فاطمة قابل

مقالات نقدية،فلسفية،دراسات بحثية مصغرة

مقالات نقدية فنية

edit

<!--

<!--<!--<!--

كثيرا ما نشاهد أفلام سينمائية تنتمي للعديد من الثقافات أو روايات تقوم فكرتها علي عودة روح الميت وإعادة ولادتها في جسد جديد تلك الفكرة التي لم تأتي من وحي خيال الكتاب أو المبدعين بل لها أصل ديني وفلسفي ثابت وراسخ في المعتقد الإنساني تسمي بعقيدة التناسخ تلك العقيدة التي نجدها في العديد من الديانات التي تؤمن بتناسخ الروح أو تقمص الروح وعودة الروح وولادتها بعد الموت في جسد جديد وهي فكرة فلسفية وعقيدة دينية في العديد من الديانات الوضعية القديمة والحديثة. منها ما يتناول فكرة التناسخ كتوريث للروح كما في الديانات المصرية القديمة المتمثلة في انتقال روح الفرعون الميت إلي جسد ابنه وريث العرش والديانات اليونانية وأخري تقوم علي فكرة التناسخ كوسيلة من وسائل عقاب الآله للأرواح الأثمة من خلال إعادة ولادتها في جسد أخر بعد موتتها الأولي ويحدث فيها ما قامت به من أثام  عقابا لها علي ما فعلت كما في الديانات الوضعية الحالية كالهندوسية والبوذية بل وكذلك بعض الشُعب من الديانات الإبراهيمية كمسلمي الطائفة الدرزية وغيرها كثير[1].

حيث اننا في تلك السطور لا يهمنا حصر الديانات التي تعتمد علي فلسفة التناسخ كعقيدة دينية بل هدفنا إلقاء الضوء علي تلك الفلسفة وفكرتها ومدي حقيقتها الأسطورية البعيدة عن الحقيقة والإعتقاد الديني. فبالنظر لمعتقد رجوع الروح بأجساد أرضوية جديدة في نظر الكاتبة يقابلها عجز وخواء يؤدي إلي تكرار ممسوخ والله سبحانه وتعالي جل شأنه قادرعلي كل شئ والعجز صفة بشرية وليست صفة آلاهية. فلماذا إن كان هو القادر والفاعل أن يقوم بإعادة إنتاج نفس الروح لكي يخلصها من أثامها علي نفس الأرض ولكن في زمن مختلف؟ وأكبر دليل علي ذلك أنه لو نظرنا لأي كائن من مخلوقات الله ولو علي سبيل المثال الإنسان، سنجد أن أقل تفصيلة فيه تخصه وتميزه عن باقي بني جنسه ( بصمة الإصبع/ الشريط الوراثي/ بصمة الأذن/ بصمة الفك....إلخ)

فعلي الرغم من ثبات أعضاء الإنسان وبنية تكوينه إلا أنه لا يوجد إنسان مثل الأخر ولا بصمة إنسان مثل أخري عند إنسان أخر؟ وهذا وإن دل علي شئ لا يدل إلا علي تعددية بل ولا نهائية  قدرات الخالق وعدم محدوديتها حتي في المخلوق المتكرر الموصف بكونه إنسان. فالخالق بديع مبدع لا يحتاج لقوالب ثابتة متمثلة في الأرواح المستنسخة التي يعيد إنتاج ولادتها؟ ففكرة القوالب فكرة بشرية تتوافق ومحدودية القدرات البشرية ولا تنتمي لصفات الخالق جل وعلي شأنه كما جاء في قوله تعالي " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" ([2])

