الموقع التربوي للدكتور وجيه المرسي أبولبن

فكر تربوي متجدد

يجتاز عالمنا اليوم مرحلة انتقالية للإنسانية بالغة الأهمية للوصول إلى عصر جديد يتميز بتغيرات نوعية غير مسبوقة تجسدت في بعض المفاهيم كالعولمة والقرية الكونية والقطب الواحد والمعلوماتية وثورة الاتصالات والتكنولوجيا وغيرها، وهذه المتغيرات وما صاحبها من تطورات هامة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فرضت العديد من التحديات أمام إنسان القرن الحادي والعشرين.

ويمثل التعليم الجامعي قمة الهرم التعليمي مما يجعله يتحمل القسط الأوفر في إحداث التنمية المنشودة، باعتبارها الرصيد الاستراتيجي الذي يمد المجتمع بكل احتياجاته من الكوادر البشرية القادرة على النهوض بأعباء التنمية في مجالات الحياة المختلفة، وهى المنبع لتخريج القيادات المجتمعية. ومن هنا تزداد أهمية التعليم الجامعي؛ حيث ينظر إليه على أنه استثمار يمكن أن يساعد على تسريع النمو الاقتصادي في أي مجتمع، كما يساهم في التطور الشخصي والاجتماعي وفي تخفيض التفاوت الاجتماعي.

وفي ضوء الاتجاهات العالمية الحديثة للنهوض بجودة المنظومة التعليمية، وسعي القائمين علي العملية التعليمية بتطبيق معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي اللذان يمثلان الآلية لمنح الترخيص بمزاولة المهنة؛ سواء أكان ذلك لفرد أم لمؤسسة تربوية أو العاملين بها(بدران وآخرون،2008،ص 258).

ويعد مفهوم الجودة من المفاهيم الحديثة التي ظهرت نتيجة للمنافسة العالمية الشديدة بين المؤسسات الإنتاجية اليابانية من جهة والأمريكية والأوروبية من جهة أخرى  بهدف مراقبة جودة الإنتاج وكسب ثقة السوق و الحصول على رضى المستهلك، وبالتالي تتركز الجودة على التفوق والامتياز لنوعية المنتج في أي مجال وذلك بعد الأزمة التي حدثت في الاقتصاد الياباني بعد الحرب العالمية الثانية مما اضطر زعماء الصناعة اليابانية إلى إحداث الجودة على يد العالم ديمنج Edward Deming"" والذي يعد مؤسس الجودة، حيث قام بتعليم المنتجين اليابانيين على كيفية تحويل السلع الرخيصة والرديئة إلى سلع ذات جودة عالية، و تم بالفعل تسجيل أفضلية للسلع اليابانية على المنتجات الأمريكية، وعندما سُئل ديمنج Edward Deming""  عن سبب نجاح الجودة في اليابان بدرجة أكبر من الولايات المتحدة قال: إن الفرق هو في عملية التنفيذ أي تجسيد الجودة وتطبيقاتها.

  ونتيجة للنجاح الذي حققه تطبيق الجودة في التنظيمات الاقتصادية والصناعية والتجارية والتكنولوجية في الدول المتقدمة وظهور تنافس بين هذه التنظيمات الصناعية للحصول على المنتج الأفضل وإرضاء الزبائن، اهتمت المؤسسات التربوية بتطبيق منهج الجودة في مجال التعليم العام والجامعي للحصول على نوعية أفضل من التعلم وتخريج طلبة قادرين على ممارسة دورهم بصورة أفضل في خدمة المجتمع، وأصبح عدد المؤسسات التي تتبع نظام الجودة في تزايد مستمر سواء في أمريكا والدول الأوروبية واليابان وكثير من الدول النامية وبعض الدول العربية التي بدأت تطبيق هذا النهج في بعض مؤسساتها التعليمية.

 ولتطبيق الجودة في مجال التعليم العام لابد من اتخاذها قيمه محورية بحيث تنعكس في الأداء والإنتاج والخدمات وتسخير كافة الإمكانات المادية والبشرية ومشاركة جميع عناصر النظام التعليمي من إدارات وأفراد في العمل كفريق واحد في تطبيق معايير الجودة في النظام التعليمي , وتقييم مدى تحقيق أهدافها , ومراجعة الخطوات التنفيذية التي يتم توظيفها.

