زينب مقلّد الرائدة البيئية التي اثبتت ان

 البيئة والمرأة علاقة متكاملة

ندى امين الاعور

 إنها قصة معلّمة وناشطة اجتماعية وبيئية أدركت مبكرًا أن حماية البيئة لا تبدأ من الوزارات ولا من المشاريع الضخمة، بل يمكن أن تبدأ من البيت، ومن المرأة، ومن إرادة أهل القرية.

ارتبط اسم زينب مقلّد، المعروفة أيضًا باسم زينب مقلّد نور الدين، ببلدة عربصاليم في جنوب لبنان، وبالتجربة الرائدة التي أطلقتها مع نساء البلدة في فرز النفايات من المصدر، والتي تطورت لاحقًا إلى جمعية نداء الأرض.

ولدت زينب مقلّد عام 1936 ونشأت في بيئة اجتماعية وسياسية تركت أثرًا واضحًا في شخصيتها. وتشير روايات التاريخ الشفوي إلى أنها شاركت منذ سنوات الدراسة في نشاطات سياسية واجتماعية، ثم انتقلت إلى الجنوب بعد زواجها لتعمل في التعليم. وكانت من أوائل المعلمات في مدرسة عربصاليم الرسمية في خمسينيات القرن العشرين.

لم يكن التعليم بالنسبة إليها مجرد وظيفة. فقد كان وسيلة لبناء الإنسان والمجتمع.

وتروي المصادر أنها حصلت على شهادة «السرتفيكا» عام 1949، وحلت في المرتبة الأولى على مستوى لبنان، ثم تابعت تحصيلها العلمي، وصولًا إلى الدراسة الجامعية. وهنا تظهر إحدى أهم سمات شخصيتها: المعلمة التي خرجت من الصف إلى المجتمع.

لم تكتفِ بتعليم الأطفال القراءة والكتابة، بل أصبحت لاحقًا تعلّم أهل بلدتها كيف يتعاملون مع النفايات، وكيف يمكن للمواطن أن يتحول من متفرج على المشكلة إلى جزء من الحل.

كانت سنة 1995 نقطة مفصلية في حياتها وفي تاريخ عربصاليم البيئي.

في ذلك الوقت كان المجلس البلدي في البلدة منحلاً، وكانت النفايات تتراكم في الشوارع، في ظروف صعبة زادتها التعديات والاحتلال الإسرائيلي للجنوب تعقيدًا. أمام هذا الواقع، لم تنتظر زينب مقلّد وصول حل رسمي. بل دعت مجموعة من النساء المهتمات بالشأن العام إلى الاجتماع والبحث عن حل.

وكان السؤال الأساسي:

ماذا نستطيع نحن، أهل القرية، أن نفعل؟

وصلت النساء إلى فكرة بسيطة لكنها ثورية في ذلك الوقت:

إذا لم نستطع التخلص من النفايات، فلنبدأ بتقليلها وفرزها. وهكذا بدأ العمل.

أهمية تجربة زينب مقلّد لا تكمن في «فرز النفايات» وحده، بل في الطريقة التي اختارت بها تنفيذ المشروع. فبدل إنشاء مشروع تقني بعيد عن الناس، بدأت من النساء داخل المنازل. كانت المرأة هي الحلقة الأولى في سلسلة إدارة النفايات، لأنها تستطيع فصل المواد العضوية عن البلاستيك والمعادن والزجاج وغيرها  قبل أن تختلط كلها ببعضها.

بدأ المشروع بمشاركة نساء البلدة، ثم توسع ليشمل الأطفال والشباب أيضًا، بحيث أصبحت عملية الفرز نشاطًا اجتماعيًا وتعليميًا واقتصاديًا في الوقت نفسه. وهنا يمكن فهم فلسفة زينب مقلّد:

البيئة ليست قضية خبراء فقط؛ إنها قضية كل بيت.

في البداية لم تكن هناك جمعية ولا مؤسسة كبيرة ولا تمويل دولي. كانت هناك إرادة ذاتية  وكان الدافع الأساسي الحفاظ على البيئة ومساعدة القرية وأهلها. ثم، وبعد سنوات من العمل، تطورت المبادرة إلى تجمع أكثر تنظيمًا.

