الموقع التربوي للدكتور وجيه المرسي أبولبن

فكر تربوي متجدد

authentication required

مفهوم الجودة:

حث ديننا الإسلامي الحنيف على إجادة العمل وإتقانه قال تعالى: { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ }(الملك: 2) وقوله تعالي {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً }(الكهف: 30)، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"(4)

فديننا الحنيف لا يحثنا على تحقيق الجودة فحسب, بل على تحقيق الهدف من عملية الجودة وهو إتقان الأعمال والرقي بها إلى أعلى مستويات الأداء. فالإتقان أعم وأشمل من كلمة الجودة أو مجرد القيام بعمل جيد. والإتقان يأتي نتيجة التحسين المستمر ليصل العمل إلى أكمل وجه وأفضل صورة وهو الهدف المنشود من تطبيق الجودة.

والجودة بصفة عامة مفهوم عصّي على التعريف بسبب غموضه وتعدّد معانيه , فعلى الرغم من ضرورة جودة التعليم , إلا أن كل فرد يمتلك فهماً خاصاً لماهية هذه الجودة, ويمكن الحكم على وجود الجودة عندما تكون الخدمة مطابقة للمواصفات الجيدة ولابد لها من وجود معايير يقوّم أصحاب المؤسسات عملهم في ضوئها.   

وقد عرّف ابن منظور في معجمه لسان العرب كلمة الجودة بأن أصلها " جود " والجيد نقيض الرديء، وجاد الشيء جوده، وجوده أي صار جيداً، وأحدث الشيء فجاد والتجويد مثله وقد جاد جوده وأجاد أي أتى بالجيد من القول والفعل(ابن منظور, 1882م).

ويشير المعجم الوسيط " إلى أن الجودة تعنى كون الشيء جيدا، وفعلها " جاد "، والكيفية مصدرها من لفظ " كيف " وكيفية الشيء تعنى حاله وصفته "(المعجم الوسيط، 1961م، ص 146، ص 814).

ويعرفها قاموس وبستر Webster 's Third New International Dictionary  بأنها درجة الامتياز أو التفوق التي  يمتلكها شيء ما أو منتج ما، كما أنها قد تعنى درجة المطابقة مع المعايير الموضوعة(Webster’s, 1976 , P.1858).

وجودة الشيء هي جزء من طبيعته , أي جزء منه وكلمة الجودة   Quality مشتقة من الأصل اللاتيني " Qualis " وتعني حرفياً " ما نوع " وتعد الجودة أيضاً صفة أو مستوى أو درجة تفوّق يمتلكها شيء ما , كما تعني درجة الامتياز لنوعية معينة من المنتج , ولكن حقيقة الأمر أن مصطلح الجودة مختلف عن مصطلحات الامتياز والمستوى والكيف والقدرة وهو الأنسب للبحث الحالي وذلك للأسباب الآتية :

أن مصطلح امتياز من الأصل ميّز, ويقال تميّز القوم أي ساروا في ناحية أو انفردوا, وامتاز الشيء بدا فضله على مثله, وانفصل عن غيره وانعزل. كذلك أنه حالة من التفوق وامتلاك الفرد الأساسي لجودة جيدة وحصوله على امتياز Excellence، أي على درجات نادرة والتفوق بجدارة William Little, , 1974,p.695)).

 إن الجودة تختلف عن الامتياز، لأنها تشمل جميع جوانب أداء المعلم، ولابد من توافر مؤشرات ومعايير  للحكم بها على جودة أداء المعلم، بينما الامتياز يقتصر على جانب معين من الأداء لأمر ما دون آخر، وعلى ضوء ما سبق فإن مصطلح الامتياز جزء من الجودة، فمصطلح الجودة أعم وأشمل.

أما مصطلح المستوى فيعني الدرجة والمكانة التي استوي عليها الشيء(المعجم الوسيط،, 1985م, ص 929).  أو رتبة، أو حجم أو مقدار يقاس وفقا لقيمة مرجعية محددة، وأنها مقياس للأداء(جابر، و كفافي،1991م, ص1965).

وبالمقارنة بين مصطلحي الجودة والمستوى يصبح الأخير فرعا أقل حجما وتأثيرا من الجودة. فقد نجد مستويات أداء منخفضة في مؤسسات صنفت على أنها عالية المستوى، كما نجد جودة في مؤسسات صنفت على أنها منخفضة المستوى، وعلى ضوء ما سبق يكون المستوى أقل حجما وتأثيرا من الجودة(حسان 1994م,ص50).

