الإسلام

(2-1)

د. إبراهيم عوض

"الإسلام" هو فى الأصل مصدر للفعل "أَسْلَمَ يُسْلِمُ أَسْلِمْ". وأصل المادة "س ل م"، و"سَلِمَ": برئ من العيوب والآفات والخطر، و"السلام" من ثم هو البراءة من العيوب والأخطار والآفات. و"السلام" أيضا صيغة  من صيغ التحية، ومعناها طلب السلام لمن تحييه. وهناك حديث عن عمران بن حصين يقول فيه إنه كان يُسَلَّم عليه، أى تسلِّم عليه الملائكة، إلى أن اكتوى، أى مارس الكَىَّ طلبا للشفاء من داء ألم به، فحينئذ كفت الملائكة عن السلام عليه. ولست أفهم السبب فى أن تكف الملائكة عن السلام على من يتداوى مما ألم به من داء. وفى "لسان العرب" أن هذا الحديث لا يقدح فى الكى، بل القَدْح فى أن عمران ترك التوكل، وهو مرتبة أعلى من التداوى. وهذا أيضا كلام غير مقنع، فليس فى الإسلام توكل بهذا المعنى أبدا، بل التوكل لا يكون، كما جاء فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا بعد أن يتخذ الإنسان الأسباب والاحتياطات، فإذا كان صاحب ناقة فعليه أن يعقلها، أى يربطها، قبل أن يتوكل. وفى العصور التى يسود فيها السرقة مثلا لا يكفى أن يربط الإنسان ناقته بل عليه أن يوكل بها حارسا أو أن يستبقيها فى يده لا يتخلى عنها حتى لا تسرق.
أما أن يظن ظان أن التوكل الحقيقى على الله إنما يكون بترك الأسباب فهذا هو الضلال المبين، وهو من وساوس الشيطان بكل يقين. فالإسلام دين العقل والمنطق والنظام واتخاذ التدابير فى كل شأن. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا الصدد: "لكلِّ داءٍ دواءٌ. فإذا أُصيبَ دواءُ الداءِ برأَ بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ". ولم يحدث قط أن مرض رسول الله فترك التداوى توكلا على الله، بل كان يستعمل الدواء الموصوف لهذا المرض حتى لقد جمع العلماء كل ما أُثِر عنه فى هذا الصدد قولا أو فعلا، وهو ما يعرف بـ"الطب النبوى". فالبحث عن التداوى هو التوكل الحقيقى، أما تَرْكُه فهو التواكل بعينه، وهذا مذموم أشد الذم فى الإسلام.
وفى "الموطأ" عن عبد الله بن عباس"أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فقال عمر: ادع لي المهاجرين. فدعاهم، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: قد خرجتَ لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تُقْدِمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: اُدْعُ لي الأنصار. فدعوتُهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح. فدعوتهم له، فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تُقْدِمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مُصْبِحٌ على ظَهْرٍ، فأَصْبِحوا عليه. فقال أبو عبيدة: فرارا من قَدَر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. نعم، نَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كانت لك إبل، فهبطت بها واديا له عُدْوَتان: إحداهما خِصْبَة، والأخرى جَدْبَة، أليس إن رعيتَ الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان غائبا في بعض حاجاته، فقال: إن عندي من هذا علما. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه. فحمد اللهَ عمرُ ثم انصرف".
وعندنا أيضا "السلام" الذى هو ضد الخصام والحرب والمعاداة. وهذه الكلمة يكررها المسلم مرات فى صلاته: فى التشهد وفى التسليم الأخير وفى كثير من آيات القرآن التى يتلوها بعد الفاتحة. ومن أسماء الله تعالى "السلام"، أما فى العهد القديم فمن أسمائه "إله الجنود، وإله الجيوش وإله صفوف إسرائيل"، أى إله الحرب. والحرب فى العهد القديم هى فى العادة حرب تدمير وإبادة واستئصال لا تُبْقِى على بشر أو حيوان صغيرا كان أو كبيرا. أما فى الإسلام فلا يجوز التعرض للنساء والشيوخ والأطفال والرهبان وأمثالهم ممن لم يشتركوا فى العدوان على المسلمين. بل إن الحرب فى الإسلام لا تقوم على العدوان بل على رد العدوان بمثله. ونهى الرسول المسلمين عن تمنى لقاء العدو، ولكن متى تم اللقاء فليثبتوا. وهذا معناه أن خيار الحرب هو آخر الخيارات. كما أن العدو إنْ جَنَحَ للسلام فعلى المسلمين أن يجنحوا هم أيضا للسلام. وإذا كانت هناك معاهدة بينهم وبين غيرهم فلا بد من التزامهم بها. فإن خافوا من عدوهم خيانة فلينبذوا المعاهدة إليه صراحة ولايأخذوه غدرا.