في عام 1998 حصل تجمع النساء على الترخيص باسم  جمعية نداء الأرض فأصبح العمل البيئي إطارًا مؤسسيًا مستمرًا. وهنا نجد درسًا مهمًا في العمل الأهلي:

المؤسسة الناجحة قد تبدأ بفكرة صغيرة، لكن الفكرة لا تصبح مؤسسة إلا عندما تتحول إلى عمل جماعي مستمر.

لم تكن فلسفة المشروع أن تأتي شاحنة وتأخذ النفايات بعيدًا. كان الهدف هو إعادة النظر في مفهوم النفاية نفسه. فالبلاستيك والمعادن والزجاج هي مواد قابلة للبيع وإعادة التدوير. أما النفايات العضوية فيمكن تحويلها إلى مادة مفيدة بدل دفنها أو حرقها. وتطور المشروع من عمليات فرز يدوية وبدائية إلى إنشاء معمل لفرز النفايات غير العضوية، مع الاستفادة من المواد المفروزة وإرسالها إلى معامل إعادة التدوير .وهذا يجعل تجربة عربصاليم قريبة جدًا من مفهوم الاقتصاد الدائري الذي أصبح اليوم من أهم مفاهيم الاستدامة عالميًا.

زينب مقلّد والتوعية البيئية

كانت زينب مقلّد تعرف أن الآلة وحدها لا تحل المشكلة. يمكن أن نبني معمل فرز، لكن إذا وضع المواطن كل شيء في كيس واحد، يفشل المشروع. لذلك رافق العمل التقني عمل توعوي مباشر. كانت النساء تتواصلن مع الأهالي، ويشرحن أهمية الفرز، كما تم إشراك الأطفال والمدارس في التعريف بالمشروع. اما زينب مقلد فكانت تشرح للطلاب عملية فرز النفايات داخل المعمل. وهذه نقطة أساسية في تجربتها:

التوعية عندها لم تكن محاضرة؛ كانت ممارسة.

فالطفل يتعلم وهو يفرز.

والأم تتعلم وهي تفصل النفايات في منزلها.

والأسرة تتعلم عندما ترى أن ما كان يسمى «نفايات» يمكن أن تكون له قيمة.

تجربة زينب مقلّد تحمل بعدًا نسويًا واضحًا. فقد أثبتت أن النساء، وخصوصًا ربات المنازل، يمكن أن يكنّ صانعات قرار بيئي وليس فقط مستفيدات من المشاريع البيئية.

ومن خلال المشروع أصبحت المرأة:

  • شريكة في حل مشكلة النفايات.
  • عنصرًا في الاقتصاد المحلي.
  • ناقلة للوعي البيئي إلى الأسرة.
  • مشاركة في العمل الأهلي.
  • قادرة على التأثير في سلوك المجتمع.

تجربة خرجت من عربصاليم

لم تبقَ تجربة عربصاليم محصورة داخل البلدة.

فقد أصبحت نموذجًا أثار اهتمام جمعيات وبلديات ومؤسسات أخرى، وجرى السعي إلى نقل التجربة إلى مناطق لبنانية مختلفة. فقد قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدعم التجربة لاحقًا، بعد أن بدأت أساسًا بجهود محلية. وهذا هو الإنجاز الأكبر لزينب مقلّد:

أن تجعل قرية صغيرة تنتج نموذجًا يمكن أن تتعلم منه قرى أخرى.

عندما تصبح البيئة مقاومة

لا يمكن فصل تجربة عربصاليم عن الظروف التاريخية التي نشأت فيها.

فالمشروع ظهر في فترة كان الجنوب اللبناني يعيش ظروفًا أمنية وسياسية قاسية.

ومع ذلك، لم تتعامل النساء مع البيئة على أنها قضية ثانوية. على العكس، أصبح الحفاظ على نظافة البلدة وتنظيم النفايات شكلًا من أشكال التمسك بالحياة وبالمجتمع وبالأرض.