وعند محاولة ربطنا عقيدة التناسخ بالأخرة والحساب التي تؤمن بها تلك المعتقدات والديانات سنجد اننا امام حائط سد كيف لله العدل المطلق المنزه عن النسبية أن يحاسب إنسان أعاد إنتاجه نفساً وروحاً من إنسان أخر؟ جاء في الولادة الأولي للروح؟ وهل يا تري سيعاقب الولادات المستنسخة الجديدة عما قام به من كان يملك نفس روحه؟ وهذا بهتان وظلم لعدل الله المطلق المنزه عن الخطأ أو عدم إقامة العدل؟ بل وعند قيام الأشهاد علي من سينادي وكيف سيصل المستنسخين؟ هل سيتم تجميعهم في الجسد الأول وفناء الأخرين؟؟ وهذا أيضا سيناريو في حالة وقوعه يكون الآله ظالم؟ وهذه الحلول قد نجدها في أفلام سينمائية تتحدث عن استنساخ البشر وظلمها ولكن لا نجدها في عدالة خالق الأكوان المنزه عن الخطأ والمنزه عن كل شئ ميزان العدل.. العدل المطلق.كيف يتحقق العدل عندما يعيد الآله كما تزعم تلك الديانات الوضعية والعديد من الطوائف من  الديانات الإبراهيمية استنساخ الإنسان لكي يخلص منه ذنوبه في أحد أخر مولود جديد ذنبه فقط أنه تم استنساخه من روح سبقته ونفس عصت فكان جزاءه استلام ذنبها والحساب عليها؟  ولكي يكون الحساب حساباً عادلاً فكيف لله العدل المطلق أن يحاسب إنسان أعاد إنتاجه نفساً وروحاً من إنسان اخر؟ سيناريو يستحيل تصديقه.

وبتحليل تلك الفلسفة ومحاولة الوقوف علي تفسير ظواهرها نجد انها ربما تم استلهامها من الأساطير الإغريقية القديمة التي قامت الديانات فيها علي تلك الأساطير من صنيعة الإنسان فأولي الديانات الوضعية التي قامت علي فكرة التناسخ المتمثلة في أسطورة لعنة آلهة الأوليمب لبعض البشر وبسبب هذه اللعنة تتوارثها أجيال ذنبها أنها جاءت من نفس نسل الملعون. والتي تأثرت بها العديد من مسرحيات الكتاب اللإغريق القدامي والأساطير التي استقوا منها مسرحياتهم.

نصل بذلك إلي أن فلسفة التناسخ أسطورة إنسانية توارثتها الأديان الوضعية التي تقوم علي الأسطورة كمعتقد ثابت وخميرة خصبة لبناء أديانهم الوضعية والتي تعطي هالة من التقديس لأفكارهم ودياناتهم التي يعتنقوها.

القول الفصل

ولكي نصل إلي القول الفصل دعونا نغوص في أعماق كلمات الله من خلال محكم آيات القرآن الكريم التي تدل علي استحالة فلسفة التناسخ  في أرض الحقيقة نبدأها من أن معظم آلهة الديانات الوضعية بشر حقيقيين وجدوا في ازمان قديمة وتحولوا بعد موتهم إلي آلهة كالأنبياء والحكماء والصالحين من البشركما في الديانات المصرية القديمية (آتوم/نوه/أزوريس..إلخ) والبوذية وغيرها من الديانات التابعة لفكر ونهج فرد أتاه الله الحكمة والعلم ولعل هذا ما يُشار إليه في القرآن الكريم في العديد من المواضع نذكر منها كما جاء في قوله تعالي "أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً " ([3]) وكذلك قوله "وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ"([4]) بل ولو نظرنا أيضاً لآية تُقر بعدم واقعية التناسخ في محكم القرآن الكريم تظهر في قوله تعالي "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ"([5]) وبالنظر لتفسير قوله " لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً" كما جاء في تفسير القرطبي "أن في موضع رفع، لأي لو ثبت أن لنا رجعة فنتبرأ منهم جواب التمني والكرة: الرجعة والعودة إلي حال قد كانت، أي قال الأتباع: لو رددنا إلي الدنيا حتي نعمل صالحاً ونتبرأ منهم كما تبرؤا، والتبرؤ يعني الانفصال"([6]) يؤكد ذلك التفسير علي تحسر الكافرين لاتباعهم غير الله، ولو هنا تفيد الشك ويرد في التفسير فنتبرأ منهم جواب التمني دليل علي استحالة العودة لما كان أي استحالة تناسخ تلك الأرواح مرة أخري لكي تكفر عن ذنوبها بل وتختتم الآية الثانية وتعطي القول الفصل في قوله تعالي " وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ" "دليل علي خلود الكفار فيها (النار) وأنهم لا يخرجون منها وهذا قول جماعة أهل السنة"([7])

