حوار: أشرف التعلبى

فازت المجموعة القصصية «دمى حزينة» للكاتب الكبير سمير الفيل بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية فى دورتها السادسة بالكويت بمشاركة 198 مجموعة من دول عربية وأجنبية، فى زمن هيمنت فيه الرواية وجوائزها، الفيل هو واحد من أبرز كتاب دمياط وتتسم كتباته بطابع كلاسيكي، لأنه مغرم بالحكى عن البسطاء وعوالمهم.

قدم سمير الفيل العديد من المؤلفات التى تنوعت ما بين المجموعات القصصية، والروايات، والدواوين الشعرية، والنقد، وأدب الأطفال وحصل على جائزة الدولة التشجيعية عن مجموعته القصصية «جبل النرجس»، وجائزة ساويرس الثقافة لأفضل مجموعة قصصية لعام 2020 فى فرع كبار الأدباء عن مجموعته القصصية «أتوبيس خط 77».

فازت مجموعتك القصصية «دمى حزينة» بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية بدولة الكويت ماذا تمثل لك الجائزة؟

تكاد تكون هذه الجائزة هى الأهم بالنسبة لكتاب القصة القصيرة، فبينما نرى اهتمامًا واسعًا منذ سنوات بعيدة بالرواية وظللنا نسمع مقولة «زمن الرواية»، استطاعت هذه الجائزة أن تُعيد الاعتبار لفن القصة القصيرة، وينظمها الملتقى الثقافى بالتعاون مع جامعة الشرق الأوسط الأمريكية بالكويت، تحت رعاية الكاتب الكويتى طالب الرفاعى، وهى جائزة عربية بمواصفات عالمية، لتسليط الضوء على المنتج القصصى العربى بما يسهم فى إعلاء قيمة اللغة العربية، ودعم الإبداع العربى الحديث فى جنس القصة، وتنافس فى هذه الدورة 198 مجموعة قصصية، من 23 دولة عربية وأجنبية، والحمد لله أن مجموعتى كانت الأولى من بين كل هذه المجموعات القصصية.

وقد وجدت استقبالاً وحفاوة كبيرة تعبر عما قدمته من إبداع أدبى، وأن ما كتبته من كتب ليس نتيجة عام أو اثنين لكنه نتيجة 56 سنة، حيث اكتب فى الحقل الأدبى منذ عام 1968، وطوال هذه الفترة اكتب بلا انقطاع.. نحن كمبدعين نكتب وننشر على حسابنا ونوزع ثم عرفنا الناس، لأننا بعيدين عن العاصمة ومراكز النشر، وأعتقد أن هذا شىء عظيم، جعل الكثير من النقاد الجادين يلتفتون إليك ومن هنا أود تقديم الشكر والامتنان للملتقى وللكاتب طالب الرفاعى منسق عام الملتقى.

هل هذه الجائزة تكريم لك أم تكريم للقصة القصيرة؟

أعتقد أن هذه الجائزة هى تكريم للقصة القصيرة قبل أن تكون لى، وأيضًا الفكرة أن يركز الكاتب جهده فى جنس أدبى بعينه، لإننى استطعت كتابة 25 مجموعة قصصية فى الفترة من عام 2001 وحتى الآن، بعضها فائز بجوائز منها جائزة الدولة التشجيعية وجائزة ساويرس، وهذه أول جائزة عربية، وحاولت خلال قصصى طرح قضايا كثيرة ومتشابكة، وتفكيك الخيوط والوصول إلى رؤية ما، لأننا نعيش فى عالم مرعب وبه كثير من القسوة، وعالم يحتاج إلى مشرط الجراح، وأعتقد أن كاتب القصة القصيرة سيكون مؤثراً إذا كان موفقًا مثل أساتذتنا العظماء مثل بهاء طاهر أو إبراهيم أصلان، أو جمال الغيطانى، أو عبدالفتاح الجمل، وصبرى موسي وأنا أعتبر أننى واحدًا من تلامذة هؤلاء الكتاب الكبار، أحاول تطوير أدواتى، وأظل ممسكًا بالقلم، وفى نفس الوقت أعالج قضايا الواقع، دون أن أقتله حرفيًا، فمهمة الكاتب هنا مهمة فكرية بجانب مهمته الجمالية.

