الفن التشكيلي

edit

فلسفة الفن .. بين الجمال والابداع الفني

بقلم ... فواد الكنجي

 

علم الجمال او ( الاسطاطيقا )، هو فرع من فروع الفلسفة يقوم على دراسة الحواس او القيم الشعورية .

والجمال ، باعتباره ادراك جماليا لواقع او باعتباره ما يقوم الفنان من خلال اقامة علاقات ترابط بين عدة وقائع ، فهو اذا ،انعطاف من الذات وميل وجداني نحو شيء بعينه ، أنه إحساس التوجه على الشيء الماثل أمام الشخص المدرك وليس( الشي بذاتة ) حيث يقوم الفنان بتنقية ملامحه بعد أن يدرك جوانب الغير المكتملة فيه او الناقصة ليخلق نموذجا معين، وهذا ياتي بعد تنقيته اشكالة واختيار الشكل الاكثر احساسا به، ومن هنا يـفهم الجمال من خلال الأشياء الجميلة بالتجربة المباشرة ، وإدراكنا لجمال الفن ، هو إدراك للقيمة الذي أضفناها نحن الى الأشياء، وهو اساس الابداع في الفن. 
و الجمال كفكره مفهوم غير ثابت يتغيـر حسب الزمان والمكان والبيئة والثقافة ، ويلعب (الابداع ) في الفن دورا أساسيا وهاما في موضوع الجمال ، وأن ما قد يبدو جميلا من هذا الجانب قد يبدو قبيحا من الجانب الآخر ، أي بمعنى عدم وجود قواعد ثابته او معاير معينة لجمال كي يقاس من خلاله الجمال، كما انه لا يوجد قواعد معينة ( للإنتاج الفني) من خلالها يتم اخذ بها لتمام العمل الفني، وعلية فان أي قواعد للانتاج الفني لا يمكن أن تصاغ قبل إتمام العمل الفني ، بل انها تـستنتج منه استنتاجا، وبالحقيقة ان علم الجمال مرتبط ارتباطا وثيقا بفلسفة الفن ، وفلسفة الفن هي فلسفة التي تقوم بدراسة ماهية الفن ، طبيعة الفن ،الفن الجميل ، ما الذي يميز الفنان المبدع عن الفنان العادي، أي نوع من التجربة يعد تذوق فني ، ماهى وظيفة الناقد ....الخ .
والفن بصورة عامة يعرف بأنه ( نشاط تعبيري وانفعالي أو هو بمعنى أدق لغة لتعبير ولتوصيل للانفعالات ) ، فالفن ليس مجرد تعبير وإنما هو توصيل للانفعالات ، كما هو الحال في اللغة ، التي تقدم (الأفكار) فان الفن يقدم (الانفعالات والعواطف) بين أفراد المجتمع بواسطة الفنون المعروفة ، فالفن يساعدنا على الشعور بذواتنا و التعرف على حقيقة مشاعرنا ، فهو أشبه ما يكون بمرآة حقيقية للنفس تنعكس على صفحته كل أهوائنا و عواطفنا وانفعالاتنا و أفكارنا ، و من هنا نفهم بان هناك علاقة وثيقة بين الفن والأخلاق لأن الفنون الجميلة تطهر أهوائنا وتنقي انفعالاتنا وتحقق ضربا من التوافق بين أحاسيسنا و أفكارنا ، أو بين رغباتنا وواجباتنا ، أننا نشعر بالسعادة العميقة إذ رأينا (شيء جميل) لأننا نستشعر توافقا عجيبا، هو الذي ينتزع من نفوسنا كل إحساس بالصراع أو التمزق و كأن الإحساس بالجمال يقترن في نفوسنا بإحساس أخلاقي الذي هو الشعور بالسلم و الطمأنينة أو التوافق النفسي ،ونحن على يقين بان الأعمال الأدبية و الموسيقية ليس من شأنها أن تنظم أهوائنا و تشيع في نفوسنا التناسق و الانتظام فحسب ، بل و تقمع ما في ذاتيتنا من جزئية لكي تحيل الجزئي فينا إلى كلي ، فالأعمال الفنية تهيب بذاتنا أن تخرج من أفقها الضيق المحدد لتقف من العمل الفني موقفا سمحا ملئه الفهم و الوعي و التقدير، اما تذوق الفن فهي الوسيلة التي تسمو بالمتأمل إلى المستوى الجمالي الذي يستطيع عنده أن يدرك كل عناصره ، لإن من شأن العمل الفني أن يفتح أمامنا العالم الإنساني الكلي الذي لا يحده زمان ولا مكان .
ومن هنا ياتي العمل الفني الذي ينطوي وبصورة عامة من عنصرين ( المادة والصورة ) ، بمعنى أنه ليس ثمة مادة في الفكر بدون صورة وليس للصورة أي معنى في ذاتها لأن وظيفتها الاتحاد بالمادة ، والمادة موضوع الحدس الحسي القبلي وليس لنا من حدس سواه وهذا الحدس يتمثل في الزمان والمكان اللذان يجعلان من المدركات الحسية ( ظواهر ) وهي عبارة عن الأشياء وكما تبدو لنا وكما هي في ذاتها ، وان درجة كمال العمل الفي تكمن حينما يتوازن الشكل مع المضمون وبنسق (هارمونك ) ومتى ما تحققت هذه النسبة وهذا النسق في العمل الفني فحينها لا يوصف ذلك العمل الا بكونه جميل والفن الذي يوصف (بالجمال) هو إنتاج حرا كتملت فية اسس الفن في الشكل والمضمون فان كان الجمال ينفذ منه إلى الشكل، فإن الجمال ليس ملتصقا بالحسي بل هو يتجاوزه ، والجميل هو الذي يدفع إلى السرور في حد ذاته ، فالفن لا يمكن أن نسميه فنا جميلا إلا إذا كنا واعين به كفن خلق للحياة الشاملة وإبداع للذات الجمالية الأوسع نطاقا من الذات الطبيعية أو الذات الأخلاقية ، إنها محاولة للارتفاع إلى مستوى الإنسانية وهذا يتم عندما يلتقي الخاص بالعام في لحظة الاستنارة والجزئية التي تلتحم في شمولية الحياة - لا يهم ما إذا كان الفنان قد شاهدها في الحياة أو خلقها بالخيال من خلال تجربة مباشرة أو غير مباشرة - فالفن ليس تسجيلا للواقع أو لجزئيات الواقع، أنه نفاذ لما وراء الواقع ، إنه ينفذ من السطحي إلى الجوهري، ومن المظهر إلى الحقيقة، ومن الجزء الى الكل ، بكون الفنان له طاقة غريزية وأن ثقافته تتسامى بهذه الطاقة، وأنه يسير بعقده النفسية وما قراءه من كتب في مجال اهتماماته، وأنه يهرب إلى أحلام اليقظة والشطح الخيالي ويلجأ إلى اللعب فيرتب على ذلك نموذجا معين يخرجه باسلوب فني ، ومن هنا نستطيع القول بان الفن هو تعبير عما هو مكبوت والهرب إلى الخيال ، فالفن هو الخيال.. والثقافة.. وهموم ..والغريزة ..و العقل .. وهو الحرية ..والتغير ..والسمو ..والفوقية.. وانا ، ولهذا فإن الفنان هو من يتحكم في انتاجه وفق رغباته وغرائزه وهو حين يصوغ انطباعاته أو يشكل أحاسيسه فإنه في الحقيقة إنما يتحرر منها ، فالفنان الذي يخلع على انطباعاته طابعا موضوعيا ، إنما يفصلها عنه لكي يعلو عليها ، و إذا كان للفن وظيفة تطهيرية أو تحريرية فذلك لأنه يمثل نشاطا إيجابيا تتجلى فيه قدرة الفنان على التحرر من أحاسيسه وانطباعاته ، وليست السكينة التي يتمتع بها كبار الفنانين سوى نتيجة لسيطرتهم على الفوضى الداخليه لعواطفهم ، وتحكمهم في الشغب الباطني لأحاسيسهم بحيث تجيء أعمالهم الفنية بمثابة تأكيد خارجي لهذا الانتصار الباطني ، فالفنان الذي يتحرر من أحاسيسه بفضل جهده التعبيري ، لا يقوم بهذا النشاط من أجل الآخرين ، بل يحققه لنفسه أولا وقبل كل شيء ، وهذا الانتاج هو وليدة اللحظة بفعل الحواس وبفعل العقل، لان الفنان عندما يقوم بانتاج عمل ما، فانه يتأمل شكل ومضمون العمل تأملا استطيقيا فينتج فنا ، وهكذا تبدو لنا (الروح) في العمل وكأنها على وفاق مع المضمون وكذلك الصورة مع المادة ، بمعنى أن الصورة هي التي تمنح الحياة لموضوع الفن بعد ان تكون غريزة هي المحرك الاول للفنون و الخط الاساس الذي يحث الفنان بالمباشرة بالقيام بتنفيذ العمل الفني ، ان لحظة الشروع بالعمل تحفزها ( الغريزة) هي المنطلق الأساس للتعبير عن الفن ، ولكن على أساس مبدأ (اللاشعور) فهو يعد اللاشعور مبدأ من المبادئ الفطرية في ذاته ،فالفن هنا سيكون نوع من الواقع الفطري والذي يستولي على الفنان ويجعله أداته ، والفنان هو قبل أي شئ شخصا مزودا بحرية الإرادة يبحث عن غاياته في التعبيرعن مكونات ذاته في العمل الفني و أن (الروح المطلق) هي محوره في فلسفتة الفنية، ذلك أن كل ما في الوجود من ظواهر طبيعية أو مادية أو نظم إنسانية أو فكرية هي في النهاية مظهر من مظاهر تشكلات الروح والتي هي ماتسمى في المدارس الفلسفية ( بالجمال ) ، ومن هنا يعرف الفن ( بأن التجلي المحسوس للفكرة )، والفكرة عند الفنان قد تكون غامضة وقد تكون واضحة فإذا تكاملت بحيث طابقت التصور الخاص بها كانت حقيقية ، اذا ان المثل الأعلى ( للجمال) لا يتحقق بمجرد مطابقة المضمون للشكل ولكن ينبغي أن يكون المضمون نفسه على مستوى عال من السمو والكمال ، ومن هنا فان الفنان حينما يمارس عمله في الانتاج الفني انما هو يفعل ذلك محاولة للهروب من العالم الضيق القائم على بعض المواصفات ولكنه هروب يحتوي على فهم واسع للأشياء، فالفن يساعدنا على رؤية أشكال الأشياء وهو ليس مجرد نسخ لحقيقة جاهزة معدة من ذي قبل ، بل هو سبيل من السبل التي تهدف إلى تكوين نظرة موضوعية إلى الأشياء وهو في النهاية يهدف إلى تقوية الواقع وزيادة شدته ، فهنا تكمل حريته بما يقوم من التنظير العقلي فهو يحول كل الآلام والهياجات وكل ضروب الجور إلى وسيلة لتحرير الذات وبذلك يعطينا حرية داخلية لا نبلغها بطرق أخرى، ولا يرى أن في الفن تعبير وأن هناك تشابها بينه وبين ما يعبر عنه ، كون ما يضع بين أيدينا مجموعة من الصور الوهمية في حين أن الفن يزودنا بنوع جديد من الحقيقة و من طبيعة البناء الفكري (للخيال) ، فالخيال الفني هو إعادة