تفاصيل المحاكمة العسكرية
في قضية اغتيال السادات
المصدر: مجلة كلمة حق اصدار الجماعة الاسلامية سنة 1986
كانت خيوط الفجر الأولى تشق سواد الليل وتزيحه،
وكانت مدينة القاهرة لم تَصحُ بَعد من نومها إلا أن شطراً منها كان يشهد حركة دائبة ..
وبعد أن أنهت إحدى طائرات الهليوكبوتر (الجازل)مهمتها في جميع أنحاء المنطقة الواقعة بين السجن الحربي والجبل الأخضر حيث يقع المقر الذي تَقرر أن تُعقد فيه محكمة امن الدولة العسكرية جلسات القضية رقم (7) لسنة 1981 أمن دولة عسكرية عليا(المعروفة باغتيال السادات).
لم تَكْتفِ المخابرات الحربية بالقوات التي احتشدت على جانبي الطريق بين السجن والمحكمة فقررت إشراك الهليكوبتر في عملية تأمين الموكب الذي كان هو الآخر غارقا لأذنيه في السلاح.
وبعد أن تأكد قائد الطائرة من خلو الطريق أعطيت الإشارة للموكب ببدأ التحرك فخرج من بوابات السجن رتل من المصفحات تتهادى صباح السبت 11/11/81 أي بعد شهر ونصف تقريبا من واقعة الاغتيال.
كانت هذه الفترة مشحونة بتعذيبٍ وحشيٍّ لم يَنجُ منه أي أحد من هؤلاء الذين تحملهم المصفحات وقد عُصِبت عيونهم، وقُيدت أيديهم بقيود حديدية موصولة بقضبان حديدية مثبتة بأرضية المصفحة التي حشر فيها أربعة منهم وبجوار كل واحد جندي للحراسة؛ بينما حُشرت بين كل مصفحتين مصفحة تعج بالجنود والسلاح مثبت فوقها مدفع رشاش خفيف؛ هذا بالاضافة الى قوات المخابرات التي تستقل عربات" البيجو 303" فضلا عن القوات التي ازدحم بها الطريق والطرق المجاورة وأسطح المباني وقمم التلال المحيطة.
كانت المنطقة بأسرها تبدو وكأنها قد خضعت لاحتلال عسكريٍّ فقد أُغلقت جميع المنافذ المؤدية إليها، وأقيمت عليها نقاط تفتيش.
ـ عبر أجهزة اللاسلكي المختلفة المنتشرة في أيدي ضباط الحراسة كانت تنبعث الأوامر والتعليمات للقوات الموجودة على الأرض أو المحمولة في السيارات والمعلقة بين الأرض والسماء.
ـ عندما وصل الموكب الى مبنى المحاكمة تم إنزال الإخوة فرادى بعد أن نُزِع القيد من أرضية العربة، وتم تقييد كل واحدٍ منهم بجنديٍّ لتأمين عملية الوصول إلى الأقفاص والتي تمت هي الأخرى حت حماية السلاح.
في الأقفاص
تم فك القيود، ورفع العصابات عن الأعين
فكان اللقاء الحار.
وتعانق الرجال طويلا،
وطارت آلام التعذيب وأهواله..
وسط فرحة اللقاء
كان اللقاء حاراً
ولم يخفف من فرحتهم ماهم مقدمون عليه،ولاما لاقوه
فقد كانوا يرون أن هذا قليل في سبيل هذا الدين ..
وكانوا يرونه أقل أن يُقدَّم قربانا لله تعالى..
شئ واحد فقط كان ينغص عليهم هو أن هدفهم الأعلى لم يتحقق .. لم يكتب لهم النصر الكامل هذه المرة .. ولكن لا ضير فما على الناس إلا السعي.. والله يقضي ما يشاء.
كان القفص في حقيقة الأمر أربعة أقفاص متجاورة معزول كل منها عن الأخر بشبك من الحديد الصلب .
وفي كل قفص وُضع ستة منهم.
كان خالد يرتدي الملابس المدنية التي سمحوا له بها في الجلسة الأولى وهي عبارة عن "بذة" زرقاء اللون .. وكان يضع على رأسه طاقية بيضاء وقد نبتت لحيته بما أضفى عليه مهابة خاصة.
وكان د/ عمر عبدالرحمن يرتدي عباءة الأزهر التقليدية ويضع العمامة فوق رأسه.
لم تَحُل الفواصل بين الأقفاص بينهم وبين أن يتفقوا على ما ينبغي فعله في الجلسة الأولى ..
وبرغم أن الجلسة الأولى كانت علنية إلآ أنه لم يُسمح لأحد من الصحفيين أو المحاميين أو الأهالي بالدخول إلا بعد تفتيشهم عدة مرات بأجهزة حديثة.
ثم وضع فوق صدركل منهم (كارت) يحمل الاسم والصورة وبدون هذا الكارت كان الدخول مستحيلا..
فجأة وعند دخول على ما يزيد من مائة صحفي ومراسل مصري وأجنبي دوت الهتافات من الأقفاص تهز القاعة هزأ.ً
- <!--[endif]-->لا إله إلا الله ..
- <!--[endif]-->عليها نحيا ..
- <!--[endif]--> وعليها نموت ..
- <!--[endif]-->وفي سبيلها نجاهد ..
- <!--[endif]-->وعليها نلقى الله ..
- <!--[endif]-->الله أكبر الله أكبر
- <!--[endif]-->في سبيل الله قمنا .. نبتغي رفع اللواء.
لا لحزب قد عملنا .. نحن للدين فداء .
فليعُد للدين مجده .. أو ترق منا الدماء.
وسارعت كاميرات المصورين تلتقط آلاف الصور للأقفاص ، وتركزت العدسات على ذلك الشاب الملتحي طويل القامة ..عريض المنكبين .. الذي يمسك مصحفاً يرفعه عالياً بيمينه .. "خالد الإسلامبولي" ..
ـ عندما أذاع التلفاز المصري تسجيل الجلسة الأولى في مساء نفس اليوم حرص على عرض صورة الأقفاص بلا صوت طول فترة الهتافات .. إلا أن عدسات الكاميرات وأفلام التسجيل لم تستطع أن تخفي البسمة التي كانت مرتسمة طوال الوقت على وجه جميع من كانوا في الأقفاص.
الجسلة الأولى
كانت الساعة تقترب من التاسعة والنصف عندما صرخ الحاجب "محكمة" فانتفضت القاعة واقفة غير أن من بالأقفاص تعمدوا الجلوس في هذه اللحظات بالذات،
ودخل القضاه الثلاثة :
لواء سمير فاضل ..