 أما المعنى الاصطلاحي للجودة فباستقراء أدبيات البحث في مجال الجودة نجد أن تعريفات جودة التعليم الجامعي يمكن أن تنتظم في عدة مداخل علي النحو التالي:

يعرفها البعض بأنها: ترجمة احتياجات توقعات الطلاب إلى خصائص محددة تكون أساساً في تعليمهم وتدريبهم لتعميم الخدمة التعليمية وصياغتها في أهداف بما يوافق تطلعات الطلبة المتوقعة(الرشيد,1995م, ص4).

وهذا المفهوم يتعلق بكافة السمات والخواص التي تتعلق بالمجال التعليمي والتي تظهر جودة للنتائج المراد تحقيقها. ومن ثم فالجودة في التعليم تسعي إلى إعداد الطلاب بسمات معينة تجعلهم قادرين على معايشة غزارة المعلومات وعمليات التغيير المستمرة والتقدم التكنولوجي الهائل بحيث لا ينحصر دورهم فقط في إكساب المعرفة والإصغاء ولكن في عملية التعامل مع المعرفة والاستفادة منها بالقدر الكاف لخدمة عملية التعلم، وهذا يتطلب تكوين " إنسانا بمواصفات معينة لاستيعاب كل ما هو جديد ومتسارع والتعامل معها بفعالية(أبو ملوح, 2000م,ص4).

الجودة باعتبارها مرادفا للكمال: وهذا ما يعرف بالمفهوم التقليدي للجودة أو بالمفهوم المطلق، ويتضمن هذا الُمدخل للجودة عدة متغيرات رئيسية( Green , Diana cit op, P.  171)

أ – الجودة تعنى شيء مميز: ويرتبط هذا المفهوم بالتفرد والجودة العالية، الجودة بهذا المفهوم صفة متأصلة في طبيعة الجامعة، ولا يمكن الحكم عليها استنادا إلى معايير، حيث لا تحتاج إلى تحديد أو إثبات، وهنا لا تخضع الجامعة لعمليات رقابة خارجية.

ب – الجودة مرادفا للامتياز: الجودة هنا تستخدم بالتبادل مع مصطلح الامتياز، حيث يمكن رؤيتها إما من خلال المعايير العالية  أو الأخطاء الصفرية، والتي تعنى التميز في المدخلات والمخرجات.

جـ - الجودة تعنى إحراز المعايير: هذا المفهوم يجعل الجودة إنما هي جودة المنتج والذي هو رهينة بإحراز المعايير الموضوعة والمطابقة للمواصفات الفنية المحددة. وفي ذلك تبدو أهمية الرقابة الخارجية والداخلية.

2– الجودة كملائمة للهدف: وهذا المدخل يعبر عن المفهوم النسبي للجودة، والذي يصبح من المفاهيم البرجماتية والأكثر قابلية للتطبيق(( Green Diana, cit op, P. 170

 كما يرتبط هذا المفهوم في التعليم الجامعي بالمتغيرات التالية:(Laurie Lomas ,  1996 , P.  65)

- الفعالية Effectiveness في عمليات التعليم الجامعي بما يحقق الأهداف والأغراض المنشودة.

- الكفاية Efficiency  في المدخلات القادرة على مواجهة تلك الأهداف والأغراض.

- الكفاءة Efficient  وهى حسن استغلاله لموارده سعيا لتحقيق الأهداف دون فاقد.

ومن الملاحظ أن هذا المدخل يضع شأنا عظيما لأهداف الجامعة وأغراضها والتي يجب أن تشتق من حاجات العملاء وتوقعاتهم، وهذا يتطلب وضع هذه الاحتياجات والتوقعات في صورة مواصفات معاييرية محددة بما يضمن مقابلتها وتحقيقها على الوجه الأمثل. 

3 – الجودة تمثل قيمة المال: و يتضمن هذا المدخل مفاهيم: الكفاءة، والفعالية، والعدالة Equity، والتي تصبح قادرة على تقديم التفسيرات المختلفة حول قيمة المال المستثمر في التعليم الجامعي، وعلى ضوء هذا المدخل تصبح المحاسبية على أساس مؤشرات الأداء معيارا لتحديد حجم الاعتمادات والموارد المخصصة لمؤسسات التعليم الجامعي ( Ashcroft Kate, 1995, P 14).