وأما الآية الخامسة من سورة "التوبة"، وهى الآية التى يظن بعض أنها وضعت حدا للتسامح مع المشركين وأسست لقتلهم، والتى سميت بناء على ذلك بـ"آية السيف"، فهى أبعد ما تكون عن هذا الفهم. إنها تمثل غاية التسامح والإنسانية، إذ تعامل المشركين معاملة راقية وتعطيهم مزيدا من الفرص. ذلك أنها ليست عامة للمشركين جميعا بل تخص فقط أولئك الذين كانت بينهم وبين الإسلام معاهدة فغدروا بها وخانوا المسلمين وقتلوا فريقا منهم غيلة وختلا. فماذا كان رد القرآن على هذا التصرف البشع؟ لقد أمهلهم أربعة أشهر منذ ذلك التاريخ ينتقلون فيها فى البلاد آمنين مطمئنين لا يتعرض لهم أحد من المسلمين بشىء. بل لقد أوجب الله على المسلمين أنه متى أتاهم أحد من المشركين مستجيرا بهم خلال تلك المدة فعليهم إجارته حتى يسمع كلام الله ثم فلْيُبْلِغُوه مأمنه رغم كفره. فإذا انسلخت الشهور الأربعة، شهور السماح، فعندئذ يمكن المسلمين أن يأخذوا بثأر قتلاهم ويقتلوا المشركين الغادرين القاتلين جزاء وفاقا على غدرهم بالمسلمين وقتلهم للأبرياء الأوفياء المسالمين الذين وثقوا بهم. وكان هذا حق المسلمين منذ اللحظة الأولى التى وقع فيها غدر المشركين بهم، لكن القرآن تسامح معهم ولم يسارع بالثأر منهم. على أنه لا بد من العلم بأن المعاهدة التى كانت بين المسلمين والمشركين كانت تجحف بالمسلمين أيما إجحاف حتى لقد اعترض عليها بعض الصحابة لولا أن الرسول هدّأ من رُوعهم. ومع هذا فليس المسلمون هم الذين نقضوها بل المشركون. وذلك من أعجب العجب!
وهذه هى الآيات التى تتناول ذلك الموضوع من السورة المذكورة: "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)"
ليس هذا فحسب، بل إن الأمر بقتل المشركين ردا على ما فرط من خيانتهم لم يأخذ مجراه فى التنفيذ، وكأن الآية إنما نزلت للتهديد والتخويف ليس إلا. ثم تتالت الأحداث بما تخطاها وكأنها لم تكن، وشرع المشركون بعد هذا يتتابعون فى الدخول إلى دين الله أفواجا عقب فتح مكة، إلى أن أتى عام الوفود، فأقبلت الجزيرة العربية كلها ممثلة فى مشايخ قبائلها وكبار رجالها على المدينة المنورة تعلن مبايعة الرسول على النبوة والزعامة.
فهذا هو الجذر الأول لكلمة الإسلام، التى قلنا إنها مصدر الفعل: "أسلم". ومعناها إسلام الشخص نفسه وأمره لله. ولكن ما معنى إسلام الشخص هنا نفسه؟ يظن كثير من الناس أنه إنكار الشخص لذاته وعقله وإرادته. وهذا غير صحيح، إذ الإسلام حريص أشد الحرص على أن يكون للمسلم شخصيته المستقلة وأن يستخدم دائما عقله. كما يظن كثير من المسلمين أن الأمر يتعلق بأداء الصلاة والصيام والانتهاء عن شرب الخمر وممارسة الزنا فقط. ولا شك أن إسلام الشخص نفسه وأمره لله يتضمن هذا، لكنه لا يقف عند الفروض والمحرمات التقليدية. ذلك أن الإسلام فى جوهره نظام لتحضير المجتمعات والأفراد والأمم. إنه دعوة إلى النظام والنظافة والعلم والتخطيط والإبداع والعمل المتقن المستديم والسعى الحار وراء الرزق والتعاون مع الآخرين والاجتهاد فى مساعدة الفقراء والمساكين والتمسك بالذوق الراقى. فأنت حين تسلم أمرك لله ينبغى أن تضع هذا كله فى اعتبارك وتنقله من أفق النظر إلى أفق الإنجاز والتطبيق. ومن هنا يمكنك أن تدرك حجم تخلفنا المزرى رغم ظننا أننا متمسكون بالإسلام. إن ما نحن متمسكون به إنما هو بعض الجانب الشكلى من الدين. إن الرسول، عندما أخبرنا بأن الله لا ينظر إلى صورنا وأموالنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، وأن التقوى تكمن فى القلوب لا فى اللحى ولافى التمتمات ولا فى الثياب القصيرة ولا حتى فى كثرة الصلوات والأصوام إذا أريد بها الشهرة بين الناس، فإنه يبين لنا أن الإسلام جوهر قبل أن يكون مظهرا. إن الإسلام يريد منا أن نحول حياتنا إلى خلية للإنتاج والإبداع وألا نضيع وقتنا هدرا، ويبين لنا أن كل شىء فى حياتنا محسوب علينا، وسوف نقدم عنه يوم القيامة كشف جرد عنه.
