فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

قراءات أعضاء لجنة الفاروق الثقافية

مناقشة ديوان ما يشبه الرثاء في دار الفاروق

تقرير: رائد محمد الحواري

ضمن الجلسة نصف الشهرية التي تعقدها اللجنة الثقافية في دار الفاروق تم مناقشة ديوان "ما  يشبه الرثاء" للشاعر الفلسطيني فراس حج محمد، وقد افتتح الجلسة الشاعر "عمار خليل" الذي رحب بالشاعر والحضور، ثم قال: "صورةٌ ثلاثيةُ الأحزانِ لديوان (ما يُشبه الرثاء)، ففي هذا الديوانِ استوى الحزنُ على جوديِّ النفس والشعور، ونضجت ثمارُ اليأس على أشجارٍ بدتْ كالأشباح كالتي على الغلاف، وما على القارئ إلا أن يقطِفَها بكلِّ سُهولةٍ واقتدار، ولكن ليس ليأكلَها، بل ليحملها حزناً فوق حزنه. فهل هذه النصوصُ هي حقاً تُشبه الرثاء أم أنَّ الرثاءَ هو الذي يُشبهُها؟

في هذه النصوص غدوتُ كمن يأكل الصبر بشوكه، أو كمن يبحث عن بصيص ضَوْء في نفقٍ تحت محيطٍ من الظلام وتكسيرِ الذات وتشظي الملامحِ إلى أبعد حد من البؤس. في هذا الديوانِ ابتعد الشاعرُ عن انفعالاته إذْ كان مُتحكماً بنواصي الكلمات، حيث استخدم الدال عكس المدلول؛ لينحت صوراً شعرية جميلة، وأحيانا يجترها اجترارا، فأتعب نفسه وأتعبنا. قراءاتي لأدونيس وللريشة قليلة، ولكني أعرفها، فكأني بين يد النصوص والقصائد وجدت لون هؤلاء يرتديه شاعرنا فراس حج محمد، فمن الرمزية العالية والتلاعب بالدالات لاستيلاد مدلولات جديدة قد لا تخدم أطر الصور الجميلة، مما يدفع القارئ قصراً لإعادة القراءة والتأمل والتخيل.

إن وظيفة الشاعر هي إبداع النص ووظيفة القارئ استخراج ذلك الإبداع من النص، ولكلٍ منها الإرادة الكاملة في الصياغة والتعبير، وهنا تكمن قدرة كل منهما، وأنا هنا كقارئ ومتذوق لهذه النصوص، أعترف أني قد تعبتُ وأرهقت حتى تلبستني شخصية هذا الشاعر المتشظية، هي متشظيةٌ لكنها منسجمة مع نفسيته، فهذا الكم الهائل من الألفاظ السوداء المعمّدة بالحزن (الموت/ البكاء/ أشلاء/ هباء/ غبار/ الجرح/ الشقاء/ السراب) وغيرها، فكل هذه الألفاظ تجعلني أتوقف كثيراً على الأبعاد النفسية والتجارب الذاتية للكاتب. فهل كتب الشاعر نفسه بكل تراجيدية، بل وفصلها تفصيلاً حتى عبر قطمير ثمرته اليائسة. لقد حافظ الشاعر على النسق واللغة بكل جدارة واحترافية، فلو أنك أخذت مقطوعة من بعض القصائد ووضعتها مع قصائد أخرى ستجد استمرار النسق الشعري شكلاً ومضموناً.

في قصيدتي (أحلام شاعر) و(كن هامشياً وكفى) هناك بعض الارتياح والبياض لكن ما لبث الشاعر حتى أطلق عليها سهام حزنه وتعبه، كأنه يصر على إرهاقنا والتحكم بمشاعرنا لنسأل أنفسنا ذات السؤال: لماذا هذا الحزن والبؤس والتعب؟ وللشاعر الحرية ألّا يجيب ولنا الحرية أن نسأل. إن أول المعجبين بأي نص هو كاتبه بالدرجة الأولى، وهذه الشيء طبيعيٌ، ومن حق كل شاعر وكاتب الافتخار بذلك، لكني وجدت عند شاعرنا (الأنا) تسيطر على بعض قصائده، مثل (هكذا آتيكم) و(أولئك المردة). قد قرأت ذات مرة عن أبي حيان التوحيدي، ذلك الأديب الذي قيل عنه وعن أدبه (شديد الاعتداد بنفسه، واسع الاطلاع، سوداوي المزاج، حتى ذات مرة قام بجمع كتبه وإحراقها، فأخشى أن يفعلها ذات مرة الشاعر فراس حج محمد."

وتحدث الإعلامي همام الطوباسي قائلا: "ديوان ممتع وجميل، فيه عمق، وبعض القصائد بحاجة إلى أكثر من قراءة، الفكرة الإنسانية وأسلوب الشاعر يزيلان التعب والقسوة من الديوان، هناك بعض الألفاظ الصعبة، لكن يبقى الديوان ممتعا".

ثم تحدث الشاعر مهند ضميدي قائلا: "في سكرة الوقتِ وبجنون الأفكار جلست وتأملت في نفسي وقلت. كيف لي أن أكتب نقدا أدبيا لديوان أستاذي الذي أسير خلفه وأتعلم منه؟ فهذا ما لا أطيقه ففتحت كتابا اسمه "شيء مما أبقته الريح"، وهو كتاب في نقد الشعر الفلسطيني، وقرأت منه ثلاث قراءات علّي ألتقط شيئا من البلاغة أو الفلسفة النقدية، وارتأيت أن أجعل قراءتي عبارة عن تفاعل مع نصوص الشاعر وطرحا لبعض الأسئلة التي تشغلني حتى يتضح المراد منها أكثر وننصف الديوان.

أبدأ حيث تبدأ سنّة أي كتاب؛ من العنوان "ما يشبه الرثاء"، وهنا استوقفني العنوان حيث أن أي شي يشبه شيئا آخر لن يكون هو تحديدا، وبالتالي فإنه قريب جدا، فهنا كأنّنا في المحطات الأخيرة حيث أنه لم تمت الفكرة بعد ولكنها تحتضر، وربما ستنبئ بقدوم فكرة أخرى أخيرة ستكون هي الرثاء فعلا.