وقد أكدت بعض الدراسات على وجود العديد من الصعوبات التي  تعوق تطبيق الجودة الشاملة في التعليم الجامعي عامة وكليات التربية بصفة خاصة من أهمها: طبيعة الهيكل التنظيمي الذي  يعانى من بعض جوانب القصور والخلل التي  تؤثر على فاعلية العملية التعليمية والإدارية بها. وسيادة البيروقراطية والتسلطية، ولاسيما فيما يتعلق باختيار القيادات؛ الأمر الذي  قد تكون هناك حاجة إلى وضع العديد من المؤشرات الملائمة لتلاشى ما سبق من أوجه قصور، أو صعوبات تحول دون الأخذ بأسباب تطوير أداء هذا المحور الهام، ورفع مستوى جودته(الحبشي، 2008، 12ص).

وعلى هذا فإن الاهتمام بتحقيق جودة التعليم الجامعي عامة لابد وأن يرتبط بصفة خاصة مع الاهتمام بتحقيق جودة كليات التربية، كما أن الآليات المقترحة لضمان جودة التعليم الجامعي لابد وأن تكيف مع الطبيعة الأكاديمية والتربوية لكليات التربية؛ لأن تحقيق الجودة في مؤسسات التعليم الجامعي عامة رهين بتحقيق الجودة في كليات التربية تلك التي  تعد المعلم الذي  بدوره يعد المتعلم ذا المواصفات المحددة لتلك المؤسسات.

ومن هذه المسئوليات الكبيرة التي تتحملها التربية يظهر بوضوح الدور الخطير الذي يقوم به المعلم، فهو ركن أساسي في العملية التربوية والتعليمية، وعليه يتوقف نجاحها أو فشلها في تحقيق أهدافها، وبقدر ما يكون المعلم معداً إعداداً علمياً ومهنياً ناجحاً للقيام بدوره وتحمل مسئولياته وإتقان عمله – بقدر ما يتحقق للتربية من أسباب النجاح والتقدم نحو تحقيق أهدافها المنشودة، وهذا يتطلب بدوره أن تأتي عمليات تطوير برامج إعداد المعلم قبل الالتحاق بمهنة التدريس والتنمية المستمرة لكفاءته الأكاديمية والمهنية والثقافية أثناء العمل فيها، في مقدمة الأولويات والاستراتيجيات وعمليات التخطيط لتطوير التعليم والارتقاء بنوعيته(كاظم، والديب، 1996م، ص 3).

إن الفترة التي يقضيها الطالب في كلية التربية ليصبح مؤهلاً لممارسة مهنة التدريس كافية فقط لوضعه كمعلم في أولى خطوات هذه المهنة الصعبة والتي تتطلب بجانب الإعداد والتحسين ضرورة التحلي بالصبر والمثابرة والقناعة بأن هذا العمل وتلك المهنة تتطلب أساساً استمرار التعليم والتدريس حتى يستطيع المعلم أن يواكب الانفجار المعرفي في المعارف المتدفقة يومياً في جوانب وطرق واستراتيجيات التدريس الحديث والوسائل المعينة من جانب آخر، وكما يجب إعادة النظر في دور المعلم في المرحلة القادمة أخذين في الاعتبار التغير السريع في بيئة التعليم التي لن تلبث أن تصبح بلا جدران ولا حدود، وبالتالي فهم في حاجة بعد تخرجهم بفترة قصيرة إلي تجديد في ظل التغيرات المتلاحقة(غنيم 2002م، ص 2- 3).

وهناك من يؤكد أن الواقع الحالي لإعداد المعلم قل وأثناء الخدمة قاصر عن الوفاء بحاجاته وحاجات طلابه في مجتمع متفجر بالمعرفة متسارع في التغيير، من ثم تنبع الحاجة إلى تجديد تربوي شامل في كليات التربية لإعداد الأجيال الجديدة من خريجي هذه الكليات لتنفيذ متطلبات التجديد.

