إبراهيم أحمد

الأسرة، المعرفة، الحياة

يجب أن نأخذ الإعتداء على كنيسة القديسين بالأسكندرية مأخذ الجد. هذا الإعتداء ليس فقط هجوم على مصر و على وحدتها الوطنية و إنما له دلالات أخرى. هذا الإعتداء الهمجى ليس إلا أحد الأعراض لأمراض كثيرة طالت المجتمع المصرى و تمكنت منه خلال العقود الماضية.

رد فعل الشعب المصرى يجب أن يكون أكبر و أعمق من مظاهر الحب و التآخى بين المسلمين و الأقباط، وهى مظاهر حميدة و تفرض نفسها بطبيعة الحال فى ظل هذه الظروف. و لكن الضمان الحقيقى لحماية مصر من العدوان الإرهابى يكمن فى ما يجب علينا فعله لرأب الصدع الموجود بالفعل فى المجتمع المصرى، الصدع ليس فقط فى صميم وحدته الوطنية و لكن فى المجتمع المصرى برمته. هذا الصدع الذى يستغله الآثمون باختلاف انتماءاتهم و نواياهم للوصول إلى أغراضهم و هو - لا قدر الله - خراب مصر.

المجتمع المصرى تغير فى خلال العقود الماضية، للأسف تغير للأسوأ لأسباب كثيرة أهمها فى رأيى المتواضع أن قادتنا اهتموا بالإصلاح الإقتصادى فى ظل الإنفجار السكانى أكثر من اهتمامهم بتنمية المجتمع نفسه.

ماذا حدث للمصريين بعد عقود من التعليم الرديء؟ ظهرت أجيال مصرية غير متعلمة، غير مثقفة، لا تحترم القانون، سهل غسل عقولهم الفارغة و ملأها بأى أفكار غثة و هادمة، أجيال تبحث عن عمل و لا تجده لقلة المهارات و اقتصاد متنامى يبحث عن كوادر ماهرة و لا يجدها فى وسط ملايين الشباب غير المؤهل. هذا ما يحدث عندما تكون التربية و التعليم فى ذيل أولوياتنا، وهما القاطرة الحقيقية لتقدم و حضارة أى بلد.

أين الحريات و الحقوق فى مصر؟ هل يتساوى الغفير و الوزير فى مصر فى عين السلطة التنفيذية؟ أين حرية الفكر، حرية العقيدة، حق الكرامة وحق عدم التمييز فى ظل الإحساس بالدونية والقهر و الاستخدام المبالغ فيه لقانون الطوارئ؟! أين المناخ السياسى الصحى الذى يبحث المثقفون و الساسة فى ظله عن طرق إصلاحية حقيقية تنقذ الوطن و تدفعه نحو التقدم.

أنا لا أهاجم وطنى و لا أنتقد سياسات كانت فى وقت ما أفضل الحلول، و بصراحة لا أظن أن أحدا كان يمكنه فعل أفضل من ذلك و لكن أشعر أنها كانت خطوة و مرحلة من مراحل نمو مجتمعنا حضاريا، مرحلة جاءت بعد ثورة مجتمعية زلزلت كيان المجتمع. أشعر أن الوقت قد حان كى نغير أولوياتنا و نعيد حساباتنا ونهتم بالمجتمع المصرى نفسه.

هيا نبدأ بتحديد أوجاع مجتمعنا و التفكير فى طرق المداواة. هيا نعمل لتحويل الإعتداء الغاشم و الجاهل إلى بداية سلسلة من الإصلاحات المجتمعية و السياسية و التشريعية التى نحتاج إليها الآن مسلمين و أقباط أكثر من أى وقت مضى.

و ليكن حادث الإعتداء على كنيسة القديسين نقطة فارقة فى حياة المجتمع المصرى ليس لأنه حادث طائفى يهدد مصر فى مقتل و إنما لأنه ربما يكون فقط أحد إفرازات جرح متقيح قديم وغائر فى جسد المجتمع المصرى، و هذا الجرح سيفرز لنا المزيد من الخبائث التى أشفق علينا و على الأجيال القادمة من شرورها.

اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا و وفقنا لما فيه خير و صلاح لنا و لذريتنا من بعدنا. آمين.

المصدر: قلم إبراهيم أحمد
  • Currently 122/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
37 تصويتات / 637 مشاهدة

الترجمة

عدد زيارات الموقع

685,317