فاطمة قابل

مقالات نقدية،فلسفية،دراسات بحثية مصغرة

authentication required

<!--

<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} </style> <![endif]-->

في محاولة لإلقاء مزيد من الأضواء حول الفلسفة النسوية ومجموعة المفاهيم الخاطئة المحاطة بها فى مجتعاتنا النامية، وجد الباحثة هنا إلزامية التعرض إلى تاريخ تطور الفلسفة النسوية والتى ستتعرض لها فى إجاز عن تطور فكر الحركة وكيفية إرساء فلسفتها ومناهجها التى تعد نماذج جنوسة بنية الأسرة التى تقوم عليها فرضية البحث نتاج لإتباع فلسفة ومناهج تلك الحركة.

تطور فكر الحركة النسوية وفلسفتها من خلال ثلاث موجات رئيسية كان لها الوقع الأكبر فى تغير وتطوير مسارها الفكرى استطاعت من خلاله، بلورة أفكارها وأطرها النظرية بل وأصبحت أسلوباً للبحث وطريقة للرصد والقراءة وفق منهج علمى وضعى، ولم تتوقف عند حد كونها مصفوفة من الحقائق أو إطار نظرى ذو بناء مهيب من الأفكار المطلقة، ذلك التطور للفلسفة النسوية الذى حولها من إطار الفلسفة النظرية إلى الفلسفة التطبيقية، القابلة للممارسة والتطبيق فى شتى ميادين العلم.

بدأت الحركة النسوية موجاتها الأولى "First wave Feminism" سعياً وراء "نيل المرأة بعضاً من الحقوق العامة لتي يتمتع بها الرجل"([1]) محاولة تغيير وضعية المرأة (المؤنث) ومطالبة بحقوقها المشروعة فى مشاركة الرجل (المذكر) ارتياد المجال العام، تلك الحركة المنظمة الأولى التى عملت "من أجل معالجة صور عدم المساواة الاجتماعية والقانونية التى كانت المرأة تعانى منها فى القرن التاسع عشر"([2]) فى الدول الأوروبية وكافة انحاء العالم "لذلك دأبت على  تأكيد المساواة بين الجنسين وأن الفوارق النوعية للمرأة هامشية لا تجعلها أقل، ولا تحول دون تلقيها العلم وممارستها العمل والحياة السياسية والتصرف في أموالها مثل الرجل. أي عملت على الأقتراب بالمرأة من النموذج الذكوري السائد كنموذج حضاري للإنسان وسارت في مسار التحجيم والطمس للخصائص الأنثوية المميزة"([3])، فى محاولة من النسوية الوصول بالمؤنث إلى مرتبة المذكر، وحصولها على حقها فى ارتياد المجال العام، بعد إقصاء وغياب تام عن المجال العام امتد لألاف السنين، ذلك الأمر الذى أدى إلى وصول تلك الموجة بعد تحقيق أهدافها وخروج المؤنث إلى المجال العام إلى طريق مسدود فى تطورها.

 نظراً لاكتشاف النسويات أن ما يطالبن به من حقوق فى المساواة مع المذكر فى سوق العمل والمجال العام بكافة مجالاته، أدى إلى مزيد من الترسيخ لفكرة مركزية العقل الذكورى، ودعم فكرة النموذج الإنسانى الميثالى المذكر، فى مقابل طمس الخصوصية الأنثوية المستلبة والاقتراب بها من النموذج الذكورى. مما أدى بدوره إلى إعادة النظر فى المسعى الرئيسى للحركة وإعادة تعديل مسار أهدافها ومسعاها الذى واكبه قيام الموجة الثانية"Second wave Feminism" منها فى فترة الستينات من القرن العشرين، التى تلافت ما سقطت فيه الموجة الأولى من أخطاء، وبدأت فى تصحيح مفاهيمها التى اتسمت بالنضج الفكرى واصبحت نظرتها لقضية المؤنث وحقوقها أعمق واشمل وانتقلت من مجرد المطالبة بالمساواة للمذكر كنموذج أمثل للإنسانية إلى البدء فى النظر لأهمية الدور المجتمعى فى رسم نموذج المؤنث وطمسه لخصوصيته والسعى فى"التعبير عن الخبرة المباشرة والذاتية للمرأة من ناحية، وإلى وضع أولويات ورؤية سياسية من ناحية أخرى"([4]) مع التأكيد على "إعادة اكتشاف النساء لأنفسهن كنساء، ثم صياغة نظرية عن هذه الهوية النسوية، أي الأنثوية، وتحولاتها الممكنة"([5]) بدون إغفال حقوق المؤنث السياسية التى استطاعت تحقيق أغلبها. تلك الأفكار الجديدة التى استلهمتها تلك الموجة من كتاب "الجنس الثانى" للفيلسوفة الوجودية الفرنسية "سيمون دى بوفوار Simone De Beavoir" والتى طرحت فيه مقولتها الشهيرة فى "أن المرأة لا تولد امرأة بل تصبح امرأة، إشارة إلى الدور الكبير الذي يقوم به المجتمع في صياغة وضع الأنثى"([6]) وطمس هويتها وخصوصيتها.