لواء مصطفى ماهر..
لواء عبدالعزيز الشاعر ..
ومن خلفهم دخلت هيئة النيابة يتقدمها المدعي العام العسكري ونائبه،
وبدأت الإجراءات التقليدية للجلسة الأولى بالنداء على (المتهمين) .. اسمك؟ .. سنك؟.. وظيفتك؟ .. عنوانك؟
وعندما وجه القاضي سؤاله التقليدي لخالد .. هل لك محام؟ فوجئ به يجيبه "إن الله يدافع عن الذين آمنوا.."
وتكررت ذات العبارة على ألسنة الجميع وأضحى واضحا أنه قد تم الاتفاق عليها فيما بينهم،
وتقدم الدفاع بعدة طلبات قبل أن تُرفع الجلسة للاستراحة ثم تعود ليعلن القاضي أن الجلسة القادمة ستكون يوم 30/11/81
وفي رحلة العودة إلى السجن تكررت نفس إجراءات الأمن .. إلى أن أودع كل واحد في زنزانته الانفرادية التى لا يسمح فيها بالورق أو الأقلام أو المذياع، ولا توجد بها إضاءة ولا تفتح إلا دقائق معدودة كل يوم.
صباح 30/11/81 عقدت الجلسة الثانية.. وكانت هي الأخرى علنية حضرها الأهالي بذات التصريح السابق..
وعندما دخلت "أم خالد" القاعة رفعت صوتها تنادي ابنها .. صبراً آل ياسر .. إن موعدكم الجنة.
و"أبوياسر" هي الكنية التى اختارها خالد لنفسه من قبل الاغتيال .. هو لم يتزوج ولم ينجب "ياسرا"ولكنه كان مصمما على أن تكون هذه هي كنيته استبشارا بالصحابة الكرام ياسر وزوجه سمية وابنه عمار الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة.
وبذا يكون قد اجتمع لخالد اسم وكنية واسم حركي كان يُعرَف به في التنظيم .. وهو "ظافر"
خُصصت الجلسة الثانية أساسا لتلاوة التهم الخاصة بكل "أخ" والتي يختمها القاضي بسؤاله مذنب أم غير مذنب؟
وكان خالد يعد مفاجأت للقاضي وللجميع،
وبدأ القاضي بتلاوة التهم الموجهة لخالد .. وكانت قائمة التهم طويلة ، ولم يشأ خالد أن يتركه يتم تلاوتها فكان يقاطعه عند كل تهمة بقوله: نعم حصل .. أيوه حصل.
وفي النهاية سأله القاضي : مذنب أم غير مُذنِب ؟ فابتسم خالد وأجابه بلامبالاة: مذنب .
فانتفض رجائي عطية أحد المحامين واقفا وطلب من القاضي عدم إثبات كلمة "مذنب " على لسان خالد .. لأنه لا يقصدها بل هو يقصد أنه فعل كل هذا .. ولكنه بالطبع غير مذنب وأصر القاضي على اثبات الكلمة.. وأصر الدفاع على إعادة توجيه السؤال لخالد لمعرفة جوابه، وانضم خالد للدفاع، وتوتر الموقف، واشرأبت أعناق الصحفيين والأهالي لترى ماذا سيصنع القاضي؟ .. ولم يَفُت القاضي أن الجلسة علنية واضطر للتراجع ..
وكرر السؤال على خالد .. "مذنب أم غير مذنب؟"
فأجابه: غير مذنب.
وتكررت ذات الأسئلة وذات الإجابات على لسان عبدالحميد وعطا وحسين .. وبدءاً من محمد عبدالسلام بدأت الاتهامات تتغيرالى التحريض ، والاشتراك بالمساعدة أو الاتفاق فضلا عن تهم حيازة وإحراز أسلحة ومتفجرات بغرض ارتكاب اغتيال سياسي.
وتقدم الدفاع بطلباته لاحضار شهود النفي وضاق القاضي ذرعاً بقائمة شهود النفي التي تليت على سمعه .
نائب السادات (محمد حسني مبارك)
،زوجة السادات ( جيهان السادات)،وزير اخارجية( إسماعيل فهمي) ،وزير الخارجية السابق ( محمد إبراهيم كامل)، المشير أبوغزالة.
وعندما سأل القاضي عن سبب طلب المشير أبوغزالة للشهادة . جاءته الإجابة من الأقفاص: "عندما تقدمت إلى المنصة وبيدي المدفع الرشاش وجدت أبو غزالة يمد يديه إلي متوسلا أن لا أقتله فقلت له أنا مش عايزك أنت أنا عاوز الكلب ده". كان خالد يضغط على الكلمات الأخيرة ويرفع بها صوته عامداً ،
ورُفعت الجلسة للاستراحة وعندما عادت للانعقاد .. أعلنت المحكمة رفضها لكل قائمة شهود النفي وقررت أن تكون الجلسات سرية وفيما بعد قالت إحدى أمهات أحد الأخوة اللائي كن يحضرن الجلسة: الحمد لله إن خالد رد للسادات الكلمة التي قالها عن الشيخ المحلاوي ثم أضافت مخاطبة إبنها :
والله ياابني ريحتم البلد .. بس خسارة هياخدوا منكم أربعة أو خمسة .. وكأن كلماتها صعدت إلى السماء !!
وفيما بعد
سئل خالد عن هذه الواقعة .. فضحك وقال والله لا أذكرها بالمرة لأن معظم ما تم لا أتذكره ولكن المخابرات الحربية قالت لي: إن أبا غزالة قال هذا الكلام، وروى هذه الواقعة .. فأنا قلتها!!
وبدءا من الجلسة الثالثة أصبحت الجلسات سرية لا يحضرها سوى القضاه والنيابة والإخوة والمحامون وضباط الحراسة والمخابرات .
وسمح القاضي للمخابرات بتسجيل كل وقائع الجلسات السرية بالصوت والصورة بكاميرات "فيديو"
كانت الجلسات طويلة وشاقة .
فبعد صلاة الصبح مباشرة تبدأ رحلة الذهاب أما العودة فكانت مع الغروب أو قبله بقليل، لم يكن مسموحا لخالد وعبدالحميد وعطا وحسين أن يجتمع منهم اثنان في مُصفَّحة واحدة لا ذهابا ولا عودة
كذلك لم يكن مسموحا أن يجتمع منهم اثنان في قفص واحد من أقفاص الاتهام الأربعة.
وفي الأقفاص ..
