جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الإسلام
(2-2)
د. إبراهيم عوض
حتى قصص الأنبياء تختلف فى القرآن عنها فى الكتاب المقدس اختلافا جذريا. ويكفى أن نعرف أن الأنبياء، الذين يجسدون المثال الأعلى فى الخلق والسلوك والعقيدة، يصورهم ذلك الكتاب خونة مارقين وقتلة مجرمين وزناة قراريين لاضمير عندهم يكبح شهواتهم وأحقادهم: فإبراهيم يقدم زوجته هدية لأبيمالك لقاء بعض المواشى، ولولا أن ذلك الملك عرف الحقيقة فى المنام لكان قد زنى بها. ولوط يمارس زنا المحارم مع بنتيه. ويعقوب يسرق البركة الإلهية من عيصو بمعونة أمه زوجة النبى إسحاق بحيلة من حيل الأفلام الهندية، ويصارع الله طوال الليل ويمسكه على نحو لا يمكنه التفلفص معه. ويهوذا يمارس الزنا مع زوجة ابنه، وداود يزنى بأرملة قائده العسكرى المخلص بعد أن قتله فى مؤامرة دنيئة، وهى أم سليمان. وابن داود يعتدى على عرض أخته. وهارون يساعد بنى إسرائيل على عبادة العجل الذهبى. وسليمان يتزوج نساء وثنيات ويبنى لهن الأصنام فى قلب بيته... وهكذا. وفى مفتتح العهد القديم يذكر مؤلفه أن الرجال، وعلى رأسهم آدم، هم أولاد الله، أما النساء فبنات الناس. ودعنا من الأخطاء العلمية والتاريخية والحسابية العجيبة التى لا وجود لها فى القرآن العظيم. واضح أن جولدتسيهر إنما يهرف بما يعرف أنه كذب، وهو يفعل ذلك عن عمد وحقد غليظ.
على أن جولدتسيهر لم يتوقف فى تنطعه عند هذا الحد بل استمر قائلا إنه يتصور أن محمدا كان يؤمن بأن القوة العسكرية كفيلة بنشر دينه خارج بلاد العرب، لكنه لم يكن قد استعد بما يكفل لدينه بعد ذلك النجاح فى مواجهة الظروف المستجدة، إذ كان كل همه هو التفكير فى اللحظة الحاضرة ليس إلا. ولقد فات محمدا، فى غمرة انشغاله باللحظة الراهنة، أن يستعين بجولدتسيهر خبيرا عسكريا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا ودينيا حتى ينجح فيما فشل فيه. إذن لكان الإسلام قد وصل إلى القمر والمريخ والزهرة وعطارد منذ أزمان واكتسح المجرة الشمسية بكاملها، ويفكر الآن فى اختراق المجرات الأخرى. لكن للأسف فاتته هذه النقطة! يريد جولدتسيهر اتهام الإسلام بأنه اتبع سياسة القوة والإكراه مع الشعوب الأخرى حتى أسلمت عن غير طيب خاطر. ترى ما الذى جعل تلك الشعوب تَبْقَى على إسلامها حتى الآن، وقد ضَعُف العربُ منذ وقت طويل ولم يعد باستطاعتهم إجبارها على البقاء فى دين تكرهه؟
ولكن أولا علينا أن نعرف موقف الإسلام من القوة العسكرية والحروب وكيفية نشر الدين وما إلى هذا لنعرف إلى أى مدى يعتمد جولدتسيهر وأمثاله التضليل مبدأ يجرون عليه. وسأكتفى هنا بإيراد النصوص تاركا إياها تتحدث بنفسها: "إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ"، "فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ"، "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ"، "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"، "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ"، و"َلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ"، "مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا"، "لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ"، "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ"، "الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ"، "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ"، "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ". والقرآنُ مُفْعَمٌ بمثل تلك الآيات.