أدت الدعاوى التى قامت عليها الموجة الثانية من النسوية إعادة النظر من جديد فى طبيعة العلاقة التى تجمع الثنائية الإنسانية (مذكر/ مؤنث)  وطبيعة الدور الذى تلعبه البنيات المؤسسية المؤثرة على تلك العلاقة ودورها فى توزيع الأدوار، تلك النظرة الحداثية التى ساهمت فى بلورة مفاهيم التهميش وآلياتها للمؤنث، والتى ألقت بظلالها مع بداية عصر ظهور الفلسفة ما بعد الحداثية"Postmodernism"  التشكيكية التى تقوم أفكارها على "إسقاط نظام السلطة الفكرية- فى المجتمع، فى الجامعة، فى الأدب، فى الفن، فى العلوم الاجتماعية والإنسانية- والإطاحة بمشروعية القيم المفروضة من فوق فى الأنظمة والمؤسسات الاجتماعية كافة. وهكذا انتقالنا من "موت الإله" إلى "موت المؤلف" و"موت الأب"، يوصلنا إلى إفراغ الثقافة من قيمها المفروضة علينا، وإلى تحرير المعرفة من نظامها التمويهى، وإلى تفكيك لغة السلطة، لغة الشهوة، لغة النفاق"([7])

 تلك الأفكار ما بعد الكولونيالية  post-colonialism  التحررية التى أكدت على انتهاء عصر الاستعمار " الذى يمثل أقوى تجسيد للفلسفة الذكورية، (معبرة عن انتهاء) عصر المركز والأطراف، عصر قهر الأخر وتوجيهه وفرض الوصاية عليه ليسير وفقاً لرؤى ومصالح الأقوى أو السيد"([8]) تلك المفاهيم التى تتوافق وجوهر الفلسفة النسوية القائم على مناهضة المركزية البطريركية، ذلك التناص والالتقاء بين المفاهيم مابعد الحداثية والنسوية، الذى جعل النسويات المعاصرات تعيد النظر مرة اخرى فى الأطر الفلسفية التى تدور في فلكها الفلسفة النسوية، المحصورة فى ثنائية (المؤنث/ المذكر)، وتكون أكثر شمولية ومواكبة لروح العصر التشكيكية.

ذلك الأمر الذى أدى إلى ظهور ما يسمى بالموجة النسوية الثالثة "Third Wave Feminism" أو ما تُعرف أيضاً باسم ما بعد النسوية "Postfeminism" التى تحولت من حيز اهتماماتها الضيق المحصور فى وضعية المؤنث وقضاياها، وتصبح أكثر شمولية من أجل أن "تعمل على فضح ومقاومة كل هياكل الهيمنة وأشكال الظلم والقهر والقمع، وتفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش والمقهور، والعمل على صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور والارتقاء المتناغم، تقلب ما هو مألوف وتؤدى إلى الأكثر توازناً وعدلاً"([9]بهدف خلق "نوع من المشاركة فى خطاب ما بعد الحداثة، (بهذا يكون) كلاً منهما يسعى إلى خلخلة التعريفات الثابتة للنوع (كون الإنسان ذكراً أو أنثى)، وإلى تفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية"([10])

لكى تصبح الفلسفة النسوية فى مدها ما بعد الحداثى ما بعد النسوى، حركة تعمل على نقض هيراركية الفلسفة البطريركية فى كافة المجالات الإنسانية المسيطرة عليها، مدافعة وممثلة إلى كل ما هو مهمش فى إطار النظام البطريركى السائد، "ومن ثم تعتبر أنها مصطلحاً يصف الموقف الذى يمكن أن تتخذه أى ذات هامشية سواء أكانت رجلاً أم امرأة"([11])أى كان جنسه أو عرقة أو نوعه أو ديانته، وتصير فى حالة صراع جدلى شامل ضد كافة أشكال التحيز والاستغلال " استغلال الرجل للمرأة واستغلال الرجل للرجل ومن ثم استغلال شعب لشعب"([12]) واستغلال نظام سياسى واقتصادى قوى لنظام سياسى واقتصادى أضعف منه، وما إلى ذلك من علاقات القوة.