وإنى، فى ظل هذا الفهم للدين المحمدى العظيم، أقف أمام ما أقرؤه أحيانا فى اللافتات الموجودة فى المصالح الحكومية وأمثالها من أنه ينبغى أن نحول وقت الانتظار إلى وقت للاستغفار بدلا من القول بأننا ينبغى أن نحول ذلك الوقت الذى نهدره فى العادة إهدارا آثما إلى وقت للتفكير والتخطيط ومراجعة ما نكون بسبيله من عمل اكتشافا للثغرات التى يمكن أن تكون قد تسربت إليه وتمتينا لنقاط القوة التى فيه، فنكسب ثوابين بدلا من ثواب واحد: ثواب التفكير، وثواب الاستغفار والتوبة. إن هذا لون من الاستغفار، لكنه استغار عملى، أما الاستغفار الذى نمارسه عادة فهو استغفار لفظى. وهو، رغم أهميته، يقل عن ذلك الاستغفار العملى كثيرا. ومعروف فى الإسلام أن "الحسنات يذهبن السيئات". وهل هناك حسنات أفضل من التفكير والتخطيط ومراجعة ما نكون بصدده من عمل؟ إن العمل فى القرآن المجيد يكاد أن يكون دائما قرين الإيمان. والظن بأن العمل الصالح هو فقط الصلاة والصيام وما أشبه هو ضيق فى الأفق، إذ العمل الصالح يشمل كل عمل من شأنه ترقيتنا وترقية مجتمعنا. وأنا أنظر دائما إلى تحصيل العلم على أنه أفضل ثوابا من نوافل الصلاة والصيام والحج. ذلك أن فائدة النوافل تنحصر فى الشخص ذاته، أما العلم ففائدته تعم المجتمع كله، وبخاصة إذا كان مجتمعا متخلفا مثل مجتمعاتنا يسوده الجهل والتبلد.
والآيات التالية تدل على أن معنى "الإسلام" هو إسلام المرء نفسه وأمره لله تعالى. قال عز شأنه: "فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ" (آل عمران/ 20)، "وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" (غافر/ 66)، "فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا" (الحج/ 34)، "وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ" (الزُّمَر/ 54). وكان الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا ركع قال: اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ... وإذا سجد قال: اللهمَّ لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ". وقد سئل صلى الله عليه وسلم: ما الإسلامُ؟ فقال :"أن تُسْلِمَ قلبَك للهِ, وأن تُوَجَّهَ وجهَك إلى اللهِ، وأن تُصلِّيَ الصلاةَ المكتوبةَ، وتُؤديَ الزكاةَ المفروضةَ". ومن أدعيته عليه السلام: "اللَّهمَّ أسلَمتُ وجهي إليكَ، وفوَّضتُ أمري إليكَ، وألجأتُ ظَهْري إليكَ، رَهْبةً ورغبةً إليك. لا مَلجأَ ولا مَنْجَى منكَ إلَّا إليكَ. آمنتُ بِكِتابِكَ الَّذي أنزلتَ، وبنبيِّكَ الَّذي أرسَلتَ"...
والإسلام هو دين الأنبياء جميعا، فكلهم مأمورون أن يسلموا أمرهم ووجههم لله رب العالمين، وكلهم أسلم فعلا أمره ووجهه لله رب العالمين، بل كانوا أول المسلمين، وإلا فلم اختيروا ليكونوا أنبياء؟ إن بعض الأديان تصور الأنبياء على أن من الطبيعى ارتكابهم للكبائر والفواحش من قتل وزنا وحقد وتدليس وتآمر وغدر وخمر، أما الإسلام فيقول: "الله أعلم حيث يجعل رسالته"، ويقول الله لنبيه موسى المتهم عند غير المسلمين بقتل الرجل المصرى بدم بارد وعن  سبق عمد وإصرار: "ولِتُصْنَع على عينى". وكان على بن أبى طالب، فيما تذكر الروايات، يهدد بإقامة الحد على من يقول، كما يقول بعض أهل الأديان الأخرى، بزنا داود عليه السلام بزوجة قائده العسكرى.
ومن الآيات القرآنية  التى تصف الأنبياء السابقين على محمد بأنهم مسلمون قول نوح: "إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ"، وقول إبراهيم وإسماعيل: "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ"، وقوله سبحانه عن إبراهيم: "قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ"،  وقول إبراهيم لذريته: "يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"، وقول ملائكة العقاب عن مساكن قوم لوط: "فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ"، وحوار يعقوب مع بنيه: "قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"، وابتهال يوسف لربه: "تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ"، ودعاء سحرة فرعون بعدما آمنوا بموسى وهارون: "رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ"، وقول موسى لقومه: "إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ"، وقول الحواريين لعيسى حين دعاهم إلى الإيمان برسالته: "نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ".
فهذا هو الإسلام بمعناه العام. أما بالمعنى الاصطلاحى فهو دين محمد عليه الصلاة والسلام. وبمناسبة ما نحن فيه فقد لاحظت أن محمد أسد، الصحفى اليهودى النمساوى الذى أعلن اعتناقه الإسلام فى منتصف عشرينات القرن الماضى، دائما ما يترجم كلمة "الإسلام"، فى ترجمته الإنجليزية للقرآن المسماة: "The Message of the Qur’ân" بـ"تسليم النفس لله" ، أما "الإسلام" بمعنى "اتّباع دين محمد"فهو استعمال اسْتَجَدّ بعد النبى عليه السلام حسب دعواه. و هذا تمييع للأمور. لقد رأينا كيف استخدم القرآن المجيد مرارا فى الحديث عن منهج الرسل جميعا كلمة "الإسلام"، إلا أن هذا هو الاستعمال العام فقط، وسببه أن منهجهم جميعا، عليهم صلوات الله وسلامه، واحد رغم اختلاف شرائعهم فى تفاصيلها، أما المعنى الاصطلاحى لهذه الكلمة فهو دين محمد.
