فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

محمود درويش تلك الظّاهرة الشّعريّة الفريدة

فراس حج محمد/ فلسطين

لماذا نجح درويش وفشل جيش كبير من الشّعراء بعضهم كان مجايلا لدرويش وما زال حيّا يرزق؟ فهل كان درويشُ استثناء يُعجز اللّغة والمعنى أم أنّ هناك عوامل أخرى للنّجاح الّذي حقّقه؟

لا أحد ينكر من الشّعراء أوّلا، ومن النّقّاد ثانيا حتّى الشّانئين له، المتربّصين به، ومن القرّاء ثالثا أنّ محمود درويش كان وما زال ظاهرة شعر ومعنى، وعندما أقول ظاهرة شعر ومعنى أقصد أنّه كان متميّزا في بناء الجملة الشّعريّة والمعنى الشّعريّ كذلك، إذ تتحوّل اللّغة بين يديه إلى كائن شبه خرافيّ أسطوريّ، يضحك وهو يبكي، ويحيا وهو يصارع موته، ويعلو ويعلو وهو يهوي رمادا مسحوقا بين يدي لحظة اليباب الكبير، فكيف ينجح كاتب يعتني بتفاصيل الحديث عن القهوة وطقوسها[1]، وهو في عزّ معمعة الحرب القارسة، وهو يرى أصدقاءه يتناثرون بين يديه أشلاء يراهم من الشّرفة أو يكاد، لكنّ الموت يضع في ذاكرته صورهم كآخر مشهد لا يموت، أو حينما يتغنّى بكرة القدم، ويرى ما لا يراه الآخرون في هذه اللّعبة السّاحرة، وذلك اللّاعب الّذي “رفع كرة القدم إلى مستوى التّجريد الموسيقيّ الشّفّاف، رفعه إلى مستوى الطّهارة المطلقة”[2]. مختلفا اختلافا بيّنا عمّا كتبه إدواردو غاليانو عن هذه اللّعبة في كتابه “كرة القدم بين الشّمس والظّلّ”، خاصّة ما كتبه كلّ منهما عن اللّاعب الأرجنتيني “مارادونا”[3].

لعلّ درويشا لم يكن استثناء أو كائنًا مجبولا بأنساغ الجنّ المولودين في أفياء أيكة في وادي عبقر، لكنّه كان صديقا للفراشات يجوب معها الحقول، وينصت لهسيس أجنحة النّحل، وهي تقطف شهوة الزّهرة لتصنع الحياة والجمال معا. كان مخلصا حدّ الوجع لكلّ نبضة ريح عبرت دماءه وقلبت مزاجه الخجول ليصير عاشقا نرجسيّا يضاجع وريقات الورد في لحظة اضطجاعها في حضن النّدى. كان عارفا صوفيّا شغوفا بالمعرفة الفاتنة الّتي جعلته يشقى في النّعيم بعقله، لقد كان درويش صاحب كون شعريّ معبّأ ومفخّخ بالألم، لكنّه كان ممطرا عطِرا كذلك.

لم يكن درويش ابنا للقصيدة أو أبا للشّعر. كان فقط هو الشّعر أبا وابناً. لذلك تراه يولد في كلّ قصيدة ولا ينتج قصائد لتكون في دواوين مصفوفة على الرّفوف. كان كما يجب أن يكون صاحب كلّ شيء جسدا وروحا منغمسا حدّ التّلاشي والاتّحاد ليكون هو. لذلك نراه باقيا يتمتّع بالخلود ويزهو بكبرياء دون أن تهرم معانيه ودون أن تُهزم لغته. شيء ما من نرجسيّته تركها فينا لنقول بعض ما يجب أن نقوله ونحن نحاوله نقدا مختلفا بلغة مسروقة من أتون نيرانه المتأجّجة.

في حوار مع درويش يعود إلى عام 1983[4]، أجرته الكاتبة الفلسطينيّة ليلى الأطرش، يشير درويش إلى علاقته بالمتنبّي، وأنّه “صديقه الدّائم” بل إنّه “أبوه الرّوحيّ، و”أبوه إلى الأبد، والأب الّذي لا يمكن أن يُخلع”، ويرى درويش أيضا أنّ أهميّة المتنبّي نابعة من أنّه “لخّص كلّ الشّعر العربيّ الّذي سبقه”، بل أكثر من ذلك “أنّه ما زال يلخّص حياتنا”، فبالمتنبي نستطيع التّعبير عن الاهتزاز الّذي يصيب السّيكولوجيا. وأمّا المفارقة في حياتنا السّياسيّة، فإنّنا كما قال درويش “نجد وصفا لها لدى المتنبّي”. لقد كان درويش متشبّعا بفنّيّة المتنبّي الشّعريّة، كما هو متأثّر بلوركا ونيرودا ومايكوفسكي.

