كثيرة هي التوجيهات القرآنية التي تحث على الإلتزام بالأدب في التعامل مع الآخرين، وسنحاول فيما يلي أن نذكر بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر:

 

1. النهي عن فضول الكلام والخوض في الباطـل:

حثَّ القرآن الكريم على الإبتعاد عن فضول الكلام وعدم الخوض في الباطل، والإلتزام بهذا التوجيه القرآني مِنْ شأنه أنْ يَصُبَّ في بناء مجتمعٍ متماسكٍ يبتعد فيه الناس عن الثرثرة والإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه.

 

قال تعالى: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). فهذه الآية القرآنية تُوجِّه المؤمنين إلى أنْ يكون كلامُهم هادفاً، فإنَّ من شأن المسلم الواعي ألا يخوض فيما لا يعنيه، وألا يُكثر من الكلام المباح غير الهادف والذي لا خير فيه، فإنَّ الوقت أثمن من إضاعته في فضول الكلام وهَذَرِه.

 

وكثرة الكلام تؤدي إلى قسوة القلب، فقد وَرَدَ عن رسول الله (ص) أنه قال: "لا ُتكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنَّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوةٌ للقلب، وإنَّ أبعد الناس من الله القلب القاسي". ولا شكَّ أنَّ قسوة القلب مع الله تؤدي إلى قسوته مع الناس، مما يُلقي بظلاله السيئة على الاتصال بالآخرين، وعلى العلاقات الإنسانية بشكل عام.

 

2. النهي عن السب والفحش في القـول:

للسب واللعن والفحش في القول أضرار كثيرة، ففيها إيذاءٌ للمسبوب، وإيغارٌ للصدور، وقَطْعٌ للعلاقات والمودَّات، وزرعٌ لبذور الفتنة والشقاق، وذلك لما تجلبه من العداوة والبغضاء، وتجرُّه من المنازعات والمشاحنات التي قد تنتهي بأوخم العواقب وأسوأ النتائج، فتتفكك عُرى المحبة، وتنقطع روابط الأُلْفة، ويحل الفساد محل الصلاح، والخصام محل الوئام، فتسوء الأحوال وتضطرب الأعمال.

 

ونتيجة لهذه الآثار السيئة التي يتركها السباب وفحش القول على العلاقات الإنسانية، جاء التوجيه القرآني ليحث على تجنب النطق بالألفاظ البذيئة، والكلمات المبتذلة. قال تعالى: (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا).

وفي آية أخرى نصَّ القرآن الكريم على أن إيذاء المؤمنين بالقول السيئ دون وجه حق، يترتب عليه إثم عظيم. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).

 

3. الحث على الصَّمت وحُسْنِ الإستماع:

الصمت وحُسن الإستماع مهارة لابدّ من إتقانها، لما لذلك من أهمية كبرى في بناء العلاقات الإنسانية بين الأفراد والجماعات، وهي وسيلة مُجدية في إيجاد الفهم المتبادل بين الناس، ومساعدتهم في حلِّ مشكلاتهم، والتخفيف من آلامهم، وما يحسون به من ضيقٍ وحزن.

وقد نبَّه القرآن الكريم إلى ضرورة حُسن الاستماع. قال تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الألْبَابِ), قال إبن عباس: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن ويَنْكَفُّ عن القبيح فلا يتحدث به.

 

جاء في كتاب «فن التفاوض» لوليام أوري ما نَصُّهُ:

"إنَّ الإنصات عظيم الفائدة، فهو يفتح لك نافذة لترى ما يدور في عقل الطرف الآخر، كما يجعل الطرف الآخر على إستعداد للإنصات إليك. فلو أنَّ الطرف الآخر كان غاضباً أو قلقاً، فلماذا لا تحاول أنْ تستمع إلى شكواه. لا تقاطعه حتى لو شعرتَ أنه مخطئ، أو أنه يهينك.

ويمكنك أنْ تُشْعره بإصغائك إليه عن طريق تركيز نظرك عليه، أو هزّ رأسك من آنٍ لآخر، أو ترديد عبارات مثل: «نعم، نعم» أو «أنا أفهم ما تقصده» وعندما ينتهي من حديثه، اسْأَلْه بهدوء إن كان لديه شيء آخر يريد أن يضيفه، وشجعه على أنْ يُفضي إليك بكل ما يضايقه، بأن تقول له مثلاً: «من فضلك استمر في حديثك» أو «ماذا حدث بعد ذلك؟».

وبمجرد أنْ تُنصت لما يريد الطرف الآخر أنْ يقوله، فغالباً ما سيؤدي ذلك إلى تهدئته، ليصبح أكثر تعقَّلاً وأكثر استجابة بشأن حل المشكلة، واستصدار القرار المطلوب، فليس من قبيل الصدفة أنَّ أفضل المحاورين غالباً ما يستمعون أكثر مما يتكلمون".