وبعد تبادل التحية وصلاة الضحى (فرادى) كانت الآيات تنبعث من فم الدكتور عمر عبد الرحمن في ترتيل جميل تهتز له القلوب وتلين، وكثيرا مارجاه خالد أن يقرأ سورة "طه"،
وبعد التلاوة
كان الدكتور عمر أحيانا يفسر بعض الآيات التي قرأها ،وأحيانا يرفع يديه بالدعاء ويؤمن الجميع خلفه ،وأحيانا ثالثة كان يَدَع الفرصة للشباب للأحاديث فقد كان هناك الكثير مما يريدون التحدث بشأنه والتشاور من أجله..
ثم تنطلق الأناشيد (لتشحذ العزائم وترفع الهمم)
وفي إحدى المرات وقف "كرم" و"أسامة" ينشدان معا
ملكنا هذه الدنيا القرونا ... وأخضعها جدود خالدونا
......................... ...............................
مازالت كلمات النشيد محفورة في أذهانهم لم تُنسِهم السياط إياها..
وأرهف الدكتور عمر السمع واستهواه النشيد وراح يتابعهما بحماس والأقفاص تردد خلفهم وهو يردد معهم والابتسامة تعلو شفتيه..
ولكن .. مالبثت هذه البسمة ان خفتت ثم تلاشت وراحت الدموع تشق طريقها من عينيه إلى لحيته تحكي شوقا كامنا في أعماقه فجرته الكلمات.
تُرى هل يرجع الماضي فإني ...أتوق لذلك الماضي حنينا
كانت هذه المرة هي الأولى التي يرى فيها الشباب شيخهم يبكي ، ولكنها لم تكن الأخيرة..ذلك الجبل الشامخ لم يعرف الدمع الطريق الى عينيه رغم سياط التعذيب ..سالت دموعه شوقا وحنينا لامجاد المسلمين.
لم تكن الأناشيد المنبعثة من الاقفاص تتوقف عند دخول المحامين ولاعند دخول القضاة الذين كان عليهم الانتظار في مقاعدهم صامتين ريثما ينتهي النشيد ...
وبعدها تبدأ الجلسة
وتبدأ الاقفاص في رحلة طويلة من الأحاديث الثنائية والتي تنتهي غالبا برحلة أشد طولا من النوم يقودها الأخ طارق المصري بجدارة منقطعة النظير
التمثيلية
قدمت النيابة العديد من أدلة الاتهام أولها شهود الإثبات، وقد شملت الكثير منهم السائق، وطاقم الجنود، وبعض من حضروا الواقعة..
ومن جملة شهود الاثبات جاء المقدم "ممدوح أبو جبل" ولـ "ممدوح ابو جبل" قصة ليست ظريفة ..
فقد كان ابو جبل قد زار القلعة زائرا لاسائحا بعد الاغتيال بأيام قليلة ولعله رأى هناك عجائب الدنيا السبع ، والتقطته النيابة من تحت السياط لتحوله الى شاهد ملك ليحيك التهمة حول بقية المتهمين في مقابل أن يفك هو برقيته.
وغالب الظن أن "ممدوح" قد وافق على ذلك العرض هرباً من ألم السياط لاخوفا من حكم المحكمة؛ فلم يكن أحد وقت التعذيب والتحقيق يفكر في محكمة او حكم او سجن او الاعدام.
بل كان الإعدام وقتها أمنية الكثيرين للفرار من التعذيب والتنكيل
غير أن "ممدوح" خسر كثيرا.
ولعله أحس بحجم هذه الخسارة لحظة دخوله القاعة ليقف موقف الشاهد بينما إخوانه في الأقفاص ..
وقد صنعت له المخابرات قصة واهية ليدَّعيها أمام المحكمة ليصير بها شاهداً لاشريكا..
وقد نفذ ما طلبوا منه وقال ما أرادوا.
قال: إنه يتردد على "الجمعية الشرعية" ويقتنع بفهمها وفكرها وانه تعرف على "محمد عبد السلام" كأخ مسلم.
وأن محمدا أرسل له صالحا وأنور وطالبه بـ "إبر ضرب النار" لتنفيذ عملية اغتيال رئيس البلاد، وأنه لم يوافق في قرارة نفسه ولكنه أعطاهم أربع ابر ضرب نار غير صالحة للاستعمال ليضعوها في البنادق فإذا جاءت اللحظة الحاسمة لم تنطلق الرصاصات؛ وبذلك ينجو رئيس البلاد، ولكنه فوجيء بالحادث يقع والرئيس يموت.
وعندما سألته المحكمة عن سبب عدم تبليغه عن هؤلاء الأفراد وعن محاولة الاغتيال.
أجاب: إنه تردد هل يجب عليه شرعا التبليغ عنهم أم يحرم ؟
وأنه قرر عرض الأمر على شيخ عالم مثل الشيخ الشعراوي ليستفتيه في مثل هذا الأمر .
وعندما: سئل لماذا لم يمتنع عن إعطائهم الإبر بالكلية؟
قال: إنه خاف أن يحصلوا عليها من طريق آخر فأراد إفساد الخطة بإعطائهم الإبر الفاسدة..
كان ممدوح كاذباً فيما قاله؛ فلقد كان على علم بالاغتيال وقد طلبت منه الإبرلا لتستخدم بل لتوضع في العدد الذي سيسلمه خالد لقادئه ليتأكد القائد من أن جميع السلاح قد نُزعت منه ابر ضرب النار ومن ثم لم تكن هناك أهمية لأن تكون الإبر صالحة أو غير صالحة لأن البنادق كانت تستخدم بابر ضرب النار الأصلية الخاصة بها؛
وأغمضت لمحكمة عينيها عن التلفيق الواضح في القصة وأخذت بالشهادة.
وعندما أنهى المقدم ممدوح شهادته أدَّى التحية للواء "سمير فاضل" وأدار ظهره للمحكمة ومضى ليجلس في القاعة، وعند مروره بجوار الأقفاص لم يجروء على رفع بصره، وطلب محمد عبد السلام من بقية اخوانه عدم التحدث اليه ..
وفي جلسة الاستراحة وبعد صلاة الظهرالتفت اليه محمد وسرت كلماته هادئة تأخذ بتلابيبه: " إن الله يقبل التوبة من عبده مالم يغرغر" تحركت مشاعر كثيرة داخل ممدوح.
ولعله بالطبع قد دار في ذاكرته شريط ذكريات طويل :
ـ لعله تذكر اللحظات الأولى التي تعرف فيها على الأخ "محمد عبد السلام"
ـ لعله تذكر فضل محمد عبد السلام وتعليمه إياه.