 ذلك التحول الذى تكون الفلسفة ما بعد النسوية بمقتضاه فلسفة تعبر عن الجنس الإنسانى بعنصريه (مؤنث/ مذكر)، بل وتمتد لتعبر عن كل مؤسساته وهيئاته وشعوبه، فتتحول بتلك المعانى الفكرية الجديدة الرحبة، إلى حركة عالمية تسعى لتحرير البشرية من كل أشكال الأضطهاد والتهميش الذى يُوصّف بأنه "نتاج عملية تتمثل فى سيطرة طبقة أو فئة اجتماعية على طبقة أو فئة اجتماعية أخرى –داخل إطار نظام للتدرج الهرمى- وتسخير الفئات المهمشة فى أنشطة اقتصادية لخدمة القوى المسيطرة، ووضع عوائق اجتماعية واقتصادية وسياسية تسفر عن حرمان الفئات المهمشة من التمتع بحقوق ومزايا أساسية"([13])، فالتهميش فعل اجتماعى يستوجب حضور مقابله المتمثل فى السيطرة، تلك الآلية التى توظفها كافة الأبنية الهيراركية للنظم الحاكمة المسيطرة التى تفرض بمقتضاها نظام علاقات القوة.

بهذا تصل الدراسات ما بعد النسوية إلى أن الإقصاء والتهميش والقمع لم يقتصر على المؤنث فحسب، بل طال المذكر وطمس سماته الأنثوية، كما فعل مع المؤنث وطمس من قبل كل سماتها الذكورية، وطرح الثنائية الإنسانية (مذكر/ مؤنث) فى صيغة ثنائية متعارضة، مما أدى إلى تدنى الطرف المؤنث فى مقابل علو طرف المذكر، مستنداً فى ذلك التفريق على عنصر الجنس كمحك أساسى فى المنح والمنع من الأدوار والسمات، وأغفل الطبيعة التكاملية للاختلاف القائم بين (المؤنث/ المذكر)، وجعل هناك مجموعة من القوالب النمطية لمجموعة الأدوار الاجتماعية التى يلعبها كل منهما والذى أدى بدوره إلى إنتاج مخلوقات بشرية شبيهه مشوهه، تفتقد لمفاهيم المشاركة والتكامل، وتقاسى من ويلات التمييز والإقصاء، بل وحتى النموذج الإنسانى الذكورى لم ينجو من وطئة الإقصاء والتهميش فى البنية البطريركية، إذ هو أيضاً يمارس عليه آليات التهميش والقهر، من نفس جنسه، بل ويمتد الامر من ثنائية (المذكر/ المؤنث) ليصل إلى سلطة حكم على شعب، وسلطة نظام على نظام، مستخدماً فى ذلك نفس آليات الاستبداد والقهر.



[1] - ليندا جين شيفرد(د): "أنثوية العلم"، ت/ يمنى طريف الخولي، الكويت، عالم المعرفة، ع306، 2004م ، ص 11.

[2] - سارة جامبل: "النسوية وما بعد النسوية"، ت/ أحمد الشامي، القاهرة، المجلس الأعلي للثقافة، 2002م ، ص342.

[3] - ليندا جين شيفرد(د):المرجع المذكور ، ص 11.

[4] - سارة جامبل: المرجع المذكور، ص61.

[5] - ليندا جين شيفرد(د):المرجع المذكور ، ص 13.

[6] - المرجع السابق، ص 13.

[7]- هشام شرابى(د): "النقد الحضارى للمجتمع العربى فى نهاية القرن العشرين"، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،1990م،ص94، 95.

[8]- ليندا جين شيفرد(د):المرجع المذكور ، ص14، 15.

[9] - يمنى طريف الخولى(د): مقدمة كتاب أوما ناريان وأخريات: " نقض مركزية المركز"، ت/ يمنى طريف الخولي(د)،  الجزء الأول، الكويت، عالم المعرفة، ع395، 2013م، ص8.

[10] - سارة جامبل: المرجع المذكور، ص450.

[11] - المرجع السابق، ص337.

[12] - روجيه جارودى:فى سبيل رتقاء المرأة، ت/ تركى على الربيعو،  فى مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، جامعة الكويت، العدد الرابع، شتاء 1984 م، ص214.

[13] - أمل عبد الله محمد: "آليات التهميش الاجتماعى فى المجتمع المصرى" ، رسالة ماجستير، كلية الأداب، جامعة حلوان، 2005م، ص54.

 

fatemahkabil

fatma.kabel

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 319 مشاهدة
نشرت فى 9 يونيو 2014 بواسطة fatemahkabil

ساحة النقاش

فاطمة قابل

fatemahkabil
يتناول الموقع عرض مجموعة من المقالات والدراسات البحثية المتعلقة بفنون النقد والدراما »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

26,837