يُعد التخطيط للمستقبل من أقوى العوامل للوصول للأهداف المطلوبة، وتحقيق الغايات المرسومة، فالنجاح في الحياة ماهو إلا ثمرة من ثمار التخطيط الناجح.أما الفشل فيعود لغياب التخطيط للمستقبل، وعدم وضوح الأهداف، وغياب أية رؤية لاستشراف آفاق المستقبل وتحدياته.

 

ومشكلة الكثير من الناس- وخاصة الشباب منا - أنهم لا يخططون لمستقبل حياتهم، ولا يفكرون إلا في اللحظة الراهنة، ولا ينظرون إلى فرص وتحديات المستقبل، مما يجعلهم يفقدون القدرة على التعامل مع تحديات المستقبل وفرصه، ومن ثم يعيشون حالة من ضبابية الرؤية، وعدم معرفة متطلبات الزمان مما يدفعهم نحو الوقوع في دائرة الفشل والشقاء!

 

أما من يريد أن يحقق أهدافه في المستقبل، ويرسم لنفسه تصورا لمستقبل أيامه، فعليه أن يخطط لذلك المستقبل من الحاضر، فالتخطيط للمستقبل هو:رسْم تصورات للمستقبل في الحاضر، ليعمل بعد ذلك على تحقيق تلك التصورات التي رسمها على أرض الواقع.أو بعبارة أخرى هو: أن تحدد أهدافك التي تريد تحقيقها في المستقبل، ثم تضع الخطوات والوسائل لتحقيقها عملياً.

 

والتخطيط بهذا التعريف أمر لا يفعله إلا القليل من الناس، لأن ما نقصده من عملية التخطيط للمستقبل هو ما يكون منظماً، ويعتمد على برنامج عملي واضح بهدف الوصول إلى الأهداف المرسومة. وليس مجرد تحقيق بعض الإنجازات أو الوصول لبعض الأهداف التي يكون فيها أحياناً شيء من التخطيط العفوي، أو الاندفاع نحو تحقيقها ولكن بدون برنامج واضح المعالم.

 

قد يظن البعض أن التخطيط للمستقبل يعتبر رجماً بالغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده سبحانه وتعالى، ولكننا نقصد في هذه الجزئية هي عملية التخطيط والذي يقوم على أساس توظيف واستخدام المعلومات والحقائق الخاصة بالماضي والحاضر، لوضع افتراضات لما يمكن أن يكون عليه المستقبل، ونقول – لما يمكن أن يكون - أي لم نجزم ولم نؤكد وإنما نفترض او نتوقع ما يمكن أن يحدث، وبالتالي ما يقصد بصناعة / صياغة المستقبل هو عملية تلمس أحوال المستقبل بناء على تجميع الحقائق المتعلقة بالماضي  والحاضر وأعمال التفكير المنطقي في تحليلها للإستفادة منها بوضع افتراضات عن الأحوال المستقبلية.

 

وصناعة المستقبل نستطيع أن نضع تعريفاً لها: وهي تعني استخدام العقل في دراسة أحوال الماضي والحاضر بناء على تفكير منطقي، يقود إلى توقعات حكيمة في المستقبل لها بدورها عقلاً.

 

ولقد ضرب لنا الله سبحانه وتعالى العديد من الأمثلة في القرآن الكريم والتي تعبر عما يكمن ان يحدث في المستقبل من خلال دراسة معلومات الحاضر والمستقبل والتخطيط الجيد، ومثال على ذلك ما ورد على لسان العبد الصالح (عليه السلام) لسيدنا موسى(عليه السلام) والذي يمكن أن نعتبره درساً عظيماً لاستخدام الحقائق والمعلومات المتاحة لنتوقع أو نقوم بصياغة المستقبل يقول الله عز وجل" قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً (79) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبا)ً (الكهف 78: 79 ).

 

في الآيتين السابقتين يقول العبد الصالح (عليه السلام) موجهاً حديثه الى سيدنا موسى (عليه السلام) موضحاً له أسباب تصرفاته التي أعترض عليها سيدنا موسى(عليه السلام) موضحً له أسباب تصرفاته التي اعترض عليها سيدنا موسى (عليه السلام) سأخبرك بحكمة تلك التصرفات التي خفي عليك أمرها ولم تستطع صبراً عليها، أما السفينة التي خرقتها، فهي لضعفاء محتاجين يعملون بها في البحر لتحيل رزقهم وكسب معيشتهم، فأردت أن أحدث بها عيباً حتى يُزهد فيها ولا يطمع بها الطامعون الغاصبون، حيث كان هناك ملك يستولي على كل سفينة صالحة ويأخذها عنوة من أصحابها.