لترتيب المواد وتوزيعها فهو يعمل بالعقل والحواس، لكون الفن عملية بنائية تحتاج إلى هذين العاملين ، أي العقل والحواس، إن العنصر الأساسي الذي يميز ضرب التفكير الفني عند الفنان هو الخيال، والخيال بالنسبة له هو الأداة الأساسية والمفضلة بالنسبة للفنان عند تعبيره عن الواقع، لكن يجب أن نلاحظ أنه إذا كان الخيال يحقق للفنان أصالة منظوره، فإنه يصنع في نفس الوقت بعض الحدود، فبخياله يصل الفنان مباشرة و دون واسطة إلى(علة و ماهية الأشياء) أي أن الخيال يمكنه من ان يغوص في عمق ومعنى الأشياء عبر الصور وأشكال والتمثيل، أي انطلاقا من مبدأ ما أو من تصور عام، يرى الفنان، بفضل الخيال، الأشياء في صورة حسية في واقع فردي ، ومن هذا المنطلق تكون الطريقة التي يتمثل بها الفنان الأشياء دائما أكثر ذاتية .. أكثر فردية ، فهذا الأخير يذهب بأقل سرعة نحو ماهية الشيء بما أنه في حاجة لكي يظهرها لنا في شكل فكرة إلى عمل مفهومي طويل يتضمن عدة وسائط و تكون حقيقة تمثلاته أكثر كونية من تمثلات الفنان، ومن هنا فان (الخلق الفني ) ينشأ عن دور الخيال و عن طبيعة الأشكال التي يفكر فيها والتي ينتجها الخيال، لكن ما يريد الفنان التعبير عنه هو كل ما يتحرك ويتخمر في خاطره، والفنان من خلال هذه الصورة أي (فكرة حركة) تهز أفكار الفنان في داخليته، وإنه في هذه الداخلية (شبه المبهمة ) لذهنه تهتز و تعتمل و تتخمر الأفكار دون أن نستطيع تصور مجيئها، و لا كيف يستطيع الفنان إخراج هذه الحياة الداخلية المشكلة..! ، هو إذن مشكل تمثل الفنان عليه أن يتمثل هذا العالم الداخلي الذي يهزه في نفس الوقت الذي عليه فيه أن يوجد أشكال تمثلها للآخر عبر الأثر الفني، عليه إذن أن يترجم في أشكال حسية الأفكار التي توجد في ذهنه، وهنا بالذات يتدخل خياله، فالفنان اذا هو الذي يجمع بإدراك حاد وحدة الصور والمظاهر الحسية التي يقدمها له الواقع الخارجي، فيخزنها و يمتلكها حتى يستطيع فيما بعد استثمارها ليعطي شكلا لأفكاره الخاصة و هذه القدرة المميزة للفنان تمثل، في نفس الوقت حدا له و مع ذلك فإن هذه الترجمة للفكرة الداخلية في شكل المظاهر الحسية ليس عملا ميكانيكيا بسيطا إنها تفترض عمل الفنان، عمل مطابقة و ملاءمة، بالكيفية التي تجعل الأشكال تطيع وتخضع للهدف، أي التعبير عن الفكرة، فليس الشكل في ذاته ولذاته الذي يحدد الأثر الفني ، إنه العمل الذي بموجبه تجد الفكرة شكلها، و ليس أي شكل بل الشكل المعبر عن الفكرة، فلو اخذنا الاعمال النحتية على سبيل الميثال فان ما يقوم به الفنان في صهر و تشكيل المعادن ، انما يبني العمل بدا في ذهن الفنان ذاته، و يمثّل استباقا للعمل الجمالي واليدوي الذي يعطي الشكل للأثر الفني، فكل أثر فني هو نتيجة عمل يجمع العنصر العقلي (الفكرة ) والشكل الحسي، و الجمال يكمن في قدرة التحكم في الشكل الملائم للفكرة و في خضوع الشكلاني للمفهومي، فليس هناك جمال( استيتيقي) للمفهوم المحض تماما مثلما ليس هناك قيمة جمالية للشكل الفارغ من كل فكرة، لذلك كان على الفنان أن يكون له في نفس الوقت ذهنا ناشطا وحسا عميقا لأن الأثر الفني ينتج عن الجمع بينهما، ومن هنا تكمن أهمية النشاط الذهني والعقلي في الإبداع الفني وهو نشاط لا يؤخذ في كثير من الأحيان، بعين الاعتبار أو على الأقل، لا يقدر حق قدره إذ أننا نميل إلى الحكم على جمالية الآثار الفنية انطلاقا من أشكالها رغم أننا نحكم أيضا على بعض الأعمال بكونها صورية فارغة عندما تخلو من هذا البعد العقلي، ففي الوهلة الأولى فان العمل الفني ليست الفكرة التي يعبر عنها الشكل بل يقتضي حضور الفكر من خلال الشكل دون أن تهمل الفكرة الشكل، أي أن نجاح الأثر الفني ينتج عن التوازن الناتج عن العمل الذهني للفنان بين الشكل والمضمون ، فالفن هو مجموع العمليات الشعورية الفعالة التي يؤثر الإنسان عن طريقها على بيئته الطبيعية لكي يشكلها ويصوغها ويكيفها ، ومعنى خاص يجعل من الفن مجرد استجابة للحاجة إلى المتعة أو اللذة، لذة الحواس ومتعة الخيال ، دون أن يكون للحقيقة أي مدخل في هذه العملية ، باعتبار أن الفن (متعة استطيقية أو لذة جمالية) .
وهنا تكمل حرية الفنان باعتباره هو من يختار شكل عمله ويختار موضوعه ، إنها (الحرية) التي تقود الفن إلى أن ينتج جمالا ذو قيمة وجودية وزمان وجودي والتي تؤلف في النهاية الغاية من الفن إصلاح العالم بتقدمه على ما هو عليه ، فالعمل الفني لا يكون له وجود واقعي خارج الوعي ، إلا بوصفه بنية فيزيقية ، أما باعتباره موضوعا جماليت فإنه لا يكون له وجود واقعي خارج الوعي لأنه في هذه الحالة مقصودا بوصفه صورة متخيلة ، ومن هنا تكمن خبرة الفنان في تشخيص عمله( شكلا ) و( مضمونا) بكونه يربط بين الفن والتجربة فيخلع عليه صفة نفعية ويصبغ على الخبرات الإنسانية بصفة عامة طابعا جماليا ، فليس هناك فاصلاً في نظره بين الخبرة الجمالية وخبراتنا اليومية فلكل فرد تجربته الجمالية ذات اللون الخاص بشرط أن تجيء متناسقة متسقة ومشبعة وباعثة على الرضا أو اللذة لما يصاحبها من تفاعل حيوي ، بكون إن الإدراك الحسي المتسامي إلى درجة النشوة أو إن شئت فقل التقدير الجمالي لهو في طبيعته كأي تلذذ آخر نتذوق بمقتضاه أي موضوع عادي من موضوعات الحياة اليومية وهذا لا يتم الا وفق ارادة وقوة (التعبير) ، 
فان عملية الإبداع الفني تتم تلقئيا والفنان ذاته لا يعلم كيف يرتقي عملة الى و لا يستطيع تفسير ما يقوم به، فهو كالأداة في يد قوة غير مفهومة تقوده، دون وعي منه في عمله الإبداعي فالفنان حينما يفكر بالانتاج عمل ما ، فالفكرة ( اية فكرة ) يمكن تمثلها بطرق مختلفة فان وجود فكر يعني وجود تفكير، وهو عمل ثقافي ومفهومي، إلا أن التفكير الفلسفي للفنان يأخذ الفكر المحض كموضوع، لكن هذا لا يعني أن الفنان يبقى في التجريد المحض ولكن يعني أن تفكيره ليس ترجمة مباشرة أو إعادة إنتاج للواقع، فأن نفكر فلسفيا هو أن نفكر بالكيفية التي تجعلنا نجد تدريجيا محتوى التفكير عبر أنماط وسائط و مراحل وسطية تثري الفكر وتوضح الفكرة ، والفنان من هذا المنطلق هو الذي يظهر لنا الفكرة في شكل ما، وهذا الشكل هو الشكل الفلسفي الاستدلالي ذلك ان الريشة والألوان،أدوات للرسام ، هي أداة الفنان التشكيلي ، فالفكرة يمكن أن تقدم في أنماط مختلفة باختلاف ضروب الفكر الذي ينتجها ويظهرها، ففي حين أن فكرة ( السلام ) يقدمها الفنان في شكل رمزي (حمامة بيضاء)، مثل ما هو الشأن مع( بيكاسو) على سبيل اليثال وليس الحصر ، فإنها تتخذ من الخطاب الفلسفي شكلا نظريا و مفهوميا في تناقضها مع فكرة الحرب، وهي توحي بالردود الانفعالية الوجدانية إزاء العمل الفني تأتي من العلاقة الثنائية بين الفنان وما يتمخض عنه العمل الفني من تعبير ومعنى الذي سوف يستوحيه المتلقي، بكون هناك علاقة متأصلة بين الشكل والأساس الغريزي للنفس كونها هي التي خلقته، إن حقيقة العمل الفني لا تكمن فيما يروى لنا من وقائع وانما تكمن في الطريقة التي تروى لنا بها تلك الوقائع من خلال شعور الفنان بأن لا يمكن أن يكون للواقع معنى ما لم ينظم في نطاق ما، إذ يقع على الفنان مهمة اكتشاف ذلك العالم من خلال وسائل استطيقية وفي مقدمتها وسيلة التعبير ، إن التعبير الذي ينطوي عليه العمل الفني قد يكون أعسر عناصره قابليته للتحليل ، فإن ما يبوح به العمل الفني ليس بالمعنى العقلي الذي يمكن فهمه وتأويله ، وإنما هو دلالة وجدانية تدرك بطريقة حدسية فإذا كان النشاط الذهني ضروريا للإبداع الفني ، ولكن قبل ذلك يجب ن نفهم بان الفن ليس عملا عقليا محضا، و لكن الفنان هو دائما مفكر يستعمل عقله وفكره ليختار الأشكال التي يعبر بها عن أفكاره ، والفنان الذي لا يتحكم في موضوعه و يترك نفسه لقوة إلهام خلاق لا يستطيع أن يصيب هدفه، وحتى عندما يترك في الظاهر القواعد الكلاسيكية والصورية للخلق الإنشائي يبقى الفنان سيد الأشكال التي يفرضها على الفكر، فاي عمل فني لا تكتمل صيغة المثلى له ما لم يرتكز فيه من الأساس الشكلي للعمل ، وهكذا يختلف المضمون والشكل باختلاف مضامين الفكر وتوجهات الفنان ورؤيته وصيغة الاشكال البناء التي تعمل على إيجاد تحاور بين الأسس التي تعمل على إبراز ماهية العمل الفني فلا موضوع دون شكل، ولا شكل دون خطوط وألوان، ولا فهم دون تعبير ، وإنما يتأتى ذلك خلال المخيلة ومدى إدراك الذات لمفهوم الموضوع التي تبناه وتعبر عنه ، ومن هنا تصبح العلاقة بين هذه الرموز علاقة جدلية نابعة من التنوع في المفاهيم والعلاقات وصولاً إلى وحدة متأصلة ذات دلالات تعبيرية وهي التي تمثل جوهر العمل الفني وابداعه الفلسفي .