والدليل على ذلك من الحديث النبوى النصوص التالية: "بُنِىَ الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله..."، "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده"، "المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يُسْلِمه ولا يخذله"، "المسلم على المسلم حرام"، "المسلمون على شروطهم"، "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، "لا تقومُ الساعةُ حتى يقاتلَ المسلمون اليهودَ، فيقتلهم المسلمونَ حتى يختبئَ اليهودُ من وراءِ الحجرِ والشجرِ فيقول الحجرُ أو الشجرُ: "يا مسلم، يا عبدَ اللهِ، هذا يهوديٌّ خلفي، فتعالَ فاقتلْه" إلا الغرْقَدُ، فإنه من شجرِ اليهودِ"، "المسلمون تتكافأ دماؤهم: يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم. يردّ مُشِدّهم على مُضْعِفهم، ومتسرِّيهم على قاعدهم"، "معاشرَ المسلمين، أَنشْدُُكم باللهِ وبحقِّي عليكم: من كانت له قِبَلي مَظْلَمَةٌ فليَقُمْ فلْيَقْتَصَّ مِنِّي"، "إن أعظمَ المسلمين في المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيءٍ لم يُحَرَّمْ على المسلمين، فحُرِّمَ عليهم من أجلِ مسألتِه"، "لكلِّ مسلمٍ ثلاثٌ: ما مِن رجلٍ منَ المسلمينَ يَرمي بسهمٍ في سبيلِ اللهِ في العدوِّ, أصاب أو أخطَأ, إلا كان أجرُ ذلك السهمِ له كعدلِ نسمةٍ. وما مِن رجلٍ منَ المسلمينَ ابْيَضَّتْ منه شعرةٌ في سبيلِ اللهِ إلا كانَتْ له نورًا يومَ القيامةِ يَسعى بينَ يدَيه. وما مِن رجلٍ منَ المسلمينَ أعتَق صغيرًا أو كبيرًا إلا كان حقًّا على اللهِ أن يجزيَه بكلِّ عضوٍ منه أضعافًا مُضاعفة". وفى رسائل النبى صلى الله عليه وسلم إلى ملوك عصره كان يقول لكل منهم: "أَسْلِمْ تَسْلَمْ". كما استعمل فى صحيفة المدينة كلمة "المسلمين" (هكذا نَصًّا) فى مقابل اليهود حسبما هو معروف. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يعرف عدد أتباعه فأمر بإجراء إحصاء لهم. فعن  حُذَيْفة بن اليَمَان: "قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتُبوا لي من تَلَفَّظَ بالإسلامِ من الناسِ. فكتبنا له ألْفًا وخَمْسْمِائَةِ رَجُلٍ، فقُلْنا: نَخافُ، ونَحنُ ألفٌ وخَمْسُمِائَةٍ؟ فلَقدْ رأيْتُنَا ابْتُلِينا حتى إنَّ الرجُلَ ليُصلِّي وحْدَهُ وهو خائِفٌ". وعن معاوية بن الحكم السلمى: "قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إني حديثُ عهدٍ بجاهليةٍ، وقد جاء اللهُ بالإسلامِ...". وقال رسول الله عليه السلام: "أتاني ناسٌ من عبدِ القَيْسِ بالإسلامِ من قومِهم، فشغَلوني عن الركعتَين اللَّتَيْنِ بعد الظهرِ". وقال صلى الله عليه وسلم لصعصعة جد الفرزدق الشاعر الأموى عن منعه عددا من العرب وَأْد بناتهم مقابل مال يدفعه لأهليهم: "هذا باب من البِرّ، ولك أجر إذا مَنَّ الله عليك بالإسلام".
أما بالنسبة للقرآن الكريم فإن "الإسلام" فى قوله جل جلاله: "يَمُنّون عليك أَنْ أَسْلَمُوا. قل: لا تَمُنُّوا علىَّ إسلامَكم، بل الله يمُنّ عليكم أَنْ هداكم للإيمان إن كنتم صادقين" لا يمكن إلا أن يكون الدين الذى أتى به محمد صلى الله عليه وسلم. وبمستطاعنا أن نستشهد بالآيات التالية أيضا: "اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتى ورَضِيتُ لكم الإسلام دينا"، "أفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صدرَه للإسلام فهو على نور من ربه؟"، "ومَنْ أَظْلَمُ ممن افترى على الله الكذبَ وهو يُدْعَى إلى الإسلام؟"، "فمَنْ يُرِدِ اللهُ أن يَهْدِيَه يَشْرَحْ صدرَه للإسلام"، "رُبَمَا يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين"، "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات... أَعَدَّ اللهُ لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا".
وقال النابغة  الجعدى، وهو من الشعراء الذين وفدوا على النبى مع شيوخ القبائل وشعرائها وخطبائها العام التاسع للهجرة يبايعون النبى على نبوته وزعامته:

فالحمدُ لِلّهِ إِذْ لم يأتِني أَجَلِي

حتى لَبِسْتُ مِنَ الإسلامِ سِرْبالَا

                                   * * *

وَلَبِسْتُ مِ الْإِسلامِ ثَوْبًا واسِعًا

مِن سَيْبِ لا حَرِمٍ وَلا مَنّانِ

وقال حسان بن ثابت: 

 

اللهُ أَكْرَمَنا بِنَصْرِ نَبِيِّهِ

وَبِنَا أَقَامَ دَعائِمَ الإِسْلامِ

                                   * * *

كُنّا مُلُوكَ الناسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ

فَلَمّا أَتى الإِسْلامُ كانَ لنا الفَضْلُ

                                   * * *

يَنْتابُنا جِبْرِيلُ في أَبْياتِنا

بِفَرائِضِ الإِسْلامِ والأحكامِ

وقال كعب بن مالك، وهو مثل حسان من شعراء الرسول عليه السلام:

نُجَالِدُ مَا بَقِينَا أَو تُنِيبُوا

إلى الإسْلاَمِ إذْعَاناً مُضِيفَا

                                   * * *

وإِنْ تَرَوْا أَمْرَنا في رَأْيِكُمْ سَفَهًا
 وقال العباس بن مرداس:

   فَرَأْيُ مَنْ خَالَفَ الإسْلامَ تَضْليلُ

 