وما القضايا التى تتناولها «دمى حزينة»؟

“دمى حزينة» هى واحدة من مجموعاتى القصصية الـ25 التى كتبتها، وصادرة عن دار بتانة، لكنى أعتبرها من المجموعات الأثيرة لنفسى، لأنها تحاول معالجة الواقع المصرى فى تحولاته عبر أحداث تتسم بالحيوية، من خلال حيوية اللقطة ولغة تكاد تكون بسيطة، لكنها تمس العمق الإنسانى.

والسمة المشتركة فى المجموعة عوالم القهر التى تحاصر المرأة، أيضًا التحولات الاجتماعية والاقتصادية فى الواقع المصرى، وانتشار ظاهرة العنف فى المجتمع، بالإضافة إلى تأمل حيوات الشخصيات التى تعيش حالة من القلق الدائم، ومن قصص المجموعة: «روبابيكيا، والسلسلة، جرح النافذة، ذهبت إلى البحر، القنفد، شرفة مليئة بالزهور، الداء والدواء، نجوم مضيئة، مآسى السيدة ب».

كتبت الشعر والقصة والرواية والنقد وللأطفال لماذا فضلت القصة القصيرة عن باقى الأجناس الأدبية؟

أيام حرب الاستنزاف كنت أكتب شعر العامية، لكن منذ سنة 1974 بدأت كتابة القصة وفازت قصتى بالمركز الأول وهى بعنوان «فى البدء كانت طيبة»، وفزت أيضًا بالجائزة الأولى عن «كيف يحارب الجندى بلا خوذة»، وقصة «الساتر» جائزة أولى.. ولم أنتبه وقتها أن داخلى سارد وقاص، وظللت أكتب الشعر حتى 2001 عندما وجدت موقعًا مهمًا على الإنترنت باسم «القصة العربية»، فكتبت فى هذا الموقع 150 قصة قصيرة، فعرفنى الناس من خلال هذه القصص، وبدأت نشر قصص من مجموعتى الشهيرة عن أدب الحرب «شمال يمين»، وهذه المجموعة نقطة تحول أيضا فى حياتى، لأن هذه المجموعة حازت على اهتمام كبير للغاية، فوكالة رويترز كتبت تقول وقتها إن «سمير الفيل» هو أول كاتب عربى يكتب عن الحرب من منظور إنسانى.

وفى الحقيقة أنا مدين بالتقدير لمدرس الصف الأول الابتدائى الأستاذ «رفعت قطارية» الذى كان يبدأ الحصة بأغنية «ذهب الليل وطلع الفجر»، وغرس داخلنا النزعة الوطنية، وكنا نرسل خطابات للزعيم جمال عبدالناصر، ونحن لا يزيد عمرنا عن 6 سنوات.

وتأثرت ببعض الكتب من أهمها كتاب نيكوس كازانتزاكى «تقرير إلى غريكو»، و»ضرورة الفن» لأرنست فيشر، وكتاب «الغصن الذهبى» تأليف جيمس فريزر فى الأساطير، ولا أنسى موسوعة «مصر القديمة» للدكتور العظيم سليم حسن، والكاتب الأمريكى وليم فوكنر، والكاتب المسرحى وليم شكسبير وغيرها من الكتب.

هناك ارتباط وثيق بينك وبين المقهى، دائمًا ما نجدك تكتب على المقهى وتعتبرها صالونك الثقافى.. ما تعليقك؟

محمد النبوى سلامة قدمنى حتى ألقى أول قصيدة شعرية أثناء حرب الاستنزاف سنة 1969 فى مقهى «دعدور» بدمياط، ثم قدمنى الشاعر الكبير الراحل عبدالرحمن الأبنودى وكان معه إبراهيم رجب صاحب لحن «يا بيوت السويس» وألقيت ثانى قصيدة، وكان ذلك فى نفس العام فى قرية «كفر البطيخ» التى تحولت إلى مدينة فيما بعد.

انا أتنفس من خلال المقهى، فمنذ سنوات طويلة أكتب على المقهى فى دمياط، وألتقى بالمبدعين، والشباب الذى يود تعلم القصة أو يود ألقاء قصيدة ونقول له الملاحظات، وبالتالى تمثل المقهى لى ملتقى ثقافيًا وفكريًا نلتقى فيه لنتحدث ونناقش الأعمال الأدبية الجديدة.

