنى بدل الاكتفاء بوصفه. ولهذا لا يزال أدونيس واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا وتأثيرًا في تاريخ الأدب العربي الحديث.

poets

ملتقى الشعراء والأدباء المحترفين والهواة

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 22 مشاهدة

عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ ،

أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ .

عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ

وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ ...كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ

يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ

كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا ، النُّجُومْ ...

وَتَغْرَقَانِ في ضَبَابٍ مِنْ أَسَىً شَفِيفْ

كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَـهُ المَسَاء ،

دِفءُ الشِّتَاءِ فِيـهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيف ،

وَالمَوْتُ ، وَالميلادُ ، والظلامُ ، وَالضِّيَاء ؛

فَتَسْتَفِيق مِلء رُوحِي ، رَعْشَةُ البُكَاء

كنشوةِ الطفلِ إذا خَافَ مِنَ القَمَر !

كَأَنَّ أَقْوَاسَ السَّحَابِ تَشْرَبُ الغُيُومْ

وَقَطْرَةً فَقَطْرَةً تَذُوبُ في المَطَر ...

وَكَرْكَرَ الأَطْفَالُ في عَرَائِشِ الكُرُوم ،

وَدَغْدَغَتْ صَمْتَ العَصَافِيرِ عَلَى الشَّجَر

أُنْشُودَةُ المَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر...

مَطَر...

تَثَاءَبَ الْمَسَاءُ ، وَالغُيُومُ مَا تَزَال

تَسِحُّ مَا تَسِحّ من دُمُوعِهَا الثِّقَالْ .

كَأَنَّ طِفَلاً بَاتَ يَهْذِي قَبْلَ أنْ يَنَام :

بِأنَّ أمَّـهُ التي أَفَاقَ مُنْذُ عَامْ

فَلَمْ يَجِدْهَا ، ثُمَّ حِينَ لَجَّ في السُّؤَال

قَالوا لَهُ : " بَعْدَ غَدٍ تَعُودْ .. "

لا بدَّ أنْ تَعُودْ

وَإنْ تَهَامَسَ الرِّفَاقُ أنَّـها هُنَاكْ

في جَانِبِ التَّلِّ تَنَامُ نَوْمَةَ اللُّحُودْ

تَسفُّ مِنْ تُرَابِـهَا وَتَشْرَبُ المَطَر ؛

كَأنَّ صَيَّادَاً حَزِينَاً يَجْمَعُ الشِّبَاك

وَيَنْثُرُ الغِنَاءَ حَيْثُ يَأْفلُ القَمَرْ .

مَطَر ...

مَطَر ...

أتعلمينَ أيَّ حُزْنٍ يبعثُ المَطَر ؟

وَكَيْفَ تَنْشج المزاريبُ إذا انْهَمَر ؟

وكيفَ يَشْعُرُ الوَحِيدُ فِيهِ بِالضّيَاعِ ؟

بِلا انْتِهَاءٍ كَالدَّمِ الْمُرَاقِ ، كَالْجِياع ،

كَالْحُبِّ ، كَالأطْفَالِ ، كَالْمَوْتَى هُوَ الْمَطَر !

وَمُقْلَتَاكِ بِي تُطِيفَانِ مَعِ الْمَطَر

وَعَبْرَ أَمْوَاجِ الخَلِيج تَمْسَحُ البُرُوقْ

سَوَاحِلَ العِرَاقِ بِالنُّجُومِ وَالْمَحَار ،

كَأَنَّهَا تَهمُّ بِالشُّرُوق

فَيَسْحَب الليلُ عليها مِنْ دَمٍ دِثَارْ .

أصيح بالخليج : " يا خليجْ

يا واهبَ اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "

فيرجعُ الصَّدَى

كأنَّـه النشيجْ :

" يَا خَلِيجْ

يَا وَاهِبَ المَحَارِ وَالرَّدَى ... "

أَكَادُ أَسْمَعُ العِرَاقَ يذْخرُ الرعودْ

ويخزن البروق في السهولِ والجبالْ ،

حتى إذا ما فَضَّ عنها ختمَها الرِّجالْ

لم تترك الرياحُ من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ .

أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر

وأسمع القرى تَئِنُّ ، والمهاجرين

يُصَارِعُون بِالمجاذيف وبالقُلُوع ،

عَوَاصِفَ الخليج ، والرُّعُودَ ، منشدين :

" مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

وفي العِرَاقِ جُوعْ

وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ

لتشبعَ الغِرْبَان والجراد

وتطحن الشّوان والحَجَر

رِحَىً تَدُورُ في الحقول حولها بَشَرْ

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

وَكَمْ ذَرَفْنَا لَيْلَةَ الرَّحِيلِ ، مِنْ دُمُوعْ

ثُمَّ اعْتَلَلْنَا خَوْفَ أَنْ نُلامَ بِالمَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

وَمُنْذُ أَنْ كُنَّا صِغَارَاً ، كَانَتِ السَّمَاء

تَغِيمُ في الشِّتَاء

وَيَهْطُل المَطَر ،

وَكُلَّ عَامٍ حِينَ يُعْشُب الثَّرَى نَجُوعْ

مَا مَرَّ عَامٌ وَالعِرَاقُ لَيْسَ فِيهِ جُوعْ .

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

في كُلِّ قَطْرَةٍ مِنَ المَطَر

حَمْرَاءُ أَوْ صَفْرَاءُ مِنْ أَجِنَّـةِ الزَّهَـرْ .

وَكُلّ دَمْعَةٍ مِنَ الجيَاعِ وَالعُرَاة

وَكُلّ قَطْرَةٍ تُرَاقُ مِنْ دَمِ العَبِيدْ

فَهيَ ابْتِسَامٌ في انْتِظَارِ مَبْسَمٍ جَدِيد

أوْ حُلْمَةٌ تَوَرَّدَتْ عَلَى فَمِ الوَلِيــدْ

في عَالَمِ الغَدِ الفَتِيِّ ، وَاهِب الحَيَاة !

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

سيُعْشِبُ العِرَاقُ بِالمَطَر ... "

أصِيحُ بالخليج : " يا خَلِيجْ ...

يا واهبَ اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "

فيرجعُ الصَّدَى

كأنَّـهُ النشيجْ :

" يا خليجْ

يا واهبَ المحارِ والردى . "

وينثر الخليجُ من هِبَاتِـهِ الكِثَارْ ،

عَلَى الرِّمَالِ ، : رغوه الأُجَاجَ ، والمحار

وما تبقَّى من عظام بائسٍ غريق

من المهاجرين ظلّ يشرب الردى

من لُجَّـة الخليج والقرار ،

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيقْ

من زهرة يربُّها الرفاتُ بالندى .

وأسمعُ الصَّدَى

يرنُّ في الخليج

" مطر .

مطر ..

مطر ...

في كلِّ قطرةٍ من المطرْ

حمراءُ أو صفراءُ من أَجِنَّـةِ الزَّهَـرْ .

وكلّ دمعة من الجياع والعراة

وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد

أو حُلْمَةٌ تورَّدتْ على فمِ الوليدْ

في عالَمِ الغَدِ الفَتِيِّ ، واهب الحياة . "

وَيَهْطُلُ المَطَرْ ..

poets

ملتقى الشعراء والأدباء المحترفين والهواة

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 22 مشاهدة
نشرت فى 1 أكتوبر 2026 بواسطة poets

مبارك ابراهيم على

mubark61
اللهم إنك أعطيتنى خير أحباب فى الدنيا دون أن أسالك ، فلا تحرمنى من صحبتهم فى الجنة وحقق لهم ما تمنوا اللهم لا ترد دعوتى فإنى فيك أحبهم 🅼🆄🅱🅰🆁🅰🅺 [email protected] 01094146316 »

تسجيل الدخول

ابحث ولا يهمك

عدد زيارات الموقع

213,948

أحدث المواقع المفضلة

محبة الآطهار

جهلت عيون الناس ما فى داخلى فوجدت ربى بالفؤاد بصيرا
ياأيها الحزن المسافر فى دمى
 دعنى فقلبى لن يكون أسيرا
ربى معى فمن الذى اخشى اذن مادام ربى يحسن التدبيرا
 وهو الذى قال فى قرآنه وكفى بربك هاديا وبصيرا