4- الجودة تمثل التحول: هذا المدخل ينظر للجودة كمفهوم نسبى، محاولا التخلص من مشكلة الأخطاء الصفرية أو الحصول عليها صحيحة من أول مرة، برؤية مدى قدرة الأنشطة الجامعية على إحداث التحولات النوعية والتغييرات الجوهرية في قدرة المتعلم على المشاركة الإيجابية في الإطار التعليمي، وتقاس الجودة في هذا المدخل من خلال مفهوم القيمة المضافة، والتي  تعنى مدى قدرة الخدمة التعليمية على تطوير معارف ومهارات وقدرات الطالب، وتحدد هذه القيمة من خلال الفرق بين ما يمتلك الطالب من قيم عند التخرج وما كان يمتلك عند الالتحاق(Ashcroft Kate, 1995, P.  14).

يتضح من العرض السابق أن مفهوم الجودة يتسع للعديد من المفاهيم الإدارية، والتي يتطلب تحقيقها على الوجه الأمثل، وفي إطار متوازن ومتناغم، توافر بنية إدارية شاملة تتخذ من الجودة أسلوب حياة وإطار توجيهي لكل القضايا والمناحي المتعلقة بالمنظمة، هذه البنية الإدارية المتكاملة هي إدارة الجودة الشاملة.

ومن العرض السابق لتعريفات وعناصر الجودة يمكن تعريف الجودة في التعليم الجامعي بأنها " مقابلة احتياجات وتوقعات المجتمع ومؤسساته، وتحقيق أهداف كلا من الإدارة، أعضاء هيئة التدريس، الطلاب  في ضوء الأهداف الموضوعة لكفاءة وفعالية المؤسسات الجامعية ".

ويعد مفهوم الجودة في التعليم من المفاهيم الحديثة والتي تستخدم الآن بقوة في إدارة وتسيير شئون المؤسسات التعليمية، وذلك لوجود درجة عالية من الانسجام بين الجودة الشاملة والحركات التربوية الموجودة المعاصرة وخاصة فيما يتعلق بالفعالية والتحسين بالمؤسسات التربوية(دافيز، لنداليسون،1999م، ص117).

ويعمل النموذج الإداري القائم على الجودة الشاملة على تهيئة درجة عالية من الروح المعنوية لدى العاملين في المجال التعليمي شعورا برسالتهم التربوية، وبما يرفع من مستوى كفاءة النظام التعليمي في تحقيق أهدافه، كما أنه المناخ الإداري الذي  تبرز فيه فنيات العمل بما تتضمنه من الإخلاص والقدرة على الإبداع(مكروم 1996م، ص 114).

ويعد رفع مستوى الأداء في التعليم الجامعي والاستمرار في ذلك أمران أساسيان للجامعات الآن، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تبنى المؤسسات الجامعية لإدارة الجودة الشاملة، سعيا لتجويد وتحسين الأداء الجامعي في ميادينه المختلفة(عبد العليم، وعبد المنعم، 1997م، ص690).

ويضيف آخرون أن الكليات والجامعات يجب أن تؤمن أو تثق بقوة في النتائج المترتبة على الجودة أو ما يعود عليها من وراء الجودة(Donald Crump, 1993 , P. 38).

المصدر: الدكتور وجيه المرسي أبولبن
  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 358 مشاهدة
نشرت فى 31 مايو 2011 بواسطة maiwagieh

ساحة النقاش

الأستاذ الدكتور / وجيه المرسي أبولبن، أستاذ بجامعة الأزهر جمهورية مصر العربية. وجامعة طيبة بالمدينة المنورة

maiwagieh
الاسم: وجيه الـمـرسى إبراهيـــم أبولـبن البريد الالكتروني: [email protected] المؤهلات العلمية:  ليسانس آداب قسم اللغة العربية. كلية الآداب جامعة طنطا عام 1991م.  دبلوم خاص في التربية مناهج وطرق تدريس اللغة العربية والتربية الدينية الإسلامية. كلية التربية جامعة طنطا عام 1993م.  ماجستير في التربية مناهج وطرق تدريس اللغة العربية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

2,810,151