 

ولابدّ من الإشارة هنا إلى أنَّ براعة الإنصات تكون بالأذُن، وطرف العين، وحضور القلب، وإشراقة الوجه، وعدم الإنشغال بتحضير الردّ، وعدم الإستعجال بالردّ قبل إتمام الفهم. فإنَّ كثيراً من الناس يخفقون في ترك أثرٍ طيِّب في نفوس من يقابلونهم لأول مرة، لأنهم لا يُصغون إليهم بإهتمام، إنهم يستمعون بنصف أُذُن، ويحصرون همهم فيما سيقولونه لمستمعهم، فإذا تكلَّم المستمع لم يُلقوا لـه بالاً، عِلْماً بأنَّ أكثر الناس يُفضِّلون المنصت الجيد على المتكلم الجيد.

 

يقول دايل كارنيغي Dale Carnegie في كتابه القيم «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس»:

 "إذا كنتَ تريد أنْ ينفضَّ الناسُ من حولك، ويسخروا منك عندما توليهم ظهرك، فهاك الوصفة: لا تُعطِ أحداً فرصة الحديث .. تَكَلَّم بغير إنقطاع .. وإذا خَطَرَت لك فكرة بينما غيرك يتحدث فلا تنتظر حتى يُتم حديثه، فهو ليس ذكياً مثلك، فلماذا تضيع وقتك في الاستماع إلى حديثه السخيف؟ اقتحم عليه الحديث، واعترض في منتصف كلامه.

 

ومن حُسن الإستماع أنه إذا كان السامع عالماً بكلام المتحدث، فإنه ليس من الأدب مقاطعته ومداخلته فيه، بغرض الإظهار للآخرين معرفة هذا الحديث والعلم به. قال عطاء بن أبي رباح: إنَّ الشاب ليحدثني بحديث، فأستمع له كأني لم أسمعه، ولقد سمعتُه قبل أنْ يولد.

 

ومن حُسن الأدب أيضاً، أنه إذا أشكل على المستمع شيء من كلام محدِّثه، فإن عليه أنْ يصبر حتى الانتهاء من الحديث، ثم يستفهم منه بأدب ولطف وتمهيدٍ حَسَنٍ للاستفهام، ولا يقطع عليه كلامه، فإنَّ ذلك مخلٌّ بأدب الاستماع، إلا إذا كان المجلس مجلس دراسة وتعلُّم، فإن له حينئذٍ شأناً آخر، ويحسن فيه السؤال والمناقشة عند تمام الجملة أو المعنى الذي يشرحه المعلِّم، وينبغي أنْ تكون المناقشة فيه بأدب وكياسة.

قال الهيثم بن عَدي: قالت الحكماء: من الأخلاق السيئة مغالبة الرجل على كلامه، والاعتراض فيه لقطع حديثه.

 

ومن الأدب في هذا السياق كذلك، أنه إذا سُئل شخصٌ عن شيء، فإنه لا يحسن بغيره أنْ يبادر إلى الإجابة، بل ينبغي أنْ لا يقول شيئاً حتى يُسأل عنه، فإنَّ ذلك أحْفَظُ للأدب وأرفع للمقام.

رُوي عن مجاهد أنَّ لقمان قال لإبنه: إياك إذا سُئل غيرك أنْ تكونَ أنتَ المجيب، كأنكَ أصبتَ غنيمة، أو ظفرت بعطيَّة، فإنك إنْ فعلتَ ذلك، أَزْرَيْتَ بالمسؤول، وعَنَّفت السائل، ودَللْتَ السفهاءَ على سفاهة حلمك، وسوء أدبك.

 

4. الحث على خفض الصوت وعدم رفعه:

من توجيهات القرآن الكريم في الحث على الأدب مع الآخرين، الدعوة إلى خفض الصوت وعدم رفعه. ويظهر هذا التوجيه جَليِّاً فيما جاء على لسان لقمان الحكيم في وصاياه لابنه. قال تعالى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).

قال الآلوسي: "والحكمة في غض الصوت المأمور به، أنه أوفر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع، وفَهْمِه.

وأدب خفض الصوت ينبغي مراعاته مع جميع المخاطبين، بغضِّ النظر عن سِنِّهم ومكانتهم، غير أنه يزداد تأكيداً مع ذوي المكانة والشأن، وعلى هذا جاء التوجيه القرآني بخفض الصوت في حضرة النبي (ص)، الوارد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ).

وكذلك في حضرة الوالدين، كما يُفهم من قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).