نصل من جميع ما سبق إلي نتيجة تكاد تكون قاطعة بأن فكرة التناسخ في الأرض فكرة أسطورية وفلسفة تقوم علي أسطورة لا حقيقة لها في علاقتها بالدين والحقيقة. فالله قادر علي التفرد في الخلق وعدم التكرار فكل حبة رمل تختلف عن الأخري، ونجد هنا احد قد يبادره تساؤل حول أن هناك اعتماد علي التكرار في الخلق كما قلنا سابقاً مثل كل ما يطلق عليه إنسان فهو تكرار ولكن في نفس التكرار تفرد يشهد علي قدرات الخالق اللانهائية فحتي التكرارات الموجودة في الكون لا تدل علي الخواء كما قد يزعم البعض؟ بل علي قمة الإعجاز في الخلق؟!  فمن أصغر مخلوق من مخلوقات الله داخل اي ذرة من إلكترون إلي أكبر مخلوقات الله التي نعرفها ولا ندركها حتي الآن المتمثلة في المجرات تكرار للدائرة ولكن كل دائرة تختلف في خواصها وتركيبها البنائي ودورها الوظيفي عن سائر الدوائر الأخري. فالتكرار هنا دليل علي الوحدة والوحدانية لله وتفرده وليس عجزه أو خواءه جل شأنه عما يصفون والإعجاز في ذلك التكرار تفرد كل وحده فالعنصر نفس المكونات ولكن لكل عنصر ما يمزه عن سائر العناصر التي ينظم أسفل كتلتها البنائية، وبهذا نجد أن عقيدة التناسخ فلسفة أسطورية تؤكد علي عجز آلهة تلك الأديان التي يعتنق  أفرادها تلك الفلسفة، بعيدا عن الخالق الأعظم الواحد الأحد جل وعلي شأنه. وهي مادة خصبة لنسج خيال المؤلفين وكتابة الروايات وصناعة الأفلام السينمائية ولكن ليست بحقيقة يمكن الاعتماد عليها أو الاعتقاد فيها أو الاتكال عليها فمن يخطئ يحاسب بشخصه ونفسه عن خطأه ولن يتخلص من الذنب إلا بالتوبه النصوحة الطريق الأوحد لقبول معصية الإنسان عند الله والعوده إلي طريقه .

17/3/2016م

القاهرة 6:00مساءاً

فاطمة قابل

 


[1] (للاستذادة في ذلك الموضوع العودة لحلقات البوذية من برنامج العلم والإيمان للعلامة الراحل مصطفي محمود)

[2] - سورة يس الآية 82.

[3] -  القرآن الكريم، سورة الكهف الآية 102.

[4] - القرآن الكريم، سورة يس، الآيتان 74، 75.

[5] - القرىن الكريم، سورة البقرة ، الآيات 166، 167.

[6] - تفسير القرطبي: الجزء الثاني، ص195.

[7] - نفس الموضع.

 

fatemahkabil

fatma.kabel

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 70 مشاهدة
نشرت فى 28 ديسمبر 2016 بواسطة fatemahkabil

<!--

<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} </style> <![endif]-->

في محاولة لإلقاء مزيد من الأضواء حول الفلسفة النسوية ومجموعة المفاهيم الخاطئة المحاطة بها فى مجتعاتنا النامية، وجد الباحثة هنا إلزامية التعرض إلى تاريخ تطور الفلسفة النسوية والتى ستتعرض لها فى إجاز عن تطور فكر الحركة وكيفية إرساء فلسفتها ومناهجها التى تعد نماذج جنوسة بنية الأسرة التى تقوم عليها فرضية البحث نتاج لإتباع فلسفة ومناهج تلك الحركة.

تطور فكر الحركة النسوية وفلسفتها من خلال ثلاث موجات رئيسية كان لها الوقع الأكبر فى تغير وتطوير مسارها الفكرى استطاعت من خلاله، بلورة أفكارها وأطرها النظرية بل وأصبحت أسلوباً للبحث وطريقة للرصد والقراءة وفق منهج علمى وضعى، ولم تتوقف عند حد كونها مصفوفة من الحقائق أو إطار نظرى ذو بناء مهيب من الأفكار المطلقة، ذلك التطور للفلسفة النسوية الذى حولها من إطار الفلسفة النظرية إلى الفلسفة التطبيقية، القابلة للممارسة والتطبيق فى شتى ميادين العلم.