وقد يعترض معترض بما يلى: فما القول إذن فى هذا النص القرآنى: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"؟ أليست هذه دعوة شاملة إلى مقاتلة أهل الكتاب؟ والرد سهل ميسور، فقد نزلت الآية فى الروم حين كانوا يتآمرون على دولة الإسلام فى أواخر حياة النبى عليه الصلاة والسلام، فشحذ القرآن همم المسلمين إلى عدم التقاعس عن رد هذا العدوان وتلقين الخونة المتآمرين درسا لا ينسَوْنه ولا ينساه التاريخ أبدا، وهو ما كان. فأين دولة الروم، وكانت ملء سمع التاريخ وبصره وفؤاده وعقله وكيانه كله، وكانت تحتل بلاد الشرق الأوسط وتنكل بشعوبها وتسومهم سوء العذاب، فظنت أن كل الطير يؤكل لحمه، فشرعت تتحرش بالدولة المحمدية حسبانا منها أنها، لشحة إمكاناتها وحداثة سنها، لن تأخذ فى يدها غلوة، فكان أن اقْتُلِعَتْ، بعد سنوات معدودات، نهائيا من بلادنا، وصارت فى خبر كان؟ وهذا ما يؤلم أمثال جولدتسيهر، فيتنطعون ويقيم كل منهم من نفسه أستاذا فى الإستراتيجية العسكرية والسياسية ويأخذ فى نفض أحقاد قلبه على صفحات الكتب متصورا أنه سوف ينجح فيما فشل فيه الروم والفرس. كان غيره أشطر!
أما ما يزعمه جولدتسيهر من أن محمدا لم يكن يشغله فيما يتصور مستشرقنا إلا فتح البلاد دون أن يكون مستعدا بالتخطيط اللازم والأنظمة المطلوبة لمواجهة ما يستجد من أمور بعد ذلك الفتح، فجوابه أن ما كان يشغل محمدا عليه الصلاة السلام هو تبليغ الدعوة مثلما أمره ربه منذ بداية الوحى فى آيات كثيرة مثل قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ". أما إذا تتابعت الأحداث بعد وفاته عليه السلام وفتح أصحابه البلاد فذلك موضوع آخر يجرى عليه ما يجرى على فتح أية قوة جديدة البلاد الأخرى إذ تواجهها أوضاع طارئة عليها أن تجد لها حلولا وتضع لها قوانين ولوائح ترى أنها كفيلة بمواجهتها تستنبطها من المبادئ العامة التى روعى فيها قمة العدل والتسامح والإنسانية والتحضر. لقد وضع القرآن دستورا للحياة، ويستطيع المسلمون أن يستلهموا هذا الدستور فى وضع القوانين التفصيلية. وفى التجربة والخطإ باب للتصرف والعمل. على أن القرآن والسنة قد احتويا، إلى جانب المبادئ العامة، على كثير من التشريعات التفصيلية التى واجهت وحلت ما نَجَم فى عهد الرسول عليه السلام من مشاكل آنية. وهذه التشريعات من شأنها أن تساعد المسلمين بعد الفتوح على استلهام الدستور العام فى استنباط التشريعات التى تحتاجها الأوضاع الجديدة مما لم يكن للمسلمين به عهد أيام انحصارهم فى شبه جزيرتهم.