ـ لعله تذكر ماكان يُفضي به الى محمد عن استعداده للتضحية في سبيل الله..
ـ ولعله تذكر العذاب الذي لاقاه في القلعة .
ولعله تذكر تلك اللحظة التي ضعفت فيها نفسه فرجحت كلمة الدنيا على الآخرة فاختار العاجلة.
ولعله تذكر انه خسر كثيرا..
ولعله تمنى أن تعود عجلة الأيام الى الوراء عدة أسابيع ثم تدور من جديد دورتها ولكن لتدفعه الى قفص الاتهام لا إلى منصة الشهادة.
لعل هذه المشاعر أو بعضها قد ثار في داخله وتلاطمت الصور في مخيلته،
واندفع الدمع من عينيه وهو يرى نفسه يشارك في إحكام المشنقة حول عنق محمد وإخوانه ..بينما محمد مازال حريصا على أن يتوب هو ويرجع ،
واندفع الدمع من عيني "ممدوح" والتفت الى الحراس وطلب منهم أن يخرج من القاعة فوراً.
ومن أدلة الاتهام التي قدمتها النيابة الصور التي التقطت لواقعة الاغتيال ..وعندما استقرت الصور في يد القاضي ارتفعت الأصوات بالأقفاص تطالب برؤيتها ..وراحت الصور تمر بين الأقفاص وسط الضحكات والتعليقات .
كما قدمت النيابة عدة تسجيلات فيديو لعملية الاغتيال تم إحضارها عن طريق المخابرات الحربية من عدة دول أوربية.
وتم عرض شرائط الفيديو هذه في قاعة المحكمة، وعلى شاشات التلفاز شاهد الجميع وقائع الاغتيال.
ومن جملة أدلة الاتهام التي قدمتها النيابة تقريرا استكتبته مباحث أمن الدولة مفتي الجمهورية رداً على كتاب الفريضة الغائبة.
لم تكن المحكمة قد طلبت مثل هذا التقرير، وحسب قانونهم الوضعي لاقيمة لتقرير يأتي من مثل هذا الطريق، ولكن المحكمة خالفت قانونها الوضعي وقبلت التقرير في نفس الوقت الذي رفضت فيه إحضار أي من علماء الاسلام من مصر وخارجها الذين طلبهم الدفاع ليقولوا شهادتهم في واقعة الاغتيال وفي كتاب الفريضة الغائبة.
واكتفت المحكمة بتقرير المفتي،
وأخذت بما فيه،
وبعد تنفيذ الأحكام تم ترقية المفتي الى شيخ الأزهر.
المحامون
بلغ عدد المحامين الذين حضروا للترافع حوالي خمسة وثلاثين ليسوا على فكر واحد.
لم يتقاض عامتهم مليما واحداً عن حضورهم فلقد كانت لهم أهداف أخرى غير المال.
ـ منهم من أتى ليتعرف عن قرب على تلك الفئة التي لم تبالِ بشيء وقررت تنفيذ ماتؤمن به مهما كان الثمن.
ـ ومنهم من جاء ليجني من حضوره الشهرة والأضواء.
ـ ومنهم م جاء لتصفية حسابات مع السادات وحكمه .
ولقد خرج هؤلاء جميعا بشعور واحد وهو أن المستقبل في مصر لذلك التيار الذي تنتهي اليه هذه الفئة .
ومن جملة المحامين كان هناك اليساريون الذين حاولوا جاهدين إثبات ان الأسباب التي دفعت خالدا ورفاقه لاغتيال السادات هي نفس الاعتراضات التي كان اليساريون يأخذونها على السادات وعصره.
وفي زمرة هؤلاء أتى بعض المحامين الناصريين وكثيرا ماحاولوا إيجاد جسور تفاهم بين التيار الاسلامي وبين التيار الناصري الذي لايمتلك فهما محدداً حتى الآن والذي مات قبل أن يولد وقد قوبلت محاولاتهم هذه بالرفض التام ..
وحاول أحدهم "فريد عبد الكريم" إجراء حديث صحفي مع خالد وقدم بالفعل أسإلته مكتوبة على ورق مناديل وهرَّبها الى داخل القفص ورفض خالد أن يكتب شيئا وذهبت الأسئلة الى المهملات.
وعندما بدأت المرافعات وقف أحد الناصريين يتحدث فارتبك وتلعثم ولم يجد مايقوله، ثم جلس ووقف وطلب من القاضي استراحة وسال عرقه غزيرا رغم أن الجلسات كانت تعقد في الشتاء.
قدم المحامون عدة دفوع قانونية:
منها الدفع بعدم دستورية القوانين الوضعية التي على أساسها تتم المحاكمة لأنها تخالف الشريعة الاسلامية (ومن ثم تخالف الدستور)
واستغرق شرح هذا الدفع والتدليل عليه قرابة الساعات العشرة وفي النهاية جاء قرار القاضي برفض الدفع لعدم جديته..
وزمجرت الأقفاص ..(لعدم جديته )
وزمجر المحامون وأعلنوا انسحابهم لهذا التطاول على شرع الله وعلى الدستور ..هكذا قالوا.
وكان هذا هو الانسحاب الأول ولكنه لم يكن الأخير ..وانتدبت المحكمة غيرهم للترافع مع تغريم كل واحد منهم خمسين جنيها !!
ورُفعت الجلسة،
وفي الجلسة التالية أعلن الاخوة رفضهم للمحامين الجدد المنتدبين وعاد المحامون القدامى،
ووقف محمد عبد السلام يخاطب قاضيه إقامة للحجة عليه وتلا عليه الآيات من سورة النور: (ويَقُوُلُونَ آمَنَّا بِاللهِ وبِالرَّسُولِ وَأَطَعنَا ثُمَّ يَتَوَلَىَّ فَرِيقٌ مِنْهُم مِن بَعدِ ذَلِكَ وَمَا أُولئِكَ بِالمُؤمِنِينَ
"47"وَإِذَا دُعُوا إِلىَ اللهِ وَرَسُولِهِ ليَحكُمَ بَينَهُمْ إِذَا فَريقٌ مِنْهُم مُعرِضُونَ "48" وَإِن يَكُن لَهُمُ الحَقَّ يَأْتُوُا إلِيهِ مُذْعِنينَ "49" أَفيِ قًلًوبِهِم مَرَضٌ .. وهنا تدخل القاضي طالبا منه الكف عن الاسترسال
ـ أقعد يامحمد
ولكنه استمر يرتل الآيات : ..أَمِ ارْتَابُوُا أَم يَخَافُوُنَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيهِم وَرَسُولُه ..