تدور دوامة الديوان، وندور معها بشكل لولبي، لأن الديوان احتوى قصائد في مواضيع مختلفة وتأملات متنوعة لكن من نفس الجنس، فأحيانا نصعد مع هذا اللولب للشعر الذي له نزعة تفاعلية خارجية، ونهبط مع اللولب للنزعات الفردية العاطفية الشخصية، واخترت فكرة الهبوط؛ لأنها توحي أن الإنسان قد تجّمع في نفسه وذاته، وفكرة الصعود لأن الإنسان يخرج من ذاته إلى العالم ويشعر به.

"لا شيء فينا كامل أو ناقصٌ" عند أول عتبة للديوان لمست فلسفة حقيقية وواقعية، وهي الوجود على سلوك فطرة وبرمجة مسبقة وتتغير بتفاعل الموجود مع نظائره من الموجودات، وهنا أسميها "منطق الحجر"، حيث الحجر هو هكذا لم يجتهد ليصبح ما هو عليه هو هكذا، ولكن "تشوهه الحياة بلغز مبتذل".

الانتفاضات والابتهالات في الفكرة والانتماءات للمبادئ المختلفة والاشتعالات كلها صفر، لأن مقام العالم صفر لذلك فمن الخطأ المنطقي أن نحاول تقسيمها على هكذا مجتمع مغلق، فلن تتفاعل معه، وبالتالي سنموت والورد في منتصف الطريق، وربما في البداية حتى.

لم تكن أنت الضمير الغائب بل الموجودات كلها، حيث أنها غائبة عن هكذا فلسفة وبعيدة جدا، وحدها هناك في الضياع السرمدي في العالم المغلق، وفي سماء السكرة الأنثوية تجمعُ النجومُ عقدا لجيد أبيض عاجيّ ستكون صاحبته هي الموت الفعلي لنفهم نحن فلسفة الموت والحياة من منطق صانع تابوت الموتى.

ولو تحدثنا قليلا عن الجنود سنأخذ المسمى ونطلقه على كل كائن أو شيء يمارس نفس السلوك، ويحمل نفس الصفات، ومن صفاتهم طبعا الاغتصاب وشرب الدم وكسر كل شيء على طبيعته ليحيلوه إلى أخرى معاكسة له تماما، وفي متاهة الشاعر كان الجنود من نفس ذلك العالم المغلق المدفون في الظلام الذي أساسه الصفر فلا يسلم شيء منه، فالقصيدة والأدب والفلسفة هي الهدف تماما، وخلايا الحزن في الإنسان هي موجودة على الفطرة والحياةُ توقظها، كما أسلفت في منطق الحجر. فكيف تفهمنا القصيدة واللحون غدت سبايا؟ كيف تفهمُ ودّ الرجل وعطفَه من سباها رجل؟

كيف تؤمن بنا القصيدة ونحن من ننكرها؟ وهنا يعرض الشاعر معاناة القصيدة في هذا العصر من مختلف الاغتيالات، لذلك فهو عصر ماجن يمارس كافة أنواع القهر مع الفكرة والنص والأحلام فيقتلع السنابل التي تملأ الحقول تماما كصديقي الشاعر الماجن الذي دائما ما يقلد نزار قباني بشعره الماجن فيقتحم خصوصيات النساء على الملأ بشكل مزعج جدا، والعجيب في الأمر أن منهن من يروقُ لهن ذلك الأمر، وأنا على طرف الحوار أراقب الموت البطيء للسهل والسنابل والنجوم ويحزنني ذلك، فربما يلزمني إعادة تعريف الوجود والأفكار والحدود جيدا.

أدور مع لولب الديوان فأجد ذلك المجتمع نفسه الذي يقطن في الظلام في العالم السفلي المغلق، فأجد المَرَدة المثقفين يرفعون شعار الثقافة، وهو تماما كالهوية المزورة ويمارسون ما مارسه الجنود سابقا من دون رحمة، وتسبى القصيدة مجددا فهي الضحية والهدف، روادها هم مدّعون حقيقة وتدهشني جرأتهم في مواجهة العاصفة دون عتاد، هل هم حقيقة جريئون أم أنه جهل بواقع الأشياء؟ فالطفل يجهل طبيعة النار، وبالتالي يلمسها بكل جرأة. فهل هم كذلك أم أنه يوجد فلسفة أو نعرة ما؟

قصيدة "بم تختلف؟" لن تختلف، فهي كأختها السابقة لها وتتكرر الأنماط فيها، ولكن مع تفاصيل جديدة، وذلك لأننا هامشيون، ويجب أن نعيد بناء فلسفة الحياة ونرسم الحدود من جديد والأفكار حتى تأتي سنة جديدة مختلفة، فيها حياة ونقاء وماء، وأنا أوافقك الرأي في أن المدينة لا تموت فهي كالقصيدة خالدة، كالأنثى ذكرها يسرّ الخاطر ويسافر في الروح، ونحن فقط نسخ تجريبية فيها لها عمر وتنتهي بعده، والمدينة هي الحضارة هي التاريخ والذاكرة، وربما جاء تأكيد الهوية في تقديمك لها لتأكد أنها لا تموت، لأنه بالمنطق المجرد نستنتج أنه هناك من يغتال المدينة وينكر خلودها فجئت لتأكد هويتها ودوامها بسلطة الحرف والمنطق، وهنا أرصد التشابه بين المرأة والمدينة من ناحية جنس كل منهما فالمرأة تاريخ وحضارة أيضا ومنشئة وحاضنة أجيال وأيضا تتعرض للإنكار والاغتيال ممن يجهلون قيمتها.

كانت المرأة حاضرة وبقوة في الديوان فكان لها أدوار كثيرة وأعجبني بعض الوصف فيها، وأنا أقول إنه لا حياة دونها فهي الملجأ من الشتات، والحياة من الموت، والسعادة من بعد القهر، والحنان بعد كل كرب، وأنا أعشق وجودها في الكلمات، وفي كل شيء تأنّث لفظه في المعاني مثلا، واللسان العربي فأشعر بالراحة والأمان المطلق.