ولنفترض أنه لم يكن هناك دستور لاستلهام القوانين منه، فهل وضعت أمريكا قبل غزوها العراق مثلا اللوائح والأنظمة والقوانين الكفيلة بمواجهة ما استجد من مشاكل؟ فلماذا لا يزال العراق حتى الآن يعانى من المتاعب ما يقصم ظهور الجبال؟ ولماذا لم يخرج من الدوامة التى أوقعه فيها الغزو الأمريكى؟ إن كل ما صنعه الأمريكان ويصنعونه إنما يهدف إلى تفتيت ذلك البلد وإرجاعه إلى عصور التخلف والتطاحن وإشعال نيران الصراع بين السنة والشيعة والأكراد وسرقة نفطه وثرواته وآثاره. أما الفتح الإسلامى فلم يَتَغَىَّ شيئا من تلك الغايات الشيطانية الخبيثة، بل أنشأ المسلمون إمبراطورية تقوم على العلم والإبداع والعدل، وإن لم يصلوا بطبيعة الحال إلى مستوى الكمال، ذلك المستوى الذى لا يصل إليه البشر أبدا، إلا أن حكمهم للبلاد التى فتحوها، رغم عيوبهم التى لا يبرأ منها بشر، كان أفضل مرات ومرات مرات من الغزو الغربى للبلاد التى اكتسحها الأوربيون فى القرون الأخيرة وكان كل همهم منها كسح ثرواتها الطبيعية إلى بلادهم واستعباد شعوبها وإذلالها وتخلفها بقوة السلاح والجيوش والشرطة وبالتعاون مع الخونة من بين أَظْهُرِها. ورغم هذا فسوف يقول مستشرقنا بعد قليل كلاما جميلا عن التسامح الذى عامل به المسلمون أصحاب البلاد المفتوحة والذى ظلوا يعاملونهم به حتى العصر الحديث اتباعا لأوامر دينهم التى وضعت موضع التنفيذ منذ اللحظات المبكرة فى الفتوح.
أما بالنسبة لتشنيعات جولدتسيهر على الرسول والإسلام فهو يجرى فيها على سنة اليهود من معاصرى النبى، إذ كانوا موقنين أنه نبى من عند الله، لكن أحقادهم قد أعمت قلوبهم ولوت ألسنتهم عن أن تشهد بالحق مما طالعناه فى قصة عبد الله بن سلام وقصة حيى بن أخطب والد السيدة صفية أم المؤمنين وعمها. ترى هل كان محمد بن عبد الله مريضا مثلا بالهلاوس السمعية والبصرية حتى نتهمه بأنه كان يتوهم رؤية جبريل وسماع صوت الوحى توهما؟ كلا بكل تأكيد، بل كان صلى الله عليه وسلم طوال عمره مثال الإنسان المتزن العاقل الحكيم، ولم يُعْهَد عليه العيشُ فى الأوهام أو الإخبارُ بها أو الركونُ إليها أو تصديقُها. وهل يمكن أن ينجح شخص مريض بهذا الداء فى مهمته التاريخية العالمية الفريدة على النحو الذى نجحه محمد مع وثوقه التام طوال الوقت على مدى ثلاث وعشرين سنة منذ أول لحظة فى دعوته إلى الدين الجديد إلى لحظة وفاته بنجاح تلك المهمة وتحديه العالم كله بذلك، ومجىء الحوادث كلها مصدِّقة لكل ما قال وأكد؟
ولقد كان حوله رجال يمثلون صفوة مجتمعهم، وقلما يكون فى العالم رجال يضاهونهم رجاحة عقل وكياسة ووقارا ودهاء، ومع ذلك لم يمسك أحدهم عليه زلة تشككهم فى سلامة عقله أو صحته النفسية. ثم إنهم استمروا بعده على ما كانوا عليه معه لم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يقولوا فيه، ولو جَمْجَمَةً خافتة، كلمة واحدة تنتقده أو تَلْمِزه أو تُومِئ إلى خلل فى جهازه الفكرى والعاطفى كما يفعل حَوَارِيّو الزعماء الآخرين وأعوانهم فى مثل هذه الظروف مثلما رأينا فى عصرنا هذا ما قاله أتباع كارل ماركس ولينين وستالين وهتلر وموسولينى وماوتسى تونج وعبد الناصر والسادات ومبارك والقذافى مثلا بعد رحيلهم. أقول ما قلت عن استحالة مرضه بالهلاوس ردا على جولدتسيهر، الذى لَحَنَ بالقول يُومِئ إلى أن عظماء الرجال تصيبهم الأمراض التى تعينهم فى مهتمهم التاريخية، وكأن مستشرقنا البلجيكى قد ترك لسيدنا رسول الله مهمة تاريخية يؤديها بعد كل ما وجهه إليه من تهم خبيثة خسيسة. خيبة الله عليه!