ـ أقعد كفاية
.. بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون)"50"
كانت الآيات كأنما أنزلت فيه ..
ولكن ..
لقد أسمَعتَ إذ ناديتَ حياً ..ولكن لاحياة لمن تنادي
كانت هذه إحدى المرات القليلة التي خاطب فيها "محمد عبد السلام" قاضيه ليعظه ،
وفي مرة أخرى احتد عليه قائلا:
ياسمير يافاضل .. سأعلمك قبل أن تقتلني أنك عبد لله "
وفي مرة ثالثة زادت حدته وارتفع صوته وخرجت الكلمات كطلقات من فيه.
فأمر القاضي بإخراجه من القفص ولكن الأربعة والعشرين أبوا وقالوا: نخرج جميعا فعدل القاضي عن قراره وتكرر هذا المشهد مرتين وتراجع القاضي في المرتين.
لعبة القط والفأر
هي أبلغ كلمة يمكننا أن نصف بها ماكان يتم بين المحكمة والدفاع؛
فبينما كانت المحكمة مستعجلة أشد الاستعجال كان الدفاع متأنِّيا
وكلما رأى الدفاع عجلة القاضي كلما زادت قناعة المحامين بضرورة التأني؛ فلقد كان واضحا أن الأحكام مُبَيَّتة وأن القاضي لايهمه سماع دفاع او تمحيص وقائع وكل مايريده أن تنتهي إجراءات المحكمة بصورة مقبولة لينطق في نهايتها الأحكام المُعَدَّة مسبقاً؛
ومن ثم كان الدفاع يريد كسب الوقت لعل متغيراً جديداً يأتي به الزمان ينقذ الرقاب من حبال المشانق.
ومن بين المحامين كان عصمت عبد السلام شقيق عبد الحميد عبد السلام وقد بكى عصمت عندما أحس بنية المحكمة.
كان طبيعيا ـ والحالة هكذا ـ أن تثور مشاكل بين القاضي والدفاع وكثيراً ما احتد القاضي وكثيراً مارفض إثبات مايقوله المحامون، وكثيراً ما احتدم النقاش بينهما ووصل الأمر ذروته عندما طلب الأستاذ عبد الحليم رمضان إيقاف المحاكمة لأنه رفع قضية تنازع
اختصاص بين المحكمة العسكرية ونيابة أمن الدولة ، ورفض القاضي إيقاف المحاكمة فصاح فيه المحامي متهما إياه بأنه حنث في قَسَمه الذي أقسمه على نفسه باحترام الدستور والقانون،
ومضى عبد الحليم رمضان يسلق القضاة بلسانه، وتأزَّم الموقف، وأمر القاضي بتحويله للتحقيق أمام المُدعي العسكري للاعتداء بالقول على هيئة المحكمة،
ورُفعت الجلسة لتدخل الشرطة العسكرية وتُلقي القبض على المتهم الذي كان منذ قليل محاميا وتقتاده الى حيث تبدأ النيابة العسكرية التحقيق معه،
وعاد القاضي إلى القاعة ورفض المحامون الترافع وأعلنوا أن المحكمة لابد وأن تتوقف؛ بل هي متوقفة بقوة القانون الوضعي الذي أهدرته المحكمة.
وانتهز القاضي تلك الفرصة التي طالما انتظرها فطرد المحامين أجمعهم وأمر بانتداب غيرهم .
تَمَّ ذلك يوم الثلاثاء 1/3/1981
وفي جلسة الأربعاء 2/3 منعت قوات الشرطة العسكرية المحامين من مجرد الاقتراب من المحكمة ،ولم تسمح الا بدخول ثلاثة من المحامين الجدد المنتدبين الذين جاءوا على عجل دون قراءة ملفات القضية أو سماع شهود أو غيره.
إقترب الموعد إذن
وانطلقت الأناشيد:
الحُرُّ يعرف ماتريد المحكمة،
وقُضاته سَلَفَاً قد ارتشفوا دمَه؛
لايَرتجي دَفعاً لبُهتانٍ رماه به الطغاة..
المجرمون الجالسون على كراسي القضاة.
فأمر القاضي بإخراجهم جميعا من الأقفاص، وبالفعل توجهوا إلى المصفحات اعتقادا منهم أنهم عائدون إلى السجن الحربي،
ولكن المصفحات ظلت واقفة مكانها ولم تتحرك،
وبعد مضي ساعتين أعيدوا للأقفاص ثانية ليجدوا أن المحامين الثلاثة قد أنهوا المهمة!!
وأدار الجميع ظهورهم للقضاة وراحوا ينشدون:
بَلِّغوا السفاح..
مُزْهِق الأرواح:
أنَّ فجراً لاح..
يكشف الظلمات.
ونطق القاضي بكلماتٍ ضاعت وسط زحمة الأناشيد ثم هرول منصرفا،
وحمل ضباط الشرطة الخبر إلى الأقفاص: "النطق بالأحكام يوم السبت القادم"
ثلاثة أيام فقط هي المتبقية ..
إنها الشهادة إذن ..
وكلٌ يريدها لنفسه ..
وكلٌ يريد النجاة لإخوانه ..
ولا أحد يدري من ستصيبه الشهادة ومن الذي ستخطئه هذه المرة
غير أن الجميع كانوا يحسون أن الخمسة الأُوَل سيكونون من أهلها لامحالة،
وترجم الدكتور عمر مايجيش في الصدور بصوت رخيم جميل
( وَلَئِن قُتِلتُمْ في سَبِيل اللهِ أَو مُتَّمْ لَمَغفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحمَةٌ خَيرٌ مِمَّا يَجمَعُوُن) ومضى يرتل الآيات من سورة آل عمران كأنه يودِّع بها خالدا ورفاقه،
وانساحت الدموع من عينيه تشق طريقها فوق وجنتيه تبلل لحيته ثم تخترقها وتتساقط على الأرض في رَتابةٍ حزينة تودع من سيكرمه الله بالشهادة.