إنّ درويش كالمتنبّي، يشبهان المثل السّائر، لم يتركا شيئا لم يقولاه، هكذا كانت أمّي تقول عندما تستدعي عدّة أمثال شعبيّة في جلسة واحدة، حتّى لا تُشْعِر المتحدّث بالضّجر من كثرة الأمثال الّتي تستشهد بها، فكما كان شعر المتنبّي عزاءً عند المصابين بداء الموت، ومثالا للحكمة الوجوديّة والإنسانيّة والاجتماعيّة وأمراض النّفس والقلب، ودرويش كذلك كان مثل المتنبّي وكالمثل، حاضراً على ألسنة النّاس، عاديّين، وشعراء وكتّابا ونقّادا، يُتمثّل بشعره في الجلسة الواحدة أكثر مما قال المثل أو ما قال المتنبّي.

ليس هو صاحب مقولة “على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة” فقط، وإنّما كذلك “شعراء أكثر وشعر أقلّ”، “ابحث عن ورد أقلّ تجد شعرا أكثر”، “وطني ليس حقيبة”، “سيهطل المطر وتنبت الحقيقة”، “ارحمونا من هذا الحبّ القاسي” “وخذها إلى موتك المشتهى” “القهوة أخت الوقت”، وغيرها الكثير، بل لقد تحوّلت عناوين كتبه إلى موتيفات مستعارة في كثير من الأحاديث والمقالات: “في حضرة الغياب”، “أثر الفراشة”، “يوميات الحزن العادي”، “ذاكرة للنسيان”، “عابرون في كلام عابر”، عدا تلك التّراكيب اللّغويّة الثّنائيّة الّتي عرف بها، وصارت تتوالد في لغات الآخرين ويحاكونها باعتراف الأحقيّة بأفضليّة السّبق في مضمار الإبداع، كأنّه لم يُتعب من جاء بعده فقط، بل إنّه أفقر الشّعراء من بعده، رؤى وتعابير وصوراً.

هذا هو درويش الّذي يأخذ قارئه في دهاليز الحزن وهو يتحدّث عن الحالة الفلسطينيّة والعسر السّياسيّ والصّراعات العربيّة العربيّة، والعربيّة الفلسطينيّة، والفلسطينيّة الفلسطينيّة، وصراعات الأنا والآخر، وصراع الأنا والأنا، فيضع قارئه في أجواء من القتامة الشّديدة دون ملل، أو تأفّف، ولكنّه قادر أن ينقل القارئ إلى فضاءات أخرى للّغة، لا تتركه إلّا باسما، يسري عنه حزنه، فإن كتب عن اللّيل ضاء النّور وشعّ، وعن الشّهوة أوغل واتّسع، وعن المرأة صوّر فأبدع، وإن كتب عن كرة القدم أضحك وأمتع، كما أنّه حينما كان يعدّ طقوس قهوته كان الأجمل الأروع.

إنّ تأمّل تجربة درويش الإبداعيّة، ستوصل الدّارس إلى قناعة أنّها صالحة لتكون مثالا حيّا لكلّ عناصر الإبداع من أوّلها حتّى نهايتها، فيتدرّج معه في مدارج التّطوّر الجماليّ والفنّيّ والوعي الإنسانيّ الشّامل، وامتلاك الأدوات اللّازمة لصنعة الشّعر وصناعته، وكيف يكون الشاعر، وكيف يتكوّن الشعر ويتخلّق في لغة وصورة وموسيقى تجسيدا لتجربة إنسانيّة ممتدّة ثريّة وعميقة.

درويش ما زال حاضراً، كأنّه لم يرحل، فهل يموت الشّعراء العظماء؟

[1] كتب درويش عن القهوة بتفصيل ممتع في كتابه “ذاكرة للنّسيان”، منشورات وزارة الثّقافة، بالتّعاون مع دار النّاشر، رام الله، 1997، (ص9-30)

[2] متحدّثا عن اللّاعب الأرجنتينيّ مارادونا، في كتاب “في انتظار البرابرة”، مؤسّسة محمود درويش، والأهليّة للنّشر والتّوزيع، ودار النّاشر، ط1، 2016، (ص75)

[3] يُنظر كتاب “كرة القدم بين الشّمس والظّلّ”، ترجمة: صالح علماني، دار طوى للنّشر والإعلام، ط1، 2011، (ص293-298(

[4] يمكن العودة إلى المقابلة، ومشاهدتها من خلال الرابط الآتي:
https://www.youtube.com/watch?v=mpRtMXXpoIw&feature=share

 

 

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 49 مشاهدة
نشرت فى 9 أغسطس 2018 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

254,629

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"،دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وحررت خمسة كتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن تجربته الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معه عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.