وقد لاحظ الرجال الذين كانوا يلتفون حول محمد أمارات الوحى، وكلها تشير إلى مدى المعاناة والثقل الذى كان يبهظ محمدا جسما ونفسا عند تنزُّل القرآن عليه. لقد كان بعضهم، عند ذاك، يسمع عند وجهه دويا كدوى النحل. كما كان عليه الصلاة والسلام راكبا ناقته ذات مرة حين هبط الوحى، فعجزت الدابة عن البقاء قائمة من ثقل ما اعتراها وبركت على الأرض فى الحال. وكان أحد الصحابة واضعا بالمصادفة فخذه تحت فخذ الرسول وهما جالسان، وما إن شرع الوحى ينزل عليه حتى شعر الصحابى المسكين أن فخذه سوف تنفصم. وهذا يشير إلى أن الوحى لم يكن مجرد رؤى وأصوات بل كان له أثر مادى ملموس.
ثم ماذا كان محمد يريد من ادعاء النبوة؟ الرياسة مثلا؟ المال والجاه؟ لقد كان عليه السلام بسيط النفس متواضعا غاية التواضع، فتراه ينزل القبر ليَلْحَد مسلما مغمورا، وتراه يجلس مع أصحابه على الأرض يأكل معهم ما تيسر من الطعام مع إقلاله من الأكل دائما. ولم يكن له جلاوزة يبعدون الناس عن طريقه بالسياط أو يحيطون به لزوم الوجاهة والزعامة كما يصنع الزعماء فى كل مكان وزمان. وكان يقول عن نفسه إنه ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة. وكان ينهى أتباعه عن النهوض له إذا أقبل عليهم. وكان يؤكد أنه مجرد بشر يوحى إليه. وكان ينفى عن نفسه علم الغيب بل وينفى أيضا معرفته بما سوف يُفْعَل به أو بقومه. وكان يتحمل سخافات الأعراب وجلافتهم دون تذمر تفهما منه للبيئة والظروف الخشنة التى نشأوا فيها. وفى القرآن آيات تعاتبه وتقول إن عكس ما صنع فى هذا الموقف أو ذاك كان أولى بأن يُصْنَع. كما لم يتكرر اسمه فى القرآن إلا ثلاث مرات لا غير رغم تكرر اسم موسى مرات كثيرة جدا، وكذلك إبراهيم ونوح ولوط وغيرهم من الأنبياء. وكان عليه السلام لا يتنفج فى كلامه أبدا ولا يكرر: "أنا، أنا" أبدا. وليس فى القرآن آية واحدة تعزو إليه أى انتصار أو إنجاز، بل كل ذلك يُنْسَب إلى الله تعالى. بل ليس لمحمد فيه كلام مباشر من تلقاء نفسه، بل كل ما يقوله إنما هو أمر من الله له بنُطْقه مسبوقا بكلمة "قل:...": "قل: لا أجد فيما أُوحِىَ إلىَّ محرَّمًا على طاعِمٍ يَطْعَمُه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا أو لحمَ خنزيرٍ أو فسقا أُهِلَّ لغير الله به"، "ويسألونك عن الجبال، فقل: ينسفها ربى نَسْفًا"، "قل: إنى نُهِيتُ أن أعبد الذين تدعون من دونِ الله لمّا جاءنى البيناتُ من ربى"... وفوق ذلك فإن القرآن ليخلو تماما من اسم أمه وأبيه وجده وعمه وخديجة وعائشة وحفصة وسائر زوجاته الأخريات مثلما يخلو من الحديث عن أفراحه أو أتراحه تمام الخلوّ. وكان يعلن أنه يستغفر الله مائة مرة فى اليوم، ويظل يبتهل إلى الله ليله ونهاره داعيا حامدا شاكرا مقرا بنعمة الله عليه وطالبا منه أن ينزل به رحمته وبره ولطفه. وكان زاهدا فى المال والترف والفخامة تمام الزهد حتى حين دان له العرب جميعا وانصبت فى حجره الأموال, وظل هو هو نفس الرجل البسيط الزاهد فى الثروة والتسلط والبريق. وكان يعيش مع كل زوجة من نسائه فى غرفة فقيرة لا تحتوى من الرياش إلا على فراش رخيص وبعض الآنية البدائية التى لاتقدم ولا تؤخر. ولم يؤثَر عنه أنه ضرب أحدا من أتباعه أو شتمه أو أهانه، أو حتى أحرجه دون داع، بل كان حريصا على كرامة أولئك الأتباع غاية الحرص، وينصحهم بالتمسك بتلك الكرامة على الدوام. وكان، رغم تمسكه الصارم بمبادئ دينه وأخلاقه، يعطف أشد العطف على الضعف البشرى.
