فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

من منشورات مجلة شذى الكرمل

في رحاب الصورة الشعرية بين النابغة الذبياني ورضوان قاسم

فراس حج محمد/ فلسطين

ما الذي يعوّل عليه الشعر والشاعر والنقد والناقد والمتلقي، وهو يقرأ بيتي الشاعر الفلسطيني رضوان قاسم[1] وقد نشرهما على صفحته في الفيسبوك[2]:

كلُّ النساءِ كواكبُ // والشمسُ أيضا كوكبُ

فإذا طلعْتِ على النسا // كلُّ النساءِ ستغربُ؟

وعلى الرغم من كم الإعجاب والتعليقات المادحة للبيتين على صفحة الشاعر الفيسبوكية، فإن محاكمة المعنى العلمي في هذين البيتين أصبحت ضرورة، ليس بيتا الشاعر رضوان قاسم فقط بل كل شعر الشعراء، فالشمس في المنطق العلمي ليست كوكبا، بمعنى آخر، وحسب المنطق الشعري، فإن الأبيات ذات معنى خاطئ، لأنها مبنية على معنى خاطئ علميا. هل يحق أن أقول ذلك؟ وهل يجب إخضاع المعنى الشعري إلى الحقيقة العلمية، علما أن المعنى مبني على ما قاله النابغة الذبياني مادحا النعمان بن المنذر ومعتذرا إليه[3]:

فإنك شمس والملوك كواكب // إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكبُ

لقد كان الشاعر القديم معذورا؛ فهو لم يفرق بين النجم والكوكب على ما يبدو، مع أن القرآن الكريم فرق بينهما، وهذا يعني ابتداء أن العرب كانت تفرق بين الكواكب والنجوم. هل أخطأ النابغة في هذا الوصف أيضا؟ ربما. الأمر بحاجة إلى بحث أكثر عمقا في هذه المسألة، ولكن في وقفة غير هذه. والسؤال المهم الآن ما هو أولى: الالتزام بالحقيقة العلمية أم المعنى الشعري على الرغم من أنه مبني على معنى قديم؟

في كتاب "المسبار في النقد الأدبي- دراسة في نقد النقد للأدب القديم والتناص" يرى أ.د. حسين جمعة أن الصورة الشعرية "هيئة سياقية فنية توحي بمشاعر أصحابها وأفكارهم، وتتأثر بالوسط المحيط زمانيا ومكانيا. فالطبيعة الفنية تقوم على عناصر تنتهي إلى غايات منعقدة على النية التي بني عليها النص الشعري"[4].

وبناء على هذا الرأي النقدي الوجيه جدا، فإن ما وقع فيه الشاعر الجاهلي من منزلق معنوي مخالف للحقيقة العلمية غير منظور إليه بعين الريبة والشك، ولا يعتدّ به إطلاقا، إن أخذ النقد بموجبات القول الشعري التي حركت في نفس الشاعر مثل هذه الصورة على هيأتها تلك، وبناء على نظريات التلقي التي ترى أن الشاعر والمتلقي على الدرجة نفسها من التواصلية في فهم المعنى، فكلاهما، ضمن السياق التاريخي للتداول، مطمئن إلى اعتبار الشمس كوكبا، وأنه من اللائق فعلا نظرا لعلوها أن تصبح مشبها به للملك.

أما الشاعر المعاصر الذي سيظل أسير دائرة الصورة القديمة، فهو يوقع نفسه في أشراك متعددة من التبعية وإلغاء الذات وانفعالاتها، إضافة إلى أنه أعاد نفسه ليعيش ضمن تلك الرؤيا للحقبة الزمنية بمنطلقاتها، المختلفة بكل تأكيد عن منطلقات الحياة المعاصرة بكل ما فيها من منجزات، فاقت الخيال والتخيل الشعريين، فما وصل إليه العلم اليوم من حقائق ثابتة يتجاوز كل ما سبح فيه خيال الشاعر القديم والحديث، فلم تعد الشمس كوكبا وانكشفت حقيقتها العلمية التي يجب ألا يخالفها الشاعر وهو يبني معانيه الشعرية.

