منذ أن تغير مفهوم القراءة من كونها غاية يسعى الفرد إلى إتقانها وأدائها بشكل سليم، إلى كونها وسيلة وطريقة؛ أصبح الفرد يقرأ ليتعلم، بعد أن كان يتعلم ليقرأ؛ ولهذا ازداد الاهتمام بالفهم، باعتباره ثمرةً من ثمارها، ومهارةً من مهاراتها، ولذا جاءت المقولة الشهيرة: أنا أقرأ، أنا أفكر.
فالقراءة المثمرة هي التي تقوم على إدراك مضمون النص وفهمه؛ لأن الإدراك والفهم يقودان إلى التفاعل مع النص المقروء، وبالتالي إبداء الرأي والنقد، فكلما ازداد مستوى الفهم والإدراك؛ ازدادت درجة التعقد في العمليات العقلية، وبالتالي وصل الإنسان إلى أرقى صوره وأرفع درجاته؛ لأنه استخدم عقله ووظفه بشكل يناسب مكانته ودوره في الحياة.
وقد كثرت الآراء والدراسات التي ربطت بين القراءة والفهم، وجعلت منهما شرطين لتحقق القراءة الجيدة، فيرى " محمد لطفي" (1957) أن القراءة التي لا تقوم علي الإدراك تفقد قيمتها، وتصبح عملية آلية لا تنقل إلى صاحبها أفكار الكاتب ومعانيه وآراءه، كما أنها تخلو من الدافعية إلى الإقبال عليها، وجعلها وسيلة للتحصيل والمتعة الفكرية؛ لذا فإن الفهم يعين القاريء على الإدراك الصحيح لما يتضمنه النص المقروء من معان ظاهرة وخفية.
ويعرف الفهم القرائي قاموسيا بأنه: القدرة على فهم ما يقرؤه الفرد بصمت أو بصوت عال. ( كمال دسوقي: 1988، 436)
وعرف " سامي عبد الله" (1975: 52) الفهم القرائي بأنه: عملية التعرف على الرموز أو المواد المكتوبة، ثم تشكيلها مع بعضها في شكل مندمج، وتفسيرها إلى معانيها في عمليات عقلية معقدة.
وعرفه "هاريس" Harris,1985: 444) ( بأنه: التفسير ذو المعنى للغة المكتوبة، وهو نتاج التفاعل بين إدراك الفرد للرموز التي تمثل اللغة، والمهارات اللغوية، والمهارات المعرفية، ومعرفة العالم.
وعرفه " ميرهاسني وتوسي" Mirhassani & Tossi, 2000: 302) ( بأنه عملية بنائية من خلالها يتعلم القاريء استخلاص المعنى من تركيبات الكلمات في السياق، ويستخدم المعلومات الصريحة والضمنية في النص لفهم الرسالة المقصودة التي يحويها النص.
من مجمل تلك التعريفات يتضح أن الهدف من تعليم القراءة على كل المستويات هو تنمية القدرة على الفهم؛ ذلك لأن الهدف الأساسي من إعداد القاريء الجيد هو تمكينه من فهم ما تحتويه المادة المطبوعة، مهما كانت صعوبتها، وإذا كنا ندرب الطفل على تكوين مفردات، وأن يكتسب المهارة في تعرف الكلمات، وأن تنمو لديه القدرة اللفظية بوجه عام؛ فإن الهدف من وراء ذلك كله هو أن يصبح قادرا على الفهم الصحيح لمعاني تلك الرموز المكتوبة، وتفسيرها، وترجمتها إلى معان.
النماذج المفسرة للفهم القرائي
تقع النماذج المفسرة للفهم القرائي في إحدى ثلاث فئات عامة هي: (مراد عيسى: 2006، 100)
1- القراءة كعملية من أسفل إلى أعلى Reading as A bottom- up process
وهذه العملية محكومة بالمعلومات التي يحتويها النص، ففي التوجه من أسفل إلى أعلى يركز التجهيز المعرفي لدى القاريء على النص، وغالبا ما يرى هذا التوجه في المنهج الذي يقوم على المهارات A skills Based Curriculum.