 

 

 

كاندنسكي والفن التجريدي معطيات أفرزته الحداثة

 

                        فواد الكنجي 

 

كل حركة جديدة في تاريخ الفكر الإنساني إنما هي صيرورة تعبر عن الأسلوب المعاصر لفكر ذلك العصر؛ وتعطي ملامح جديدة لهوية الإنسان، وكل مفهوم يستحدث يفرز التباس مفاهيمي بما ينطوي من تعقيد وغموض لتشعب ارتباطه المعرفي بحقول أخرى وبتعدد مدلولاته وإبعاده ومواقفه من الوجود ومن القيم الإنسانية ومن مستويات المعرفة الأخرى؛  العلمية والفلسفية والأدبية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهذه الإشكاليات تبرز حينما يتم ما هو مستحدث وحديث بالتداخل فيما بين هذه المستويات .

فكل حركة من الإبداع الحديث إنما غايته هو تطوير أساليب التفكير باتجاه الحياة والوجود والأشياء المادية وتغيره بالعمل والسلوك بما يترتب عنها من تحولات دينامكية في مستوياتها البنيوية، وما تحولات البنيوية التي حدثت في أوربا نهاية القرن التاسع عشر حيث الثورة العلمية والصناعية والتقنية التي تخطت منظومة الإنتاج ليتمخض عنها قيام إيديولوجية رأسمالية واشتراكية والتي تمخض عنهما أيضا قيام نهضة فكرية واجتماعية وسياسية؛ وهو ما وسع دائرة الاعتراف بإمكانيات الإنسان وقدراته الذهنية في تعزيز حقوقه وواجباته في دوائر المجتمع والأفراد،  وهذه التغيرات المجتمعية التي شهدها العالم خلال الحقبة الماضية؛  ما هي إلا نموذجا لسير مجريات الحياة نحو (الحداثة) لتقرأ مقومات (الحداثة) وفق السياق التاريخي لتطور الإحداث، وفي مجمل هذه التراكمات ومن التفاعلات والتغيرات المجتمعية حققت طفرة في تطور الفكر الإنساني على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا (الاستحداث) لمنظومة الحياة كان بمثابة نقلة نوعية لم يستثنى منها أي جانب من جوانب الحياة لا المادية ولا الروحية فكان - ونحن بصدد الفن -  انعطافا لتغير كل أنماط (الفن التقليدية) لان (الحداثة) شكلت قطيعة ليس مع أساليب الفن المتبعة في السابق بل حتى مع التراث والماضي؛ لا تمردا عنه بل لاحتوائه وتكويره وإدماجه وتحويره بأساليب متجددة بأنماط حديثة،  فنمط الصراع الفكري والفلسفي الذي ظل قائم بين (الشكل) و(الموضوع) وبين (العقل) و(الدين) وبين (المثالية) و(المادية) وبين (الوجود) و(العدم)، والتي على ضوء هذه الجدليات بنيت مدارس ومذاهب فكرية في العصر الحديث كـ( الرمزية) و(الوحشية) و(التكعيبية) و(التجريدية) و(الدادائية) و(السريالية) و(المستقبلية) و(العبثية) و(الوجودية)، التي لم تكن إلا وجها لتعبير عن أزمة الإنسان في العصر الحديث وإحساسه بالاغتراب والتمرد؛  ليمضي قدما بتمجيد (الجسد) وإعطاء كل إشكال التمرد على أساليب التعبير والقيم المألوفة في الإنتاج الفني،  ولم يتوقف البناء الفني عند هذا الحد بل تجاوز إلى الشكل الداخلي للنص؛ كما تم في بناء أسس الحركة (التجريدية) التي ركزت على (الشكل) بمقدار ما يستحوذ (الشكل) على مظهره الجمالي دون مبالاة بـ(المضمون)، ليستحوذ (الشكل) على كل الاعتبارات على مستوى العلاقات؛ لأن المظهر الفني الذي تتبدى فيه اللوحة؛ هو كل شي منذ البداية وحتى النهاية، وهو الذي يرسم لها وجها (جماليا)؛ وهو بتالي يساهم في إكمال وإعطاء الوجه الشمولي لبناء اللوحة (جماليا)، و(الشكل) كما تنطلق الحركة (التجريدية) يساهم في ربط العلاقات بين المظهر والجوهر ليعطي لها تناغم وتفاعلا (جماليا) لبناء اللوحة؛ بما يقدمه (الشكل) من مؤثرات على مستوى عمل اللوحة وأسلوب الفنان الذي يقدمه عبر ابتكار إشكالها وتطويعه لاستكمال مضمونها، ليكون (الشكل) هو المستحوذ عليها لإظهارها (جماليا)، لان المتلقي أول ما يقف في مواجهة اللوحة يوقفه (شكلها)  باعتباره مظهرها المحسوس؛ فدور (الشكل) في اللوحة (التجريدية) يكمن بفعاليته في احتواء (المضمون)؛ و(المضمون) تكمن فعاليته في احتواء (الشكل)، وبين تلاحم فيما بين (الموضوع) و(الشكل) تكتمل اللوحة (جماليا) بعد إن يكون (الشكل) قد بعث رسالته للمتلقي بالنشوة التي يحسها وهو يتأمل مضامينها فيها، لان لا قيمة (للموضوع) إذ لم يستطع (الشكل) التعبير عنه بشكل أخاذ، ولقيمة (الشكل) وأهميته في العمل؛ كان انطلاق الحركة (التجريدية) منه؛ وأعطت كل إمكانياتها التقنية والإبداعية لهذا الجانب، لان (الانبهار) و(الدهشة) و(اللذة) و(المفاجئة) التي يشعر المتلقي للوحة المقدمة لا يأتي إلا من خلال (الشكل)؛ فكل أسس البناء للوحة كاملة البناء لا يترشح عنها قيمة (الجمال) إلا من خلال مستويات شكلها أو مظهرها الخارجي بكل تفاصيله ومكوناته، ولهذا فإننا أمام لوحات الفن (التجريدي) نلتمس هذا الإبداعي التقني بـ(الشكل) بما يشاع من مناخ جمالي ليدهشنا بروعتها؛ وحينها لا يمكن إلا إن نقول عنا بأنها في غاية (الروعة)؛ وحين يصل مستوى تقيمنا لها هذه الدرجة، وهو لا يأتي إلا من خلال (الانبهار)، واللوحة التي تثير في المتلقي هذا (الانبهار) تصل مستوياتها بأعلى درجات التقييم (جماليا)؛ بغض النظر عن (الغموض) الذي يشاع منها، لان جل اعتماد الفن (التجريدي) يكون على (الشكل)؛  و(الشكل) في الفن (التجريدي) ليس له معالم تفهم بصريا لأنها بلا حدود وليس لها معالم واضحة تميزها؛ بقدر ما تترك (للخيال) فرصته للغوص في أعماقها، لان فن (التجريد) يبحث بكل ما هو مطلق وعام؛ ولا يقتصر معالمه بالجزء أو الكل، وهو يبتعد عن أي حدود للفكر والأدب؛ بقدر ما يتجه اتجاها (موسيقيا) رغبة من مبدعيه في تحويل (الفن) إلى إيقاع (موسيقي) ليس إلا؛  فكما إن حدود فن (الموسيقى) هو إيقاع شكلي ومجرد، كذلك وسعوا التجريديين بناء فن (التجريد)على أسس الرسم (الشكلي) بإيقاع اللون والإشكال الهندسية ومستقيمات صاعدة وهابطة وألوان كثيفة وباهته وبسيطة ومعقدة، وهذا الاتجاه الذي تبناه الفنان التجريدي (كاندنسكي) وهو من مؤسس الحركة (التجريدية) كان بمثابة إعلان بكون فن الرسم (التجريدي) و(الموسيقى) منبع للغة واحدة، وهي لغة (التجريد)، وهي (لغة) لا تشخص ولا تحاكي أي شيء؛ فهي شيء بذاتها، ولهذا فان قراءة لغة فن (التجريد) تكون قراءة تشخيصية ذاتية.