أثناء القراءة كنت أحاول التخيل لكل نص فكنت أتصور القصائد وأتخيلها، فكنت أرصدُ البعضَ والبعضُ يفلت مني، فسؤالي هنا: هل القصيدة خيال دائما وقابلة للتصور أم أنها قد تكون فلسفة لغوية بيانية معينة قد لا تجسد واقعا ما، فتكون مجازا معناه فقط يخص الشاعر؟

لقد أتقنت الوصف والتصوير في الديوان، فكنتَ قاصا دقيقا يتذكر جيدا تفاصيل الأشياء، وهنا يأتي سؤال آخر ويتبادر لذهني وهو مرتبط بجواب السؤال السابق له، لقد أصابني شعور في بعض القصائد أنه كان يوجد توصيف زائد أو تعابير شعرت أنها إضافية على النص فجاء هذا التصور لأني لم أستطع تخيل بعض القصائد وتصورها فقد تفلتت مني، وذلك لأنه قد لا تكون القصيدة قابلة للتصور، كما أسلفت، فبالتالي هي ذات فلسفة معينة ولها مجاز معين قد لا ندركه لأنه يخص الشاعر. فهل أصابك التشتت في بعض القصائد أم أن عندك فلسفة معينة؟

أحتاج لأن أتعلم منك أكثر، وأن نتناقش أكثر في الديوان، لأنني في بعض القصائد قرأت مقاطعها بشكل خاطئ فكسر معي وزنُها. لقد استمتعت كثيرا بالقصيدة العمودية اليتيمة، وثملت بها، وكم تمنيت لو أن جميع القصائد عمودية لأني أحب العمودي أكثر.

لقد استمتعت كثيرا بالديوان وسافرت إلى جميع محطاته ولا يزال لولب الديوان يدور وأدور معه صعودا وهبوطا وذلك لأعرف عنه وعنك أكثر".

وتحدث رائد الحوار فقال: "وقع الأحداث على الشعراء يكون أضعاف مضاعفة إذا ما قارناه مع الأفراد العاديين، وهذا يعود إلى الإحساس المرهف الذي يتمتع به الشعراء، فعندما نقرأ/ نستمع إلى الطريقة/ الشكل/ اللغة التي يقدمون بها مشاعرهم نشعر بشعورهم ويتنامى فينا الإنسان، الإنسان النقي البكر الذي يتأثر بأي خبر/ حدث/ لفظ/ حرف قاس أو مؤلم، من هنا تكمن أهمية الشعراء، وأجزم بأن الحياة دونهم، ودون حزنهم ـ رغم انعكاسه علينا ـ تفقد بريقها، وتمسى ذات لون واحد، لا رونق له ولا بهاء.

حدثني "فراس حج محمد" عن الديوان قبل صدوره، وقال: "إنه أسود، بلا فرح"، وهذا ما جعلني حذرا ومترددا في التقدم منه، لكن، ما إن قرأت فاتحة الديوان:

"لا شيء فينا كاملٌ أو ناقصٌ

كل شيء هو هو

ناشئ بفطرتهِ

تشوّهه الحياة بلغز مبتذَل" ص5.

حتى انفتحت الأبواب أمامي لأتقدم وبلهفة من الديوان، وكأن الشاعر يمهد لضرورة تقبلنا للواقع ـ على علاته ـ فطبيعة الحياة فيها الكامل والناقص وما بينهما، وعلينا أن نتعامل/ نأخذ بها كما هي، إذا أرادنا أن نكون سويين فيها، أما إذا أرادنا أن نحدث خللا في هذا الواقع المتوازي فسينعكس علينا، فهو يدعو إلى تقبل الأشياء والأشخاص على ما هم عليه، دون أن نفرض رأينا/ سلوكنا عليهم، فهل هذه (ديمقراطية)، أم أن الشاعر وصل إلى حالة يأس بحيث لم يعد يفكر في إحداث أي تغيير في الواقع؟

هناك أكثر من مستوى للحزن/ للغضب/ لليأس، وهذا المستوى يتأثر بالألفاظ التي تسبقه، يقول في قصيدة "هكذا آتيكم":

"وأتيتكم بتاريخ طويل في القصائدِ

للتاريخ

للذات الشقيةْ

لخيل العُرْب قد ماتت على الإسفلتْ

للنّاقة المحلوبةِ العمياءْ

للصقر في الصحراءِ

أرض الموت في الأرض السليبةْ!

وأتيتكم أبكي عليّ/ عليكمُ" ص8.

إذا ما توقفنا عند الألفاظ التي جاءت بعد "عرْب" نجدها بمجملها غارقة في السواد، "ماتت، الإسفلت، المحلوبة، العمياء، صقر، الصحراء، الموت، السليبة، أبكي" وكأن "خيل" العرب زادت من حدة الألم/ الحزن/ غضب الشاعر، فكانت الألفاظ سوداء كحال المضمون، وحتى عندما استخدم لفظ أبيض "الأرض" أتبعه مباشرة بالموت والسليبة، بحيث لم يترك أي مكان للخط الأبيض، وهذا يشير إلى حجم وقع الأحداث عليه. ثم يبدأ الشاعر بالخروج ـ ولو قليلا ـ من حالة القتامة السابقة:

"وعلى كل الحروف النازفات بروح أغنية الشعوب المستريحة في مسالخها

ومنامها بين الدماء

وأتيتكم لأقولْ

الغول قد أكل الكلام وسدّ حلق المنشدينَ

واخترق الحنينَ

وسلّم الشعراء ريشتهم هناكْ

حيث مالُ معاويةْ

ومالوا واستمالوا كل رأس طاغيةْ

واستراحوا في سباتْ

في حضن أنثى غاويةْ

لم يعودوا الكهنةْ" ص8

المستوى الثاني أقل حدة من الأول، فيبدو وكأن الشاعر فرغ شيئاً مما فيه من خلال ما تحدث به في السابق، فنجد ألفاظا بيضاء "بروح، أغنية، المستريحة، المنشدين، الحنين، وسلم الشعراء، ريشهم، أنثى" فهذه الألفاظ ورغم أنها جاءت مقرونة بحالة السواد، إلا أنها أحدثت (خلخلة) في القتامة عند الشاعر، وهذا ما سينعكس على المقطع التالي:

"فكيف أقول؟

وأين من يمضي معي لنعيد صوغ الأغنياتِ

على وقْع الوترْ

في ظل خضراءِ الشجرْ

يا ليتني وقصيدتي كنا حجرْ

وفؤاد طيري من حجرْ

لعرفت ساعتها بأني أشعر الشعراء قافية وأندى من حضرْ

لكنني ما كنت إلا مثلهم عرّاب أحلام الضجرْ" ص8-9.