ويوم كسفت الشمس لدن موت صغيره إبراهيم، وحَسِبَ أصحابه أنها إنما كسفت تعاطفا مع أحزانه، أعلنها مدوية أن الشمس والقمر هما مجرد آيتين من آيات الله لا تكسفان لموت أحد أو لحياته. وكان كلما طالبه مشركو قومه بمعجزة رد عليهم بما أمره الله أن يرد به فقال: "سبحان ربى! هل كنت إلا بشرا رسولا؟" مع أنه كان بإمكانه أن ينفى وقوع المعجزات على يد من سبقه من الأنبياء حتى يسد هذا الباب الذى يأتى منه الريح ويستريح، لكنه لم يفعل. ولقد كان محمد صادقا أمينا، فلم يجرب أحد عليه ولو كذبة واحدة أو خيانة فردة على الإطلاق. أقول هذا ردا على من يقولون إنه ادعى النبوة عامدا متعمدا وعن سبق إصرار رغم معرفته أنه ليس بنبى. وأخيرا فلم يحدث أن ورَّث محمدٌ الحكمَ أحدًا من أهل بيته. ودَعُونا مما يقوله الشيعة، فهو كلام لا يدخل العقل، ولا يتماشى مع مبادئ الإسلام أصلا. ولأمر ما مات ابنه إبراهيم ولم يعش بعده. وعلى أية حال لقد عرض عليه القرشيون أن يُوَلُّوه حاكما على مكة كى يتخلصوا من إزعاج الدعوة التى أتاهم بها والتى تهدد أوضاعهم المستقرة لأجيال وأجيال وتنذر بالقضاء على تقاليدهم وعاداتهم ومصالحهم، بيد أنه رفض. ولو كان الحكم غايته لقد كانت هذه أعظم فرصة سنحت كى يحقق بها ذلك الطموح. فلماذا رفضها وأعلن تمسكه بالدعوة إلى الدين الجديد إلا أن يكون الله هو مَنْ أَمَرَه بهذا؟
كذلك قام كاتب هذه السطور بالمقارنة بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث فألفيت الأسلوبين مختلفين تمام الاختلاف بما يؤكد تأكيدا يتجاوز كل شك أن محمدا ليس هو مؤلف القرآن بأى حال. فهناك كثير جدا من الألفاظ والمصطلحات موجود فى الأحاديث ولا وجود لها البتة فى القرآن، وهناك عبارات وتراكيب وصور، وأبنية لفظية وقصصية وقَسَمِيّة، توجد هنا ولا توجد هناك، والعكس بالعكس. وهى سمات جد كثيرة، وتدل على أن القرآن لا يمكن أن يكون من صنع محمد. وهذه المقارنة العلمية الإحصائية متاحة فى كتابى: "القرآن والحديث- مقارنة أسلوبية" المكون من 600 صفحة. وهو موجود على المشباك لمن أراد تنزيله.
