د. سامى الطوخى - استشارى التدريب فى العلوم الادارية والقانونية والقضائية

العدالة التصالحية وضرورات إصلاح نظام العدالة الجزائية

د / سامى الطوخي

مقال منشور بمجلة أكاديمية الدراسات القضائية ، مجلة علمية محكمة تصدر عن أكاديمية الدراسات القضائية والتدريب المتخصص ، السنة الاولى ، العدد الاول ، 2012

يشهد العالم اليوم العديد من المتغيرات السريعة والمتلاحقة في كافة المجالات والأنشطة وقد صاحب ذلك تدخل تشريعي كبير في كافة مناحي الحياة المختلفة في الدولة الحديثة ، كما تعددت التشريعات الجزائية ، سواء تلك التي تحكم العلاقة بين الأفراد " متهم ومجنى عليه " كجرائم القصاص او التعزير او تلك التي تحكم العلاقة بين الأفراد الطبيعيين والأشخاص الاعتبارية الخاصة والجهات الحكومية المختلفة بالدولة كجرائم التعزير بقصد حماية المجتمع ومنع الجرائم وتحقيق التنمية او كانت جرائم تتعلق بالحدود   وغني عن القول أنه لا يجوز الصلح في جرائم الحدود بينما يجوز في جرائم القصاص والتعازير كقاعدة عامة .

ولاشك في أن دراسة الصلح والتصالح في التشريعات الجزائية ، فيما عدا جرائم الحدود ، إنما هو دعوة لإحلال المحبة والتآخي والتراحم بين أبناء المجتمع بدلاً من التخاصم والخلاف. كما أننا بالصلح في الجرائم الجزائية نحقق العديد من الأهداف الأخرى ، مثل : التخفيف من تكدس القضايا أمام المحاكم واحترام آدمية الإنسان والتركيز على كون الإنسان محور وهدف العدالة التنموية ، ومن ثم وجوب التركيز على كون الفرد أداة للتنمية ، ولا يتحقق ذلك غالبا بالعقوبات السالبة للحرية ، والتي من الثابت عبر كافة اتجاهات تحديث العقوبات الجزائية في دول العالم أنها تثقل الخزانة العامة للدولة ولا تثمر في الواقع العملي فوائد تطبيق العدالة التصالحية الجزائية .

كما أنه أضحى من المتفق عليه لدى القانونيين في شتى دول العالم الغربي والعربي ، أن التشريعات الجزائية العديدة في شتى المجالات أصبحت الآن لا تتناسب ولا تلبى احتياجات حماية المجتمع في كثير من الأحيان ، بل وتؤثر سلبا على تحقيق مفهوم العدالة التنموية في شتى المجالات التنموية الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والسياسية في الدولة الحديثة .

ولذلك ينبغي إعادة النظر في التشريعات الجزائية كافة واستبدال عدالة التصالح أو العقوبات المالية  أو التقويمية أو عقوبات خدمة مجتمع وكذا العقوبات التي تتعلق بإصلاح الضرر ومصادرة أرباح الجريمة ، العقوبات إدارية ،...الخ  بالعقوبات السالبة للحرية. وهو ما يحتم إعادة النظر في المنظومة التشريعية والقضائية للتناسب مع تلك الفلسفة الجزائية والتقويمية القديمة بأصولها في الشريعة الاسلامية ، الحديثة بتطبيقاتها المعاصرة الغربية .

وهذا هو ما يتفق وتعريفنا الحديث للقانون بأنه : "  مجموعة القواعد - الهادفة لتحقيق العدالة والبناء والتنمية المستدامة والمسئولية الاجتماعية  في شتى المجالات - التي تنظم وتؤثر ايجابيا في سلوك الأفراد والاشخاص المعنوية الخارجي في المجتمع بصورة ٍ عامة ٍ و مجردة ٍ، و توقع الدولة جزاءً تقويميا  " صلح ،تعليم ، مالي ، خدمة مجتمع ، اصلاح الضرر ، الدية ، مصادرة أرباح الجريمة ، جزاءات ادارية ..الخ " على من يخالفها.

ذلك أن الغرض الأساسي من العقوبة هو إعادة تأهيل سلوك مرتكبي الجرائم بما يجعلهم أفرادا صالحين للاندماج في المجتمع مرة أخرى وتحويلهم إلى أفراد أسوياء السلوك المجتمعي منتجين صالحين .

ولذلك ، نجد المعالجة الجزائية في الشريعة الاسلامية للجرائم لا يتم التوسع فى عقوبات الحبس او السجن . فمثلا في عقوبة القتل العمد تكون العقوبة هي القصاص ولكن من الممكن العفو وهو أفضل إذا ارتضى ولى الدم . وفى عقوبة القتل الخطأ ، تكون العقوبة هي الدية ، ومن الممكن الجمع بين الدية والتعويض إذا كان الضرر يفوق مبلغ الدية المقررة شرعا وهى سلطة تقديرية يبحثها القاضي عند نظر الدعوى ، وإذا عفا المجنى علية فهو أمر جائز شرعا .وهكذا أيضا نجد في جرائم الحدود ان عقوبة الزنا لغير المحصن " غير المتزوج " ، هي الجلد مائة جلدة كي يتحقق الردع ، ويصير الانسان قويم السلوك في المجتمع مرة أخرى ، لكى يستكمل رحلة الحياة مرة أخرى ...وليس هناك ما يمنع في تقديرنا بأن تستكمل عقوبة الجلد في هذه الحالة بعقوبات تقويمية أخرى باجتياز مرتكب الجريمة لدورة تدريبية حول الخلق القويم في الاسلام .