هناك تحول كبير عند الشاعر، فنجده يكثر من استخدام الألفاظ البياض، فصيغة السؤال "فكيف، وأين" جعلته يستيقظ من كابوسه، ويتقدم من حالة بيضاء كان بأمس الحاجة إليها: "صوغ، الأغنيات، الوتر، ظل، خضراء، الشجر، قصيدتي، فؤاد، طير، لعرفت، أشعر، الشعراء، قافية، وأندى، حضر، أحلام" كل هذه الألفاظ جاءت بعد حالة التفكير، فالسؤال الذي طرح، هو الذي أحدث اليقظة، لهذا نجد هذا (الزخم) من الألفاظ/ البياض، وكأنه أراد بها طرد (الكابوس) السابق.

الشاعر يحدثنا عن أكثر من حالة، فهناك الحزن، واليأس، والغضب، أحيانا نجده يجمع بينها، وأحيانا يتحدث عن حالة واحدة، يحدثنا عن أقلها سوادا في قصيدة "هذا الشتاء":

"سيمرُّ هذا الشتاء ويأخذ

من خلايانا ويمضي

ستمرُّ فينا الريح وتلك العاصفةْ

سيدخل بيننا في كل منعطفٍ

ويمضي...

سيأخذ شمسنا والنورْ

ويعطينا غيوما قاحلة

سيأخذنا إلى قدرٍ جديدٍ به بعض الحُجُبْ

فيه لونٌ أبيضٌ مغسولُ عِرْقِ الجيوب البائسةْ

سيأخذنا هذا الشتاء

ويسري نحوَ كلِّ هطول غربةْ

ويأكل في موائدنا على نفس الطبقْ" ص10.

اللافت للنظر أننا أمام قصيدة شتائية، والشتاء غالبا ما يأتي بصورة الهدوء، لكنه هدوء إجباري، فالظرف والحال كلها تجعل الإنسان (يخبو) متكيفا مع الشتاء، لكن الشتاء يحمل بين ثناياه الأمل والخير القادم، فحالة السكون ما هي إلا مؤقتة، وبعدها (سيكون) حال جديد، نتوقف عند حرف "السين" فهو غايتنا ووسيلتنا للتحمل والتكيف مع الشتاء، والشاعر أيضا يستخدمه محاولا أن يقنع نفسه من خلال استخدامه: "سيمر، ستمر، سيدخل، سيأخذنا" بأن الخير قادم، والخلاص آت، والشاعر لا يكتفي بهذا الأمل الكامن في حرف السين، بل يؤكده من خلال استخدامه لصيغة المضارع "ويأخذ، ويمضي، ويعطينا، ويسري"، وإذا ما توقفنا عند مدلول الفعل المضارع المجرد الذي يشير إلى حالة التفاؤل والفرح القادم، يمكننا القول إن الشاعر في هذه القصيدة كان يحمل الأمل والفرح، وهذا يشير إلى أنه ما زال يحمل بذور الخير ولم يقنط من الواقع.

العناوين وتآلف النصوص:

العنوان، وفاتحة القصيدة لهما أثر في متنها؛ في قصيدة "المجد للشاهدين" التي تتكون من ثلاثة مقاطع، يتحدث في المقطع الأول عن الشعر، فهو أحد عناصر الفرح للشاعر، كحال المرأة والطبيعة، به يحاول الشاعر التقدم من الحالة السوية، فيستخدم ألفاظا بيضاء بمضامين فرح، فهذا المقطع يكاد يكون خارج حالة "ما يشبه الرثاء" التي تهيمن على الديوان، وهذا ما يجعلنا نقول إن "فراس حج محمد" يحمل في اللاشعور حالة الفرح، لكن وقع الحال يجعله يتقهقر إلى الوراء تاركا البياض خلفه:

"الشعر صعب" قل: "طويل سلمه"

فقد انبرت تلك النجوم تغازلهْ

تهوى الجلوس إلى المعاني الشاردهْ

والروح تنهض ترتقي درجات سلمها

وتصدح بالغناء لعلها تجد

الملائكة الشهودَ تكلمهْ" ص22.

أما المقطع الثاني فجاء فيه:

ذوت كما تذوي السنينُ

كواهل المعنى الشقيُّ

ذوت كما تذوي معاني الفلسفهْ

والقول هدهدها

الذات تذوي،

ويكون شاهدها الشعر المحلى

بأحلام النبي" ص 22.

فإن الشاعر يستخدم حرف الذال ست مرات، وهذا يشير إلى أثر العنوان "الذات" في بقية القصيدة، فهو يتحدث عن ذاته، لهذا فهو قريب من القصيدة، والقصيدة قريبة منه، لأنها تعبر عما فيه، وهذا ما أكده لفظ "هدهدها" الذي يوحي بالعلاقة الحميمة التي تجمع الشاعر بالقصيدة/ بذاته، لهذا استخدم كلمة ذات حروف تتكرر الهاء فيها ثلاث مرات، والدال مرتين في كلمة واحدة.

سنتوقف هنا قليلا، هل يعني هذا أن الشاعر يقف (عاجزا/ مذهولا/ حائرا) أمام العنوان، بحيث يفقد القدرة على الإتيان بألفاظ أخرى؟ أم أنه يمثل حالة التماهي مع القصيدة، بحيث يكون هو والقصيدة شيئا/ كائنا واحد؟ الإجابة تأتينا في المقطع الثالث:

المجد للشعر في المعنى

والمجد للذات الشقيهْ

كلما تذوي تجد الولادةَ

في الكلام" ص22.

في هذا المقطع نجد جمع لكل ما سبق، "المجد، الشعر، الذات، الكلام"، وهذا يشير إلى أن الشاعر تكتُبه القصيدة، فهي من تجعل الشاعر يُخرجها لنا".