ومن ذلك أن القرآن يخلو تماما من كلمة "نِيَّة" ومشتقاتها كـ"نَوَى، انتوى، ناوٍ، مَنْوِىّ" رغم أنها تمثل فى الإسلام محور العمل قبولا أو رفضا، فى حين تكثر هذه الكلمة فى الحديث كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات. وإنما لكل امرئٍ ما نوى". كما تتكرر فى الأحاديث صيغة"مَظْلَمة"، لكنها فى القرآن تختفى تماما، ولا نرى فيه إلا صيغة "ظُلْم". وبالمثل نلفى الأحاديث قد ذكرت ألوانا من الملابس لا يأتى القرآن على ذكرها أبدا كالرداء والإزار والبرد والبرنس والقميص والكساء والخُفّ والشِّعَار والدِّثَار والجُبَّة والقَسِّىّ والحُلَل والعمائم والأطمار والسراويل والقلانس والقَبَاطِى. كذلك لا نجد فى القرآن من الأوزان والمكاييل سوى "القنطار" بينما نجد فى الأحاديث معه الأوقية والرطل والنَّشّ والصاع والمُدّ والفَرْق والعَرَق والقدح والحِلْس والوَسْق. كما يخلو القرآن مثلا من كلمتى "الداء والدواء" برغم أهميتهما فى الحياة، فى الوقت الذى تتكرران فيه فى أحاديث رسول الله عليه السلام. ويقول القرآن فى الآية التالية: "أينما تكونوا يُدْرِكْكم الموتُ ولو كنتم فى بروجٍ مشيَّدةٍ" بالغا بما بعد "لو" أقصى حد فى ا لقوة والمنعة، إذ البروج المشيدة هى أقوى شىء يمكن أن يعتصم به من يظن أنه سينجو من الموت، على حين نجد فى الحديث: "أَوْلِمْ ولو بظِلْف شاة" بالغا بما بعد "لو" أقل شىء فى القيمة والجاذبية. وفى القرآن كذلك يتكرر القسم بمظاهر الطبيعة وما إليها كالشمس والليل والضحى والتين والزيتون والطور... إلخ فى الوقت الذى يخلو فيه الحديث الشريف من هذا اللون من القسم تماما. وبالمثل يكثر فى القرآن المجيد استعمال "إذ" فى كثير من القصص: "وإذ قال ربك للملائكة: إنى جاعلٌ فى الأر ض خليفة"، "وإذ قال يوسف لأبيه: ياأبتِ، إنى رأيتُ أحد عشر كوكبا والشمس والقمر، رأيتُهم لى ساجدين"، ولا وجود لهذا الملمح الأسلوبى فى الحديث النبوى الشريف. وفى القرآن نجد فى المواضيع الحساسة تكنية، بينما لا نعدم أحيانا فى أحاديث النبى فى تلك المواضيع ذاتها ألفاظها الصريحة. وهناك ثنائيات لفظية تكررت فى الحديث ولا وجود لها فى القرآن أو كلمات وردت فى القرآن مفردة، وفى الحديث مجموعة، والعكس بالعكس... وهكذا، وهكذا على مدار مئات الصفحات.
وإلى جانب كل ما مضى فإن مضمون القرآن لا يعكس البتة ملامح الشخصية البشرية، إذ يسوده الجلال والعظمة من مطلعه إلى منتهاه، ومن أصغر سورة فيه إلى أضخمها. وعبثا تبحث بين آياته عن شعور بشرى بالفخار عند النصر أو بالانكسار عند الانتكاسة فلا تجد. وكم مر بمحمد من مباهج وأحزان، لكن القرآن لا يشير إلى شىء من ذلك أبدا: خذ مثلا زواجه من عائشة، هل هناك آية واحدة تصور سروره به؟ أبدا. وخذ موت خديجة وأبى طالب، وقد سُمِّىَ العامُ الذى وقع فيه بـ"عام الحزن"، هل هناك إشارةٌ مجردُ إشارةٍ إليه؟ وخذ واقعة الإفك، تلك الواقعة التى ألقت الضيق فى قلب النبى وأرقته، هل هناك عبارة واحدة تتناول تلك المشاعر الزوجية الفطرية؟ كلا. ونَفْسَ الشىء قُلْ عن انتصار بدر وانكسار أحد والرعب الذى سيطر على قلوب المسلمين عشية غزوة الأحزاب، إذ القرآن لا يحتوى على أى شعور مرتبط بها...
