المناضل البيئي الاسطورة:

الدكتور يوسق طوق الذي  غرس اكثر من مائة الف شجرة

 أرز ولزاب في شمال لبنان بالرغم من الجهل والفساد

ندى امين الاعور

 

هناك معارك لا تُخاض بالبنادق، ولا تُقاس نتائجها بعدد الأراضي التي احتُلّت لكنها تمتد لعقود، ويكون سلاحها شتلة صغيرة، وقطرة ماء، وإرادة إنسان يؤمن بأن ما فُقد يمكن أن يعود. هذا ما يوثقه فيلم فرنسي يعنوان "معركة الأرز"La Bataille du Cèdre، أخرجه لوران سورسيل (Laurent Sorcelle)، وتدور قصته حول الطبيب اللبناني يوسف طوق (Youssef Tawk) ومعركته الطويلة لإعادة إحياء غابات الأرز في شمال لبنان.

أجمل ما في هذه القصة أن المعركة لم تبدأ بمؤسسة كبيرة، بل بدأت مع الأسرة، ثم انتقلت إلى المجتمع، ثم وصلت إلى الأطفال والشباب. فيوسف طوق لم يكن وحيدا عندما قرر أن يعمل من أجل استعادة الغطاء الحرجي في بشري بل جعل من اسرته النواة الأولى للمشروع؛ تشارك أفراد العائلة  في زراعة الشتول والعناية بها ومتابعة نموها، وتحملوا مشقة العمل في الجبل والظروف الصعبة التي ترافق مشاريع التشجير.

كانت كل شجرة جديدة انتصاراً صغيراً. وكانت كل شتلة تحمل أملاً بأن يعود اللون الأخضر إلى مساحات من الجبل فقدته عبر السنين. وهكذا لم تعد حماية الأرز مجرد فكرة في ذهن يوسف، بل أصبحت ثقافة عائلية ومشروعاً مشتركاً. ومن هذه النواة الصغيرة بدأت الدائرة تكبر.

كان يمكن أن تنتهي القصة عند التشجير. لكن يوسف طوق وأسرته أدركوا أن الشجرة وحدها لا تكفي. فإذا زرعنا ألف شجرة ولم نغيّر علاقة الإنسان بالطبيعة، يمكن أن يأتي جيل آخر ويقطعها.

لذلك كان لا بد من زراعة شيء آخر إلى جانب الأشجار: وهنا برز دور الـEco Club في بشري، الذي تولت ادارته  إلين ابنة يوسف طوق. كان النادي البيئي مساحة للتواصل مع الأطفال والشباب، وتعريفهم بأهمية البيئة والطبيعة والأرز والغابة، وتحويل البيئة من موضوع نظري إلى تجربة يعيشها الطفل والشاب في حياته اليومية.

كان لدور إلين أهمية خاصة. فهي لم تكتفِ بأن تكون ابنة رجل يخوض معركة من أجل الأرز، بل حملت جزءاً من هذه الرسالة إلى جيل جديد. ومن خلال الـEco Club، أصبح الأطفال والشباب في بشري جزءاً من الحركة البيئية.

كان الهدف أن يتعلم الطفل أن الغابة ليست مجرد مكان للرحلات والتنزه، وأن الأرز ليس مجرد رمز على العلم اللبناني، بل كائن حي ونظام بيئي يحتاج إلى الحماية.

وهكذا انتقلت الرسالة: من الأب إلى ابنته، ومن الابنة إلى الأطفال، ومن الأطفال إلى عائلاتهم، ومن العائلة إلى المجتمع. وهذا بالضبط ما يجعل التجربة أكثر عمقاً من مشروع تشجير تقليدي.

التوعية البيئية للأطفال والشباب ليست نشاطاً ثانوياً في أي مشروع بيئي. إنها استثمار في المستقبل. فالطفل الذي يتعلم لماذا يجب ألا نقطع الشجرة، ولماذا يجب حماية المياه، ولماذا يجب عدم رمي النفايات في الطبيعة، ولماذا تحتاج الغابة إلى التنوع الحيوي، سيحمل هذه المعرفة معه عندما يصبح شاباً ثم أباً ومواطناً ومسؤولاً.

ومن هنا كانت أهمية الـEco Club في بشري. فهو لم يكن يهدف فقط إلى إعطاء الأطفال معلومات عن البيئة، وإنما إلى تكوين علاقة عاطفية ومسؤولة بينهم وبين أرضهم.

أن يحب الطفل غابة الأرز يعني أن يصبح الدفاع عنها جزءاً من هويته. وهنا تظهر الفلسفة الأعمق في تجربة يوسف طوق. فالمشكلة البيئية ليست دائماً مشكلة أشجار.

إنها مشكلة علاقة الإنسان بالأرض  فإذا كان الإنسان يرى الطبيعة مجرد مصدر للأخشاب، أو أرضاً للبناء، أو مكاناً لرمي النفايات، فلن تنجح عملية التشجير وحدها.

أما إذا أصبح يرى في الغابة جزءاً من حياته ومستقبل أطفاله، فسوف يبدأ بحمايتها.

ولهذا فإن العمل الذي قامت به إلين مع الأطفال والشباب من خلال الـEco Club كان مكملاً للعمل الذي بدأه والدها في الأرض. يمكن قراءة تجربة بشري كمسار بيئي متكامل:

يوسف طوق → الأسرة → التشجير → إلين طوق → الـEco Club → الأطفال والشباب → المجتمع.

وهذه السلسلة مهمة جداً لأنها تقدم نموذجاً يمكن تطبيقه في قرى أخرى. فالمشروع البيئي الناجح لا ينبغي أن يكتفي بالتشجير.

بل يحتاج إلى:

  • حماية الأرض.
  • حماية المياه.
  • توعية الأطفال.
  • إشراك الشباب.
  • إشراك العائلات.
  • بناء نوادٍ بيئية.
  • خلق شعور بالانتماء إلى الارض.
  • وتحويل البيئة إلى جزء من الثقافة المحلية.

معركة الدكتور يوسف طوق لم تكن تبحث عن منتصر على حساب آخر، بل عن مستقبل تنتصر فيه فكرة البيئة المستدامة  كي يستمر الانسان من العيش على هذا الكوكب. ولعل يوسف من القلائل الذين استطاعوا بنضالهم الدؤوب ضد الفساد والجهل على المستوى الافقي والعمودي والطائفي ان يورثوا الوطن ما يعزز الاستمرار والبقاء.  

 

 

المصدر: مقال بقلم ندى امين الاعور
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 19 مشاهدة

ند ى أمين الاعور

Nadamine
Nada Amine Awar Mosaitbeh, Donnawi Street, Azar Bldg., 7th Floor Beirut, Lebanon Phone: +961 76715513 Email: [email protected] Name Nada Amine Awar Birth date 4- 1- 1957 Sex Female Marital status Single Nationality Lebanese EDUCATION October, 2018 Udemy, Michael Dale instructor, online course, Laughter Yoga, Completion Certificate. September, 2018 Udemy, Marco »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

230,330