ومن الدراسات التي تمت في هذا المجال دراسة أنس(,J-E., 1990. Innes) والتي أكدت أن مؤشرات الجودة في التعليم لها دور هام في رسم السياسة التعليمية. ودراسة بوليمر(Bulmer,1990) والتي اهتمت بعرض المشكلات النظرية التي  تعد عوامل فشل مؤشرات التعليم في بعض الأحيان.  كما حاولت دراسة  مصطفى(1997م) تعرف دور إدارة الجودة الشاملة في التعليم الجامعي لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

أما دراسة الدهشان(1998م) فحاولت وضع ملامح إطار جديد للتعليم في الدول العربية في ضوء المتغيرات العالمية والإقليمية. بينما سعت دراسة سلام(1998م)لتعرف فاعلية مدخل إدارة الجودة الشاملة في علاج أزمة التعليم الجامعي في مصر. أما دراسة زيدان(1999م) فقد  اهتمت بتحديد مؤشرات الجودة في التعليم الجامعي المصري في ضوء مفهوم الجودة في التربية. في حين استهدفت دراسة ويح(1999م) لتعرف على المتغيرات العالمية وانعكاساتها في التعليم، ثم محاولة الوصول إلى معايير الجودة الشاملة. أما دراسة أرون كلارك، روبرت وينج(Aaron C.Clark, Robert E 1999) فهدفت تحديد خصائص جودة التعليم التكنولوجي في ولاية كارولينا الشمالية. بينما تقترح دراسة بكرى، وعبد المنعم(1999م) مدخل إدارة الجودة الشاملة – كأسلوب لتضييق الفجوة بين الواقع الأكاديمي والتطبيق العملي في التعليم التجارى بمصر. بالإضافة إلى دراسة البطي(2000م)التي هدفت تحديد مفهوم الإدارة الشاملة وكيفية تحقيقها في المملكة العربية السعودية. ودراسة القلا وآخرون(2001م)التي تناولت بعض قضايا الجودة الشاملة في التعليم  وتطويرها، كما قدمت الدراسة رؤيا مقترحة لتطبيق نظام الجودة الشاملة عربيا. ودراسة نيجرها(Nughraha 2003) والتي هدفت تحديد مؤشرات الجودة في التعليم الجامعي من خلال مقابلة أجراها مع عدد من طلاب جامعات أمريكية.

بينما هدفت دراسة بيومي(2005م)تحديد الضوابط اللازمة لتحقيق الجودة في التعليم، وتحديد آليات تحقيق جودة التعليم، حيث ركزت الدراسة على عينة عشوائية من كليات جامعة قناة السويس النظرية العملية. ودراسة الحبشي(2008م) التي سعت إلي تحديد بعض مؤشرات الجودة كأداة لتجديد التعليم الجامعي بجامعة قناة السويس، وذلك من خلال تقديم إطار نظري عن جودة التعليم، ثم حددت بعض ملامح وأبعاد مفهوم الجودة وتعرف آراء عينة من طلاب وأعضاء هيئة التدريس بكلية التربية بالإسماعيلية بجامعة قناة السويس حولها. أما دراسة بدران وآخرون(2008م) فقد هدفت تطوير الأداء المدرسي الشامل في ضوء معايير الجودة والاعتماد التربوي. أما دراسة عون(2010م) فقد هدفت تعرف مدى تطبيق معايير NCATE في كلية التربية بجامعة الملك سعود، وقد استخدمت المنهج الوصفي، والعينة هي المجتمع الأصلي الذي يتكون من جميع وكيلات أقسام كلية التربية.

و بالنظر إلى الدراسات السابقة يمكن أن نستخلص منها أنها تسعي إلي تفعيل اعتماد مؤشرات الجودة في المؤسسات التعليمية والتربوية لما لها من مردود ايجابي على المؤسسات التربوية ومخرجاتها.

المصدر: الدكتور وجيه المرسي أبولبن
  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 223 مشاهدة
نشرت فى 31 مايو 2011 بواسطة maiwagieh

ساحة النقاش

الأستاذ الدكتور / وجيه المرسي أبولبن، أستاذ بجامعة الأزهر جمهورية مصر العربية. وجامعة طيبة بالمدينة المنورة

maiwagieh
الاسم: وجيه الـمـرسى إبراهيـــم أبولـبن البريد الالكتروني: [email protected] المؤهلات العلمية:  ليسانس آداب قسم اللغة العربية. كلية الآداب جامعة طنطا عام 1991م.  دبلوم خاص في التربية مناهج وطرق تدريس اللغة العربية والتربية الدينية الإسلامية. كلية التربية جامعة طنطا عام 1993م.  ماجستير في التربية مناهج وطرق تدريس اللغة العربية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

2,809,978