ولعلنا أحوج ما نكون إلى الهدوء وعدم رفع الصوت في الحوار الذي يجري مع المعارضين والمخالفين، فإنه يحسن بالمحاور ألا يرفع الصوت أكثر مما يحتاج إليه السامع. فإنَّ رفع الصوت لا يُقوِّي حجة صاحبه قط، وفي أكثر الحالات يكون صاحب الصوت الأعلى قليل المضمون، ضعيف الحجة، يستر عجزه بالصراخ، على عكس صاحب الصوت الهادئ الذي يعكس عقلاً متزناً وفكراً منظماً وحجة وموضوعية.

قال أبو عثمان محمد بن الشافعي: ما سمعتُ أبي ناظر أحداً قط فرفع صوته.

وقد وُجد بالخبرة والتجربة، أنَّ الصوت المعتدل الهادئ المتأني من غير صراخ أو صياح، ومن غير إسرارٍ وإخفات، هو الأدخل إلى النفوس، والأنفذ إلى الأعماق، والأحفظ لجلال الكلمة ووقار المتكلم.

 

5. الحث على طلاقة الوجه وعدم العبوس:

تُعدُّ طلاقة الوجه لوناً من ألوان التحبب إلى الناس، ووسيلةً مؤثرةً من وسائل التقرِّب إلى الآخرين ومداراتهم. قال تعالى موجهاً رسوله الكريم إلى هذا السلوك: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)؛ أي تواضع لهم وأَلِنْ جانبك، وعامل أهل الإيمان بالإحسان والرفق والحنان.

كما حذَّره سبحانه من الفظاظة والغلظة والقسوة والشدة باعتبارها من المنفِّرات والمفرِّقات والمذهبات لأخوَّة الإيمان، فقال سبحانه: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ).

 

ونهى القرآن الكريم صراحةً عن العبوس في وجه الشخص في أثناء الحديث معه، فقد عاتب سبحانه وتعالى رسوله الكريم لعبوسه في وجه أحد الصحابة. قال تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ).

 

والمطَّلع على سيرة المصطفى (ص) وسنّته الشريفة، يجد بما لا يدع مجالاً للشك، أنه كان القدوة في حُسن الإخاء وجميل المعاشرة وطلاقة الوجه. فنظراً لأهمية هذا الخُلُق الرفيع، وما انطوى عليه من الآثار الجليلة في نفوس الناس، وكونه من أبرز أسباب تجمع القلوب، وإشاعة الألفة والمحبة والوداد بين الإخوان، وجدنا النبي (ص) يحث على طلاقة الوجه في لُقيا المؤمنين بعضهم بعضاً.

 فقد قال عليه الصلاة والسلام: "لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المعروف شيئاً ولو أنْ تَلْقَى أخاك بوجْهٍ طَلِق" وقال: "تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة.

 

6. الحث على أداء التحية وردِّها:

الناظر في التوجيهات القرآنية التي تحثُّ على أدب المعاملة، يجد أنها تُحدد السِّمة التي يحرص المنهج القرآني دوماً على طبع المجتمع المسلم بها، ألا وهي الدعوة إلى التمسك بكلِّ وسيلة من شأنها أنْ تُوثِّق عُرى الأخوة وتعزّز علاقات المودَّة بين أفراد المجتمع.

ولعل إفشاء السلام والتحيَّة يُعدَّان في مقدمة تلك الوسائل التي تتجلَّى ثمارها في تصفية القلوب، وتوسيع دائرة التعارف بين الناس، وتوثيق الصِّلة بين عباد الله، وهي ظاهرة يُدركها كل من يمارسها على صعيد المجتمع، ويتدبّر نتائجها الإنسانية العجيبة.

وقد اختار الله للمؤمنين أجمل معاني التحية ليتبادلوها فيما بينهم؛ وجَعَلَها كلمة السلام. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وقـال: (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً).

وإذا كان الإسلام قد حثَّ على أداء التحية، فهو في الوقت نفسه قد حثَّ على ردِّها. وإنْ كان الحث على أدائها قد جاء على وجه النَدْب، فإنَّ الحث على ردِّها قد جاء على وجه الوجوب. قال تعالى: (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا).

قال القرطبي: "أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنَّة مُرغَّبٌ فيها، وردّه فريضة، لقوله تعالى: «فحيُّوا بأحسن منها أو رُدُّوها».

 

7. النهي عن النجوى:

النجوى: هي كلام السرِّ الذي يكون بين اثنين أو أكثر، في تخافت وتهامس، بعيداً عن أسماع الناس ويبين القرآن الكريم أنَّ النجوى من صفات المنافقين الذين يَجبنون دائماً عن التصريح بآرائهم ومعتقداتهم، ويعتادون على التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).