ومن هنا نشخص الفن (التجريدي) باعتباره فن مجرد من أي مرئيات أو تشخيص أو مشابهة في الإشكال الواقعية أو الطبيعية، والفن (التجريدي)، هو فن الذي يقوم الفنان باختزال الأفكار معبرا عنها بتشكيلات الألوان صعودا ونزولا في تدريجاتها وإضاءتها ومساحاتها دون توضيح ملامح لأي شكل من أشكال الطبيعة والموجودات بهذه الخطوط بقدر ما يعتمد الفنان على (الخيال) في رسم أشكال اللوحة المتخيلة أو التي يتخيلها من أشكال الواقع أو من (الخيال)، وبمسحة خياله يجرد منها أي تشابه أو ارتباط في شكلها الحقيقي؛ بقدر ما يعطي ملامح ضبابية لشكلها الأول لتظهر بشكل جديد، بمعنى إن الفنان (التجريدي) يقوم بإعادة كل ما هو محيط بواقعه بصياغة فنية وبرؤية جديدة يعبر عن ما هو في دواخله وأحاسيسه وخياله بالألوان ودرجاتها وتدريجاتها وحركاتها وضربات الفرشاة لتعبير عن الحالة النفسية للفنان باستخدام درجات اللون ومساحتها في اللوحة، فكل لون وزاويته ودرجته الضوئية يحمل تعبيرا معين بما يحمل من معاني عديدة، وفي (التجريد) كثيرا ما تأخذ الإشكال الهندسية من الدوائر والمستقيمات وتعرجاته والمثلثات والمستطيلات معاني في طريقة تشكيلها في اللوحة؛ سواء بتراكمها مع بعضها أو بتعرجاتها أو استطالتها أو بتداخلاتها أو بتفريقها؛ لتشكل هذه الإيقاعات سلما موسيقيا بتعبيرات ودلالات بصرية، ومن خلال هذه المعطيات فان الفنانون التجريديين أعطوا لـ(لشكل) أهمية أكثر من (الموضوع)، باعتبار إن الفن (التجريدي) هو مجرد فن التأليف الشكلي لا يعالج أي موضوع، ولهذا أطلق علية (فن اللاهدف)،  وتحت الفن (التجريدي) صنف بعض الحركات الفنية التي ظهرت في بدايات القرن العشرين ومنها (التعبيرية) و(التكعيبية) و(المستقبلية) .

فالنقطة الرئيسة في الفن (التجريدي) هي بحوثه لمعرفة جوهر الأشياء؛ ليتم التعبير عنها عبر أشكال مختزلة إلى أقصى درجات الاختزال لتحمل اكبر قدر من التعبير؛ تحمل في تكويناتها كل الخبرات الفنية التي تثير في دواخل و وجدان الفنان و خلجاته ومشاعره وأحاسيسه، ولهذا فان الفنان (التجريدي) يخرج عن قواعد الرسم الواقعي من اجل إتاحة لمشاعره لتعبر عبر أشكال التي يضن الفنان بأنها تعبر عن مكنونات خياله فيفرط في تشويه إشكال الواقع لدرجة التي تبدوا (اللوحة) عبارة عن مساحات متشابكة من خطوط وإشكال هندسية ليس لها أي صورة من الواقعية بقدر ما تبدوا الصورة بشكلها الفوضوي المنسق بالألوان؛ ليس فيها أي قواعد لرسم الحقيقي للأشكال؛ بقدر ما يوحي كل شكل من أشكالها بمعاني متعددة حسب ما يفهمها المتلقي، والأشكال في الفن (التجريدي) ليست أشكال ساكنة ؛ بل أشكال متحركة بفعل ضربات الفرشاة وخطوط وتدريجات اللون بما تحدثه بتأثير الضوء من حركة داخل اللوحة .

ومن هنا فان تجريد الطبيعة من أشكالها الحقيقية الطبيعية؛ هو منطلق هذه الحركة، (حركة التجريد) التي فتح أفاقها الفنان (فاسيلي كاندنسكي 1866 – 1944 ) الذي يعتبر من أوائل مؤسسي (الحركة التجريدية) في الفن التشكيلي ومن ابرز روادها، وقد انساق منذ نعومة أظافره نحو مفاهيم المعاصرة؛ وهذا ما دفعه إلى البحث والابتكار كل ما هو جديد؛ مؤمنا بان حتمية الوجود (الفن التشكيلي) في الساحة الثقافية والإبداعية لا بد وان يواكب الاتجاهات المعاصرة؛ وان يفرض وجوده بقوالب جديدة غير النمطية التي كانت عائق نحو تحرر (الفن) من الأساليب التقليدية باتجاه التعبير الحر والمنطلق من أعماق الذات وصولا إلى جوهر الأشياء. ولما كانت غاية (الفن) هو في قيمته الجمالية في (الشكل) و(المحتوى) فقد اهتم الفنان (كاندنسكي) في حركته (التجريدية) بـ(الشكل) أكثر من (المضمون)؛ باعتبار إن (الشكل) قادر بما يحتوي من رموز تعبيرية وبما يمكن تأويل خطوطه وألوانه إلى شتى تفاسير؛ ومن الممكن إن تفسر وفق رؤية وثقافة المتلقي للوصول إلى (المضمون) الذي يعتقد بأنه اقرب إلى التعبير عن خلجات نفسه - أي نفس المتلقي - باعتبار (الشكل) له وقع وتأثير فعال في دواخل الروح، ولهذا لجئ (كاندنسكي) إلى تحويل (الأشكال) التي تثير نوازعه الداخلية إلى خطوط وسطوح وأشكال هندسية واختزال مساحاتها عبر النقاط وألوان وعبر تكثيف وتقليل إيقاعها الضوئي بحثا عن التعبير وصولا إلى الجوهر،  فعمل وفق هذا النمط إلى تجريد أشكال الطبيعة والتقليل من عناصرها التفصيلية وصياغتها بشكل جديد عبر الخطوط والأشكال الهندسية، من مربعات ومستطيلات ودوائر وخطوط مستقيمة أو منحنية ومسطحاتها؛ لإبقاء الإيحاء موجودا ومتمثلا فيها لتعبير عن معانيها الطبيعية، وقد نجح (كاندنسكي) في بث الروح في هذه الخطوط المستقيمة والمنحنية بعد إن أعطى بتنسيق لوني مرتب ومتدرج وبألوان معينة وترتيبها وفق نظام نفسي معين، وقد تكون لوحته التي رسمها عام 1914 م  المعنونة بـ(تكوين) خير مثال عن ذلك .

 وفق هذا المفهوم ابتكر (كاندنسكي) فن (التجريد) بأسلوب وابتكار جديد حطم كل القوالب الفن القديم بحرفية موضوعية ولكن بعيدا عن أي فوضوية وعبثية في الرسم بقدر ما يتم التعامل مع كل خطوط وألوان اللوحة بشكل احترافي وبعقلانية صارمة وبتنسيق عالي الدقة في تنفيذ عمل اللوحة (اللا موضوعية)، فكان تركيزه على فكرة اللوحة ينطلق من خلال العقل الواعي ومتجها لتحقيق هدف مقصود، ولهذا كان (كاندنسكي) قبل تنفيذ العمل يخطط ويضع مخططات وتكوينات العمل بعناية فائقة؛ فالكثير من هذه التكوينات كان يبتكرها وأخرى كانت تأتي إليه من وحي خياله عن طريق (اللاوعي)، ففي كل عمل كان ينفذه كان يغوص خلف ما يراه؛ ليركز على عنصر الروحي الموجود في باطنه، ولذا فان (كاندنسكي) كان شديد تأثير بالأفكار (الصوفية)، اثر مكوثه لفترة أكثر عام واحد في بلاد (تونس) العربية؛ وهناك اختلط بالفرق (الصوفية) وعرف الشيء الكثير عنهم وعن الطرق (الصوفية) وأشعارهم وأساليبهم التصوفية، فعمل على الجمع بين (التصوف) و(الفن)، ليخلق نظاما شعريا تجريدي مفعمة بالمشاعر والأحاسيس وبالعواطف الداخلية؛ والتي هي أيضا عبر عنها بـ(تجريد) بعيدا عن أي التشخيص، و وفق هذا المنظور أسس حركة فنية (تجريدية) بمعطيات معاصرة شكلا ومضمونا؛ منطلقا في تحديد غايته من ابتكار (الفن التجريدي) هو تصوير إدراكنا بالنفس وليس بتصوير الأشياء كما هي،  بل رسم النفس البشرية في أعماق مشاعرها، ومن هذا المنطلق ابتكر (كاندنسكي) لغة جديدة في الفن التشكيلي المعاصر تخاطب المتلقي بجماليتها الشكلية تعبر عن ماهية (الأشياء) بدلالات (رمزية) و وفق رؤية فلسفية لطبيعة هذه الأشياء وعبر تأملات (صوفية) مستفيضة واستشراقية من أعماق الروح، ليكون منجز العمل في (الفن التجريدي) عند (كاندنسكي) حسب أسلوبه يمر عبر ثلاثة مراحل:

الأولى، يحول اللون إلى إشارة صوتية مع إبقاء أوجه العلاقة مع الأشياء الواقع المتخذة منه في التشابه، ويسميها بمرحلة (الانطباعات).

الثانية، الاعتماد على الشعور الداخلي في تنسيق حركة وبناء اللوحة بتجسيد الإشكال بعيد عن الواقع، ويسميها بمرحلة (الارتجالات).