وَكُنّا على الإِسْلامِ مَيْمَنَةً لَهُ

وكان لنا عَقْدُ اللِّواءِ وَشاهِرُهْ

                                   * * *

تَـــــلافَى عُرَى الإِسلامِ بَعْدَ انْفِصامِها

فَأَحْكَمَها حتى أَقامَ المَنَاسِكا

وهذا كله يبين بأجلى بيان أن استخدام كلمة "الإسلام"، بوصفه المصطلح الخاص بالدين الذى أتى به محمد عليه الصلاة والسلام، قد كان معروفا فى عهد النبى ونصت عليه آيات القرآن وأحاديث المصطفى والأشعار المعاصرة له صلى الله عليه وسلم، وليس من إنتاج فترة لاحقة كما زعم محمد أسد.
أما جولدتسيهر، فى كتابه: " Introduction to Islamic Theology and Law"، فيعزو إطلاق هذا المصطلح إلى سيدنا محمد، الذى يرى أنه هو مؤسس الإسلام. ونحن لا نوافق على هذا ولا نراه صحيحا، فمحمد عليه السلام ليس هو صاحب هذا المصطلح، بل الله هو الذى أطلقه، كما أنه عليه السلام ليس مخترع الإسلام بل هو الشخص الذى اختاره الله سبحانه وأوحى إليه هذا الدين وكلفه تبليغه للعالم، وهو ما صنعه فى الحال حين قام ينذر عشيرته الأقربين أولا، ثم قبائل العرب جميعا من بعد، ثم ملوك العالم من حوله تاليا، إلى أن توفى عليه السلام فقام أصحابه من بعده يبلغون رسالته إلى الدنيا جميعا وفتحوا كثيرا من البلاد، التى دخلت عقب ذلك فى الإسلام واتخذت من القرآن والحديث مصدرا لتشريعاتها. والملاحظ أن الترجمة العربية لهذا الكتاب قد صاغت الفعل الخاص بإطلاق ذلك المصطلح بصيغة المبنى للمجهول فرارا مما قاله جولدتسيهر، فذكرت "الاسم الذى أُطْلِق عليه منذ بادئ الأمر" بدلا من "the very name that its founder gave it at the beginning"، حسبما جاء فى الترجمة الإنجليزية للكتاب، وهى الترجمة التى اعتمد عليها ناقلوه إلى العربية. وكنت أحب أن يُبْقِىَ المترجمون على أصل العبارة دون التصرف فيها على هذا النحو حتى يعرف القراء ماذا يقول المؤلف بالضبط، ثم لهم بعد ذلك مندوحة واسعة فى الهامش يعقبون فيها على رأى المستشرق اليهودى المجرى الذى لا يعجبهم مثلما لا يعجبنا، وذلك نزولا على مقتضى الأمانة العلمية.
ويمضى جولدتسيهر فى مزاعمه العجيبة فيقول مثلا إن  محمدا لم يأت فى دينه بشىء جديد فى مفهوم الألوهية، رغم كل ما يميز الألوهية فى الإسلام عنها فى الأديان والمذاهب السابقة. فالله فى ديننا هو رب العالمين ليس له شبيه ولا شريك، وهو خالق كل شىء، ولا يقع شىء فى الكون إلا بإذنه ومشيئته. كما أنه مجردٌ لا تناله الحواس ولا تدركه الأبصار. أما خارج الإسلام فكان عند العرب الأوثان حيث نجد لكل قبيلة إلهها المحلى. وعند الفرس إلهان: واحد للخير هو النور، وواحد للشر هو الظلمة، وبينهما صراع طويل. ولدى النصارى ثلاثة أقانيم: الأب والابن والروح القدس، كما نجد القول بتجسد الإله وموته على الصليب، وهو ما ينفيه القرآن ويدينه تماما. وفى دين اليهود نجد أن يهوه إله خاص ببنى إسرائيل وحدهم يفضلهم على كل من سواهم من البشر لا لشىء إلا لأنهم بنو إسرائيل وكفى. وفى العهد القديم أيضا نشاهد يعقوب وهو يصارع الله ويُحْكِم ساعديه حوله إحكاما شديدا بحيث لا يستطيع الله الفلفصة منه إلا بضربه على حُقّ فخذه بعدما فشلت توسلاته إليه طَوَال الليل أن يطلق سراحه. كما نقرأ عن ندمه لخلقه جنس الإنسان... إلخ. هذا، ونحن لم نبرح بَعْدُ منطقةَ بلاد العرب وما حولها، وإلا فألوان الألوهية المنحرفة أكثر مما نتصور. فكيف يقول جولدتسيهر ما قال؟