وفي بعض مراحل المشروع واجهت الجمعية صعوبات تقنية ولوجستية، منها مشكلة التعامل مع الأحجام الكبيرة من البلاستيك والحاجة إلى معدات لتقليص حجمها. وتروي تقارير عن التجربة أن آلة لفرم البلاستيك تعذر وصولها، فتمكن حرفي محلي من تصنيع آلة مشابهة اعتمادًا على خرائطها. هذه الحادثة تختصر روح التجربة:

إذا لم تتوافر الإمكانات، نصنع الإمكانات.

السماد العضوي: الانتقال إلى مرحلة جديدة

لم تتوقف التجربة عند فرز المواد القابلة للتدوير. فبعد سنوات من العمل في إدارة النفايات، اتجهت الجمعية إلى تطوير حلول للنفايات العضوية وتحويلها إلى سماد عضوي، بما في ذلك مشروع يعتمد على الديدان لإنتاج السماد. وهذا تطور طبيعي في أي نظام بيئي متكامل:

فرز → إعادة استخدام → تدوير → معالجة العضوي → تقليل العوادم.

ما الذي يجعل زينب مقلّد شخصية استثنائية؟

لأنها جمعت في شخص واحد عدة أدوار:

المعلّمة التي تؤمن بالإنسان.

المرأة الاجتماعية التي تؤمن بالعمل الجماعي.

الناشطة البيئية التي رأت النفايات مشكلة يجب حلها من المصدر.

المواطنة التي لم تنتظر الدولة عندما غاب الحل.

المنظمة التي حولت المبادرة الفردية إلى جمعية.

المرأة البيئية النموذجية التي فهمت أن النفايات يمكن أن تتحول إلى موارد.

زينب مقلّد والقرية البيئية النموذجية

هنا تحديدًا تصبح تجربة زينب مقلّد ذات أهمية كبيرة لأي مشروع لبناء قرية بيئية نموذجية.

فالدرس الحقيقي من عربصاليم هو:

ابدأوا بالإنسان

يمكن بناء نموذج متطور مستلهم من تجربتها يقوم على:

المرأة → الأسرة → المدرسة → النادي البيئي → البلدية → المزارع → الحرفي → التاجر → المجتمع المحلي.

وعندها تتحول القرية من مكان ينتظر شاحنة النفايات إلى منظومة بيئية واقتصادية واجتماعية متكاملة.

إن أعظم ما تركته زينب مقلّد ليس معمل فرز ولا جمعية فقط. إنه فكرة. والأفكار الكبيرة لا تقاس بحجم المكان الذي ولدت فيه. لقد ولدت الفكرة في قرية جنوبية، في وقت كانت فيه الدولة عاجزة عن تقديم حل كافٍ لمشكلة النفايات، فاختارت امرأة أن تبدأ بما تستطيع.

جمعت النساء.

دخلت إلى البيوت.

أقنعت الناس.

علّمت الأطفال.

فرزت النفايات.

بحثت عن أسواق للمواد المفروزة.

طورت المشروع.

أسست جمعية.

ثم أصبحت التجربة نموذجًا تنظر إليه قرى أخرى.

 

مصادر موثقة

وزارة البيئة اللبنانية - تجربة عربصاليم وفرز النفايات من المصدر

النهار - سيدات عربصاليم وتجربة فرز النفايات

بوابة تمكين النساء اقتصاديًا - تجربة نساء عربصاليم

جيم - التاريخ الشفوي لزينب مقلّد

الخيام - زينب مقلّد معلّمة عربصاليم الأولى

 

 

المصدر: مقال بقلم ندى امين الاعور
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 29 مشاهدة
نشرت فى 14 أغسطس 2026 بواسطة Nadamine

ند ى أمين الاعور

Nadamine
Nada Amine Awar Mosaitbeh, Donnawi Street, Azar Bldg., 7th Floor Beirut, Lebanon Phone: +961 76715513 Email: [email protected] Name Nada Amine Awar Birth date 4- 1- 1957 Sex Female Marital status Single Nationality Lebanese EDUCATION October, 2018 Udemy, Michael Dale instructor, online course, Laughter Yoga, Completion Certificate. September, 2018 Udemy, Marco »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

224,306