
قراءة في ديوان " جناحات حديد " للشاعر عبد الله صبري :
فلسفة الشجن والمفارقة والوطن
______________________
يمثّل ديوان " جناحات حديد " للشاعر "عبد الله صبري " المحطة الأولى في عالمه الشعري ، وعلى قدر صغر حجم الديوان ، إلا أنه دال على تجربة جيدة ، فالقصائد تعبر عن مستوى شعري يتخطى عقبات البداية ، وظواهرها التقليدية ( رومانسية مبالغ فيها، بكائيات غير محددة المعالم ، ذاتية غامضة في تعبيراتها ) إلى طرح قضايا فلسفية، بجماليات ساعية إلى تجديد يواكب الرؤى المطروحة .
- عنوان الديوان " جناحات حديد " يمثّل مفارقة في حد ذاتها ، فهو ليس عنوانا لقصيدة من قصائد الديوان ، بل هو عنوان معبر عن دلالة مبتغاة عند تخطي عتبة الديوان ، وأرى أن النصوص نفسها تفسر دلالة العنوان ، فجناحات الحديد توحي بدلالة الصلابة ، متجاوزة جناحات الطيور بما فيها من حياة وروح ، إلى أجنحة مصنوعة من حديد ، تستخدمها الذات الشاعرة في التحليق في كونها وعالمها المحيط ، وبعبارة أوضح ، إنها تريد مزيدا من القوة المادية ، تتوسل بها في مواجهة كون مليء بالتناقضات ، وعالم بشري يموج بالأفكار والأحداث ، تجعل اليقين لا ضفاف له ،ونور الفجر مخنوق في القلوب على حد قول شاعرنا:
زي اليقين المغترب وسط الشكوك
زي احتقان الفجر في حلوق الديوك
بيشِف أخطاء الشوارع
و المشاهد و الظروف
و يتف علي كل الحجارة بدون سبب
المقطع الشعري السابق يعكس رؤية الشاعر الفلسفية ، فالاحتقان واللايقين كلاهما عاكس شافٍ عن أخطاء الشوارع / الناس ، وأيضا يبصق على حجارتها دون سبب. إنها جماليات مطعمة بروح التفلسف ، الناتج عن حيرة ذات متقلبة الفؤاد.
إن هذا التوجه في شعر العامية يجعله مرتقيا إلى دروب الكونية ، مناقشا قضايا فلسفية عليا ، نأى كثير من شعراء العامية عنها ، مفضلين أن يصوغوا نصوصهم في مرتبة بين البين ، أي بين شعر الفصحى ذي الرؤى الفلسفية العميقة، وبين شعر العامية الساعي من الاقتراب من الهم اليومي ، ولاشك أن هناك حالات تشذ من الجانبين . وقد آثرت الذات الشاعرة هنا أن تناقش قضايا وجود الإنسان ، فتلك اللغة المتداولة متخشبة عاجزة عن نقل أحاسيسنا :
كل اللغات مصنوعة من خشب الظروف
متفصلة علي قد عالم ملتوي / تافه / دنيء
يعني الحروف : كوبري التواصل و الحضور و المصلحة
ازاي نعبر عن غيابنا الحر / نبل اللاوجود
و كلامنا أصلا مرتزق قابض لزوم وصف الحياة
إن تخيل اللغة كخشب بما تعنيه الكلمة من جمود ويبوس وبرود، يعكس أزمة – من أزمات رؤى الحداثة الشعرية – التي رأت أن اللغة عاجزة عن التعبير عن مكنونات النفس والفكر، ولابد من مفردات بدلالات جديدة ، تتجاوز اللغة المفصّلة على قدر عالمنا . ونلحظ أن المقطعين الشعريين السابقين على قدر عمقهما ، إلا أنهما ذاتا بنية لغوية معقدة التركيب ، ناتجة عن رؤية مزدحمة مضطربة في نظرتها إلى العالم ، وأيضا إمعان الشاعر في استخدام مفردات وتعبيرات بعيدة عن المألوف الشعري من مثل : يتفّ ، خشب الظروف ، نبل اللاوجود ، وكلامنا أصلا مرتزق قابض .. ، بتراكيب تألفت من المضاف والموصوف والخبر المتعدد . وهذا يقودنا إلى ظاهرة واضحة في شعر عبد الله صبري ألا وهي المفردة الصادمة والتعبيرات المتلاصقة ، التي أرى أنه يجب أن تصفو اللغة الشعرية منها لتكون ذات بنية جمالية واضحة مبتكرة طيعة اللفظ، لا تغرق في تراكم الجماليات ، على ما كان في شعر الحداثة وإنما تنحو إلى صفاء الفكرة والسطر الشعري الرائق .
المفارقة :
وقد جاءت على مستويات ؛ مثل نص المفارقة كما في قصيدته " جريمة " :
الدكتور المستغرب .. خالص
طفل فـ أول ثانية
- قبل ما يصرخ – تفّ عليه !!
تتكرر مفردة " تفّ " تعبيرا عن تأفف القادم إلى عالمنا ، واتساقا مع الرؤية المحورية في الديوان التي ترى العالم شرا وأرقا وحيرة ، ومن هنا تكون مفارقة الميلاد متساوية مع مفارقة العيش في الحياة بجنون ، وفي نص : " أيوه إنت " :
ينفع كده ؟
تفصل ما بيننا بلاد كتير
وأنا وانت شركا في الجريمة نفسها ؛
عشق الحياة
فعلى قدر قصر النص تأتي مفارقة تنائي المكان بين الشريكين في عشق الحياة ، وتتلون المحبة بمعنى الجريمة ألا وهي عشق الحياة ، فلم تعد الرغبة في الوجود مشتركة بين الناس ، وبالتالي لا نستغرب أن يكون عشق الحياة جريمة بين شخصين متنائين .