فالأصل إذاً في الاحكام الجزائية في الشريعة الاسلامية ، هو عدم التوسع في عقوبات السجن أو الحبس الذى يثقل كاهل الخزانة العامة للدولة ويؤثر بالسلب على حياة المجتمع، إذ انه يحمل الدولة تكاليف باهظة لإنشاء وإدارة السجون. كما يحمل أهل المتهم بمصاريف إضافية لمستلزمات إعاشة المتهم التي لا تستطيع الدولة الوفاء بها وهو في السجن ، كما يحرم اسرة المتهم من عائلهم ، وقد يخرج للمجتمع مجرمين آخرين " وأطفال شوارع " لأسرة المسجون . كما ان العقوبة السالبة للحرية  عادة تأتى بنتائج سلبية نتيجة اختلاط السجين ببيئة السجن التي تعد بؤرة تجمع لثقافة الجريمة .

ويتجه الفقه المقارن إلى المناداة بأعمال مقتضيات العدالة التصالحية والتقويمية كمدخل حتمي لإصلاح فلسفة النظام القانوني والقضائي الجزائي في العالم ، لما تم بيانه من أسباب ولأسباب عديدة أخرى ، منها :

-   العقوبة السالبة للحرية تتيح اختلاط المحكوم عليه بالعديد من المجرمين الآخرين وسلوكياتهم ، مما يزيد من إمكانية التأثر بالسلوكيات الاجرامية ، وبما قد يقلل من جهود إعادة التأهيل .

-   في كثير من الاحيان تكون مدة الحبس أو السجن لا تتناسب مع متطلبات زمن التأهيل . فقد تكون كبيرة وهو الغالب وقد تكون قصيرة ، وتتحدد المدة في التشريع غالبا باتجاه سياسي وثقافي  في البرلمانات ونظرة تقوم على فلسفة الإيلام والردع وليس لأغراض التقويم . كما يحكم القاضي إذا توافرت أركان الجريمة ونسبتها إلى المتهم وفقاً للحد الأدنى والأقصى المقررين للعقوبة ، وفق ظروف ارتكابها والظروف المخففة والمشددة دون التركيز أو دون مراعاة المدة السالبة للحرية اللازمة لإعادة تأهيل المحكوم عليه .

-   زيادة التدخل التشريعي في شتى المجالات وعدم جودة التشريع وخلوه من نصوص وقائية مانعة لارتكاب الجريمة وتقرير عقوبات جزائية سالبة للحرية ادى إلى ازدحام السجون بشكل لا يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ولا يتوافق مع أغراض إعادة التأهيل ، كما يرهق ميزانيات الدولة في إنشاء وادارة السجون ، كما أن ارتفاع متوسط تكلفة السجين فى اليوم الواحد يؤدى إلى وجوب إعادة النظر في توجيه هذه التكاليف الباهظة للسجون في إنشاء مشروعات تنموية وتعليمية ، لا سيما وأن الثابت دوليا أن غالبية نزلاء السجن عادة من الاشخاص الفقراء المحرومين من خدمات التعليم والرعاية وفرص العمل .

-   العقوبات السالبة للحرية غالبا ما يكون لها أسوأ الآثار على الأسرة ، حيث يفقد المحكوم عليه عمله بسبب محبسة ، وبالتالي تفقد الأسرة مصدر دخلها بما قد يجعلها معرضة للانزلاق إلى الجريمة.

-   الوصمة التى تلحق المحكوم عليه من سجنه ، والتي تتمثل فى نظرة الرفض الاجتماعي للتعامل معه أو تشغيله بعد قضائه فترة العقوبة ، لا سيما مع اشتراط القانون قضاء فترة زمنية معينة لكى يرد إليه اعتباره كشرط للتعيين في الوظائف ....فماذا عليه أن يفعل آنذاك ....أيسرق لكى يعيش ام يصرف له اعانة بطالة ... ام يلجأ إلى التسول......!! ألسنا في حاجة حقيقية لإصلاح نظاما القانوني والقضائي !!

أمثلة تطبيقية من واقع النظام القانوني لدولة الامارات العربية المتحدة :

اولا :العدالة التصالحية والعقوبات التقويمية وقانون حماية المستهلك الاتحادي :

ومن الامثلة الجيدة للتشريعات التى خلت من العقوبات السالبة للحرية  القانون الاتحادي - لدولة الامارات العربية المتحدة  - ..............

لتكملة المقال راجع :

مجلة أكاديمية الدراسات القضائية ، مجلة علمية محكمة تصدر عن أكاديمية الدراسات القضائية والتدريب المتخصص ، السنة الاولى ، العدد الاول ، 2012

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 796 مشاهدة
نشرت فى 15 يوليو 2012 بواسطة toukhy

ساحة النقاش

د.سامى الطوخى

toukhy
هاتف متحرك 00971501095679 البريد الالكترونى [email protected] دكتوراه في العلوم الإدارية والقانونية - بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف وتبادل الرسالة مع الجامعات الأخرى ، كلية الحقـوق جامــعة القاهرة . - حوالي 20 عاما من الخبرة العلمية والعملية في مجال التدريس والتدريب المتعلق بمجالات عديدة فى التنمية الإدارية والقانونية والقضائية فضلا »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

214,742