 

فقد استخدم العبد الصالح المعلومات والحقائق المتاحة عن ذلك الملك وما كان يفعله في الماضي والحاضر من مهاجمته للسفن التي كانت تبحر في منطقته والاستيلاء عليها (ما يعرف الآن بالقرصنة البحرية) ليضع افتراضات عما يمكن أن يحدث في المستقبل وهذه الافتراضات هي (أن ذلك الملك إذا ما رأى تلك السفينة صالحة سوف يستولى عليها ويأخذها) فأحدث بها العبد الصالح عيباً حتى إذا ما رآها الملك لا يطمع بها ويتركها لأصحابها.

 

وبالتالي لولا هذا التنبؤ بالمستقبل لخسر أصحاب السفينة سفينتهم (والله أعلم) لذلك نستطيع أن نستنتج أهمية التنبؤ بالمستقبل وصياغته عند وضع الخطط فكلما كان التنبؤ يعتمد على حقائق ومعلومات كان أقرب الى الدقة.

 

قد يظن البعض أن التخطيط للمستقبل ينافي التوكل على الله أو الايمان بقضاء الله وقدره، ولهذا يستبعدون الاستبعاد (ان يقبل الدين فكرة التخطيط فضلاً عن أن يوجه اليه، أو بحث عليه.

 

والحق أن الذي يتعمق في دراسة كتاب الله وسنة رسوله سيدنا محمد (ص) ، يتبين له أنهما يرفضان الارتجال والعشوائية، وترك الأمور تجري بغير ضابط ولا رابط ولا نظام وبيّن الرسول (ص) أن التوكل على الله لا يعني اطراح الأسباب أو إغفال السنن التي أقام الله عليها نظام هذا الوجود، ولا يكاد مسلم يجهل قصة الإعرابي الذي جاء الى النبي (ص) وترك ناقته أمام المسجد قائلاً. يارسول الله .. أأعقل ناقتي وأتوكل أم أطلقها وأتوكل؟ فقال له سيدنا محمد (ص) ، اعقلها وتوكل "رواه الترمذي وابن حبان وابن خزيمة "ومعنى أعقلها أي أربطها".

 

وفي القرآن الكريم قصة جعلها الله عبرة لأولي الألباب وهي قصة نبي الله يوسف (عليه السلام)، وفيها يذكر القرآن لنا مشروع تخطيط للإقتصاد الزراعي لمدة خمسة عشرة عاماً لمواجهة أزمة غذائية عامة، عرف سيدنا يوسف (عليه السلام) – بما ألهمه الله وعلمه من تأويل الأحاديث  أنها ستصيب المنطقة كلها- وقد اقترح سيدنا يوسف عليه السلام مشروع الخطة ووُكل اليه تنفيذها، وكان فيها الخير والبركة على مصر وما حولها قال الله عز وجل على لسان نبيه يوسف (عليه السلام) (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ # ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ #  ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (يوسف 47: 49 ).

 

وجميع الدراسات التاريخية والأثرية تشيد إلى اهتمام الإنسان بالمستقبل منذ زمن بعيد جداً، والسبب في ذلك هو أن الإنسان الكائن الوحيد الذي يتوافر على احساس ذاتي بالمستقبل، لكن العلاقات التي ربطت الانسان بالمستقبل تأثرت بنمط التفكير الذي ساد في كل مرحلة من المراحل المختلفة خلال الأزمنة المنصرمة أولاً: وتأثير بالموجات الحضارية التي شهدها الانسان ثانياً: فالتفكير كان تفكيراًغيبياً ثم تحول الى تفكير ديني بعد ذلك تحول الى تفكير فلسفي ثم استقر عند التفكير العلمي، أما الموجات الحضارية فالعلم يتحدث عن موجات حضارية ثلاث هي (الزراعة والصناعية، وما بعد الصناعية، عصر المعلومات) .. وهكذا نجد الاهتمام بالمستقبل أصبح يتطور تدريجياً حتى أصبح الآن علماً قائماً بذاته في البدايات الأولى من القرن العشرين.