في السجن الحربي
وقبل أن نصل بالقاري إلى نهاية المسرحية نأخذه في رحلة إلى السجن الحربي لنتعرف عن قُرب كيف يقضي هذا الشباب أيامه الباقية في انتظار الموت ؟
وسيفاجؤك بمجرد الوصول إلى السجن كتيبة من الشرطة العسكرية تقوم بحراسة السجن إلى جانب حراسته المعتادة بمدرعاتها وبنادقها الآلية؛
بل وسيلفت نظرك مجموعة من الكلاب الضخمة تطوف في أنحاء السجن تحرسه مع الحراس؛
فإذا دخلتَ ستجد السجن ينقسم الى مجموعة من العنابر يسمونها سجون ؛
كان إخواننا احتلوا اثنين منها وهما سجن" 5" وسجن" 6" وهما سجنان متقابلان أُعِدا لمن يحكم عليهم بالإعدام، وللمحبوسين احتياطيا وهما عبارة عن عنبرين مغلقَين بكل منهما "18 " زنزانة وتغلق عليها بوابة حديد ويفتح كِلا العنبرين على فناء صغير أبعاده (4× 4 ) متر تقريبا مسقوف بالأسلاك الشائكة لتكون فيه الفسحة.
وقد أودعوا كل واحد من الشباب في زنزانة انفرادية عدا الاخوة "عاصم عبد الماجد"، و"محمد عبد السلام"، و"عطا طايل"؛ فقد نزلوا المستشفى.
ومنعوا الجميع من الحديث أو الورق أو الأقلام أو الملابس إلا من بذة زرقاء(أفرول)
وتظل الزنزانة مغلقة طول اليوم إلا دقائق قليلة في الصباح يسمحون فيها لكل فرد منفردأ أن يذهب الى دورة المياه،
ثم بعد أن رفضت النيابة أن تترافع مكتفية بالمطالبة بتطبيق القانون رفعا للحرج عن القاضي بعد أن قرر المحامون الانسحاب من مرافعة النيابة لأن القاضي قرر رفض جميع الشهود
وبعد أن أعلن القاضي ابتداءمرافعات الدفاع تَمَّ نقل الجميع إلى سجن "6 " حيث أسكنوا كل اثنين في زنزانة وسمحوا لهم بننصف ساعة يتنفسون فيها الهواء.
كان "خالد" رحمه الله يسكن في زنزانة" 10" ومعه "محمد طارق ابراهيم"، وكان "عبد الحميد" في زنزانة" 2" ومعه "السيد السلاموني" وكان "حسين" في زنزنة" 17"ومعه "فؤاد الدواليبي"
وكان خالد رحمه الله يستيقظ في منتصف الليل ليبدأ صلاة القيام التي اعتاد ولفترة طويلة، يتبادل الإمامة مع طاريق يوما بـ "البقرة" ويوما بـ "آل عمران" لكي يشهدا له يوم القيامة حتى إذا ماقاربت الساعة الثانية قام "حسين عباس" وكان عذب الصوت فوقف أمام الثقب الذي في باب الزنزانة وأخذ يردد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا استَعِينُوا بِالصَبرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَّ مَعَ الصَّابِرِينَ)(وَاستَعيِنُوا بِالصَّبرِ والصَّلاةِ وإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَىَ الخَاشِعِيِنَ)(تَتَجَافَىَ جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُوُنَ رَبَّهُم خَوفَاً وَطَمَعَاً وَمِمَّا رَزَقنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُون)
فيستيقظ من غلبه النوم حتى هذا الموعد على صوت حسين العذب ويهُب للصلاة،
وكان الدكتور عمر في زنزانة" 3" مع "ناصر دُرَّة" وكان الوحيد الذي تركوا له ساعته وكان أي من الشباب يستيقظ في أي ساعة من الليل ينادي الدكتور عمر ويسأله عن الساعة فيجده مستيقظا .
كان رغم سِنه ومرضه بالسكر ذا طاقة عالية في أداء الطاعات والثبات عليها فاقت كل الشباب المحيط به رحمه الله.
وكان ذلك التسكين المزدوج حافزا لكسر حاجز الصمت ومشجعا على مبادلة الحديث والإنشاد أحياناً وكثيراً ما أرسل الشيخ عمر يطلب انشاد أبيات عبد الله بن رواحة وجعفر بن أبي طالب:
أَقسَمتُ يانفسي لَتنزِلَنَّه ..
لتزِلِنَّ أو لتُكرَهِنَّه ..
قد أجلبَ الناسُ وشدوا الرَّنة..
مالي أراكِ تكرهين الجنة .
فكان الجميع يتسابقون لتحقيق رغبته وقد تحمسوا جميعا لمصير الصحابي الشهيد.
واستطاع الإخوة أن يُهَّرِبوا أقلاما من المحامين وكتبوا مجموعة رسائل لإخوانهم في سجن الاستقبال لتثبيتهم في محنتهم تم تهريبها عن طريق أم خالد وكان لها أثر عظيم،
بل وتلقوا من ذات الطريق رسائل من محمد شوقي الاسلامبولي كان الجميع يتخطفونها ليطمئنوا على إخوانهم هناك في سجن الاستقبال.
رفض الجميع أن يأكلوا لحوم السجن لأنها مستوردة من غير الدول الاسلامية.
ولما كانت إدارة السجن لاتسمح بدخول المأكولات بدعوى إجراءات أمنية فقد اتفقوا أن يُحضروا دجاجاً ويذبحونه في السجن ويطبخونه هناك وذلك من أموالهم الخاصة المودعة في الأمانات،
وكانت أول مرة مفاجأة للجميع بعد شهور طويلة من أكل العدس الأصفر المليء بالحصى والشوائب، أو العسل الأسود الحامض يفاجأ الجميع بدجاجٌ مُحمَّر وحِساء ساخن فأفطر أكثر من نوى الصيام في ذلك اليوم.
والحقيقة أن الصيام كان سِمَةً بارزة لأكثرهم ولأكثر الأيام حتى أن خالدا وعبد الحميد وعطا صاموا منذ أن قبض عليهم وحتى سيقوا للاعدام لم يفطروا يوماً واحداً ..بل إن الدكتور عمر ظل صائما حتى نقل الى سجن الليمان الرهيب وظل به قرابة شهرين أيضا دون إفطار الى أن أصيب يوما بإغماء نتيجة مرض السكر الذي لم يكن يعالَج منه هناك أو يتابع بالطعام المناسب مما اضطره للإفطارتحت ضغط الاخوة .
في أحد الأيام جاءت الأنباء بأن الدكتور عمر قد أنجب ولدا سماه "الحسن" وذهب الشيخ الى إدارة السجن يطلب السماح بذبح خروف عقيقة عن ولده وبعد أخذ ورد وافقت إدارة السجن.
وقد تم ذبح الخروف ووزعوا اللحوم على الزنازين بعد أن جعلوا كل أربعة في زنزانة وكان يوما حافلا بهيجا رغم ضيق السجن.
في الحقيقة لقد كان الجميع يشعر بمدى الغيظ في عيون زبانية السجن وقد اضطرهم الذهاب اليومي للمحكمة أن يرفعوا أيديهم عن هؤلاء الشباب فتتنفسوا الصعداء.
