اليوم السبت ، التاريخ 3 إبريل 2021 ، يوم مميز في التاريخ المصري وربما هو يوم مميز في تاريخ حياتي الشخصية وأنا اتطلع لرؤية مصر القديمة في ثوبها الحديث ، أتطلع لرؤية سيدة العالم كما عرفتها وأدركتها وأمنت بها من خلال صفحات التاريخ .

مصر التي مع الأسف لا يعرف بعض أبنائها الكثير عن ماضيها، ولا يدركون قيمة ومكانة تلك الدولة حتى في التاريخ المعاصر، فهي لا تعدوا بالنسبة للكثيرين سوى بلد من بلدان العالم الثالث ذات حدود أوجدها الأستعمار، ولكم أتألم وأنا من غير ذات جذور مصرية لكنني مصرية الهوية حتى النخاع فأجدني أقول كم مساكين هؤلاء الذين لا يستشعرون عظمة أوطانهم خاصة مصر التي يقف أي زائر أجنبي أمام أثارها ... أهرامها ... معابدها ... حتى المقتنيات الأثرية البسيطة مشدوهاً كأنما أصابة مس من الشيطان ، وربما لو تأمل هؤلاء الذين لم يفكروا يوماً في زيارة أحد المتاحف أو قراءة صفحات التاريخ ، لو أنهم تأملوا ما أخرجته يد الصانع المصري القديم لسألوا أنفسهم ماذا قدم مخترعوا العالم وقد كانت بداية كل أختراع بيد مصرية ، أما الأسباب فهي أسباب عديدة منها أن التاريخ عند البعض مادة ثقيلة على النفس لأنه لم يقدم في المدارس بصورة محببه إلى الأطفال كما لو كانت حكايات جدتي بدلاً من تلك الحكايات العجيبة التي نرويها لأطفالنا عن على بابا اللص سارق اللصوص ... حقاً هو مجرد لص ... او تلك الحكايات عن سندريلا او سنو وايت وهي قصص أجنبية لا تحمل أي قيمة تتوافق مع قيم مجتمعاتنا الشرقية ذات الطبيعة المتدينة أي كان الدين سواء اسلامي او مسيحي فجميعنا يتفق على تقاليد وأعراف واحدة ثم نختلف فقط وقت العبادة .

أما السبب الثاني فهو تسرب البعض من التعليم في بعض قرى الريف والصعيد المصري ، وهناك سبب ثالث وهو نشوء البعض في بلدان خارج مصر من أبناء المصريين العاملين بالخارج، مما جعل الطفل يتشرب تاريخ دول اخرى وثقافات اخرى، وبعض هذه البلدان مع الأسف ينظر بعض أهلها إلى مصر نظرة متدنية، فأنتقلت تلك النظرة لتترسخ في عقول أبنائنا فأصبحوا أجانب مغتربين على أرض مصر حاملين هوية مصرية .

لعل كل هؤلاء اليوم يدركون من هي مصر، ويرون كيف يتطلع العالم لهذا اليوم العظيم الذي يخرج فيه ملوك مصر في موكب مهيب من المتحف المصري بالتحرير إلى متحف الحضارة بمدينة الفسطاط، وهو بُعد أخر أراه يجعل الحضارة الإسلامية تحتضن الحضارة المصرية القديمة لينسجا هوية فريدة العناصر.

اليوم تمضي عقارب الساعة مُسرعة في دورانها مع دوران الكرة الأرضية في إنتظار الغروب الذي تعشقه روحي، ومع لحظات الغروب الذي هو رمز للحياة الأخرة ينطلق موكب المومياوات حاملا جثامين أثنين وعشرين ملك وملكة من ملوك مصر القديمة، الذين كانوا في زمانهم ملئ السمع والبصر ، بل أن كل أسم من هذه الأسماء كان يقف له العالم احترما واجلال ومهابة وترتجف له قلوب الأعداء فاليوم يجتمعون معاً وتجتمع العصور في مسيرة واحدة ، لكن من بين هذه الأسماء أسم تعلقت به كثيراً بل كان هو محور أول كتاب وأول قصة كتبتها يدي انه الملك رمسيس الثاني الذي اشعر امام تماثيله بالعزة والأمان رغم كونه تمثال وأتمنى لو نطق ذلك التمثال ودبت فيه الحياة ليعيد لنا مصر القديمة في ثوب حديث.