أما المفارقة الجزئية فتظهر في قوله :
( أنا الذي نظر الأعمى ) إلى وجعي
فـ ما شفافشي إن البدعة
توصيف الجنون
والعادي آخر سقف للمطلق
وورق الشجر لما يتحدى الخريف ..
ما بيشغلوش إن الصمود يبقى استعارة
تأتي المفارقة متمثلة في التناص مع شعرية المتنبي ، وتحوير دلالة البيت من الإعجاب بشعرية المتنبي إلى الدعوة للنظر إلى وجع الذات الشاعرة ، حيث رأت أن العالم يستوي فيه البدعة والجنون ، والعادي والمطلق ، ويصبح الصمود في الحياة صورة خيالية لا قوة واقعية .
الصورة :
الملمح الأبرز في شعرية " صبري " اتكاؤه الواضح على الصورة عامة ، والمبتكرة خاصة ، وما بين الصورة المفردة ، والجزئية ، والكلية ، تتكون البنية الجمالية ، والتي يكمن أن تصدم قارئها بتركيبها أو مفرداتها ، وكما يقول مناديا المحبوبة :
بتمشي في الشارع كده من غير هدوم
ما يبانشي منها إلا صورتي
جوه شنطة قلبها
إنها صورة المفارقة ومفارقة الصورة ؛ السير عريانا ، وإثبات أن الذات غير عابئة بنظرات الناس ، وتأتي صورة " شنظة قلبها " مستفزة لذائقة القارئ ، فصعب أن يشبه القلب بالشنطة ، وإن كان التشبيه يأتي متناسبا مع كون الشنطة موضع الملابس ، وأن القلب موضع صورة الحبيب ، وهذه خصيصة بلاشك في بنية الصورة لديه . يقول :
هي الكواكب مالها زعلانة ؟
غيرانة ولا بنقلب التواريخ
ألمس إيديكِ تكشّر الزهرة
أحضن عينيكِ يعيّط المريخ
هذا المقطع يمثل الصورة الكلية في أوّجها ، حيث ترتفع الذات الشاعرة مساءلة الكواكب ، مؤنسنة إياها ، فتراها في غيرة ، متقلبة في تواريخها ، ويكون الخطاب إلى المحبوبة ، ليجد تكشيرة من كوكب الزهرة ، أو بكاء من المريخ .
التكرار :
تبدو ظاهرة التكرار واضحة في كثير من النصوص ، وتكاد تقتصر على مستوى واحد وهو تكرار اللفظ المفرد ، يقول :
زي الحضور / زي الغياب
زي انقلاب الصمت على زيف الكلام
زيك تمام لما الحقيقة بتغلبك
وترجعك تلميذ بقلب ومريلة
فلفظة " زي " ( مثل ) تأتي مؤكدة للتضاد بين الحضور والغياب ، والصمت والكلام، مؤكدة على مواجهة الذات المتناقضة ، وأيضا متمنية أن تعود الذات إلى براءتها في الطفولة بالمريلة والقلب الصافي .
ويقول أيضا :
داوش دماغ الدنيا بشوية حقوق
حق الرجوع وقت الاختلاف
حق اللجوء للضي في الليل الغميق
حق امتياز الورد على شوك الحياة
حق الطيور في الزقزقة
تكرار لفظة " حق " يأتي بنفس الدلالة المتقدمة ، ويضاف له موقف الشاعر الفكري في صراعه مع حقوق الإنسان وهي موقف فكري فلسفي يعبر عن تصور الشاعر للحريات التي هي جوهر وجود الإنسان ، ونلحظ محافظته على الضدية في السطر الشعري ، وهذا يميّز بلاشك ظاهرة التكرار لديه .
*****
وختاما نؤكد أن عبد الله صبري شاعر يعتمل العالمُ في داخله قلقا ، ويسعى إلى استشفاف الكون والأشياء والناس في ذاته الشعرية ، وهو يقف هنا موقفا يقترب به من جيل الحداثة الشعرية ، الذي انشغل كثيرا ببناء قلاعه ، ونأى عن اليومي والمعيش والجديد والمتشابه والمكرر . وتظل لغته الشعرية في حاجة إلى مزيد من الدربة ، كي تصفو متخلصة من تراكمات الإضافات اللغوية ، التي تحجب أحيانا الرؤية الشعرية وتجعل التلقي منشغلا في اجتزاء الجماليات وإقصائها أملا في الفوز بالرؤية الفلسفية المبطنة .
ولا نملك إلا أن نتأمل تمرد الذات الشاعرة ، وهي تستخدم لغة رائقة معبرة عن تقلبها وعنفوانها في تحدي الحياة ، نرى أنها تعبر عن مرحلة شعرية قادمة، تتبلور فيها رؤى الشاعر وتنضج جماليات ، إنه يقول :
ما اعرفش أكيّف روحي ع الأحداث
واقنع دماغي ان السما زرقا
وان اللي ماشيين في الشوارع ناس
أو إنها بتهمني وفارقة
________________________
بقلم الناقد/ د.مصطفى عطية جمعة
[email protected]
http://www.facebook.com/abosaadkw



ساحة النقاش