تعود أهمية الكتابة للطفل ودور كُتّاب دراما الطفل، إلى خطورة ما تمثله بنيتهم الفكرية والثقافية التي تصبغ أعمالهم بتوجهاتهم الفكرية في الخطابات التي يبثونها داخل أعمالهم الدرامية، والتي تقوم بالتبعية بترسيخ تلك التوجهات الفكرية لدى الأطفال والتي تؤثر بدورها في تشكيل وعي الأطفال وتكوين شخصيتهم وكذلك رسم خريطة مستقبل الأمة. "فالأمة في مستقبلها تُقاس بموقع طفولتها من حركة الحياة"([1]) ورغم تلك الأهمية إلا أن الكتابة لمسرح الطفل المصري تعاني العديد من المشكلات التي يأتي في طليعتها إشكالية عامة متمثلة في البنية البطريركية المستحدثة للمجتمع المصري وما ترتب عليها من معاناة المجتمع من ويلات الفجوة بين النموذج الديمقراطي الأمثل المطروح لبنية المجتمع، وواقع المجتمع البطريركي المعاش، ذلك الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من الفصل بين الواقع الممكن والواقع الفعلي فيؤدى إلى ازدواجية الوعي في رؤية العالم للمؤلف.
فالمؤلف مُحمل برؤية للعالم تحمل في طياتها الشيء ونقيضه متلازمين معًا في نفس الوقت، والذي ينعكس بدوره على بنية العمل الفني ورسالته ذلك لأن "بنية العمل الفني أو العمل الإبداعي عامة، لا تنفصل عن رؤية مبدعه للمجتمع الذي يعيش فيه، ولا تخلق لنفسها وجوداً في ذاته دون جدل مع الموضوع الذي تقدمه تلك البنية، أو المحتوى الدلالي الذي تعبر عنه دلالات تلك البنية"([2]) فبنية العمل الفني لا تنفصل عن رؤية مبدعها للمجتمع الذي ينشأ في كنفه ويتأثر به.
بهذا تتحول أعماله إلى مجرد نماذج مشوبة بالصراع غير المحسوم داخله بين الأصالة والمعاصرة وعدم قدرته على خلق جسر للتواصل بين ما تربى في كنفه ونشأ عليه وما يقابله من فكر حضاري جديد خاصة في ضوء تأثره بالخطابات التقليدية الراسخة في المجتمع التي تستمد قوتها ورسوخها من اعتناق الوعي الجمعي لها، وكذلك تدعيمها من خلال الخطابات الدينية الرجعية الجامدة، التي تؤازر وتزيد من ثِقل ترسيخ الفكر البطريركي وبنيته القابعة في تربة المجتمع.تلك البنية الهرمية الطبقية التي ترفض التعددية، إلى جانب عدم قدرة المؤلف على الخروج من حيز الوعي التقليدي الجمعي الذي هو جزء من نشأته وتكوينه، مما يؤدى إلى تشويه مضاعف لوعي الأطفال بل وفرض منظومة قيمية جامدة على خيالهم الحر المنطلق، مما يؤدى إلى وئد حريتهم وإبداعهم وقولبة فكرهم ووعيهم، من خلال فرض القالب التقليدي الجامد للقيم السائدة في المجتمع.
هذا بجانب فقد العديد من المؤلفين القدرات الإبداعية والاعتماد على الحرفية في الكتابة بدون إبداع مما يؤدى إلى أعمال فنية تفقد الروح، وحتى في حالة المؤلفين المبدعين غالبًا ما ينقصهم القدرة على التوفيق بين موهبة الإبداع والدراسة الأكاديمية، مما يؤدى إلى أعمال فنية تفتقد الحرفية في الكتابة والجوانب التكنيكية، فضلاً عن الاعتقاد التقليدي السائد في الساحة الفنية في مجتمعاتنا عن أن كل مؤلف للكبار قادر على الكتابة للأطفال، تلك القاعدة التي يُهدر معها التخصص وأهميته، فمن لديه الموهبة الإبداعية الحقيقية للكتابة، ويريد الكتابة للأطفال عليه أن يحرر الطفل الذي بداخله ولا يكتب من منظور الأب أو ولي الأمر في نظرته للطفل، مما يؤدى إلى قوالب جامدة يفرض فيها المؤلفون وصايتهم الفكرية على حدود إبداعات الطفل، ولا تثير أو حتى تداعب خياله ورغباته واحتياجاته.