ولايقف أمر المستشرق المجرى عند هذا الحد بل يدعى أن النبى قد استقى مواد دينه من اليهود والنصارى وغيرهم مع أن أحدا من اليهود والنصارى أو من غيرهم لم يفتح فمه بكلمة عن أى اتصال تم بينه وبين محمد علَّمه فيه شيئا. ومعروفة العداوة العنيفة التى كانت بين اليهود والنصارى وبين الإسلام، فلو كان هناك شىء من هذا القبيل لكانت فرصة عظيمة لفضح حقيقة محمد المخزية وكشف كذبه وتدليسه وتوجيه ضربة ساحقة إليه تدمره وتدمر دينه وتكفيهم شره. ثم أين كانت مثل تلك الاتصالات تتم يا ترى؟ ومن الذى شاهدها وأخبر جولدتسيهر بما تم فيها؟ اللهم إلا إذا تَخَلَّوْا عن كل عقل ومنطق وقالوا إن محمدا كانت لديه مكتبة عالمية فيها كتب عن كل الأديان والمذاهب والفلسفات والشرائع والعقائد والأخلاق وتاريخ الأمم يعكف عليها ليل نهار وصباح مساء يقلب فيها ويسرق منها وينقل ما يسرقه إلى دينه الذى وَلَّفَه بهذه الطريقة توليفا. غريب أن ينزل بعض المنتمين لعالم الكتابة إلى هذا المستوى المتدنى من التفكير وكأنهم ضرائر أعمتهن الغيرة عن تحرى الحق واتّباعه. إن جولدتسيهر حين يقول هذا إنما يحركه الحقد والنقمة على سيد الأنبياء والمرسلين، ولهذا لا يكتب بعقل ولا حكمة.
تَعَالَوْا مثلا إلى بحيرا، ذلك الراهب النصرانى الذى يقال إن محمدا الغلام قد قابله مرة واحدة لدقائق معدودات حين كان مصاحبا لعمه أبى طالب فى سفرة من سفراته إلى الشام، وإنه قد حذر عمه من المضى به قدما إلى نهاية الرحلة تجنبا للأذى على يد يهود لو عرفوا أنه هو النبى المنتظر، والذى يدعى كثير من الباحثين الكتابيين أنه قد لقن محمدا أصول دينه فوَلَّفَ منها دينه الجديد. فكيف يا ترى تم تلقين بحيرا للغلام دينه المقبل فى تلك المقابلة السريعة، وهو الدين الذى اقتضى من الزمن ثلاثة وعشرين عاما كى يكتمل، فضلا عن أنه لم يبدأ  إلا بعد  المقابلة بأكثر من خمسة وعشرين عاما؟ بل كيف يمكن أن يستفيد صبى فى العاشرة ونيف من راهب نصرانى غريب؟ وهذه إحدى النقاط التى استند إليها توماس كارلايل فى نفى هذا الاتهام الأرعن. وهذا إن كان بحيرا عربيا أصلا يمكن أن يقع تفاهم بينه وبين ذلك الصبى. ثم كيف لم يتذكر ذلك اللقاءَ القرشيون الذى كانوا مع محمد فى تلك السفرة حين شرع يدعوهم إلى دينه الجديد فيقولوا له: كيف تظن أنك قادر على خداعنا والزعم بأنك نبى يُوحَى إليه من السماء بينما نعرف نحن كما تعرف أنت أن بحيرا هو من لقنك ذلك الدين؟ كذلك كيف لقنه بحيرا الإسلام، وكثير جدا مما يحتويه القرآن لم يكن قد وقع بعد؟ ثم كيف لقنه بحيرا دينه، وكثير جدا مما فى هذا الدين يناقض مناقضة شديدة ما تقوله النصرانية دين بحيرا؟ ولنفترض أن التلقين رغم استحالته قد تم، فكيف سكت بحيرا فلم يفضح محمدا حين أعلن النبوة ويذكّره بأنه ليس نبيا من عند رب العالمين بل مجرد تلميذ صغير له، أو يفضحه أحد من الرهبان الذين يعرفون بأمر تلك المقابلة وما دار فيها؟ ثم إن هذا كله يغفل حقيقة جد هامة من شأنها أن تنسف هذه الخزعبلات تماما، إذ تقول الرواية التى يعتمد عليها هؤلاء الزاعمون فى اتهام النبى بأخذ دينه عن مصدر نصرانى إن بحيرا نفسه قد أقر بنبوة محمد بعدما اكتشف علاماتها فى جسده، ومن ثم حذر عمَّه المضىَّ به قُدُمًا إلى حيث يَفِدُ على يهود، الذين يتربصون به شرا. إذن فقد كان بحيرا يؤمن بمحمد نبيا، وقبل الهنا لا بسنة بل بعقود، ولم يعلِّم محمدا شيئا من لدنه. وهل يتعلم الأنبياء من أتباعهم المؤمنين بهم؟