الثالثة،  وهي مرحلة التكون الجمالي؛ حيث تقوم العاطفة والأحاسيس والمشاعر الثائرة في عوالم الشعور الباطني بتحويل الخطوط والألوان والأشكال إلى موسيقى تعبيرية، ويسميها بمرحلة (التكوينات).

ومن هذه المنطلقات يكون (الفن التجريدي) عند (كاندنسكي) باعتباره (خيال) يخلق من (اللون) رؤيا باتجاه العالم؛  بعد إن يتم إعادة صياغة الطبيعة والواقع برؤية فلسفية تفلسف كل ما يحدث من توترات نفسية داخلية وفق رؤيتها لتخلق منها لحظات الإحساس بـ(الجمال) لتخفيف من توترات الروح باعتماد على الاحتمالات التأويلية؛ بما يتم انجازه في خلق شعور بالانسجام الروحي والعاطفي داخل عمله، ومن هنا فهو يربط بين الصورتين؛ أي بين صورة العالم (الروحي) وصورة العالم (المرئي)؛ وعبر تجريد الصور يخلق (كاندنسكي) عالما (موسيقيا) بتداخل الخطوط والإشكال الهندسية المجردة وبتناسق لوني دقيق بغية (التعبير التجريدي) الذي عمل (كاندنسكي) إلى ابتكاره وتوسيع أفاقه بكل الاتجاهات الإبداعية؛ ليكون هو رائدا ومبدعا لهذا الأسلوب، أي الأسلوب (التعبيرية التجريدية)، فبعد إن كانت انطلاقته الأولى في عالم (فن التشكيل) متأثرا بأسلوب (الفن لتكعيبي) وقد شغف منذ البدا في تغير قوالب إشكال الطبيعية عبر أسلوب ( التكعيبيين) وذلك بإضافة لمسات مستمدة من إحساسه بما يريد التعبير عنه، بمعنى انه أضاف لبناء الهندسي (التكعيبي ) المشخص بإشكالها الهندسية لصور المنقولة من الطبيعة بعدا ذهني غير مشخص؛ ليكون هذا المحور نقلة جديدة ومبتكرة في أسلوب (كاندنسكي)، ليبني على ضوءه أسلوب (التعبيرية التجريدية) مبتعدا عن النقل من الطبيعة التي كانت بمثابة (الموضوع) ليستغني عنها بإشكال (تجريدية) بكامل بناءها الذهني؛ لينقل من خلالها أحساسة ومشاعره وكل ما يريد التعبير عن دواخله بهذا التجريد المبهم الذي يختلف دلالاته من متلقي إلى أخر .

 ان عبقرية (كاندنسكي) في (الفن التجريدي) تكونت نتيجة تأثير دراساته الفكرية والعملية في مجال الفكر والفن والتصوير، فهو أكمل دراساته في علوم السياسية والقانون والاقتصاد في (موسكو) حيث ولاداته، وكان لتفوقه في الجامعة يمهد له الطريق ليعمل أستاذا في الجامعة بعد حصوله لقب بروفسور؛ ولكن حبه للفن جعله يذهب إلى (ألمانيا) لتكملة مشواره الفني حيث التحق في (ميونخ) في أكاديمية الفنون الجميلة؛ وهناك درس (فن التصوير) للفترة ما بين عام 1889 و 1896 ، وخلال هذه الفترة قام (كاندنسكي) برحلات في شتى دول أوربا وشمال إفريقيا وتحديدا في بلاد (تونس)، وهناك تأثرا تأثيرا بالغا بالمذاهب (الصوفية) العربية -  ما ذكرنا سابقا - التي كانت لها تأثيرا واضحا في إعماله، وخلال رحلاته تعرف على كبار المبدعين في عالم الفن، ففي (ألمانيا) كان لقاءه مع الفنان ( بول كلي) و(مالفيتش) حيث وضعوا اللبنات الأولى للفن (التجريدي المعاصر) وعلى أسس فكرية وإبداعية قوية؛ ومن خلال هذه المدرسة انتشر فن (التجريد) في جميع إنحاء أوربا، وقد أقام أول عرض لإعماله سنة 1902 في معرض منفصل؛ وكانت إعمال نحت على الخشب وقد اعتمد (كاندنسكي) على تبسيط الشيء إلى أقصى درجات التبسيط وبالاختزال الكثير من معالم الشيء الذي يريد رسمه، فرسم بواسطة طباعة الخشب الكثير من الأعمال (الكرافيك) والتصاميم على شكل خطوط، وفي عام 1910 رسم أول لوحة تجريدية تحمل عنوان (تجريد)، ومع حلول العام 1911 وبعدها أسس (كاندنسكي) وصديقه (فرانتس مارك) حركة تشكيلية جديدة عرفت بجماعة (الفارس الأزرق)، بعدها أقام معرضا في (باريس)، وبين (ألمانيا) و(فرنسا) ركز (كاندنسكي) نشاطه الفني ليعيش بعد عام 1939 في (فرنسا) لغاية 1944 حيث توفي هناك .

وفي غمار أنشطته الفنية في مختلف دول أوربا وحبه لتجديد اخذ موقعه المتميز ضمن المبدعين الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ الفن الحديث بما قدمه من بحوث ودراسات في أساليب الفن الحديث، حيث كان له الفضل الأكبر في تأسيس (فن التجريد) وخاصة في مجال (التجريد التعبيري) ليس في (روسيا) فحسب بل في (ألمانيا) و(فرنسا)، فبرزت تجربته (التجريدية) التي سعت في تغير (الشكل الواقعي) الذي كان مهيمنا على الفن منذ حقبة الفن (الكلاسيكي) و(الباروك) و(الرومنتيكية)، وتركيز على المضمون الداخلي من اجل الوصول إلى جوهر الأشياء، فاهتم في أيطار (الشكل) على (اللون) في إظهار إشكال الواقع من خلال تفسيرات الباطنية للفنان عبر (الخيال)؛ ولهذا يعتبر أسلوبه أسلوب (اللا صوري) و(اللاموضوعي)، بمعنى إن لوحاته هي مجردة من (الإشكال الواقعية) وليس لها (موضوع)؛ بقدر ما تعبر عن عالم (الخيال) والدوافع الداخلة للإنسان؛ من حيث المشاعر والإحساسات الباطنية والنفسية للإنسان؛ مقتربا أسلوبه (التجريدي التعبيري) في عالم (الرسم التشكيلي) إلى درجة كبيرة بعالم (الموسيقى) الذي ليس له (شكل) ولا (موضوع) بقدر ما تعبر النظم النغمية عن المشاعر والأحاسيس الفنان والإنسان،  بمعنى إن (كاندنسكي) من خلال بحوثه ودراساته أراد إن يحرر (الفن) من القواعد الأكاديمية والتركيز عن التعبيرات الغير المقيدة بالنظام ومنطلقة بحرية من خلال عوالم الفنان الداخلية، وهذه التعبيرات الداخلية للفنان تأتي نتيجة ما يوقعه (العالم الخارجي) من تأثيرات في نفسية الفنان؛ ويأخذ عنها انطباعا معين؛ وهذا (الانطباع) هو الذي يعكسه الفنان في لوحاته عبر (تجريد الإشكال) والتعبير بدلا عنها بـ(الألوان)، والتعبير في كثير من الأحيان يكن تعبيرا تلقائيا حرا واللا شعوريا ينبع من الداخل؛ إي من العالم الباطني (الروحي) للفنان، حيث تتم في دواخل أحاسيس ومشاعر الفنان معالجة بناء اللوحة بتعبيرات متأثرة في نفسية الفنان عبر أسلوب تلقائي حر؛  ولكن لان (التجريد التعبيري) ليس فنا عبثيا بل فنا منضبطا بإيقاع تناغمي، لذلك يتدخل (العقل) و(الوعي) الفنان في تركيب الألوان والمجسمات الهندسية وتجريد إشكال الواقع من ملامحها التشخيصية لكي تظهر بدون أية تشخيص بقدر ما تركز بانسجام الخطوط وتنسيق منحنياته بأقصى درجات التنسيق عقلانية و وعيا من قبل الفنان لإظهار المشاعر والأحاسيس والعواطف وبأسلوب الذي يفصح عن قناعات الفنان.