كما أنها المكان الذى يمدنى أو ألتقط منه الأفكار التى أكتبها فى البيت، ودائمًا وأنا على المقهى يكون فى حوزتى ورق وأقلام لتدوين الأفكار، أو الملاحظات أو الجمل الافتتاحية، وهذا سر نجاح كثير من أعمالى، التى أتلمس من خلالها أحزان وهموم وأوجاع الناس، كل ما تتصوره فى الحياة يمكن أن تدخله فى النص لكن ليس بحذافيره، لكن ككاتب لا بد أن تحدث إضافات سردية جمالية، فبدون أن يكون نصك حيويًا فلن تستطيع أن تصل إلى قلب المتلقى.

لماذا فضلت البقاء فى دمياط بعيدًا عن أضواء العاصمة وأنت تعلم جيدًا ما فى العاصمة من صالونات ودور نشر وندوات وفعاليات؟

البقاء فى دمياط هو اختيار، لست نادمًا عليه، ودائمًا ما كنت أحدث نفسى فى هذا الأمر وأتساءل أمام المرآة: هل مهم يا «سمير» الانتقال للقاهرة أو البقاء أفضل، ثم أقول المهم أن تكتب جيدًا، وتطور أدواتك وأيضًا أقول لنفسى يا «سمير» أنت كاتب «كلاسيكى»، وعليك محاولة التجريب فى الكتابة، ولا تبقى على نفس الأسلوب، لكن دائمًا كانت تأثرنى فكرة الاهتمام بعمود الحكى، وأن أنقل المتعة إلى المتلقى، فأدب بلا متعة هو أدب ميت.

إذن فضلت أن تكون كاتبًا «كلاسيكيًا» لإشباع رغبة المتعة عند القارئ؟

لم أفضل.. أنا بطبيعتى أكتب هكذا، حاولت قدر الإمكان التحرك نحو التجريب، عندى مجموعتان أو ثلاثة بها مساحة كبيرة من التجريب هما مجموعة «جبل النرجس»، ومجموعة «حمام طير» و«أتوبيس خط77»، وإنما أقول بينى وبين نفسي: «حاول بقدر الإمكان الدخول للتجريب «بقلب جامد»، وهذا ما يدور فى عقلي، وأنوى فعل ذلك، وأن أهجر الوضوح الكامل والطوق الباهر جدًا «الحكى»، وأدخل فى لعبة الفن والتجريب، منذ سنوات وأفكر فى هذا الأمر وسوف أفعله.

سأحاول فيما تبقى من عمرى أن أجرب وأحاول أن أجعل تجربتى مختلفة فى التقاط المشاهد بشكل غير كلاسيكى، رغم أن الكلاسيكية ليست تهمة، لكن أريد التجريب فى هذه المنطقة، وأود الاستمتاع، فأنا كاتب ومن حقى أن أفرح، أريد الدخول فى مناطق جديدة فى الكتابة، وعلى كل كاتب أن يفعل ذلك، ولا يرتضى بالقوالب الجاهزة والأفكار المستقرة، وعليه أن يحرر ذاته من أغلال النمطية.

للبحر مساحة كبيرة فى كتابتك لماذا؟

أنا كائن بحرى بامتياز ومدينتى تطل على نهر النيل، ويشقها نصفين: نصف دمياط القديمة ونصف السنانية، ومهتم بالبحر الذى نسميه «المالح»، وكتبت مجموعة قصصية كاملة عن تأثير البحر «هوا بحرى»، وأرى أن البحر يعطينى مساحة كاملة من الصفاء والبراح تفيدنى فى الكتابة، أنا مثل سمكة لو خرجت من دمياط أموت، والكتابة منحتنى السعادة والألم فى ذات الوقت عندما أتحدث عن هموم الناس.


المصدر: مجلة المصور
elsayda

بوابة الصعايدة

رئيس التحرير: أشرف التعلبي

elsayda
نحارب الفقر- المرض- الامية -الثأر... هدفنا تنوير محافظات الصعيد- وان نكون صوت للمهمشين »

تسجيل الدخول

بالعقل

ليس كافيا أن تمتلك عقلا جيدا، فالمهم أن تستخدمه جيدا