وهذه معضلة كبيرة تجعل الشاعر أولا فقير الخيال أو تدفعه ليسلم بخيالات العلم الحقيقية، ويبحث عن تقنيات شعرية جديدة. وعند هذا الحد من القناعة الإبداعية، فما هي حدود مقدرة الشاعر في إنتاج نص يصيب المتلقي بالدهشة، ويؤدي إلى بقاء المعنى في الذهن إلى فترة أطول من مدة القراءة العابرة؟ كل هذه التخوفات حادثة ونحن نشهد ولادات متعسرة لشعر كثير أغلبه هشّ لا يعمر طويلا في الذاكرة الفردية والجمعية.

لعله غني عن القول أن نقول إن الشاعر المعاصر سيكون في أزمة إبداعية حقيقية لو سلم بتقنيات الصورة الشعرية القديمة واعتبرها منجزا نفادياً؛ لا يمكن تجاوزه، وهنا بهذا المنطق يكون العجز والاجترار وعدم القدرة على اجتراح تقنيات شعرية جديدة قادرة على تجاوز القديم الشعري في معانيه وصوره. ويغدو التوقف عن الكتابة أولى من الكتابة التي تنتج بعضها بطريقة مشوهة.

لم يكن الشعر في يوم من الأيام إعادة إنتاج صورة قابعة في الدواوين القديمة، بل لا بد من النظر الذاتي في التجربة الذاتية، "فالصورة في سياقها التركيبي إنما هي جسم حامل للدلالة المتسقة مع الدوافع الذاتية والمرتبطة بالبواعث الموضوعية المكونة لها"[5]. ولن تفلح في هذه الحالة عملية النقل الشعري، أو ترحيل الصورة من باب المدح والاعتذار، كما هي عند النابغة الذبياني الذي مدح النعمان بن المنذر في قصيدته تلك، إلى باب الغزل كما فعل الشاعر رضوان قاسم. ثمة بساطة واضحة جدا في بيتي الشاعر المعاصر، وتطويل تجاوزه الشاعر القديم، ففي حين عبر النابغة ببيت واحد في ثنايا القصيدة، احتاج الشاعر المعاصر إلى بيتين للوصول إلى المعنى ذاته.

لقد انتبه الشعراء إلى مثل هذا؛ فعندما قال الشاعر بشار بن برد:

"من راقب الناس لم يظفر بحاجته // وفاز بالطيبات الفاتك اللهجُ

جاء سلم الخاسر فقال:

من راقب الناس مات غما // وفاز باللذة الجسورُ

فلما سمع بشار هذا البيت قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتي"[6].

ما الذي جعل بشارا يقول هذه الجملة؟ إنه تفوق الشاعر "السارق"، إن صح هذا القول، على المنتج الحقيقي للمعنى؛ لأنه قد جعله أسلس وأكثر سيرورة. هذه السيرورة التي جعلت بيت سلم الخاسر ينتقل على الشفاه أسرع من بيت بشار بن برد، نظرا لعدد الكلمات الأقل في بيته، فقد نجح في تكثيف المعنى أكثر من بشار بن برد الذي صاغ المعنى بوزن "البسيط"، وجاء بيت سلم الخاسر بوزن أخف، وهو البحر "الخفيف"، وما بين هذين البحرين من اختلاف في التقطيع العروضي وعدد التفاعيل والمقاطع والسلاسة أيضا. كل هذه الحقائق يعلمها بشار بن برد بوصفه شاعرا فذّاً، فأدرك من فوره أن بيته قد قضي عليه، ولم يعد الناس بحاجة بيته، فإذا ما أرادوا التمثّل بالشعر لهذا المعنى استدعت الذاكرة تلقائيا بيت سلم الخاسر وليس بيته.

إن هذه الفلسفة في إنتاج الشعر والصورة معاً هي التي يجب أن يفكر فيها الشاعر المعاصر، وليس فقط مجرد الاتّباع لشاعر قديم، لأن مجرد الاتباع لن يساهم في شعر باذخ يعيش في الأذهان، ولكنه في أغلب الأحيان يجعل الشعر والشاعر في مرتبة أدنى مما كان وصلها الشاعر القديم بشعره وسبقه للمعنى وفرضه في آفاق التلقي المختلفة.