 وهذه القناعات  عند (كاندنسكي) أو عند (مارك) و الآخرين من الفنانين التجريديين انطلقت نتيجة تأثيرات التي أفرزته الثورة الصناعية و وقائع وتحولات العالم والاكتشافات العلمية وعن الكثير من المشاكل التي انطلقت من خلال نقد للبنية المادية للعالم في تلك الفترة، وما توصلت إليه التيارات الفنية الحديثة إزاء تفكك القيم  وضياع الإنسان و(تشيؤه) في آليات الصناعة وانحلال الحاصل في المجتمعات؛ كل ذلك انعكاس في تساؤلات الفنانين التي طرحت حول (الوجود) وانعكست في أعمالهم آنذاك، وهذا ما قاد الفنانين لإعادة بناء العالم وفق رؤيتهم الفنية بعد إن تلامس (الإحباط النفسي) نفوسهم فتقوقعوا في داخلها ليتم للمبدعين من خلال دواخلهم الباطنية البحث عن متنفس داخلي للإبقاء التواصل مع الروح الإنسانية و مشاعرها، ومن هناك تم إعادة البناء حركة (التجريد) بالعودة إلى الحياة الباطنية لدرجة التي استمدت إعمالهم (التجريدية التعبيرية) بعيدا عن الطبيعة والتي ليس لها أي دلالة في أعمالهم؛ بقدر ما تم تجريد اشكالها لتعكس وضعا من أوضاع الإنسانية، وهكذا وجدوا متنفسا لتحرير (الفن) من القوالب الجاهزة التقليدية الأكاديمية عبر الذاتية في التعبير عن الإشكال والألوان، وهذا ما جعلت لوحاتهم بطابعها (التجريدي) معقدة في قراءتها، لان (كاندنسكي) استعان بالتعبير (الرمزي) في الرسم، وهذه الاستعانة كانت بمثابة الهروب نحو مجال فكري طرح نفسه لمواجه تحولات الحاصلة في العالم عبر أشكال (تجريدية) لها قوة إيحائية على التعبير الداخلي وقادرة على الوصول عبر اللون وإشكال هندسية لا تكون لمجرد تزين هندسي بل لخلق نظام لتعبير الداخلي برموز متحررة من أطرها الخارجية؛ لتكون هذه المسلمات من المفاهيم الحركة (التجريدية التعبيرية) التي قادها (كاندنسكي) والتي اعتبرت بمثابة  إعادة ترتيب أوراق الإنسان وعلاقته بالطبيعة  من خلال (الفهم المادي للتاريخ) والتي تبنى تحليلاتها وفق طبيعة الاقتصادية لتشكيلات الاجتماعية؛ و وفق تأثير كل من البناء الفوقي والتحتي على بعضهما البعض، والتي من خلالهما تحدد طبيعة التطور للمجتمعات البشرية، فلما كان البناء التحتي المتمثل بقوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، الأولى تكون في حالة مستمرة من التطور بينما تكون الثانية في عالة تناقض مع الأولى لحين إن تأخذ لنفسها أنماط تتوافق مع الأولى ومتى تم ذلك تدخل القوى الاقتصادية الاجتماعية مرحلة أخرى من التطور، فان البناء الفوقي والذي يشمل معاير القيم ونظم التربية الأخلاق والثقافة والفن والى أخره من مكونات البنية الفوقية، يدخل مع البنية التحتية في صراع؛ لتصبح البنية الفوقية أسيرة ما يحصل من تغيرات في البنية التحتية بما يجعلها إن تفكر في تغير أنماط الحياة بما تتوافق مع تطورات المرحلة، ووفق هذا السياق لـ(لمادية التاريخية) كان تأثيره على معطيات (الفن) باعتباره ضمن البني الفوقية التي حدد مسارها وتأثيراته على ضوء ما أحدثه (الثورة الصناعية) وما أفرزته من سلوكيات في بنية التطورات المفاهيم للمجتمعات البشرية؛ وهذا ما جعل الفنانين والمبدعين والأدباء في عصر (الثورة الصناعية) يفكروا في كيفية تجديد مفاهيمهم وفق معطيات العصر والحداثة والتي انبثقت نتيجة رؤيتهم بما أفرزته (الثورة الصناعية) من تغيرات مجتمعية في العالم، وهذا ما قادهم في إعادة التفكير في كيفية تعاملهم مع الطبيعة والظواهر والأشياء المادية التي لم تعد الرؤية السابقة تلاءم في تحليلها وتفسيراتها لهذه المكونات بقدر ما أحسستهم بحالة من الضياع والتشتت والابتعاد عن قيم الروح ومشاعر الإنسانية، لان التوجه (المادي) قاد المجتمعات إلى (التشيؤ) والضياع ليصبحوا (متشيئين) في أجزاء من (المادة) التي تصنعها المصانع أو التي يقومون هم بصناعتها؛ و وفق معطيات (المادة) و(الإرباح) التي سيطرة على حركة الإنسان في الحياة، وهذا ما أوقع حالة من (الإحباط النفسي) في نفوس المبدعين والمفكرين؛ فاتجهوا إلى (الاختزال) و(الخيال) و(الرمزية) لتعبير عن ما يحسونه من حالة الضياع والتغير الحاصل في المجتمعات، فكانت حركة (التجريد) واحدة من الحركات الفنية التي افرزه هذا الواقع ضمن حركة (الوحشية) و(التكعيبية) و(الدادية) و(السريالية)؛ لتكون شاهد ومعبرا عن طبيعة المشاكل التي كان الإنسان يعانيها في ظل المفهوم الاجتماعي في التشكيل الصناعي والاقتصادي والتغير الحاصل في نظام الحياة والمشاكل التي أصبح الإنسان يعانيها في ظل (التشيؤ) بهذه المعطيات والتي أثرت على سلوك الإنسان وأفعال وممارسات الإفراد في هذه المرحلة منذ بداية القرن العشرين والى يومنا هذا .

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 61 مشاهدة
نشرت فى 13 يناير 2019 بواسطة nargal

مفهوم الفن وفلسفة الإبداع عند الفنان التشكيلي

 

                                             فواد الكنجي


<!--

لما كان (الفن) يرتبط بوجود (الفنان) الذي يكون قادرا على خلق العمل الفني، وهو الأمر الذي لا يأتي دون وجود تكافؤ بين ما ينتج وبين ما يحس او يشعر به، ومن هنا يمكننا ان نقول بان الفن هو حالة من التعبير عن الشعور  بخلاف ما يكون الموقف مع (الإنسان العادي) الذي حين ينظر الى شيء( ما ) إنما ينظر إليه بتجرد كشيء ماثل أمامه، بينما يكون الأمر مختلفا كليا عند( الفنان ) الذي ينظر إلى الأشياء عبر إسقاطات نفسية وشعورية تأتي إليه كرد فعل لانعكاس لحالة ( ما ) ينفعل بها وتقربه من (الشيء ذاته)، وعبر خياله يأخذ من هذا (الشيء) مصدرا لبناء أفكار جديدة ينتجه في العمل، وهذا ما لا يحدث للأخر الذي وقف عند الشيء ذاته كمرحلة زمنية ومكانية تمضي بعد اللحظة التالية .

 ومن هذه الاستنتاجات نصل إلى نتيجة مفادها  بأنه لا يمكن حصر (مفهوم الفن) بأطر محددة طالما ان هنالك تفاوت في تفاعل الشعور وفي مديات الوجدان وتأثيرها في النفس بين فنان وأخر او بين المتلقي والأخر ، وإذ أمعنا الدراسة في الفكر الفلسفي لمفهوم الفن، فإننا لا نجد في المطلق مفهوما او تعريفا متفق عليه للفن، حيث نجد بان هناك تعاريف متنوعة ومختلفة بل ومتناقضة، فكل باحث له وجهة نظرا معينة ، فالفيلسوف (أرسطو) يعرف الفن "بأنه يصنع ما عجزت الطبيعة عن تحقيقه" ، و (عمانوئيل كانط) يعرف الفن " باعتباره متعة خالصة"، أما (هيكل ) فيعرف الفن "باعتباره  مملكة الرائع" ، أما ( شيللر) فيقول "الفن مملكة الوهم الجميل"، أما (فرويد ) فيقول "بان الفن  هو فعل لنتيجة الغريزة لا العقل"، و(كوتشيه) يقول "الفن حدس"، أما (كاسبرز)  فيعرف الفن بكونه "هو الذي يساعدنا على رؤية أشكال الأشياء وهو ليس مجرد نسخ لحقيقة"،   أما (جورج لوكاتش (فيعرف  الفن بأنه "هو خلق للحياة الشاملة وإبداع للذات الجمالية الأوسع نطاقا من الذات الطبيعية أو الذات الأخلاقية"، ويعرف (جون ديوي ) الفن بقوله" الفن خبرة" ، أما (نيتشيه) فيعرف الفن باعتباره"هو النشاط الميتافيزيقي و  الميتافيزيقا، قائمة على مبدأ الذاتية، من يبدع في الفن ليس الفنان، بل هو الحياة نفسها"، والى....الخ، وكل هذا التناقض بين هذا وذاك يأتي لان العمل الفني شكلا ومضمونا  لا يمكن ربطه في زمن ومكان ثابت ومحدد بكونه صيرورة تتفاعل في الوجدان وفي مشاركة الانفعال ويختلف هذا تأثير ليس من شخص وأخر فحسب بل من زمن وأخر، وفق حالة النفسية التي يكون ( المتلقي) بها في الزمان والمكان ما ، والتي ترفع مستوى الحس الجمالي لديه وقد لا يوقع فيه أي تأثير او انفعال وهذا يعود إلى مستوى الوعي عنده و  الذي قد يراه مبهما وغامضا وغير مفهوم ، ويعود ذلك بعدم وجود لغة تتعاطف بينهما أي بين اللوحة والمتلقي، لذلك تختلف مستويات التقبل و معاير التقييم في العمل بين هذا المتلقي والأخر، ومن هنا فان تقبل او النفور من العمل الفني لن يكون معيار لتقيم الفن، لان (الفن) لا يعرف شيء اسمه (جميل) او (قبيح) لان (القبيح) عند شخص( ما) قد لا يكون (قبيحا) عند (الأخر) ويتقبله ، فهنا سيكون في الفن (القبيح، جميلا) و(الجميل، قبيحا ) وهكذا.. لأننا لو عدنا إلى (الفنان) ذاته عندما يحاول التعبير فهو يستخدم قيما تشكيلية معينه لينفذ عمله بمشاعر و انطباعات وأحاسيس وجماليات معينة أيضا و حسب رويته، وليس مطلوب منه ( أي الفنان ) أن يشرح دوافعه لتنفيذ هذا العمل او ذلك، بل على المتلقي أن يبحث في العمل وان يتحرى بما يستطيع استخلاص ما يؤثر فيه ،  بكون الفنان التشكيلي يمتلك كل أدوات الفنية للعمل التي تجعل منها (لوحة) تتضمن على مفاهيم السحر والجمال التي تخلق منها عملا فنيا يقف الإنسان العادي أمامها منبهرا لمستوى الفكر الذي جعلها على هذا النحو الراقي من حيث الجمالية والتي يعود أمرها بما عبر الرسام، وبما ملك من ذوق رفيع جعلها بهذا المستوى من الجمالية والروعة، لان فلسفة الفن عند الفنان تقوم على سمو الفكر وتوظيف الأفكار لصالح روية جمالية  يستمتع المتلقي لها بما يجعله يقول ان هذا العمل لرائع  وجميل ومستواها الفني عالي ، الأمر الذي لا يأتي ما لم يكمن في العمل الفني توافق و تكامل بين الشكل والمضمون ، وهما سر نجاح لأية ( لوحة ) متقنة لإبعادها الفنية .