ولدينا كذلك النبوءات التى يتضمنها القرآن ولم يحدث أن تخلفت نبوءة واحدة عن الوقوع فى الزمن الذى حدده. وأول تلك النبوءات والتحديات نبوءة انتصار الإسلام التى تكررت منذ اللحظات الأولى للدعوة المحمدية حتى النهاية. وقد انتصر الإسلام رغم أنف الشرك والمشركين واليهود والنصارى والمجوس انتصارا مدويا مع ضعف الإمكانات لدرجة الصفر أحيانا كثيرة فى جانب المسلمين، وقوة الخصم وتفوق أعداده وعُدَده كما وكيفا. وعندنا نبوءة انتصار الروم على الفرس فى بضع سنين، تلك النبوءة التى حدثت كما حددها القرآن، وفى الوقت الذى حددها القرآن. وهناك الآيات التى تتحدث عن حقائق علمية لم يكن لأحد علم بها فى ذلك العصر ولا فى العصور التالية حتى العصر الحديث. ومنها قول المفسرين مثلا إن النحل يأخذ الرحيق بفمه فيمج العسل منه بينما تقول الآية القرآنية إنه يخرج من بطونها. ثم يتضح فى عصرنا هذا أنه لا يُمَجّ من الفم بل يخرج من البطن. ومن هذا كله يظهر لنا بأجلى بيان أن محمدا لا يمكن أن يكون هو مؤلف القرآن لا عمدا ولا توهما، وأنه نبى رسول من لدن رب العالمين على عكس ما يريد جولدتسيهر إيهام القارئ به.
والآن بعدما انتهينا من تعريف "الثقافة" و"الإسلام" نحب أن نتعرف إلى مظاهر الثقافة فى ذينك العصرين: العصر الإسلامى والعصر الأموى. وقد سبق فى كتابنا: "فصول فى ثقافة العرب قبل الإسلام" أن تريثنا لدن الشعر والخطابة والأمثال والقصص وسجع الكهان وعادات العرب وتقاليدهم وقيمهم ومعتقداتهم فى ذلك العصر. وها نحن أولاء ننوى أن نقف إزاء الشعر والخطب والقصص والرسائل والأمثال، وقبل ذلك كله: القرآن والحديث، فهما اللذان أعطيا هذين العصرين طعمهما وميزاهما عن العصر الجاهلى رغم اشتراكهما معه فى بعض السمات فى نفس الوقت.
وقد كان العرب الجاهليون يدينون بالوثنية ويعبدون الأصنام مع وجود نصارى ويهود وحنفاء أيضا ولكن بنسبة ضئيلة بالنسبة لعابدى الأوثان. أما الآن فصاروا فى الأغلب الأعم مسلمين موحدين لله رب العالمين. كما كانوا ينظمون الشعر مديحا وهجاء وافتخارا وغزلا ووصفا للخمر وتغنيا بالانتصار على القبائل المعادية وتحقيرا لها منطلقين من قيم معينة كانت تحركهم وتدفعهم إلى القول، وهى قيم الاعتزاز القبلى والتنفج بالكرم وشرب الخمر وما إلى ذلك. أما بعد الإسلام فقد ظهر أثر الدين الجديد قويا ساطعا، ورأينا الشعراء يفاخرون باعتناقهم الإسلام وخوفهم من ربهم بعدما كان هذا العنصر غائبا تماما من أشعارهم قبل مجىء محمد عليه السلام بدينه الجديد.
كما رأينا شعر الغزوات ثم الفتوح وانطلاق الجيوش الإسلامية تفتح البلاد وتنتصر على الفرس والروم مما لم يكن للعرب به عهد من قبل، إذ كانت معاركهم محلية محدودة ضيقة الأفق تدور حول خلاف على الماء والكلإ أو انتقاما لعرض مهتوك مثلا. ثم إن أشعار الخمر قد خفت فى البداية فلم نجد من يهتم بوصفها فضلاعن الاعتزاز باحتسائها، اللهم إلا على سبيل الشذوذ والندرة كما هو الحال لدى أبى محجن الثقفى، الذى سرعان ما أفاق من إدمانه وأقلع عن أم الخبائث وباهى بذلك. أما فى العصر الأموى فرأينا الوليد بن يزيد، وهو حالة خاصة وفريدة لم تطل أو تنتشر. وظهر فى الشعر كذلك مدح الرسول عليه السلام والتغنى بقيم التقوى وذكر الجنة والنار ورثاء الخلفاء الراشدين.