 

إن الحاجة لبناء وتخطيط المستقبل الذي يكون أفضل من الماضي وأفضل من الحاضر هو حاجة ضرورية، لأن الإنسان يتطلع دوماً وأبداً إلى المستقبل الأمر الذي دفع الإنسان إلى التخطيط وقراءة المستقبل على وفق ما يريد .. فنجد أنه في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر من أكثر الدول اهتماماً بالدراسات المستقبلية نجد أن عدد الهيئات الأمريكية الأساسية المتخصصة بالدراسات المستقبلية قد بلع 600 مؤسسة أما نحن فلا توجد أي مؤسسة / مراكز بحوث متخصصة فالأمر يحتاج إلى وقفات كثيرة.

 

والاستعداد للمستقبل يتوقف على القناعة لدى الفرد في التخطيط للمستقبل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وإن الاشخاص نوعان. نوع يرى أن المستقبل مرسوم ومكتوب والفرد يسيد دون تحكم من قبله بالمستقبل، والنوع الثاني من الأشخاص يرى أنه من الممكن التحكم به على مما يرى (الفرد) وهذا الأمر يتوقف على كل فرد في رؤيته للحياة وثقافته وفكره.. وما يرغب في الوصول اليه مستقبلاً ان شاء الله.

 

إننا نريد أن نصنع ونخطط لكي نذهب إلى المستقبل، ولكن هناك طريقان للوصول إليه.. الأول هو أن تقفز داخل السيارة وتذهب إلى المستقبل، وتقوم بالترتيبات اللازمة في الطريق.. والثاني أن تخطط مقدماً.. ثم ترسم خريطة بالطريق.. وتحسب المسافة التي تريد أن تقطعها كل يوم، وهكذا إننا سنصل إلى كلا الطريقين على الأرجح.. ومع أن الطريق الأول ربما يكون أكثر مغامرة ومخاطرة فإن الطريق، قد نصل من خلاله بسرعة أكثر وجهداً اقل بكثير إن شاء الله.

 

هكذا نرى بوضوح أهمية التخطيط لرحلة المستقبل.. مع ذلك نفترض في كثير من الأحوال أن الامور ستسير من تلقاء نفسها، وذلك عندما نتعامل مع أمور أكثر أهمية مثل الأمور العائلية / ما يتعلق بالوظيفة.. إننا نتوقع أن تكسب أموال طائلة.. ونعول أسرة مثالية، ونكون سعداء بدون ان نُعد خطة محددة لتحقيق ذلك.

 

تبدا أول خطوة للوصول الى حياة ناجحة وسعيدة بان نأخذ عهداً على أنفسنا لأن نقيم حياة سعيدة وناجح بالفعل.. بأن نركز على الاحتمالات الممكنة .. لا على الأخطاء مما يعني التركيز على المستقبل وليس على الماضي .. ربما لا نستطيع أن نتنبأ بالمستقبل، ولكن يمكننا ان نسهم في تشكيله، أن واقعنا هو ما نصنعه إذا اقتربنا منه بايجابية وحماس فسوف نحقق النتائج الايجابية، ولسوء الحظ فإن العكس صحيح أيضاً. على عكس الحال في المغناطيس، فإن السلبيات لا تجذب الايجابيات بل تؤدي الى الفشل واليأس.

 

 

الدكتور / رمضان حسين الشيخ

خبير التطوير التنظيمي والموارد البشرية

 

المصدر: مقالاتي
Al-Resalah

الرسالة للتدريب والاستشارات.. ((عملاؤنا هم مصدر قوتنا، لذلك نسعى دائماً إلى إبداع ما هو جديد لأن جودة العمل من أهم مصادر تميزنا المهني)). www.alresalah.co

  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 1864 مشاهدة
نشرت فى 4 إبريل 2011 بواسطة Al-Resalah

ساحة النقاش

الرسـالة للتدريب والاستشارات

Al-Resalah
مؤسسة مهنية متخصصة في مجالات التدريب والإستشارات والبحوث والدراسات، وتُعتبر أحد بيوت الخبرة متعددة التخصصات في العالم العربي.. ومقر الرسالة بالقاهرة.. إن الرسالة بمراكزها المتخصصة يُسعدها التعاون مع الجميع.. فأهلاً ومرحبا بكم.. www.alresalah.co - للتواصل والإستفسارات: 00201022958171 »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,706,959