فالفنان لا ينفذ عمله الفني دون أن يتأثر ويتفاعل مع حدث او موضوع (ما) تأثيرا  فكريا ونفسيا. فـ(رؤية الفنان) تأتي عبر الفكر والشعور. تحب .. وتختار.. و تكره .. وتفاضل . هذه الرؤية التي تثري  بـ(الخيال) الذي يمكن لها  إمكانات الحذف.. و الهدم .. و البناء .. و الإضافة.. وإعادة التشكيل ، وهذا لا يأتي للفنان  دون التركيز على (الذاكرة) و (الخبرة ) المكتسبة من خلال التفاعل و التجربة، بكون الفنان لا يصوِر العالم الموضوعي كما (هو) وإنما كما( يراه هو) ، ويشعر به، ويتأثر بها بمعنى أوسع للعالم، ومن هنا يمكن ان نصف (الخيال) باعتباره رؤية في العالم الظاهري وليس خارج العالم الظاهري .

لإن النشاط الفني هو نشاط فكري عن الإدراك المباشر لحقيقة (ما ) موجودة حولنا إما بالمخيلة وإما بالذهن وبحالة مجزئة او كلية، أي أن المعرفة فنية تعبر عن حالة خاصة في الذات الفنان، لأن (الفن) هو تعبير عن شعور، او التكافؤ الكامل بين العاطفة التي يحسها الفنان وبين الصورة التي يعبر بها عن هذه العاطفة ، كما قلنا ، أي التكافؤ في التعبير بين الشكل والموضوع ، ومن هنا يكون( مفهوم الفن ) مفهوما متجددا على الدوام ، ولا نهاية لمفهومه ، وفي كل زمان ومكان سيكون للفن مفهومه الخاص، لان الفن هو  الرؤيا.. والتأمل.. والتخيل.. والخيال ..والتمثل .. والتصور، وما إلى ذلك، فتلك جميعها، مرادفات، تتردد باستمرار حين نتحدث عن الفن، وتنهض بالفكر الى مفهوم يختلف باختلاف زاوية الرؤية ومشاعرنا ، بكون العملية الفنية تخضع لعامل الزمن و المكان والتغير والانفعال وخاصة عندما يحاول الفنان نقل تلك (اللحظة) إلى القماش عبر موشور الفكر.. والخبرة .. و المهارة.. و الأسلوب والتعبير.

فالإبداع في الفن يكمن حينما يتمكن الفنان من (التعبير) عن رؤيته الخاصة لموضوعه، فيعكس فيها تجربته الخاصة وخياله و أسلوبه لينصهر ذلك كله في عمل الإبداعي، باعتبار أن المادة .. والشكل.. والتعبير، يعتمد كل منهم على الآخر، فليس لواحد منها وجود بمعزل عن الآخر، والمضمون التعبيري لأي عمل لا يكـون على ما هو عليه إلا عبر عناصر الشكل.. والموضوع، وهى العناصر التي يؤدى تجمعها إلى تكوين العمل الفني فجميع عناصر العمل الفني تتضافر معا لتعبر عن مغزى أو معنى معين، فاختيار الشكل للموضوع لا يأتي إلا من خلال  التعبير، ولا يمكن أن يأتي التعبير بعيد عن الشكل والموضوع او الفكرة المنطوية تحته،  و هنا تكمن سر الإبداع الذي لا يمكن تفسيره كما لا يمكن تحديد ( مفهوم للفن ) كما أن  الإبداعي غير قابل للتكرار، فلو تتبعنا التفاصيل والدقائق واللحظات المرافقة لبناء العمل الفني وتشكيله وما عايشه ويعيشه الفنان في تلك الأثناء، سيكمن لنا مدى صعوبة حصر العوامل والمؤثرات الفاعلة في العمل الذي يتغير في كل لحظة من لحظات تنفيذ العمل، لأن الفنان عندما يشرع في الرسم وتنفيذ العمل إنما يكون في واقع الأمر مسلحا بخبراته السابقة في الملاحظة والروية ومشحونا بالانفعال، وفى نفس الوقت مستحضرا جميع خبراته السابقة من المواد والأشكال، إنها لحظة التي تكون كل العملية الفنية ماثلة في ذهنه، وعندما يبدأ التنفيذ لا يكون على وعى تام بالتفاصـيل الخاصة بالمادة والصورة، وطريق التعبير ، وإنما يتشكل داخله موقف يجمع كل ما يتصل بالفكرة التي أحفزته ليباشر بعملية تنفيذها الإبداعي جملة وتفصيل، فنراه على الدوام يغير في الإشكال والألوان وفق منظور التعبير و الإحساس والانفعالات وعبر خبرته التي تنظم عملية بناء العمل، فيقوم الانفعال بالتعبير عبر عملية خلاقة في الانتقاء والاختيار، والتفضيل. فـ(الانفعال) ترافق (الخبرة الفنية )التي توجهها في عملية اختيار المواد والأشكال و تجميعها لحين ان يشعر الفنان بان العمل يوازي بما في دواخله، او بمعنى أخر، بان ما قام به قد أفرخ كل شحناته الداخلية، بمعنى ان الشكل يوازي مضمون الذي أراد أفراخ شحناته من دواخله وهكذا تخرج اللوحة او العمل الفني  الى الوجود وفق معيار الفنان ذاته حيث يكتمل العمل .

 

المراجع و المصادر 

1- ريد ، هربرت ، معنى الفن، ترجمة سامي خشبة ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، 1986 . 

2- فيشر ، ارنست ، ضرورة الفن ، ترجمة   د.. ميشار سليمان، دار الحقيقة، بيروت.

3- إبراهيم ، زكريا ، مشكلة الفن ، دار مصر للطباعة ، القاهرة  1977 .  

4 -  سانتاينا ، جورج ، الإحساس بالجمال، تخطيط لنظرية في علم الجمال، ترجمة، محمد مصطفى بدوي، مراجعة د.. زكي نجيب محمود، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.

5- مطر ، أميرة حلمي ، في فلسفة الجمال من أفلاطون إلى سارتر ، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة  1974 .

6- رتليمي ، جان ، بحث في علم الجمال ، ترجمة د/ أنور عبد العزيز،  مطبعة دار نهضة مصر ، ط1 القاهرة  1970. 

7- مجاهد ، مجاهد عبد المنعم ، فلسفة الفن الجميل ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 1997 . 

8- اسماعيل ، عز الدين ، الأسس الجمالية في النقد العربي عرض وتفسير ومقارنة ، دار الفكر العربي ،الطبعة الثالثة  1974 .

 

9- توفيق ، سعيد ، الخبرة الجمالية ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ،ط1، بيروت، 1992 . 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 47 مشاهدة
نشرت فى 14 فبراير 2015 بواسطة nargal

     أسلوب النحت عند الفنان فواد الكنجي

 

                               

                         المقال منشور عام 1980 بعنوان( أسلوب النحت عند الفنان فواد الكنجي) بقلم جنان فالح

 

 يتنوع أسلوب الفنان فواد الكنجي في النحت بتنوع المادة المستخدمة (الخامات ) ليحقق ما يبغي بناءه في العمل عبر قدراته المعرفية في عالم الفنون التشكيلية من  الخلق والتصميم والابتكار  و تأثره بالتماثيل والجداريات النحتية  لحضارة الأشورية القديمة في وادي الرافدين  المليئة بالقوة والحياة  والرشاقة والضخامة ، باعتباره ابن لحضارتها.

 فهو ينحت على خامة الخشب والنحاس وينفذ بعض أعماله بخامة الجبس والكونكريت  بكون هذه الخامات منتشرة في العراق و سهلة تجهيزها وأعدادها للعمل ، كما تتميز بسهولة نقلها مقارنة بالخامات الأخرى كالأحجار الجيرية أو الرخامية،  ورغم ان النحات (فواد الكنجي ) عرف كفنان تشكيلي له بصمته في الفن التشكيلي العراقي من خلال أربعة   معارض تشكيلية أقامها في كبرى قاعات العرض في المتحف الوطني للفن الحديث  وقاعة الرشيد في بغداد ، الا انه مارس فن النحت وقدم أعمالا نحتية - رغم قلتها - الا أنها كانت نوعية.

 ففي المعرض الشخصي الأول الذي أقامه عام 1980 والذي تشرف افتتاحه الأستاذ الكبير (حقي الشبلي ) رئيس نقابة الفنانين العراقيين ، الذي أشاد بإعمال الكنجي المقدمة في المعرض من ضمنها إعماله النحتية مبديا إعجابه الشديد بطرية النحت وبإشكالها  التعبيرية.

  وقدم الفنان (فواد الكنجي) مجموعة تجاوزت على عشرين عملا نحتيا على الخشب  والنحاس وقد أتت تلك الإعمال التعبيرية المبدعة بأشكالها المتميزة في الشكل والمحتوى .

 وبالإضافة الى أعماله المحفورة على الخشب و النحاس، فقد نفذ أعمال ضخمة من التماثيل بالجبس والكونكريت.

 فالنحت عند( فواد الكنجي ) يأتي كوسيلة من وسائل  التعبير، وكإحدى أنواع الفنون البصرية التي تحتمل التوليف الكتلي من خلال طرح الرؤى والمواقف الفكرية والحدسية ، وقد تعددت مدارس  وتقنيات صياغة اعماله الذي أتاح للنحات ( الكنجي ) مساحة من الحرية المطلقة للتعبير بعيدا عن أي قوانين ضابطة، سوى التجربة الشخصية للفنان والتراكمات المخزونة في الفكر والخيال، فهو كما نرى إعماله النحتية، يتعامل مع مفاهيم الكتلة والفراغ و السطح والملمس الخارجي ليكون العمل على الضوء ذلك امتدادا لانعكاساته وتوتراته الذاتية مع الكتلة وعلاقتها بالفراغ .

