نظرات

موقع اجتماعي سياسي و تربوي ونفسي يهتم بالطفل وتربيته وقصصه

         

        

جذبتني مقالة ا لأديبة الطبيبة حنان راشد عن السحابة السوداء والتي  صاغتها بعبارة أدبية رشيقة منمقة ومعبرة وشاعرية ،، أوصلت إلى إحساسي مدى المعاناه عندما يريد المرء أن يهنأ بالقراءة والتأمل في جو نقي هادئ تعطره وتلفه نسائم الخريف الرطبة المنعشة ......؟؟!! ثم لا يجد إلا دخانا وحرائقا وضيق تنفس واختناقا وقلة مزاج ....!

لقد أعادت هذه المقالة إلى ذاكرتي ذكرى أيام خلت من أول خريف في الألفية الثانية ,, حيث كانت السحابة السوداء في أوجها , وكان الكلام عنها كثيرا ومثيرا للجدل في الصحف ووسائل الإعلام،، ولكني لم أعرها انتباها ظنا مني أنني محصن ضد أضرارها نظرا لطبيعة عملي كمهندس زراعي أجوب القرى والمزارع والحدائق والحقول،، وكم كنت أشم دائما تلك الروائح المنبعثة من تلك الأدخنة الناتجة من حرق مخلفات المزارع والحقول من أ وراق متساقطة من الشجر أو أفرع متهالكة أو نباتات مريضة أو حشائش ضارة ،، حيث يجمعها الفلاح على رأس الغيط ويقوم بحرقها كوسيلة لتنظيف مزرعته وإبقائها على حالة إنتاجية جيدة،، وكذلك فإنه يستفيد من هذه الأدخنة لطرد الناموس أو ما شابه من الحشرات الطائرة،، غير أنه من عجائب الأمور أنني كنت أتلذذ من هذه الأدخنة ...! حيث كنت أشتم فيها بقايا من رائحة الموز والبرتقال والتفاح والعنب والمانجو...ومالذ وطاب من فواكه أخرى،،، وكان من أحب الهوايات إلى نفسي أن أجلس تحت شجرة توت بصحبة بعض الفلاحين وهم يقومون معي بواجب الضيافة المقدس عندهم ، ألا وهو الشاي ..،، فكان يأتي أحدهم بفروع الشجر الجاف ( الحطب) ويكسره قطعا صغيرة ثم يكومه في كومة صغيرة ويضرم فيها النار ,, وتظل النار مشتعلة في الحطب وتتصاعد الأدخنة حتى تصبح الكومة عبارة عن جمرة حمراء ....، وكم كنت أنتشي من رائحة الدخان المتصاعد وأشعر أنني أعيش في جو من البدائية والفطرة وسط الطبيعة والخضرة ، والماء المنساب يترقرق في قناة الري الصغيرة على حافة الحقل ،، وأنا أجلس مربعا ساندا ظهري إلى جذع شجرة التوت ،، ثم يأتي رجل آخر بصينية عليها أكواب زجاجية صغيرة وبراد الشاي الصاج وقد تلفح بالسواد( الهباب ) من أثر الاستعمال ،، ثم يُحضر آخرُ باكو شاي من النوع الارخص وبرطمانا به سكر ..

         

. ثم يبدأ العمل ، فيوضع البراد وبه الماء على الجمرة المشتعلة ( الراكية ) والتي مازالت بعض الأدخنة تتصاعد منها ,ثم يبدأ الماء في الغليان وتتصاعد أبخرته مختلطة بدخان ( الراكية،، ثم يضع الرجل كمية من الشاي الجاف ( تلقيمة بالبركة ) في البراد مع كمية من السكر ( بالبركة أيضا ) ثم يترك الخليط يغلي على نار الجمرة ,, ثم يأتي بأحد الأكواب ويرفع بيده البراد على بعد ربع متر من الكوب ويفرغ فيه بعضا من السائل صانعا رغوة , ثم يعيد محتوى الكوب إلى البراد مرة أخرى , ويكرر هذه العملية مرتين ,, ويقدم للضيف أولا : تفضل يا باشمهندس فأرتشف رشفة وأنا في منتهى النشوة .. وأقول في نفسي مقسما : إنه أحلى وأضبط كوب شاي ممكن  أشربه .....ويعدل مزاجي جيدا .  

تلك أيام قد خلت بحلوها, وجمالها, و مزاجها المعتدل وشبابهاا لمرح وشبابي القوي وما كنت عليه من نشاط وحركة ,, وتقبل لكل شئ بصدر رحب ونفس راضية وصابرة ....., إلى أن جاء الخريف الأول من هذه الألفية واحتل الدخان الأسود الأجواء وزكم الأنوف وألهب الصدور .....,, وقد كنت أنا أول ضحاياه,, فضاق صدري وصعب التنفس,وثقلت الحركة. ولكني لم أحدث نفسي مرة أن أتهم هذا السحاب الأسود بل ألقيت اللوم على مرض وراثي يظهر لي أحيانا عند إختلاف الجو ألا وهو مرض ( الربو ) ..., فلم تفلح كثيرا أدويته في تخفيف حالة الاختناق وضيق التنفس ...,وظللت أعاني,, ومازلت غير مبال بتلك السحابة.., إلى أن داهمني ما هو أسوأ وأسود وأثقل من تلك السحابات الخفيفة التي يدفعها الهواء يمنة ويسرةويخفيها أو يظهرها أحيانا,, أو لها مواسم قصيرة تشتد فيها ثم تتلاشى تماما ويصفو الجو ويروق الحال

       ..