أما فى العصر الأموى فنجد شعر الأحزاب السياسية من أمويين وعلويين وخوارج. وفى الغزل نرى عمر بن أبى ربيعة وأشباهه من شعراء اللهو والتنقل بين زهور النساء الفواحة، وجميلا وكثيرا وقيسا ممن قصروا حياتهم على امرأة واحدة وأغلقوا أفئدتهم عن كل امرأة سواها واجدين نشوة علوية فى حبها ومصطلين نار الجحيم جراء بعدها عن منالهم وهجرانها لهم... إلخ.
وبالمثل فإن الخطب التى كانت موجودة فى العصر الجاهلى ظلت تمارس بعد الإسلام مع الفارق التالى، وهو أنهم فى الجاهلية كانوا يخطبون فقط فى المنافرات والأعراس وما إلى ذلك، أما فى الإسلام فانضمت إلى الخطب خطب السياسة والإدارة مما لم يكن يعرفه الجاهليون. كما ظهرت الرسائل السياسية فى ذلك العصر كرسائل النبى عليه السلام إلى الملوك من حوله يدعوهم إلى الإسلام، ورسائله إلى ولاته على الأقاليم، ورسائل أبى بكر وعمر مثلا إلى قوادهما فى معارك الفتوح، وهو مما لم نعلم بشىء مثله فى الجاهلية، وإن كانت هناك رسالة شعرية بعث بها لقيط بن يَعْمُر من ديوان كسرى يُعْلِم فيها قومَه بما انتواه العاهل الفارسى من غزو بلادهم والتنكيل بهم وإذلالهم. كما ظهرت فى عصر الأمويين كتاب الرسائل الديوانية الذين كانوا يتأنقون ويبدعون فى تحبيرها كسالم وعبد الحميد الكاتب وابن المقفع.
وهناك طبعا الأمثال، وإن كان الذهن ينصرف عادة عند ذكرها إلى أمثال الجاهلية متصورا أنه بعد العصر الجاهلى لم تعد هناك أمثال تضرب، مما استحثنى إلى كتابة صفحات غير قليلة فى هذا الموضوع من كتابى عن "تاريخ الأدب العربى من الجاهلية حتى نهاية العصر الأموى"، فكتبت مبينا أن الأمثال لا تتوقف أبدا، وأوردت عددا كافيا من الشواهد الإسلامية والأموية مشفوعة بالظروف التى قيلت فيها والقصص التى أحاطت بها وموقعها منها.
وأما سجع الكهان فقد اختفى إلى الأبد بتخلفه وظلماته وبهلوانياته، إذ أزاحه القرآن الشريف والحديث الكريم من طريق العقول بما فيهما من دعوة إلى الإيمان بالله وتقواه ويقظة العقل والضمير وتجريم الكهانة والاعتقاد فى مصداقية مدعيها والبعد عن كل ما يخامر العقل من خمر وخرافات ودعاوى خاصة بمعرفة الغيب وما إلى ذلك بسبيل، وهجر الكتاب والخطباء السجع الغامض المتنطع الثقيل الظل الُموهِم بأن فى جعبة صاحبه شيئا، على حين ليس فى جعبته أى شىء، والتزم الكتاب والمتحدثون بالنثر السهل السلس المباشر الواضح المترسل. ويبقى القَصَص، وقد كان معروفا فى الجاهلية، إلا أنه لم يصلنا شىء مكتوب منه، وإنما تم تسجيله كتابة فى العصر العباسى، بالإضافة إلى القصص الشعرى الذى كان العرب يتلونه عن ترديدهم لأشعار الجاهلية. أما فى الإسلام فهناك أيضا القصص القرآنى والنبوى. كما أن بعض الخلفاء استعانوا بالقُصّاص فى المساجد والجيوش لاعتبارات سياسية وتربوية مما لا نجده فى الجاهلية.