وأضاف الأستاذ سامي مروح قائلا: "القصيد الجميلة تبقى جميلة وآسرة بصرف النظر عن شكلها، عمودية أم حرة، فالشعر الجميل لا يخضع للشكل بل للإبداع، والشعر الحر يمنح الشاعر والقارئ آفاقا أوسع، بالنسبة لديوان "ما يشبه الرثاء"، هناك متعة حاضرة  فيه، وعمق وتكثيف وكلمة جميلة وصور شعرية، وهناك توحد بين الشاعر والقصيدة، والعاطفة قوية وجياشة، كما نجد بعض القصائد تدعو للتفكير والتأمل فيها، وهذا التوازن بين العقل والعاطفة يخدم فكرة الصراع/ التناقض الكامنة في الديوان، ونجد بعض القصائد ذات إيقاع سريع، تشير إلى اضطراب الشاعر، لكنها لم تخرج عن خط الديوان، اعتبر هذا الديوان أفضل ما كتب، ففيه يتألق الشاعر، وهو ذروة إنتاجه الشعري، والجميل فيه تناوله للمرأة  بصورة إنسانية، فنجدها في أكثر من صورة وأكثر من حالة، أنهي قولي إن الديوان ممتع رغم السواد المنتشر فيه". وأضاف أن نصوص هذا الديوان تصلح للترجمة لما تعالجه من قضايا إنسانية تجريدية ليس لها ارتباط بعرق أو دين.

ثم تحدث الشاعر إسماعيل محمد فقال: العنوان مثير يعود بنا إلى الشعراء الذي رثوا أنفسهم، عبد بن يغوث الحارثي، ومالك بن الريب، وأبو فراس الحمداني، وفي العصر الحديث، أمل دنقل، في ديوانه "أوراق الغرفة 8"، ومحمود درويش في "الجدارية"، وهدى شعراوي، وأمجد ناصر، كل هذا يشير إلى عبثية الحياة بالنسبة للشعراء، فهم ينظرون إليها بازدراء، غير ذات أهمية، وفراس حج محمد في هذا الديوان أكد (عادية الحياة) فالموت والحياة سواء.

 ثم تحدثت الروائية خلود نزال قائلة: "أنا أقول ليته كان رثاء كي نبكي معه ونستريح، فالرثاء هو أحد أغراض الشعر التي يرثي فيه الشاعر عزيزا ما بعد موته، لكنه رثاء للأحياء، إذ نرثي أنفسنا حين يتركنا فراس معلقين بين الموت وشبه الحياة تاركا إيانا على جرح نازف نتشارك معه كل قطرة من وجع.

يذكرني العنوان بقصيدة مالك بن الريب حين قال يرثي نفسه وقد شعر بدنو أجله: "ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة// بوادي الغضا ازجي القلاص النواجيا".

وما يشبه الرثاء لما يشبه الموت أو ما يشبه الحياة، ففي الحالتين نحن بين واقع موجع ومجهول ليس أقل وجعا بعد أن أوصلنا إلى حالة من الاكتئاب والإحباط الذي تجلى في قصيدة "سورة الزمن الحزين" (ص94)، فهو يمطرنا بكم من الحزن الذي عبأ به القصيدة وكل أيام الأسبوع وانعدام الأمل في الآتي. في قصيدة "بم تختلف" (ص96) يقول: "سنة ككل سنيننا عجفاء// فيها التردي والعنا بلواء".

"ما يشبه الرثاء" قصائد نازفة وعذابات متعددة استنزفتنا حتى ونحن نبحث عن الحب فيها، لنستظل ساعة فما يوشك أن يهبنا البياض لحظة حتى يعود ويسكب فوقه سواد التجربة، سواء للوطن أو الأرض أو الناس متمترسا خلف ستار الحزن الذي تلبسه من بداية الديوان حتى نهايته حتى الحبيبة التي تعتبر الملاذ والسكينة كانت من حجر لشدة برودتها وقسوتها وصممها حين قال: "يا فتاة من حجر" في قصيدته "وصار الحزن أغنية". (ص53).

في قصيدة "رسالة للجنود المنهكين" أحسست فيها تعاطفا معهم، وكأنه يشفق عليهم وتمنيت لو وصفهم بما هو أنسب لوحشيتهم وقسوتهم.

في النهاية أتمنى لفراس هدأة لأوجاعه وفرحة تنسيه كل عذاب".

أما القاصة فاطمة عبد الله فقالت: "مجموعة شعرية مدادها الوجع، يغمس الشاعر يراعه بماء الروح، ويخلع علينا خياله، ويتسربل بالحزن، هموم وانكسار، يأس واضطراب، ما يشبه الرثاء. موت تحت قشرة الحياة. حين تدخل هذه المجموعة الشعرية ستشعر أنك تدخل حقلا من الصبار، مع كل قصيدة يضيق عليك، تمسك أشواكه بمجمع حواسك، تنتزع نفسك فتعلق أكثر فأكثر.

قصائده وخزات وجدانية تندرج تحت تجربة الموت والحياة، العزلة والوحدة، وسياسية أشواكها وضع سياسي مأزوم وخزه الهزيمة والانهيار النفسي والإحباط. أحزان كثيرة، حتى لا يتفرد بك حزن واحد فيقتلك. ستضع عنك قصائده، وتنهض تاركا عنك حزن فراس، ألا تكفيك أحزان عمرك؟ إلا أنه يكون قد استولى عليك، سكن داخلك، وأسرك معه في دائرة انفعالاته في زجاجة ضيقة العنق لن تخرج منها، إلا لتتعاطى اللوعة جرعة بعد جرعة، ولن تشفى قنوات روحك، وستبحث عن كيٍّ لجروحك، وتعود لذات القصيدة مرة تلو المرة. حتى تصل "وأخيرا" ص167 في ثلاثين مقطعا نثريا صاغ فيها قلقه وتوتره، وهدوءه وغرامه، مقطع 8، ص172:

هادئ هو كل شيء

مثلي تماما

لا أقل

لا أكثر

لا أصغر

أكبر

ينسل شعرة من عجين البدء

يشرب من مسام الجلد

يسقط مثلما سقط الرغيف اللولبي على متاهات أخر

هادئ هو كل شيء

كأي أمر عاد يكرج في هدوء

واستقرّْ

وبين بعثرة النصوص، للمرأة نصيب، تروح السكرة وتأتي الفكرة، يغوص في مفردة النساء يبرز ملامح المفردة الداخلية ويجرد الحروف من توازن الشكل إلى تطرف المعنى ص182، والمرأة في القصيدة التالية قصة أخرى لصنف آخر كان قاسيا بطمس أنوثتها، صارمة جامدة وكأنها من الحجر، ربما هي قصيدة مستعصية. بين المقطع الأول وقصيدته العمياء التي تشج الرأس، والمقطع الأخير الذي ربما هو مقدمة هذه المجموعة كلها. اثنان وسبعون قصيدة معنونة، وثلاثون مقطعا نثريا دون عنوان مع أن بعض هذه المقاطع طويلة، قصيدة بحد ذاتها، ومقاطع قصيرة متسع أفقها. سبعة من قصائده فقط حملت عنوانا من كلمة واحدة دون تكرار للعنوان، بينما ثلاث وأربعون قصيدة عنونت بكلمتين ولم تكرر العناوين، واثنان وعشرون قصيدة من ثلاث كلمات وأكثر، عنوان واحد متشابه (رسالة للجنود المنهكين) و(رسالة أخرى للجنود المنهكين)، مع العلم أن قصيدة "رسالة أخرى للجنود المنهكين" غير موجودة في الفهرس، فكأنما هي قصيدة واحدة في رسالتين.

نخرج من المجموعة الشعرية لنعود إلى قصيدته الأولى (هكذا آتيكم) ص7، يأتنا بهيئة انطباعنا عن الشعراء ووسامتهم المرهقة، في ازدواجية الصور وتناقض المشهدين الأبيض والأسود، بين الحرية والعبودية، يأتينا برمزية الصحراء والناقة والموت والبكاء، يأتينا نمشي معه نتوجس الحذر، نلمس رهافة قلب الطير يؤرخ لبؤس واقع غارق في اليأس.

وأين من يمضي معي لنعيد صوغ الأغنيات

على وقع الوتر

في ظل خضراء الشجر

يا ليتني وقصيدتي كنا حجر

وفؤاد طيري من حجر

لعرفت ساعتها بأني أشعر الشعراء قافية وأندى من حضر

لكني ما كنت إلا مثلهم عرّاب أحلام الضجر

(هذا الشتاء) ص 10:

سيمر هذا الشتاء ويأخذ

من خلايانا ويمضي

ستمر فينا الريح وتلك العاصفة

سيدخل بيننا في كل منعطف

ويمضي

سيأخذ شمسنا والنور

ويعطينا غيوما قاحلة

سيأخذنا إلى قدر جديد فيه بعض الحجب

فيه لون أبيض مغسول عرق الجيوب البائسة

سيأخذنا هذا الشتاء.

يكرر الشاعر حرف السين مجسدا حالته النفسية، محركا فينا هاجس التفاعل مع تجربته وذكرياته، فعدا الفائدة الموسيقية لهذا الحرف والإيقاع الذي يحدثه داخل القصيدة، فإنه يدخلنا صلب الدلالة؛ فالسين هنا حرف تنفيس أو حرف استقبال وحرف توسيع نقل المضارع من الزمن الضيق وهو الحال إلى الزمن الواسع وهو الاستقبال، وهذا أعطى القصيدة طاقة حيوية وخاصية الحركة داخل النص، والفعل المكرر (سيمر) أنتج رؤيا وترك دلالة نفسية عميقة في السياق، صداها اليأس والرتابة والاستسلام والتسليم، ويزيد من تأكيد رؤيته بتكرار جملة (سيمر هذا الشتاء) في المقاطع الأخيرة من القصيدة.

استخدم الشاعر تقنية التكرار في أغلب قصائده، مما أعطاها جمالية فنية وإيقاعية وجسدها شعوريا. (هي بين بين) ص12، هي للغائبة المفردة، وكونه بدأ قصيدته بـ (هي) فهذا دلالة على التفخيم والتشويق وعلو الشأن على غرار: "هي الأخلاق تنبت كالنبات// إذا سقيت بماء المكرمات". وقد عمد أيضا إلى تكرار (هي)، فكانت بمثابة رابط بين الجمل وسيرورة الصور المتعاقبة، عاكسة توتر الشاعر وقلقه، محدثة نغمة موسيقة لافتة داخل القصيدة، تبرز احتدام الصراع داخل الشاعر:

هي غفوة بين الحمم

هي غفوة بين الرمم

هي غفوة حتى أشاهد ما تلبد من عدم

هي أننا في كل يوم معترك

في كل يوم مفترق

مع كل لحظ منتهك

شيء تأبّط فعله، ويعود بالقتلى رقم

هي إذا ضمير أخفاه الشاعر، أسقطها لفظا لا معنى له وترك أثرها.

يتابع المتلقي القراءة، ويقع على رموز كثيرة في هذه المجموعة الشعرية، ولكل رمز في كل قصيدة دلالة مختلفة، فالليل والريح والقمر والنجم والنار والعجوز، تختلف دلالاتها من قصيدة لأخرى، وحتى في ذات القصيدة، لا تتعجب إن وجدت للرمز أكثر من دلالة. وقد يجعلك الشاعر تصاب بنوبات من التوتر والحزن توصلك حافة الانهيار، يزداد نزفك وضربات قلبك وتطعنك في العمق نصوصه، ثم ما تلبث أن تشعر بالراحة والاسترخاء وهذا رد فعل طبيعي للوخز بإبر الحزن حيث يسكن الألم.

(النورس المكسور) ص23 يرمز النورس للترحال والتنقل. ويتمتع طائر النورس بقدرة فائقة على تحدي العواصف البحرية، وذاكرة قوية يعود بها إلى أماكنه القديمة حتى لو طمرت تحت الماء:

جناح النورس المكسور مد ظلاله

يتتبع الريح العقيمة

يغازل ماضيا يبكي

ينام على سرير للقتيلة

الريح هنا ترمز للمقاومة والثورة ووصفها بالعقيمة إشارة إلى الأمة وما بها من تبلد.