بدأت الحركة النسوية موجاتها الأولى "First wave Feminism" سعياً وراء "نيل المرأة بعضاً من الحقوق العامة لتي يتمتع بها الرجل"([1]) محاولة تغيير وضعية المرأة (المؤنث) ومطالبة بحقوقها المشروعة فى مشاركة الرجل (المذكر) ارتياد المجال العام، تلك الحركة المنظمة الأولى التى عملت "من أجل معالجة صور عدم المساواة الاجتماعية والقانونية التى كانت المرأة تعانى منها فى القرن التاسع عشر"([2]) فى الدول الأوروبية وكافة انحاء العالم "لذلك دأبت على  تأكيد المساواة بين الجنسين وأن الفوارق النوعية للمرأة هامشية لا تجعلها أقل، ولا تحول دون تلقيها العلم وممارستها العمل والحياة السياسية والتصرف في أموالها مثل الرجل. أي عملت على الأقتراب بالمرأة من النموذج الذكوري السائد كنموذج حضاري للإنسان وسارت في مسار التحجيم والطمس للخصائص الأنثوية المميزة"([3])، فى محاولة من النسوية الوصول بالمؤنث إلى مرتبة المذكر، وحصولها على حقها فى ارتياد المجال العام، بعد إقصاء وغياب تام عن المجال العام امتد لألاف السنين، ذلك الأمر الذى أدى إلى وصول تلك الموجة بعد تحقيق أهدافها وخروج المؤنث إلى المجال العام إلى طريق مسدود فى تطورها.

 نظراً لاكتشاف النسويات أن ما يطالبن به من حقوق فى المساواة مع المذكر فى سوق العمل والمجال العام بكافة مجالاته، أدى إلى مزيد من الترسيخ لفكرة مركزية العقل الذكورى، ودعم فكرة النموذج الإنسانى الميثالى المذكر، فى مقابل طمس الخصوصية الأنثوية المستلبة والاقتراب بها من النموذج الذكورى. مما أدى بدوره إلى إعادة النظر فى المسعى الرئيسى للحركة وإعادة تعديل مسار أهدافها ومسعاها الذى واكبه قيام الموجة الثانية"Second wave Feminism" منها فى فترة الستينات من القرن العشرين، التى تلافت ما سقطت فيه الموجة الأولى من أخطاء، وبدأت فى تصحيح مفاهيمها التى اتسمت بالنضج الفكرى واصبحت نظرتها لقضية المؤنث وحقوقها أعمق واشمل وانتقلت من مجرد المطالبة بالمساواة للمذكر كنموذج أمثل للإنسانية إلى البدء فى النظر لأهمية الدور المجتمعى فى رسم نموذج المؤنث وطمسه لخصوصيته والسعى فى"التعبير عن الخبرة المباشرة والذاتية للمرأة من ناحية، وإلى وضع أولويات ورؤية سياسية من ناحية أخرى"([4]) مع التأكيد على "إعادة اكتشاف النساء لأنفسهن كنساء، ثم صياغة نظرية عن هذه الهوية النسوية، أي الأنثوية، وتحولاتها الممكنة"([5]) بدون إغفال حقوق المؤنث السياسية التى استطاعت تحقيق أغلبها. تلك الأفكار الجديدة التى استلهمتها تلك الموجة من كتاب "الجنس الثانى" للفيلسوفة الوجودية الفرنسية "سيمون دى بوفوار Simone De Beavoir" والتى طرحت فيه مقولتها الشهيرة فى "أن المرأة لا تولد امرأة بل تصبح امرأة، إشارة إلى الدور الكبير الذي يقوم به المجتمع في صياغة وضع الأنثى"([6]) وطمس هويتها وخصوصيتها.