كان الناظر الى هؤلاء الشباب يشعر بسكينة عجيبة تخيم عليهم ،وشفافية تغلفهم، والحب يجمع نفوسهم، والاطمئنان يريح قلوبهم..
لاتمر بين الزنازين في أي ساعة من ليل أو نهار إلا وتسمع أزيزا كأزيز النحل من تلاوتهم للقرآن؛
وقبل أن نغادرهم ننظر اليهم وهم يعدون للجلسة الأخيرة وقد بات بين الزنازين أكثر من جندي مخابرات يتجسس عليهم وهم يتفقون بالانجليزية على تفاصيل الجلسة حتى لايفهمها هؤلاء.
فمزقوا ثيابهم وكتبوا عليها بالمكروكروم الذي جاءوا به من المستشفى لعلاج جروحهم لافتات تعبر عن دعوتهم ولبسوها تحت ثيابهم مما جعلها تمر من تحت أيدي رجال الأمن رغم التفتيش الدقيق الذي كان في هذا اليوم.
ومن طريف ماحدث في الأيام الأولى أن "خالد" رحمه الله لما أفاق من البنج بعد استخراج الرصاصات الأربع من جسده جاءه ضباط المخابرات وكانوا يقيدونه ليل نهار في سريره بالقيود الحيدية وقالوا له : "إن السادات لم يمت ولكنه أصيب وسوف يجيء هنا لزيارتك" .
ورغم ماكان يعانيه من آلام وتعذيب إلا أنه قال: والله لو جاء لبصقت عليه.
قالوا سيُغلق فمك وتُقيد رجليك.
أصيب خالد بأشد الضيق عندما حسب أن السادات لم يمت وأن محاولته باءت بالفشل،
وفي اليوم التالي دخل أحد الأطباء للكشف عليه ـ وكان طبيبا ذا خلق يصلي ويصوم ـ فسأله رحمه الله عن ذلك فقال : من قال هذا؟ لقد صار السادات مصفاة.
فابتسم خالد، ولما جاء جنود المخابرات قال لهم: إنكم كاذبون وأن السادات قد مات فأدركوا أن الطبيب هو الذي أخبره.
والحقيقة أن هذا الطبيب لم يره الجميع بعد ذلك ..لعلهم نقلوه أو شي آخر.
نهاية المسرحية
عند العودة تم الاتفاق بين الزنازين على ترتيبات الجلسة الأخيرة ،
وفي صباح السبت 6/3/82 وبعد تفتيش الاخوة الأربعة والعشرين خرجت المصفحات للمرة الأخيرة متجهة صوب الجبل الأخضر،
وفي الأقفاص وبعد الذكر والدعاء انطلقت الأناشيد:
في حماك ربَّنا .. . في سبيل ديننا
لايَروعنا الفَنَا .. . فتَولَّ نصرَنا
واهدِنا إلى السنَن ... واهدنا الى السَنَن
وكانت جلسة النطق بالحكم علنية،
وعند دخول الصحافة العالمية والمصرية فوجيء الجميع بلافتات قماشية تخرج من تحت الملابس وتُعلق على الأقفاص،
وعبثاً حاول الحراس نزع هذه اللافتات، وتسابقت عدسات المصورين في التقاط الصور للأقفاص وماتحمله من لافتات،
ووَجه الدكتور "سيد السلاموني" كلمة بالانجليزية للمراسلين الأجانب، ووقف الشيخ كرم زهدي ووجه كلمة بالعربية جاء فيها:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فإننا لم نَنسَ أنَّ اليهود يومَ سقوط فلسطين خرجوا يهتفون في شوارعها: "محمد مات .. خَلِّف بنات"
ونحن شباب أمة محمد صلى الله عليه وسلم نقول : إن محمداً صلى الله عليه وسلم مات لأن الموت حق على كل البشر، ولكنه خلَّف وراءه رجالا منهم من قتل السادات أكبر عميل لليهود في الشرق الأوسط، وسنكون نحن ان شاء الله الجيل الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سيقاتل اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يامسلم خلفي يهودي تعالَ فاقتله .
واشتعل حماس الأقفاص ودوىَّ الهتاف:
خَيبَر خيبر يايهود .. جيشُ محمد سوف يعود
إن الأقصَى قد نادانا .. من سيُعيد القدس سوانا؟
بينما وقفت صحفية يهودية تنظر بحدة وغيظ صوب الأقفاص وقد بلغت الحسرة منها مبلغا.
لم يكن القاضي قد دخل بعد بينما كانت المخابرات العسكرية تواصل جهودها الفاشلة لنزع اللافتات القماشية،
وانتوت أجهزة الأمن إخراج الاخوة من القاعة لتعقد الجلسة بدونهم،
وكان لابد من استخدام القوة ولم يتسن لهم ذلك في وجود الصحافة العالمية والمصرية،
وعمدوا الى الحيلة .. فقطعوا التيار الكهربائي،
ثم طالبوا الصحفيين والأهالي بإخلاء القاعة ريثما يتم إعادة التيار
وما إن خلت القاعة حتى أصدر احد اللواءات أوامره باخراج الاخوة من الأقفاص بالقوة، وهدد بضرب الرصاص فسخر منه اخواننا الكرام وأسمعوه مايسوءه، وأمر الدكتور عمر الجميع بعدم الخروج من الأقفاص وتمت حماية أبواب الأقفاص،
ودارت معركة سريعة عند باب القفص الأول وفشل الجنود في فتحه بعد أن أصيب أحد الجنود في وجهه أثر ركلة من قدم حسين عباس رحمة الله عليه.
وتم كسر بعض الحواجز بين الأقفاص المتجاورة وعدلت الشرطة العسكرية عن خطتها، وقررت المخابرات الحربية نقل منصة القضاة والنيابة الى قاعة أخرى بالمبنى وكانت مهزلة لامثيل لها،
وحمل الجنود كل شيء حتى الأعلام واللوحات التي كانت معلقة خلف القضاة حملوها وسط سخرية الاخوة منهم.
وأُدخِل الصحفيون الى القاعة الجديدة ليجدوا القضاة بدون متهمين!
وتم النطق بالأحكام!
وفي القاعة الرئيسية كان السكون مخيما لايقطعه الا صوت الدكتور عمر عبد الرحمن يرتل سورة يوسف: ( ياصَاحِبَي السِّجنِ أَأَربَابٌ مُتَفَرِّقونَ خَيرٌ أَمِ اللهُ الواحِدُ القَّهَارُ)
وجاء بعض ضباط الشرطة العسكرية يبكون!
