يعد النقد الثقافي فرع من فروع النقد النصي، وهذا يجعل منه أحد فروع علم اللغة أو أحد حقول الألسنة، لأنه معنيّ بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بتجلياته كلها وأنماطه وصيغه المتعددة.
وأول من استخدم مصطلح النقد الثقافي هو فنسنت ليتش الذي أراد به الإشارة إلى نوع من النقد يتجاوز البنيوية وما بعدها، والحداثة وما بعدها إلى نقد يستخدم السوسيولوجيا والتاريخ والسياسة والمؤسساتية دون أن يتخلى عن مناهج النقد الأدبي، وأهم ما يقوم عليه هذا النقد هو: تجاوز الأدب الجمالي الرسمي إلى تناول الإنتاج الثقافي أياً كان نوعه ومستواه، وبالتالي فهو نقد يسعي إلى دراسة الأعمال الهامشية التي طالما أنكر النقد الأدبي قيمتها أو أهميتها بحكم أنها لا تخضع لشروط الذوق النقدي، ولهذا فهو يخالف تيارات النقد الأخرى في العودة إلى تأويل النصوص، ودراسة الخلفية التاريخية، كما أنه يتجاوب مع التاريخانية الجديدة New Hestoricism التي تدعو إلى نقد جديد يتجاوز البنيوية إلى عبور الحدود بين التاريخ والانثربولوجيا والفن والسياسية والأدب والاقتصاد، فأهداف النقد الثقافي تقوم على إلغاء الفارق بين ما هو أدبي وغير أدبي. وتأسيساً على ذلك فإن بعض الأفكار التي كانت تشبه المسلمات في النقد الأدبي أضحت موضع شك مثل فكرة المحاكاة والتخيل والرمز وغيرها، لأنها في نظر النقد الثقافي تقوم على تحليل الظاهرة الأدبية التي أنتجها النقد التقليدي، وهي عاجزة عن تحليل الظاهرة الثقافية بمفهومها الواسع الذي يتصدى له هذا النقد، وقد أحل النقد الثقافي هاتيك المفاهيم فكرة جديدة وهي تاريخ النصوص وتنصيص التاريخ، أي معاملة النصوص معاملة التاريخ، أو على الأقل الجمع بين البعدين الشكلي والتاريخي للنصوص، ومنهم من دعا إلى النقد المدني Secular Criticism الذي تكلم عنه إدوارد سعيد وأراد به نقداً يتوسط المسافة بين النقد التقليدي الذي يسمى بالنقد المؤسساتي وبين الثقافة التي تتحدى الفعل النقدي، ويرى سعيد أن على الناقد أن يحول التعارض بين النظام ممثلاً في النقد التقليدي والثقافة إلى تجانس يخدم الممارسة النقدية عبر استعداد الناقد لمساءلة الخطاب النقدي ذاته مع انفتاحه على النصوص والكتابات المهمشة وإحضارها إلى المتن الثقافي وكسر الحدود القومية والعرقية لتحقيق خطاب عالمي إنساني، وفي الوقت نفسه صهر البعدين الجمالي والثقافي في بعد واحد معاً من حيث أن الثقافي ظرفي في حين أن الجمالي غير ظرفي.
والنقد الثقافي بهذه المفاهيم يجترئ على الكثير من الفنون الأدبية، ويعيد النظر فيها على أساس علاقتها بالثقافة، دون المبالاة بما قاله النقد الأدبي فيها، لأن هذا النقد في رأي النقد الثقافي - عبر عن وجهة نظر شبه رسمية، تقوم على تقديس نوع أو أنواع من الإنتاج الثقافي، وتهمل نوعاً أو أنواعاً أخرى، ففي الثقافة العربية أهمل النقد الأدبي والبلاغي أعمالاً ثقافية مهمة كألف ليلة وليلة والقصص الشعبية والسير والأحاجي والألغاز والأخبار والنوادر ومُلح الأعراب، والكثير من الشعر الذي رفضت أكثرية الرواة تدوينه، بينما ظل النقد العربي القديم يدور في قيم ذوقية معينة، وأدى ذلك على المدى التاريخي لهيمنة مقاييس نقدية ومعايير أخلاقية أدت إلى انحطاط الشعر والذوق، ويأتي النقد الثقافي ليعيد النظر في هذا النتاج كله قالباً كل ما قيل فيه من آراء.


ساحة النقاش