أدت الدعاوى التى قامت عليها الموجة الثانية من النسوية إعادة النظر من جديد فى طبيعة العلاقة التى تجمع الثنائية الإنسانية (مذكر/ مؤنث)  وطبيعة الدور الذى تلعبه البنيات المؤسسية المؤثرة على تلك العلاقة ودورها فى توزيع الأدوار، تلك النظرة الحداثية التى ساهمت فى بلورة مفاهيم التهميش وآلياتها للمؤنث، والتى ألقت بظلالها مع بداية عصر ظهور الفلسفة ما بعد الحداثية"Postmodernism"  التشكيكية التى تقوم أفكارها على "إسقاط نظام السلطة الفكرية- فى المجتمع، فى الجامعة، فى الأدب، فى الفن، فى العلوم الاجتماعية والإنسانية- والإطاحة بمشروعية القيم المفروضة من فوق فى الأنظمة والمؤسسات الاجتماعية كافة. وهكذا انتقالنا من "موت الإله" إلى "موت المؤلف" و"موت الأب"، يوصلنا إلى إفراغ الثقافة من قيمها المفروضة علينا، وإلى تحرير المعرفة من نظامها التمويهى، وإلى تفكيك لغة السلطة، لغة الشهوة، لغة النفاق"([7])

 تلك الأفكار ما بعد الكولونيالية  post-colonialism  التحررية التى أكدت على انتهاء عصر الاستعمار " الذى يمثل أقوى تجسيد للفلسفة الذكورية، (معبرة عن انتهاء) عصر المركز والأطراف، عصر قهر الأخر وتوجيهه وفرض الوصاية عليه ليسير وفقاً لرؤى ومصالح الأقوى أو السيد"([8]) تلك المفاهيم التى تتوافق وجوهر الفلسفة النسوية القائم على مناهضة المركزية البطريركية، ذلك التناص والالتقاء بين المفاهيم مابعد الحداثية والنسوية، الذى جعل النسويات المعاصرات تعيد النظر مرة اخرى فى الأطر الفلسفية التى تدور في فلكها الفلسفة النسوية، المحصورة فى ثنائية (المؤنث/ المذكر)، وتكون أكثر شمولية ومواكبة لروح العصر التشكيكية.

ذلك الأمر الذى أدى إلى ظهور ما يسمى بالموجة النسوية الثالثة "Third Wave Feminism" أو ما تُعرف أيضاً باسم ما بعد النسوية "Postfeminism" التى تحولت من حيز اهتماماتها الضيق المحصور فى وضعية المؤنث وقضاياها، وتصبح أكثر شمولية من أجل أن "تعمل على فضح ومقاومة كل هياكل الهيمنة وأشكال الظلم والقهر والقمع، وتفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش والمقهور، والعمل على صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور والارتقاء المتناغم، تقلب ما هو مألوف وتؤدى إلى الأكثر توازناً وعدلاً"([9]بهدف خلق "نوع من المشاركة فى خطاب ما بعد الحداثة، (بهذا يكون) كلاً منهما يسعى إلى خلخلة التعريفات الثابتة للنوع (كون الإنسان ذكراً أو أنثى)، وإلى تفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية"([10])

لكى تصبح الفلسفة النسوية فى مدها ما بعد الحداثى ما بعد النسوى، حركة تعمل على نقض هيراركية الفلسفة البطريركية فى كافة المجالات الإنسانية المسيطرة عليها، مدافعة وممثلة إلى كل ما هو مهمش فى إطار النظام البطريركى السائد، "ومن ثم تعتبر أنها مصطلحاً يصف الموقف الذى يمكن أن تتخذه أى ذات هامشية سواء أكانت رجلاً أم امرأة"([11])أى كان جنسه أو عرقة أو نوعه أو ديانته، وتصير فى حالة صراع جدلى شامل ضد كافة أشكال التحيز والاستغلال " استغلال الرجل للمرأة واستغلال الرجل للرجل ومن ثم استغلال شعب لشعب"([12]) واستغلال نظام سياسى واقتصادى قوى لنظام سياسى واقتصادى أضعف منه، وما إلى ذلك من علاقات القوة.