وأعلنوا الأحكام ...
ولَكَم كانت مفاجأتهم عندما لم تهتز لأحد بالأقفاص شعرة واحدة..
واستدار عبد الحميد يسأل د عمر عبد الرحمن: بماذا تنصح من أكرمه الله بالشهادة؟
وتحامل الدكتور عمر على نفسه وهو ينطق بالكلمات وينصحهم بالإكثارمن العبادة والذكر ..
وفُتحَتِ الأقفاص ،
وتعانق الرجال،
للمرة الأخير..
والتفت خالد لاثنين من جنود الحراسة وقال : "بلغوا الناس عنا" وانفجر الاثنان في البكاء واعتنقه أحدهم وراح يقبله ،وانطلقت المصفحات عائدة..
وفي مصفحةٍ واحدة اجتمع د عمر و"خالد" وتكلم الدكتور عمر بكلمات قليلة: "لقد فعلتم مالم يستطعه أحد قبلكم من شباب الحركات الاسلامية"
ثم غلبه البكاء.
وصلت المدرعات الى السجن .. كان هناك حشد ضخم من الجنود والضباط أخذوا المجموعة المحكوم عليها بالاعدام وفصلوها عن الباقين.
كانت آخر كلمات ودَّع بها خالد إخوانه في المدرعة سلامه إلى أخيه وشيخه محمد شوقي وسلام آخر ودعوات لأمه.
والحق أن هذه العائلة لم تنجب فقط خالداً بمثاله الرائع في الشجاعة والتضحية المنقطعة النظير بل كان هناك مثالان آخران لايفوتنا أن نودعهم بكلمات مع وداعنا لخالد.
نموذجان على الطريق
المثال الأول الأخ الأكبر له "محمد" والذي هداه الله للسير في هذه الدعوة قبل خالد بسنوات؛ بل وجعله الله سببا لأن يضع خالد قدمه على الطريق..
وكان قد قُبض عليه في قرارات التحفظ فكان مثالا للصمود وكانت تأتيه الرسائل المُهَربة من السجن الحربي فتمر سرا على الزنازين ليقرأوها فتزيد من ثباتهم وترفع معنوياتهم بل كانت تصل أشعار "أنور عكاشة" والتي كان يقرضها في السجن الحربي لتعبر عن التجربة التي يعيشها المسلمون في ذلك الوقت بحلوها ومرها فكان يقرأها بصوت عال في السجن الذي كان يضم قرابة الألفي رجل.
وكانت تلك الأشعار تقض مضاجع القائميين على السجن ولايعرفون مصدرها..
حتى اذا اقتحموا زنزانته يوما وفتشوها فعثروا على إحدى هذه القاصائد فكانت واقعة نال على أثرها طريحة شديدة من العذاب ولكن ذلك لم يجعله يكف عن ذلك.
ولقد شهده الجميع لما جاء خبر إعدام أخيه خالد وكانت الزنازين في ذلك الوقت تفتح مجموعة مجموعة لبعض الوقت فيما يسمونها "فسحة" .. فاجتمع عدد من الاخوة أمام زنزانته وقد ارتسمت على وجوه بعضهم آثار الحزن بل وسبقت الدموع البعض وأجهش البعض بالبكاء وقد جاءوا يعزونه في فقد أخيه فخرج اليهم والابتسامة مرتسمة على شفتيه وسلم عليهم جميعا وهو فرح أن أكرم الله أخاه بالشهادة.
ووقف الاخوة يصلون صلاة الغائب عليه وتكلم أحدهم في فضل الشهادة ومنزلة الشهيد وبكى الكثير ولكن بسمة محمد لم تغادر شفتيه والاطمئنان لم يغادر وجهه.
كان يدعو كثيرا في صلاته أن يثبت الله أمه التي تأخرت زيارتها له
وجاء يوم الزيارة وخرج محمد وهو يرتب في ذهنه عبارات التثبيت والتصبر التي ينوي أن يستقبل بها الأم الثكلى..
ووسط دهشة الجميع تقبل الأم مندفعة فرحة وتحتضن الأم ولدها الأكبر وتقول له : "مبروك عقبالك " هنا لاتمتلك الألسنة الا الصمت ولايملك القلم إلا التوقف أن يعبر عن تلك المعاني التي يحملها هذا اللقاء.
أما المثال الآخر فهو هذه الأم التي تذكرنا بعزمها وثباتها بنساء الصحابة الأُوَّل؛
فما إن سمعت أن ولدها قد حكم عليه بالاعدام حتى جاءت في اليوم التالي ومعها (تورتة) كبيرة الى السجن لتوزعها على اخوانه فرحا بذلك الحكم.
ولم يُسمح لها يومئذ بالدخول فوزعتها على أهاليهم الذين مُنعوا معها أيضا من الدخول.
ويذهب اليها المحامي وقد جهد أن يقنع خالد بأن يوافقه على كتابة التماس لرئيس الجمهورية لتخفيف الحكم فرفض وحاول أن يقنعها بأن توافق هي على ذلك فقالت له : وما أدراك أنني أريد أن أخفف الحكم على ولدي؟ إنني أتمنى أن يكرمني الله بولد شهيد "
كانت مواقفها مذهلة.
لقد ذهبتْ ليلة التصديق على الحكم إلى المحامي وكان قد اجتمع في بيته عدد كبير من المتابعين للقضية من المحامين وغيرهم وقد توترت أعصابهم بل وبكى بعضهم وهم ليسوا من أقاربه فكانت هي تصبرهم وتدعوهم للثبات...
والحق أن مواقفها العظيمة أكثر من أن تُحصى ولكننا نختم بزيارتها بعد ذلك لولدها محمد وقد اشترت خروفين وذبحتهما ووزعتهما على المسجونين بالاستقبال، ووزعت عليهم الشربات والحلوى أمام بوابة السجن احتفالا بشهادة ولدها واستقبلت ولدها الآخر تدعوله أن يلحق بأخيه شهيداً
فلا عجب أن يخرج من هذه الأم من هذه المدرسة "خالد" و"محمد"
لا عجب أن تنجب هذه الأم مدرسة "خالد" في التضحية والشجاعة والفداء ومدرسة "محمد" في الثبات والصدق.
فسَلامٌ عليهم..
أقدَموا يوم أحْجَم الناس،
وضحَّوا يومَ ضَنَّ الناس،
وثبتوا يومَ تَخاذل الناس،
سَلامٌ عليهم في الشهداء والأبرار
ولانُزَكِّي على اللهِ أحدا