وفي النهي عن النجوى دليلٌ على حرص الإسلام على مراعاة شعور الآخرين، إذ إنَّ النجوى على هذه الصورة تؤدِّي إلى سوء الظن بالآخرين وجرح مشاعرهم، لما قد يوحيه هذا التصرف لهم بأنهم ليسوا أهلاً للمشورة أو الصحبة.

 

8. النهي عن السخرية والتنابز بالألقاب:

الناظر في أثر السخرية والتنابز بالألقاب على العلاقات الإنسانية، يجد أنَّ سُخرية الإنسان من أخيه الإنسان معول هدَّام يسعى حثيثاً في تخريب العلاقات الإنسانية، وتمزيق الأخوة الإيمانية شرَّ ممزَّق، حيث يستعلي المرء بماله أو حسبه أو جاهه، مفاخرة ومباهاة وتحقيراً للآخرين، دون أن يُدرك إمكانية تفوِّقهم عليه بمواصفات لا تتوافر فيه، وهذه كلها أسلحة إبليس يضعها بين أيدي الخلائق ليفرِّق بينهم، وليزرع العداوة والبغضاء في قلوبهم.

 

ونَهى الله تعالى المؤمنين عن السخرية من الآخرين مهما كانت صفاتهم وأوضاعهم، فلعلَّ من يُسخَر منه ويُنظر إليه نظرة إحتقار واستخفاف، خيرٌ وأحبُّ إلى الله من الساخر الذي يعتقد في نفسه الكمال، ويرمي أخاه بالنقص والعيب. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ). وقال تعالى: (ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

ويستوقفنا في هذه الآية قوله تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم) فكيف يصحُّ هذا التعبير علماً بأن الإنسان يلمز غيره لا نفسه؟ إنَّ في هذا التعبير القرآني تذكيرٌ للمؤمنين بأنهم وحدة متماسكة كنفس واحدة، فمن عاب غيره من المؤمنين، فكأنما يعيب نفسه. وفي هذا إشارة إلى مستوى العلاقة التي يجب أن تسود بين المسلمين. إنها الأخوَّة التي تجعل من الحفاظ على حقوق الأخ حفاظاً على حقوق النفس.

 

فالقرآن الكريم يؤسس لقواعد اللياقة الإجتماعية، والأدب النفسي للتعامل في المجتمع الإنساني، فالمجتمع الفاضل من وجهة النظر القرآنية، لا بدّ وأن يقوم على أسسٍ من الأدبيات الذوقية، التي ينبغي أنْ تَحكم العلاقات السائدة بين أبنائه. إنه المجتمع الذي يترفَّع أبناؤه عن الهمز واللمز والسخرية، ويكون الأدب هو الخُلق الذي يحكم تعاملهم فيما بينهم.

 

9. النهي عن الغيبة والنميمة:

من الأمور التي وجَّه القرآن الكريم لإجتنابها لمنافاتها أدب المعاملة، الغيبة والنميمة. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ). وقال: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ).

 

والهدف من هذه التوجيهات، هو تنقية المجتمع الإسلامي من شوائب الخسَّة والضِّعة، وبناء العلاقات الإجتماعية على أسس المودَّة والإخاء والنصيحة، وشغل الوقت بالإيجابيات النافعة، وصون الأمة عن السلبيات المبدِّدة، فالمؤمن طاهر القلب أبداً عفيف اللسان، إذا رأى عورة لأخيه سترها، وإذا شاهد نقيصة أعرض عن نشرها، ونبهه سراً للإقلاع عنها.

 

وذِكرُ هذه الأشياء التي يُعاب بها الإنسان يُساعد على شيوعها، والله سبحانه لا يحبّ أن تشيع هذه السلبيَّات في حياة الناس. ولا يخفى ما ينشأ من آثارٍ سيئة في العلاقات بين الناس نتيجة سماع هذه المعايب، وما يُثار من ضغائن وأحقاد عندما يُنقل هذا الكلام إلى الطرف الآخر. وقد سعى الإسلام إلى إقامة سياجٍ حول حُرمات الأشخاص وكراماتهم وحرياتهم، وتعليم الناس كيف يطهِّرون مشاعرهم وضمائرهم في أسلوب متفرِّدٍ عجيب.

المصدر: أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم, الموسوعة الإسلامية.
ahmedkordy

(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 136 مشاهدة
نشرت فى 2 أكتوبر 2014 بواسطة ahmedkordy

أحمد السيد كردي

ahmedkordy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

16,843,438

أحمد السيد كردي

موقع أحمد السيد كردي يرحب بزواره الكرام free counters

..
تابعونا على حساب

أحمد الكردى

 موسوعة الإسلام و التنميه

على الفيس بوك

ومدونة
أحمد السيد كردى
على بلوجر