تطاوعه الحساسين التي عبقت بها الذكرى

يبادلها الهوى

ويطعمها نوى قمرٍ

يكفنه بأعينها الكليلة

وفوق جبينها باضت رذاذا

من هزيمة

يا نجمة شهدت مسارحها الطويلة

القمر يرمز هنا للسفر والتنقل وتغير الأحوال، والرذاذ هو المطر الخفيف الضعيف يشير إلى الوعود الكاذبة والمعاهدات الخائبة التى أطلقتها الأنظمة العربية في أعقاب النكسة. وفي السياق الدلالي للنجمة هي نجمة داود.

(طقوس النار) ص63 لمفردة النار رمزية ودلالات عدة وقد جاءت هذه المفردة في أكثر من قصيدة في هذه المجموعة الشعرية وحملت عنوان هذه القصيدة المجزأة في أربعة مقاطع؛ كل مقطع يشير إلى دلالة منفردة، ففي المقطع الأول إشارة إلى قدسية النار، وفي المقطع الثاني تشير إلى نار الثورة وكيف تخمد بعد فترة:

النار عند المقدرة

جملا تفيض الثورة

التي أضحت بفكرتها تخور

ولا تناوئ سلحفة

وفي المقطع الثالث هي نار الفقد، والعدم، وفي المقطع الرابع تظهر النار بدلالاتها الإيجابية؛ فهي للطهر والنور والإشراق والتقدم.

يستحضر الشاعر رموز تاريخية (تذييل حديث لقصة قديمة) ص65، فيذكر عفراء العذرية ويطلب منها النوح على أحلامه. ومن الرموز الدينية (دماء إسماعيل) ص67، ومن الرموز الأسطورية قصيدته (السندباد) ص110. غارقة هذه المجموعة بالرموز التي تدهش المتلقي وتثير ذهنه، فهي بين رمز بسيط ورمز عميق إلى رمز أعمق، ساهمت في الارتقاء بالقصائد وعمقت دلالاتها وشدة تأثيرها.

قصيدة (رثاء) ص127، يرثي الشاعر نفسه بكل حزن وفجيعة، تفتقده أشياؤه، يرثيه الصباح والعطر والورد والشعر، يبكيه الفرح والفنجان والكاس، يبكيه من يحبه ومن يكرهه:

إن جاءك اليوم الصباح

مكللا بالياسمين

قولي له: قد مات

إن جاءك العطر الشهي

مفتشا عن ظله

قولي له: قد مات

هنا، وخلف هذه المرثية شعور مفجع بالغربة والبعد عن الذات، فرغم ما يملأ حياة الشاعر من تفاصيل إلا أنه يجد نفسه ميتا. وفي خاتمة القصيدة يقع المتلقي على حقيقة الموت والشعور الحقيقي بالفاجعة، وهذا لأن الموت من البداية مفترض، لأنه لم يحدث، وهذا على عكس قصائد الرثاء حيث اعتاد الشعراء أن يستهلوا قصائدهم بحتمية الموت كونه الحقيقة الأبدية، وعمد الشاعر إلى فنية تكرار جملة (قولي لهم: قد مات)، هو يخاطب امرأة قد تكون زوجته أو حبيبته، امرأة اعتادت على تفاصيل يومه وحياته، التكرار هنا ترك أثرا انفعاليا كبيرا في نفس المتلقي، حيث أفاد في استيعاب حقيقة كبرى كالموت وتأكيد رسوخ هذه الحقيقة.

(مثل لا شيء عديم الفائدة)، (الجسد المحنط)، يرسم الشاعر خارطة روحه ويهندس أحزانه بأكثر من بعد، الخوف، الغربة، العتم، البرد، هشاشة الروح، حين يصنع الضجر المعجزات، يقول عميد المكتئبين في العالم إميل سيوران (الملل يصنع المعجزات، حين نتعلم نغترف من الفراغ ملء اليدين)، فحين يتحدث الشاعر عن أناه في (أنا وإياي) ص107 و(أنا طبعة تجريبة) ص108 يصنع المعجزات.

هل بالغ نيكوس كازانتراكيس حين قال: لا توجد إلا امرأة واحدة، امرأة واحدة لها وجوه لا تحصى. في "ما يشبه الرثاء" تحتل المرأة حيزا كبيرا، فوجودها ليس هامشيا، ولا مبتذلا لقد اجتاحت النصوص، وكانت في أغلب القصائد موضوعها، فظهرت بشكل مستقل وفاعلية في المجتمع وداخل النص الأدبي، فشبهها بالنخلة والشمس في قصيدة (أحلام الشاعر) ص50:

إني أراك كنخلة

طابت ثمارا وانتشت

منها الخواطر

سطعت كشمس تنثر الأنوار

في أبهى المناظر

هذه المرأة الصديقة والأخت، حتى لو كانت صداقة إلكترونية عن طريق النت، ص51:

يكفي لهذا (النت) بعض صداقة

وأخوة وعبير آمال سواحر

والمراة هي الحبيبة قصيدة (غير أمي) ص131، وهي الذكرى (كزهرة بيلسان) ص104، (الشعر يكتب سيرته) ص56، وقصيدة (كن هامشيا وكفى) ص74، فالمرأة تحضر هنا بجسدها وشخصيتها القوية المسيطرة، حيث تريد الرجل، ولكن ضمن معايرها هي وخاصة إن كانت المرأة كاتبة أو شاعرة.

وحدك من سيخسر دائما

إن عشقت امرأة تلعب فيك الكرة الصغيرة

تكتب منك لغيرك

تقرأ شعرا لسواك

تفتح ليلها لغير هواك

تقاوم أو تناضل

تحارب أو تسافر

تمارس شهوتها على عجل هناك

تلهو وتنسى

تتناسى شهوتك المنداحة في الأحلام

قصيدة (صف من النسوان) ص126، يلتقط الشاعر هنا صورة دقيقة من الطبيعة، فيجعلها منبعا من منابع الإيحاء، فيعبر عن وجع الانهزام والضعف والعجز والاستسلام تحت غطاء من السلام الواهي:

صف من النسوة

مقطشات الملابس مثل الحمام الهرم

منفشات الرأس والأذرع بالية والجلد أجعد أصفر دون زغب طري

قصيدة (يا غوايات المقل) ص99، تحسبه يتغزل بامرأة، وغزله كله في أحزانه، لعلها ترحل وتتخلى عنه.