فالكنجي، في النحت يقوم  بالحفر على المادة الصلبة او التشكيل بالمادة اللينة او التركيب والبناء او الإنشاء والصب، ليخرج الكتلة النحتية بإبعادها الثلاثة، أي انه  يعالج الكتلة من جميع زواياها لتأخذ حيزا محاطا بالفضاء من كل الزوايا يمكن لمسها والدوران حولها ، لتعطي للمتلقي لها، مشهدا خاصا ومتميزا من كل زاوية من زوايا النظر باتجاه التمثال  وهو يركز على كل زاوية لتمثال لكي يحاكي المتلقي عبر زاويته بإشكال مختلفة وحسب تلك الزاوية، وهذا لا يأتي دون إدراك كامل، ودراية بفن الهندسة الثلاثية الإبعاد ، كونه حينما يبني  او ينفذ عمله النحتي يمارس على دوام إثناء العمل (الحذف والإضافة) وهي طريقة في النحت تعتمد على حذف بعض الأجزاء من الكتلة والإبقاء على أجزاء أخرى او إضافة بناء جديد على الموضوع المنفذ  للوصول الى الشكل المطلوب جماليا ، وذلك بحفر السطوح الخارجية للمادة الصلبة سواء  أ كان حجرا أم خشبا،  فيباشر بالنحت والبناء التمثال كمجسم كاملة عبر طريقة الحفر  والتركيب المباشر (بناءا وتغيرا ) لحين ان يتم تنفيذ التمثال او المنحوت بالشكل البارز تلبية لتجسيد الفكرة على المادة المستعملة التي هنا أي ( مادة العمل الفني) تفرض وجودها وصفاتها على العمل من حيث التماسك والترابط والتشذيب والتبسيط .. ويقول( فواد الكنجي ) في هذا الصدد:

" ... بأنه في بعض أعمالي الخشبية استمد الموضوع فيها من شكل الخشب ذاته، ومن ثم أقوم  بالتحوير والحذف من هذا الجانب او من ذاك،  وهنا يجب الإدراك  بان لكل نحات أسلوب  خاص بطريقة الحفر والبناء ، التي هي مقومات  للتمكين من تشكيل وحداته بما يتفق مع نوع الخشب او المعدن لتعرف على طراز القطع المطلوب ووضع تصميمات لحفرها٬ كما يجب ملائمة التصميم للغرض المطلوب من حيث التشكيل.
ومن المعلوم ان طريقة الحفر على المادة الصلبة تتطلب معرفة مسبقة بطبيعة المادة المستعملة من حيث الصلابة والتماسك ، بكونها تساعدني لتحديد الموضوع الذي يناسب كل مادة وصفاتها وتمكنني من التصرف بسطح الخامة كما أريد.

  اما في مادة الجبس فالأمر يختلف كليا بكون الفنان هو الذي يبد أولا بوضع دعائم قوية كمرتكز لتثبيت النصب وتمكينه تحمل المنحنيات الموجودة في التمثال اذ وجدت، وذلك بتشكيل الهيكل  للمجسم عبر المعادن الصلبة كالحديد او الدائن السهلة التركيب والمصنوعة من الحديد و الرصاص، وبعد تصميم وتركيب الهيكل  نبدأ البناء  بالجبس او الاسمنت وهناك اليوم أنواع كثيرة من الجبس تختلف نوعيتها في الفترة الزمنية الذي تحتاج اليه لتجف او  لتتصلب ، وتختلف أيضا في قدر تمددها بعد الجفاف او تقلصها، ويمتاز الجبس او الاسمنت  بتماسكها وقوتها عندما تجف وإنها ذات مسامات كافية تؤهلها لامتصاص الماء بسهولة و تقاوم الظروف الجوية.

فالنحت المجسم لابد بادئ ذي بدا  وضع الخطوط العريضة للشكل النهائي للمجسم ، وهنا لابد للنحات المعرفة في كيفية  استخدام فن الهندسة من أجل قياس الأبعاد الثلاثية للموضوع ، ويتم استخدام فن التشكيلي من أجل التنبؤ بالشكل والطابع التشكيلي للمجسم بكون فن النحت  يرتبط ارتباطا وثيقا بالفن التشكيلي، حيث أن النحات يستخدم فن الرسم من أجل توضيح الرؤية فهو يقوم برسم وتخطيط التمثال على الورق من خلال كل الاتجاهات او الزوايا الأربع، وهذا التكوين الذي ينفذه النحات على الورق يعد أهم نقطة قبل الشروع في العمل لأنه يتم فيه دراسة الإبعاد والقياسات الكاملة لتمثال وزوايا الميلان و قاعدة الاستقرار لتثبيت التمثال وكل تلك ملاحظات هي مقومات مهمة قبل ان   يتم تنفيذ العمل والتدرج نحو اكتمال المجسم دون أخطاء و إعادة الصياغة وانهيار التمثال لنعود لبنائه مجددا .

لان في عالم النحت هناك  أمرين يجب مراعاتها وهي، الحجم الطبيعي للمجسم و درجة ميلان وثقله  وثانيا التغيرات التي يبرزها الفنان  فيه كرموز لفكرة التي يريد التعبير عنها في تصغير الأبعاد  او تكبيرها او إضافة مجسمات تعبيرية ،  وبناء تفاصيل بما يناسب وهيكل التمثال...".

فمنحوتات فواد الكنجي هي أكثر تعبيرا وإيحاءا   للمقومات التي ركز فيها ،  فيتلقاها المتلقي بكل انبهار لأنها على قدر كبير من دقة الشكل والتعبير والتي يحاول( الكنجي ) إيحاء بها لإثبات وجودها وارتباطها بالذات المتلقي .

فالقدرة  النحات الكنجي على إعطاء العمل الفني ملمسا حسيا  ناعما في وقت الذي لا يبدو هذا الجهد سهلا بكون  ثمة معاناة يتكبدها النحات في عمل النحت، بحد ذاته، لحين ان يظهر المنحوت بالشكل الذي هو عليه  جماليا وفكريا وهذا يتطلب منه عملية خلاقة تتمثل في التوظيف الرؤية  بين الشكل والمحتوى في أعمال النحتية.

فالإتقان والأسلوب الإيحاء لفكرة المعبرة في المنحوتات أمكنا (فواد الكنجي) في تبلور مجسمات ذات سمات شرقية في مشهده التعبيري تغذت من خيال و الرؤية الفكرية والجمالية معا-  ولعلى النحت الذي إماما في الصورة المرفقة عبر مراحل بناء التمثال بالموضوع ( المرأة السقاية) - يعطي صورة واضحة للمرأة الشرقية الفلاحة التي تحمل جرة لتسقي المزروعات، فرؤيتنا لهذا النحت البارز يلهمنا بروعة الصياغة والنحت وبالجمالية الشكل والموضوع لدرجة التي يوحي العمل بأنك إمام امرأة حقيقية تسقي المزروعات وسط طبيعة خلابة ، بكون الفنان اختار مكان التنفيذ وسط طبيعة تلاءم مع مضمون الذي أراد الفنان تجسيده فيها لتستشف لنا  مرجعيات تلك المنحوتات هو نزوعها نحو شكل متجدد مرتكزة بتوظيف الأفكار مع ألإشكال البصرية وبيان خطابها و استنطاقها  بمهارة نحتية حديثة لم تخضع لاعتبارات التقليد، بل أظهرت توازن تام بين المفهوم الجمالي للشكل وموضوعها الذي لم يلغي متعة إشارة الى التعبير او الفكرة ولهذا ظلت ألمنحوتاته نموذجية بالتوافقية بين الشكل النحتي وغايته  وبين تقنياته النحتية وقيمته التعبيرية .. وقدرته الرمزية التي ترافق كل أعماله بإيحائه شفافة لإبراز قضية الإنسان كمحمول دلالي ، يعكس طبيعته الوجودية والروحية عبر مواضيعه في النحت التعبيري الذي يواكب الرؤية المرتبطة بواقع والتي أمكنته الخبرة الى التحرر من تبعيتها الشكلية والتي  يمكن أن نسميها بالتحول الشكلي والتعبيري التي اعتمدها في تكوين النحت تعلوه رؤية جمالية خالصة وعلى هذا الأساس تظهر منحوتات (فواد الكنجي) وكأنها تؤسس لخليط متجانس من الرؤى التعبيرية  والرمزية ويعود ذلك  في بلورة الأفكار بين التأمل الخيالي  والواقع  الذي يستند إليها والتي لن تكون بمعزل عن تأثيرات البيئة والذاتية،  لكن طبيعية أعماله تجمع تحت هدف واحد الغاية منه هي الإنسان الذي يركز التعبير عنه بهمومه وتجلياته الروحية والموضوعية  المرتبطة بقيمة الوجود،  وعلينا هنا  أن نشير في هذا السياق إلى  ان رهافة وحساسية إعماله النحتية  قد أتت نتيجة بناء تعاضد بين الفكرة والجمالية الشكل ومعطيات التعبير، ليعطينا خطا واضح المعالم لانقيادها نحو التكامل الأعمال، ومن خلال هذا الفهم يمكن أن نعد تلك الأعمال ذات أسس وقواعد تتعدد فيها المضامين .

 

نعم لقد تنوعت إشكال ومضامين منحوتات والتماثيل ( فواد الكنجي ) كونها تخضع من حيث المعيارية إلى بواعث ذاتية وفي نفس الوقت موضوعية تتحكم فيها الصياغات جذابة تتبلور فيها فكرة تمثيل الحداثة كما جاءت في أعماله التي نحتها على الخشب او النحاس ، وهنا علينا أن نعي إلى أن مثل هكذا تجارب تعي التزامها الفكري والجمالي معا ، لان غايتها أن تعكس واقعا مؤثرا لها قدر كبير من الإثارة  عند المتلقي ، ولهذا تبدو موضوعاته ببساطة الفكرة، ولكنها في وقت ذاته تتحرك فيها المفاهيم الدلالية التي تتوق إلى منابع الحرية والتي تستمد منها تنظيمها فنيا،  شكلا ودلالة ، ومن ثم تبدو التعبيرية وقواعدها وانسيابيتها هي المحصلة التالية التي يروم الكشف عنها في كل إعماله النحتية والتماثيل التي أقامه  معتمدا على قواعد شاعرية في الحركة وفي التكوين عند الفنان المبدع  فواد الكنجي . 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 34 مشاهدة
نشرت فى 10 فبراير 2015 بواسطة nargal

فواد الكنجي

nargal
موقع ثقافي يهتم بنشر الفلسفة وفنون الاداب من النقد والشعر والفن التشكيلي »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,609