جمال أبو الحسن:

ايقونة الموسيقى المشهدية

ندى امين الاعور

 

في تاريخ الموسيقى اللبنانية أسماء استطاعت أن تجعل من الفن وسيلة لعبور الحدود، ليس فقط جغرافياً، بل أيضاً بين الأزمنة والثقافات والفنون. ويبرز اسم جمال أبو الحسن بوصفه مؤلفاً موسيقياً اتجه إلى مساحة مختلفة تجمع بين التأليف السيمفوني، والموسيقى الشرقية، والتكنولوجيا، والفنون البصرية، والشعر، والتاريخ، وحركة الكون والبيئة.

وُلد جمال أبو الحسن عام 1957 في بلدة بتخنيه في لبنان، وبدأ مسيرته العلمية والموسيقية التي قادته من القاهرة إلى فيينا ثم إلى الولايات المتحدة، قبل أن يعود إلى لبنان حاملاً معه تجربة موسيقية متعددة المشارب. وتذكر المصادر أنه تأثر بالموسيقار الألماني لودفيغ فان بيتهوفن، كما ارتبطت تجربته لاحقاً بالموسيقى الإلكترونية والمشهدية وبإعادة تقديم التراث اللبناني والعربي في قالب أوركسترالي حديث.

ولعل أهم ما يميز تجربته أن الموسيقى عنده ليست مجرد ألحان تُسمع، بل انها جزءاً من مشهد فني متكامل تتداخل فيه الصورة واللون والضوء والشعر والرقص والتكنولوجيا والتاريخ وحركة النجوم وعناصر البيئة والمستقبل.

انتقل الى القاهرة ثم  إلى فيينا، ثم الى الولايات المتحدة الاميركية ثم عاد الى قريته حيث يقيم اليوم.

ولعل اهم السمات الأساسية في تجربته: الأدب والشعر والفكرة الإنسانية التي تحولت إلى مادة موسيقية.

فتجربته ليست مجرد محاولة لتقليد الموسيقى الغربية أو إعادة إنتاج الموسيقى الشرقية، بل هي محاولة لبناء منطقة وسطى بينهما. ففي أعماله تتجاور:

  • الآلات الشرقية.
  • الأوركسترا السيمفونية الغربية.
  • الإيقاعات العربية.
  • الموسيقى الإلكترونية.
  • الصوت البشري والكورال.
  • الصورة والرسوم.
  • الضوء والمؤثرات البصرية.
  • الشعر.
  • الكوريغرافيا.

فهو يمزج الموسيقى الكلاسيكية السيمفونية بالموسيقى الشعبية والتاريخية، إلى جانب الإلكترونيات والآلات الحديثة.

ومن هنا يمكن القول إن مشروعه يقوم على الحوار بين الطبيعة والتراث والتكنولوجيا، وليس على وضع أحدهما في مواجهة الآخر. وهو يعتبرمن أبرز رواد الموسيقى الإلكترونية ـ المرئية في لبنان والعالم العربي، كما قام بتأسيس ورئاسة فرع مختبر الموسيقى على الكمبيوتر في الكونسرفاتوار الوطني اللبناني، وهو تجربة رائدة في المنطقة تعكس فهماً لتحول الموسيقى في العصر الرقمي. فالموسيقى لم تعد بالضرورة صوتاً فقط؛ أصبح بإمكان المؤلف أن يصنع فضاءً كاملاً تتحرك فيه الصورة مع الإيقاع، ويتحول اللون إلى امتداد للنغمة، ويصبح الضوء جزءاً من البناء الدرامي للعمل. وهذا ما جعل عروض أبو الحسن أقرب إلى مسرح موسيقي بصري .

في عام 2016 أطلق جمال أبو الحسن ألبومه ألوان سيمفونية في بيروت حيث قدم نموذجاً واضحاً لفلسفته الفنية: إعادة قراءة التراث لا تعني تجميده. فقد أعاد توزيع مجموعة من أعمال الفنان الراحل زكي ناصيف في قالب سيمفوني، مقدماً الألحان التراثية بروح أوركسترالية حديثة.

يمثل جبران خليل جبران أحد المفاتيح المهمة لفهم عالم جمال أبو الحسن ، فجبران نفسه يمثل حالة ثقافية تتجاوز الحدود اللبنانية والعربية إلى العالمية. وبالتالي فإن تحويل نص جبراني إلى عمل سيمفوني يعني الجمع بين ثلاثة فضاءات:

الأدب اللبناني → الموسيقى العربية → اللغة السيمفونية العالمية.

وهذه الثلاثية تكاد تختصر جانباً كبيراً من المشروع الفني له.

من الأعمال ذات البعد الإنساني في تجربته عمل بعنوان حقوق الإنسان حيث  يعبر من خلاله عن غضبه واستيائه مما اعتبره فجوة بين مبادئ حقوق الإنسان المكتوبة والواقع العملي.  وقد قُدم في مناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان بالتعاون مع الأمم المتحدة في لبنان، ثم عُرض في أكثر من بلد.