يرى المتلقي أن المرأة عنصر راسخ في هذه المجموعة الشعرية، فإن لم تظهر في مطلع القصيدة ظهرت في متنها، وإن استحضر الشاعر المرأة بدلالتها الجسمية والشكلية وصورتها الحسية، إلا أن القارئ بعمق يرى أن المرأة حملت أبعادا اجتماعية، في المجموعة الشعرية ورؤى الواقع.

(خطبة الدكتاتور الأخيرة الموزونة جدا) ص149، و(رأيت فيما رأيت) ص151، و(الطلقة الأخيرة على رأسي الغبي) ص155، و(وجع السؤال... تعب الحقيقة) ص158. يرمي الشاعر في هذه القصائد التابوهات الاجتماعية جانبا، ويتخلى عن لغة العشاق العذريين، ويقدم طقسا جنسيا صريحا نوعا ما. ما يعرف عن الشاعر هو الالتزام، لكن إمعانه في اليأس يعزز لديه غريزة الحب والرغبة، حيث تتلازم هذه الغريزة مع النزعة التدميرية وغريزة الموت، ولا نعني هنا الموت البيولوجي وانتهاء الحياة، بل موت يشمل الأحياء والأموات، لأن حالة اليأس تجعل الأحياء أكثر موتا من الموتى، تحمل هذه القصائد إيحاءات جنسية ذات دلالات شهوانية، يتلذذ بها المتلقي رغم ما فيها من ألم.

هذه المجموعة الشعرية صادرة عن طباق للنشر والتوزيع. وتقع في 194 صفحة من الحجم المتوسط، ستكون مهدا للعديد من القراءات والدراسات فهي غنية بالرموز والدلالات والتراكيب الفنية".

وأجاب الشاعر فراس حج محمد على ما جاء من مداخلات قائلا: "أشكر دار الفاروق على هذا اللقاء الحميم والثري، أما بالنسبة لديوان "ما  يشبه الرثاء"، فمع كل كتاب جديد أكون متوجسا من رأي القارئ، فأنا أخاف أن أكرر نفسي، لهذا أكون حرصا على التجديد وتقديم مادة تختلف عما سبق ونشرته، أعتقد أن التقاط القارئ لما في الديوان مسألة تعتمد عليه، أكثر مما تعتمد على الكاتب، فقد كانت هناك مفاتيح  في كل قصيدة،  فكرة الديوان تتمحور حول الحزن والواقع الإنساني، لقد خرج الهم الشخصي بصورة الهم الإنساني العام. لهذا كنت أطمح، ولعلني نجحت في ذلك.

بالنسبة لديوان الشعر والمجموعة القصصية يجب أن يكون هناك تجانس في المادة التي يشتمل عليه كل منهما، وأية قصيدة أو قصة خارج عن الإيقاع العام للعمل الأدبي يجب إخراجها منه، فعندما أكتب أعيد قراءة الديوان غير مرة، حتى لا يكون هناك أي قصيدة شاذة عن الفكرة أو الإيقاع النفسي للعمل الأدبي ككلّ.

وفيما يخص فكرة الموت أشار الشاعر إلى اختباره الشخصي معه قائلا: "بعد مرحلة النضوج وجدت الحياة صعبة الفهم، وهذا يشير إلى أن التناقض حاضر فينا وفي حياتنا، وهذا ما يقوله الديوان وكشفت عنه القراءات على الرغم من اختلافها وتنوعها. وارتبطت فكرة الموت منذ الوعي المبكر، بفكرة دمار العالم، فنحن نعيش في عالم خرب، فما الداعي للحياة؟ وهل الخلود ممكن؟ ألم يطرح جلجامش هذا السؤال؟ أعتقد أن كل كاتب إله، يبحث عن الخلود من خلال ما يكتبه، فالكتابة إحدى أشكال البحث عن عشبة الخلود".

وعندما تناولت الجنود كتبت عن إنسانيتهم، رغم أنهم يَقتلون ويُقتلون، فالحالة الإنسانية هي المنطلق والفكرة المحورية فيه، وهنا أشير إلى ما كتبه الشاعر السوري ممدوح عدوان "حيونة الإنسان" الذي يتحدث فيه عن العنف البشري، وكيف يتحول الإنسان إلى وحش، فالدكتاتور في المجمل يحاول تعويض هشاشته بالعنف الذي يمارسه على الآخرين، فالجندي وإن كان أداة من أدوات الدكتاتور إلى أنه في نهاية المطاف هو ضحية لفكرة الأيدولوجيا التي يسوقها الدكتاتور الأكبر، وهذه الفكرة تدعو إلى الرثاء أو ما يشبهه وليس العكس، فهم يواجهون مصيرا مجبرون عليه.

أما بالنسبة للمرأة قدمتها بصورتها الإنسانية تتألم كما يتألم الرجل، وجاءت بأكثر من صورة، الحبيبة، الجدة، والمرأة قد تخرج من أنوثتها عندما لا تمارس حياتها بشكل طبيعي، سوي، كلاعبات التنس مثلا.

وحول ما قدمه عمار خليل من استفسار حول "التزام النص الأدبي بالإيحاء بعيدا عن الصراحة والسفور الجنسي". يرى الشاعر أن فعل الجنس فعل تدميري، عنيف، وهنا تأتي فكرة التماثل بين الفعل واللغة والشكل الذي تقدم به، فاللغة تخرج عن سياقها كما هو حال الفكرة المتمردة. في الأدب الآيروسي يجب استخدام ألفاظ "وقحة" و"قذرة" وقاسية. جمانة حداد تطرح هذه المسألة في كتاب "هكذا قتلت شهرزاد" وتقول إنها تريد أن تواجه المجتمع بهذه  اللغة القاسية. جورج باتاي في "حكاية العين" طرح هذه الفكرة أيضا، فالنزعة التدميرية حالة أساسية في الأيروسية.

 

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 88 مشاهدة

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

255,658

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. 

حررت خمسة كتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن تجربته الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معه عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.