تلك الوصاية في الكتابة وترسيخ مفهوم "المؤلف المُربِّى" الذي يستند على القاعدة الراسخة في أوساط المؤلفين للأطفال في مجتمعاتنا أن كاتب الأطفال لا بد وأن يكون "مربيًا قبل أن يكون مؤلف قصة أو كاتبًا مسرحيًا"([3]) تلك القاعدة النظرية التي ترفضها الباحثة والتي تحولت إلى نموذج حي للسلطة البطريركية التي تناولها الناقد والكاتب العراقي "جواد الأسدي" في كتابه "الموت نصًا" وطرحها في صيغة سؤال مركب "هل ما زال مسرح الطفل على قلة فاعليته وحضوره الضئيل يعاني من التبعية لعقلية الاستبداد العائلي؟! هل تقع الكتابة لمسرح الأطفال دائمًا في فخ التابو التربوي الذي يتغذى من مصادرة الرأي وتعسف الرأي الواحد، سيد البيت، معلم المدرسة، مدير النظام!"([4]) و الذي لم تجد الباحثة له إجابة سوى بنعم لا زالت دراما ومسرح الطفل في مجتمعاتنا الجامدة أحادية الصوت، يستحوذ عليها وعي الكُتّاب والمؤلفين الناقص الزائف السلطوي، الذي ينظر للطفل نظرة فوقية بعيدة عن احتياجاته وخياله ورغباته، اعتمادًا من المؤلفين على ما يعتنقونه من مفهوم سائد للتربية "في المجتمع هي تحديد نمط معين ثابت وآليات ومعايير من يخرج عنها يصبح مرفوضًا من المجتمع"([5]).
تلك القاعدة التي دمرت المعاني الإبداعية لفن دراما الطفل، وأدت إلى ظهور نصوص درامية ركيكة تحمل مجرد مجموعة من الخطابات المباشرة الوعظية، تفرض على الطفل مجموعة من الأفكار التي لا تتوافق وقدراته بل وتصل إلى حد الاستهانة بعقليته، من الإفراط في المباشرة والتبسيط للأفكار تصل إلى حد سخرية الطفل نفسه منها، ورفضه لها والإعراض عن مشاهدتها، لعدم قدرتها على جذب انتباهه.
ترجع الباحثة تلك الأسباب إلى إغفال القائمين على تلك المنظومة في مجتمعاتنا أن الطفل على الرغم من افتقاده لخبرة الكبار إلا أنه يملك الحس الفطري النقي وخياله الخاص الذي يساعده في فرز الأعمال ومعرفة ما إذا كان العمل سطحيًا يستهين بعقليته أم لا. لذا على القائمين في ذلك المجال مراعاة احتياجات الطفولة وعالمها، واللعب على تنمية القدرات النقدية الذهنية (العقلية النقدية ) للطفل، والاعتماد على التعددية في طرح الآراء الموجهة للطفل وخلق مساحة من الحرية له في الاختيار، دون فرض الوصاية البطريركية القائمة على المفهوم الأحادي المنظور الفوقي للتربية، والنظر إلى ذلك المفهوم بنظرة أكثر شمولية، فضلاً عما يتم تقديمه من تصدير صورة الجنوسة والأدوار الجنوسية للثنائية الإنسانية فبالتالي تكون رؤية المؤلف ومقدار وعيه الجنوسي هو الذي يتحكم في طرحه لنماذج الأدوار الاجتماعية المشكلة لبنية الأسرة دراميًا، فالمجتمع يؤثر بدوره على أدوات المؤلف التعبيرية التي تُنسج من خلالها بنية الأسرة دراميًا، وكذلك طبيعة الأدوار الاجتماعية لكل من المؤنث والمذكر داخل المجتمع والتي غالباً ما تكون مؤيدة للصورة التقليدية الراسخة في الوعي الجمعي لمجتمعنا البطريركي التركيب مستحدث الهيكل، وبالتالي يطرح نماذج ذكورية وأنثوية تثبت وترسخ الصورة التقليدية التي يتبناها المجتمع ولا تجعل أمام الطفل مساحة للرفض أو التشكيك في تلك القوالب المنمطة لنوعه وجنسه
بقلم/ فاطمة قابل
[1] - عبد الرءوف أبو السعد(د): "الطفل وعالمه المسرحي"، القاهرة، دار المعارف،1993م،ص11.
[2] - حسن عطية(د): "سوسيولوجية الفنون المسرحية تحولات البنية وحضور المتلقي" ،كتابات نقدية ، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2004م، ص7.
[3] - أحمد نجيب: "أدب الأطفال علم وفن"، القاهرة، دار الفكر العربي، 2000م، ص31.
[4] - جواد الأسدي: "الموت نصّاً"، بيروت، دار الذاكرة الفرابي، 1991م، ص68.
[5] - خالد محمد محمود حسين: "صورة النوع في مسرح الطفل المصري المعاصر1989: 1999م"، رسالة دكتوراة غير منشورة، المعهد العالي للفنون المسرحية، أكاديمية الفنون،2008م، ص15.
<!--<!--[if gte mso 10]> <mce:style><! /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} --><!--[endif] -->



ساحة النقاش