وهنا تنتقل الموسيقى من كونها فناً جمالياً إلى كونها لغة احتجاج وتعبير إنساني. فالمؤلف لا يكتفي بأن يجعل الجمهور يستمع، بل يريد منه أن يفكر. وهذه نقطة مهمة في تقييم تجربة أي مؤلف موسيقي: هل الموسيقى مجرد زخرفة أم أنها تحمل سؤالاً؟

في حالة أبو الحسن، تظهر بوضوح محاولات استخدام الموسيقى لطرح أسئلة حول حركة الكون والبيئة والحرية والإنسان والتاريخ والحرب والذاكرة. فبدلاً من سرد الاحداث تعبر الموسيقى عن: الخوف، الفقدان، الدمار، الحنين، الصمود، والأمل. 

في مهرجانات صور الدولية عام 2017 قدم عملاً موسيقياً مشهدياً استلهم تاريخ مدينة صور وذاكرتها  فتحولت المدينة نفسها إلى مادة موسيقية. صور ليست مجرد مكان في هذا العمل؛ إنها شخصية فنية. أعمدتها، مدرجها الروماني، بحرها، تاريخها الفينيقي، ذاكرتها الثقافية، كلها تحولت  إلى عناصر داخل العرض.

فهو جمع بين:

  • الموسيقى السيمفونية.
  • الموسيقى العربية.
  • الأغنية الشعبية.
  • الرسم التشكيلي.
  • النحت.
  • الضوء.
  • الكمبيوتر.
  • الشعر.
  • الكوريغرافيا.
  • الصورة.

وهذا التداخل جعل العمل أقرب إلى ملحمة بصرية موسيقية عن المدينة.

لعل أكثر الأفكار تميزاً في شخصية جمال أبو الحسن أنه لا يفصل بين العين والأذن. فهو  رسام وموسيقي  يرى الموسيقى بعينه أيضاً. وهذا  ما يظهر في عروضه التي تستخدم الرسوم واللون والصورة بالتوازي مع الموسيقى. فاللون عنده ليس مجرد خلفية للعرض، والسيمفونية ليست مجرد موسيقى ترافق الصورة؛ بل هناك علاقة متبادلة بينهم.

ارتبط اسمه  أيضاً بتجارب تعليمية وتقنية في المؤسسة الموسيقية اللبنانية. وهذه المسألة مهمة لأن المؤلف الموسيقي في العصر الحديث لم يعد يعمل بالضرورة بالطريقة نفسها التي كان يعمل بها المؤلف في القرن التاسع عشر. فالكمبيوتر أصبح:

  • أداة للتأليف.
  • أداة للتوزيع.
  • أداة للتسجيل.
  • أداة للتجريب.
  • وأحياناً جزءاً من العرض نفسه.

وقد كان  من الفنانين الذين تعاملوا مع هذا التحول باعتباره فرصة إبداعية. فهو وصل الى العالمية دون التخلي عن الخصوصية. فالعمل يمكن أن يستخدم الأوركسترا السيمفونية والتكنولوجيا والإلكترونيات، وفي الوقت نفسه يحمل إيقاعاً شرقياً أو لحناً لبنانياً أو نصاً عربياً أو قصة من التاريخ. وهكذا تصبح الهوية نفسها مادة للانفتاح على العالم.

 يصعب وضع جمال ابو الحسن في خانة واحدة فهو:

  • مؤلفاً موسيقياً.
  • مايسترو.
  • موسيقياً مهتماً بالتكنولوجيا.
  • فناناً بصرياً.
  • صاحب مشاريع موسيقية مشهدية.
  • موزعاً موسيقياً.
  • صاحب أعمال ذات مضمون إنساني.

ولقد قدمت أعماله وعروضه الموسيقية المشهدية في اليابان والولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والعربية.

تكمن أهميته تكمن في أنه لم يتعامل مع ما حوله  بوصفه متحفاً مغلقاً بل حياة منفتحة متكاملة متحركة بجميع عناصرها:

حركة الكون تصبح مشهدية.

زكي ناصيف يصبح مادة سيمفونية.

جبران يصبح موسيقى.

صور تصبح عرضاً موسيقياً.

حقوق الإنسان تصبح عملاً فنياً.

الحرب اللبنانية تتحول إلى قصيد سيمفوني.

والكمبيوتر يصبح أداة تأليف.

والرسم يصبح شريكاً للموسيقى.

حركة الكون والطبيعة والزمان.

جمال أبو الحسن ليس مجرد موسيقي لبناني عمل في مجال التأليف والتوزيع، بل هو نموذج لفنان قام بتوسيع حدود الموسيقى نفسها. في تجربته تلتقي فيينا وبيروت، جبران وبيتهوفن، التراث والتكنولوجيا، الصورة والصوت، التاريخ والمستقبل ،حركة الكون وعناصر البيئة  مجتمعة في ذبذبات متلاحقة للصوت والصورة ليصل الى العالمية من اوسع الابواب.

 

 

المصدر: مقال بقلم ندى امين الاعور

ند ى أمين الاعور

Nadamine
Nada Amine Awar Mosaitbeh, Donnawi Street, Azar Bldg., 7th Floor Beirut, Lebanon Phone: +961 76715513 Email: [email protected] Name Nada Amine Awar Birth date 4- 1- 1957 Sex Female Marital status Single Nationality Lebanese EDUCATION October, 2018 Udemy, Michael Dale instructor, online course, Laughter Yoga, Completion Certificate. September, 2018 Udemy, Marco »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

220,980