وأخيرا أشير إلى اختلاف الوزن لدى الشاعرين، ففي حين صاغ النابغة بيته على البحر الطويل، جاء بيتا الشاعر رضوان قاسم على مجزوء البحر الكامل، وربما هنا يكون الشاعر قد تخلص من سيطرة الشاعر القديم، فخالفه في الإيقاع والوزن، ولكن هذه السيطرة لن تمنع المتلقى من العودة إلى الأصل؛ فهي منغرسة في عمق الصورة والمعنى، على الرغم من أن البحر الكامل المجزوء أسلس من البحر الطويل. لكن يجب النظر إلى استقرار معنى بيت النابغة في الذاكرة الشعرية العربية التي تجعله أكثر حضورا من بيتي رضوان قاسم، وهذا مختلف عما حدث بين بشار وسلم الخاسر، لأن الشاعرين هنا كانا يعيشان العصر ذاته، ولم يعمر بيت بشار عمرا طويلا يجعله في مأمن من التهميش والانزياح نحو الظل، فكلا البيتين له العمر نفسه تقريبا.

والسؤال الذي يسأله النقد عادة في مثل هذه المجاراة من التقليد والحبو على ضفاف الشاعر القديم: ما الجديد الذي قدمه الشاعر المعاصر؟ ولماذا يفعل كل ذلك؟ وهل كانت عملية القول الشعري عملية واعية؟

باعتقادي لم يساهم البيتان في إنتاج صورة جديدة للمرأة العربية، بل أصبحت الصورة ملتبسة بين صورة الملك الممدوح وبين صورة المرأة في شعر الغزل، وظل السياق محيلا إلى صورة الملك التي غدت أوضح وأجلى، وعلى ذلك لم يحالف الحظّ الصورة الشعرية؛ لتحتل صورة المرأة محل صورة الملك، لأنه ببساطة لم تكن تلك صورتها في مدونة الغزل العربية، أو ليست هي الصورة الرائجة لها على امتداد أبياتها المتكاثرة.

وعلى ذلك فإن ما حدا بالشاعر المعاصر أن يكتب بيتيه هو إعجابه بما كتبه الشاعر القديم، فقاده ذلك الإعجاب إلى هذه العملية الواعية من الكتابة الشعرية، غير الخاضعة للمساءلة الإبداعية، فجاءت تشبه إلى حد كبير عملية التدرب على إنتاج المعنى ذاته في سياق مختلف، مع الأخذ بعين الاعتبار شيئا من تغريب المعنى، حسب المصطلح النقد العربي القديم، وقد تم استدعاء المعنى مباشرة من عمق المدونة الشعرية الجاهلية دون إحداث تلك الرعشة الإبداعية اللازمة عند قراءة الشعر. ولعل جلّ ما أفلح فيه الشاعر المعاصر هو إعادة الشاعر القديم إلى الواجهة متوهجا، فهل هذه النتيجة كافية لنقول للشاعر: "أبدعت" أو "أحسنت"، و"دمت مبدعاً"، كما يفعل الجمهور الفيسبوكي في المملكة الزرقاء؟ أعتقد جازما أن الشعر أعقد من كل هذا، وله قوانينه الخاصة التي تربك ما استقر من كل قوانين الإبداع التي ستفقد ألقها إن أصبحت قانونا عاما يسير عليه الآخرون، فكل قانون إبداعي لا بد من أن يُنتهك بقانون آخر، وهكذا حتى يظل الشعر متوهجا، راعشا مدهشا، غير نفاديّ.

من منشورات مجلة شذى الكرمل 48

__________________
الهوامش:
[1] شاعر فلسطيني مقيم في سوريا، من مواليد مخيم خان الشيح للاجئين الفلسطينيين قرب دمشق، صدر له ديوان (فاءٌ أنا)، وديوان (علِّمني كلام الماء)، وحصل على عدة جوائز.
[2] نشر البيتان في 8/3/2020.
[3] ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، ط2، ص74.
[4] الكتاب، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003، (ص82-83).
[5] السابق، ص83.
[6] كتاب الصناعتين (الكتابة والشعر)، أبو هلال العسكري، تحقيق مفيد قمحية، دار الكتب العلمية، بيروت، ص167.

 

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 107 مشاهدة

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

255,403

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. 

حررت خمسة كتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن تجربته الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معه عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.