ولكن هذا الذي داهمني (قاتله الله ومحاه من وجودنا العربي ) ألا وهو العدو الصهيوني ,, الجاثم على صدورنا زهاء الستين عاما,, ومنذ أن كنت صبيا غضا وأنا أعرفه,, إنه الغمة الثقيلة المعكرة لصفو الأيام ,, إنه الشئ القذر الملوث لبيئتنا منذ أن ظهر في سمائنا ( وكم أنت بريئة أيتها السحابة التي نصنعها بأيدينا ونخمدها بأيدينا )

وأجلس أمام شاشة التلفاز.,, وقفصي الصدري يعلو ويهبط, فالرئتان لا تعملان بكامل كفاءتها,, ولكني أجلس  وأتابع  ما يجري في أقصانا الأسير ,,,!ماهذا ؟؟ياإلهي .. أبناء القردة الخاسئين  يقدمهم هذا النجس شارون يقتحمون أقصانا المبارك .., وأصرخ في أعماقي ..لا. .لا ..لا ,, ويثور أخوتي في فلسطين  يرفضون هذا العبث في المقدسات

          

,, ويتصدون لجند ابليس الملعون بصدورهم العارية ,, وبأيديهم المجردة من السلاح الناري ولا يملكون غير الحجارة يرجمون بها عدوهم ,, وبإيمانهم المطلق في الله ينتفضون ويرهبون العدو اللدود ,, وأنفعل ويزيد نبضي وتغلي الدماء في عروقي ,,, ياليتني كنت معهم أجود بأنفاسي الضعيفة المتبقية ,, وأذرف الدموع لأني عاجز عن تحقيق أمنيتي ,, ويخفق قلبي بشدة وتسرع أنفاسي لا فرق بين شهيق وزفير ..., وتتوالى الأحداث والإنفعالات ويزداد قلبي وجعا ويزداد وهني وعدم القدرة على بذل أي مجهود ..., ويزداد العدو الملعون صلفا وتجبرا وتوحشا ,,, وتحين لحظة الانفطار .., أواه ياقلباه ,, أواه يا قدساه ,, أواه يا اطفالي الصغار الأبرياء ,, أواه يادرة القلب .. لقد اغتالوك السفاحون وانت بين يدي ابيك ,, تستصرخهم ملوحا بيدك الصغيرة الرقيقة الغضة  ...لا  .. لا .. لاتقتلوني ,, أنا لم أضركم في شئ  أنا لم أقتل أبناءكم ولم أهتك عرض نساءكم  ولم أحتل أقصاكم ولم أستو ل  على أرضكم ...,! فلم تقتلونني....؟ تستصرخهم وقد تحجرت مقلتاك من الرعب والفزع تتوسلهم ,,ولكن لا حياة لمن تنادي ,, وقلوبهم كالحجارة أو هي اشد قسوة,, وتضغط أصابعهم القذرة على الزناد............ ,, ويردوك شهــــــــيدا ,, وتتفجر أنهار الدموع من عيني ,, ويزداد قلبي انفطارا , وتزداد الغصة في حلقي ,, وأسقط صريع المرض

                                                           

     مسكين ياقلبي عليل , وعلتك في رقتك

 مليان مودة وحنان , والحب دا شغلتك

حب الأحبة ينشطك , غدر العدوبيهلكك

 ويوم مامات الدرة  ,, كان يوم رقدتك

على جهاز التنفس ,, والإبر بتشكشكك

وجهاز لرسم القلب , والطبيب جه يفحصك

قال الطبيب داتضخم وقصور في شرايين حضرتك

أنا قلت لا : داتضخم في المشاعر ياقلبي أهلكك

وقصور في شريان السلام  المنتهك  .......

خليك كده ياقلبي في حماسك ورقتك

واهتف بقوة وانفعال تحيا الحياة

ولو دا يقتلك...,

متى تنقشع سحابة الظلم والاحتلال والتجبر والجبروت الأسود,  كما تنقشع سحابة الدخان الأسود ..؟

         

  • Currently 229/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
76 تصويتات / 1039 مشاهدة
نشرت فى 29 نوفمبر 2009 بواسطة nazrat

ساحة النقاش

hanrashed
<p>أشارككم التساؤل سيدي، ولكن فلنعلم، وأذكر نفسي أولا، أن السحابات، كل السحابات، لن تنقشع بمجرد الابتهال والدعاء ولن تذهب فقط بالأماني الطيبة، ولكنها حتما تنقشع بإذن الله وتوفيقه، وإلى غير رجعة، حال توافر النية الصادقة والرؤية الثاقبة والسياسة الواضحة والمنهج العادل والإرادة النافذة والفعل الموحد المخلص لوجه الله وهذه الأمة. وقديما علمونا:</p> <p>إذا الشعب يوما أراد الحياة ...... فلا بد أن يستجيب القدر</p> <p>ولا بد لليل أن ينجلي ...... ولا بد للقيد أن ينكسر</p> <p>ولكم دوما تحياتي، وتقديري</p>

محمدمسعدالبرديسي

nazrat
( نظرات ) موقع إجتماعي يشغله هم المجتمع سياسيا وتربويا بداية من الاسرة الى الارحام من جد وعم وخال الى آخره , الاهتمام السياسي أساسه الدين النصيحة و يهتم بالثقافةبألوانها ويعد الجانب النفسي والاهتمام به محور هام في الموقع كذلك الاهتمام بالطفل ثقافة وصحة »

ماذا تود البحث عنه ؟

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

544,748

مصر بخير

                         
* الشكر واجب للسيد العقيد هشام سمير  بجوازات التحرير , متميز في معاملة الجمهور على أي شاكلة ..

* تحية للمهندس المصري محمد محمد عبدالنبي بشركة المياه