2- القراءة كعملية من أعلى إلى أسفل Reading as A top – Down process
وهذا المدخل غالبا ما يرى في فصول المدارس التي تتبنى المدخل الكلي للغة whole language approach؛ إذ يركز هذا النموذج على المعنى.
3- القراءة كعملية تفاعلية Reading as Interactive Process
وفي هذه العملية يستفيد القاريء من المعلومات التي يحويها النص، ومعرفته السابقة للحصول على المعنى من المادة التي بين يديه، فالقراءة كعملية تتطلب تفاعل كلا التوجهين للنجاح.
وقد استفاد الباحث من هذه النماذج في تصميم البرنامج العلاجي الحالي لصعوبات القراءة وفق فلسفة المدخل الأول ( من أسفل إلى أعلى ) حيث بدأت الدراسة بعلاج صعوبات التعرف، ثم انتقلت إلى علاج صعوبات الفهم. كذلك تستفيد الدراسة الحالية من النموذج الثاني ( من أعلى إلى أسفل ) الذي يلفت الانتباه إلى أهمية معرفة القاريء وتوقعاته واختبار فروضه، وذلك على مستوى الفهم الاستنتاجي والناقد والإبداعي؛ حيث لا تتوقف معلومات القاريء من النص على الجزء المطبوع منه فقط لتتكون عملية الفهم، بل يضيف إليه القاريء من خلفيته المعرفية عن المعاني والتراكيب لفهم وإدراك العلاقات بين الأسباب والنتائج، والتعليق على أفكار الكاتب بالحذف والإضافة.
وهذا يعني أن الدراسة الحالية قد أفادت من المدخل الثالث أيضا ( النموذج التفاعلي ) الذي تتفاعل فيه المعلومات من اتجاهين: من أسفل إلى أعلى، ومن أعلى إلى أسفل؛ بحيث تتفاعل المعلومات التي في ذهن القاريء مع المعلومات الواردة في النص الجديد، وعندها يصل القاريء إلى الفهم معتمدا على السياق وعلى الخلفية المعرفية.
ومن المناسب في هذا الصدد أن يشير الباحث إلى أن هناك نظريتين تصفان عملية فهم المادة المقروءة: النظرية الأولى هي النظرية الكلية، وقد أشار ريتشك، وليست، وليرنر Richek, List & Learner إلى أن هذه النظرية تقوم أساسا على اعتبار فهم المادة المقروءة عملية كلية واحدة، لا يمكن تجزئتها، وتقوم أساسا على المعرفة والمعلومات الموجودة في ذهن القاريء، ويستخدمها أثناء القراءة. أي أنها عملية تفاعل مستمر بين القاريء والمادة المقروءة. وهذه النظرية تؤكد على عادة الاطلاع الواسع لدى التلاميذ.
أما النظرية الثانية فهي نظرية المهارات المنفصلة، وقد أشار ريتشك، وليست، وليرنر Richek, List & Learner إلى أن هذه النظرية تقوم على أساس أن عملية فهم المقروء عملية معقدة جدا، يمكن تجزئتها إلى عدة مهارات مثل: القدرة على تحديد الفكرة الرئيسة للنص، والقدرة على تحديد الأفكار التفصيلية، وغير ذلك، ولتدريس هذه المهارات أهمية خاصة في تنمية قدرة التلاميذ على فهم المادة المقروءة خصوصا تلاميذ المرحلة الابتدائية، والذين يعانون من صعوبات في القراءة؛ لأنها تمكن المدرس من تجزئة المفهوم الواسع للقراءة إلى وحدات صغيرة، يمكن التركيز عليها أثناء الدرس. ( ريما الجرف: 2008، 4 )
وقد ارتكز كثير من برامج ومناهج تعليم القراءة على هذه النظرية - أعني نظرية المهارات المنفصلة - ومعهم الدراسة الحالية؛ لأنها تركز على علاج صعوبات لدى التلاميذ في مهارات القراءة، وهذه الفئة من التلاميذ تحتاج إلى تحليل المهام التعليمية إلى أجزاء صغيرة حتى يتمكن الطالب من التغلب على تلك الصعوبات؛ ولهذا كان من الطرق المقترحة للتدريس لتلك الفئة من التلاميذ إستراتيجية تحليل المهمة Task Analysis، وستأتي الإشارة إلى ذلك في موضعها.


ساحة النقاش