    تمر الساعات والدقائق وتأخذ الشمس زاوية ميل باتجاه الغرب وتقترب الساعة من الخامسة مساء ومع دقات الخامسة أمسكت بريموت التليفزيون وجلست أنتقل من قناة إلى أخرى بحثاً عن بدء الموكب ، وبدأت في متابعة أول قناة من قنواتنا الفضائية ، لقد كان الإعلامي المصري يحاور ضيفه عن الحضارة المصرية ، كنت أظنه سيقول حضارة الفراعنة لكنه الان يتوقف عندها قائلاً : "دعونا نصحح المفاهيم ... إنها الحضارة المصرية القديمة وليست حضارة الفراعنة ولعل ضيفي الدكتور في علم الأثار يوافقني الرأي؟"  ليبادر الضيف بتقديم الدليل على صحة هذا المفهوم ، وفي تلك اللحظات مرت بذاكرتي حملات المؤرخ الدكتور بسام الشماع التي أمضى فيها عمره لتصحيح المفاهيم من خلال الندوات واللقاءات التليفزيونية والإذاعية فقلت لعل هذا الإعلامي من محبي الدكتور بسام الشماع ثم أنتقلت إلى قناة فضائية أخرى فوجدت الإعلامية تتحدث مع أحد أستاذة علم الأثار عن حضارة عمرها ألآف السنين ، فظننتها ستتحدث عن حضارة السبعة ألآف سنة، فإذا بها تتوقف لتصحيح المفاهيم وتعرض على الشاشة صورة لأقدم هيكل عظمي على وجه الأرض لإنسان مصري وقد أثبتت فحوص الأشعة أن عمر الهيكل خمسة وثلاثون ألف عام، وهنا يوافقها الضيف أنه لا يجب أن نطلق عليها حضارة السبعة ألآف سنة مؤكداً على صحة المعلومة، فوجدتني أبتسم من سعادتي بمن زرع في أرض جدباء فإذا بها اليوم تؤتي ثمارها ، حقاً لقد استطاعت حملات دكتور بسام الشماع تغيير المفاهيم وتحريك المياه الراكده التى كنت أظنها لن تتحرك ، وهو الأمر الذي يؤكد أن الاإنسان لا يجب عليه أن يمل او يكل من العمل الذي يحبه ويؤمن به ، وفيما يبدوا أنني أيضاً الأن أتحدث بنفس حديث دكتور بسام الشماع الذي يكرره دوما لن نكل ولن نمل فربما كانت العدوى موجودة في الافكار والمفاهيم كما هي موجودة معنا في مواجهة فيروس كورونا ، فقط هناك عدوى نافعة وأخرى ضارة علينا أن نقف في مواجهتها .

أسمع الأن صوت أذان المغرب وأرى الشمس تتوارى خلف زرقة السماء الداكنة معلنة لحظة إنطلاق الموكب ومع كل هذا الاصغاء لصوت إنطلاق الموكب أسمع في أذني صوت دكتور بسام الشماع يقول ألم أقل لكم أعيدوا المومياوات إلى المقابر ... لعله صوت أختار أن يظل حاضرا حتى وإن غاب عن عالمنا بعد حين.

 

 

 

taketnour

طاقة نور بقلم الكاتبة ناني محسن

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 35 مشاهدة
نشرت فى 24 إبريل 2021 بواسطة taketnour

ساحة النقاش

الكاتبة ناني محسن عبد السلام

taketnour
مقالات بقلم الكاتبة ناني محسن عن البطولات المصرية وسبل مواجهة الإحباط واليأس بين الشباب وأفراد المجتمع »

ابحث

عدد زيارات الموقع

201,834

لقاء نموذج مشرف للمرأة المصرية


 Large_1238576940

موقع الكاتبة 
نانى محسن