 ذلك التحول الذى تكون الفلسفة ما بعد النسوية بمقتضاه فلسفة تعبر عن الجنس الإنسانى بعنصريه (مؤنث/ مذكر)، بل وتمتد لتعبر عن كل مؤسساته وهيئاته وشعوبه، فتتحول بتلك المعانى الفكرية الجديدة الرحبة، إلى حركة عالمية تسعى لتحرير البشرية من كل أشكال الأضطهاد والتهميش الذى يُوصّف بأنه "نتاج عملية تتمثل فى سيطرة طبقة أو فئة اجتماعية على طبقة أو فئة اجتماعية أخرى –داخل إطار نظام للتدرج الهرمى- وتسخير الفئات المهمشة فى أنشطة اقتصادية لخدمة القوى المسيطرة، ووضع عوائق اجتماعية واقتصادية وسياسية تسفر عن حرمان الفئات المهمشة من التمتع بحقوق ومزايا أساسية"([13])، فالتهميش فعل اجتماعى يستوجب حضور مقابله المتمثل فى السيطرة، تلك الآلية التى توظفها كافة الأبنية الهيراركية للنظم الحاكمة المسيطرة التى تفرض بمقتضاها نظام علاقات القوة.

بهذا تصل الدراسات ما بعد النسوية إلى أن الإقصاء والتهميش والقمع لم يقتصر على المؤنث فحسب، بل طال المذكر وطمس سماته الأنثوية، كما فعل مع المؤنث وطمس من قبل كل سماتها الذكورية، وطرح الثنائية الإنسانية (مذكر/ مؤنث) فى صيغة ثنائية متعارضة، مما أدى إلى تدنى الطرف المؤنث فى مقابل علو طرف المذكر، مستنداً فى ذلك التفريق على عنصر الجنس كمحك أساسى فى المنح والمنع من الأدوار والسمات، وأغفل الطبيعة التكاملية للاختلاف القائم بين (المؤنث/ المذكر)، وجعل هناك مجموعة من القوالب النمطية لمجموعة الأدوار الاجتماعية التى يلعبها كل منهما والذى أدى بدوره إلى إنتاج مخلوقات بشرية شبيهه مشوهه، تفتقد لمفاهيم المشاركة والتكامل، وتقاسى من ويلات التمييز والإقصاء، بل وحتى النموذج الإنسانى الذكورى لم ينجو من وطئة الإقصاء والتهميش فى البنية البطريركية، إذ هو أيضاً يمارس عليه آليات التهميش والقهر، من نفس جنسه، بل ويمتد الامر من ثنائية (المذكر/ المؤنث) ليصل إلى سلطة حكم على شعب، وسلطة نظام على نظام، مستخدماً فى ذلك نفس آليات الاستبداد والقهر.



[1] - ليندا جين شيفرد(د): "أنثوية العلم"، ت/ يمنى طريف الخولي، الكويت، عالم المعرفة، ع306، 2004م ، ص 11.

[2] - سارة جامبل: "النسوية وما بعد النسوية"، ت/ أحمد الشامي، القاهرة، المجلس الأعلي للثقافة، 2002م ، ص342.

[3] - ليندا جين شيفرد(د):المرجع المذكور ، ص 11.

[4] - سارة جامبل: المرجع المذكور، ص61.

[5] - ليندا جين شيفرد(د):المرجع المذكور ، ص 13.

[6] - المرجع السابق، ص 13.

[7]- هشام شرابى(د): "النقد الحضارى للمجتمع العربى فى نهاية القرن العشرين"، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،1990م،ص94، 95.

[8]- ليندا جين شيفرد(د):المرجع المذكور ، ص14، 15.

[9] - يمنى طريف الخولى(د): مقدمة كتاب أوما ناريان وأخريات: " نقض مركزية المركز"، ت/ يمنى طريف الخولي(د)،  الجزء الأول، الكويت، عالم المعرفة، ع395، 2013م، ص8.

[10] - سارة جامبل: المرجع المذكور، ص450.

[11] - المرجع السابق، ص337.

[12] - روجيه جارودى:فى سبيل رتقاء المرأة، ت/ تركى على الربيعو،  فى مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، جامعة الكويت، العدد الرابع، شتاء 1984 م، ص214.

[13] - أمل عبد الله محمد: "آليات التهميش الاجتماعى فى المجتمع المصرى" ، رسالة ماجستير، كلية الأداب، جامعة حلوان، 2005م، ص54.

 

fatemahkabil

fatma.kabel

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 320 مشاهدة
نشرت فى 9 يونيو 2014 بواسطة fatemahkabil

فاطمة قابل

fatemahkabil
يتناول الموقع عرض مجموعة من المقالات والدراسات البحثية المتعلقة بفنون النقد والدراما »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

26,853