وتَعَالَوْا أيضا إلى السيد والعاقب أكبر زعماء النصارى فى اليمن حين وفدا  على النبى فى المدينة، ودار بين الطرفين حوار دينى انتهى بعرض النبى عليهما المباهلة لِلَعْن الكاذب منهما، فما كان منهما إلا أن خَنَسَا وآثرا دفع الجزية على المباهلة رغم ما يقوله القرآن عما وقع من عبث فى كتابهم. والآن لماذا لم يجبهاه بـ"الحقيقة المرة" التى يزعمها الكذابون ويقولا له إن بعض رجال ديننا هم الذين علموك الإسلام ولم يوحه الله إليك؟ لقد كان هذا كفيلا بإحراج محمد ووضع حد لدعاواه فى النبوة وفى اتهامه إياهم بالعبث فى كتابهم حسبما يَهْرِف الهارِفون. وكل ما قَدَرَا عليه هو محاولتهم إلقاء الريب فى نفوس الصحابة الذين لَقُوهم قبل مقابلتهم للنبى عليه السلام، إذ قالوا لهم: كيف يقول القرآن إن مريم هى أخت هارون بينما يفصل هارون عن مريم مئات السنين؟ فلما علم النبى بالسؤال المريب قال إن بنى إسرائيل كثيرا ما كانوا يتسمَّوْن بأسماء صالحيهم.
ولقد وقفت فى البداية أمام هذا الجواب فى  شىء من الحيرة لِوَجَازَتِه وخُلُوِّه من الاستشهاد بأمثلة من تاريخ القوم رغم أنى لا أشك فى صحة ما قاله رسول الله أبدا، وأكثر ما كان يمكن أن يدور فى ذهنى هو أن الرواية قد تكون غير صحيحة، إلى أن تمحَّضْتُ لبحث تلك النقطة منذ سنين، فتبين لى من دوائر المعارف الكتابية ذاتها أن كلمة "ابن" و"ابنة" و"أخ" و"أخت" كثيرا ما تطلق فى الكتاب المقدس مجازا على نحو عشرين صورة بحيث يمكن أن يقال إن فلانة ابنة فلان أو أخته رغم ما يفصل بينهما من مئات الأعوام، مع إعطاء تلك الموسوعات شواهد من الكتاب المقدس من شأنها أن توضح الغامض وتزيل حيرة الحائر، وبخاصة أنها صادرة عن أهل ذلك الكتاب أنفسهم لا من قِبَل المسلمين. والآن ها نحن أولاء نرى كيف صدق كلام النبى عليه السلام رغم عدم إلمامه بما فى ذلك الكتاب لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولأنه لم يثبت عنه اتصاله بقسيسيهم ورهبانهم غير بحيرا، الذى لم يمكث معه سوى دقائق، وفى ذات الوقت جَهَّل السيدَ والعاقبَ أو كَذَّبَهما.
والحالة الثالثة هى يهود المدينة. لقد تحدى القرآن فى المرحلة المكية بنى إسرائيل وفضح أخلاقهم وتقلباتهم وعنادهم وكفرهم، وزاد فى المدينة فاتهمهم بالعبث بكتابهم. وكانت الآيات تجلجل فى الآفاق وتُصِمّ آذانهم، فلم يفتحوا فمهم بكلمة تكذيب. وكانوا يستطيعون، لو كان كلام جولدتسيهر وأمثاله صحيحا، أن يصكّوه فى فمه صَكًّا ويبينوا له أنهم يعرفون حقيقته جيدا وأنه إنما استقى دينه من اليهود والنصارى. فلماذا خرسوا يا ترى؟ لقد تآمروا، بدلا من ذلك، عليه وانضموا إلى معسكر الكفر وأكدوا لمشركى مكة أن وثنيتهم أهدى من توحيد محمد. فانظر إلى مدى الفجور والتدليس والكفر فى الخصام. فلماذا، عوضا عن هذا الكذب الكافر، لم يكشفوا الأستار عن تلمذته لرجال دينهم، وكفى الله الكذابين المدلسين شر الكفر والفجور؟
ولأزيدك، أيها القارئ العزيز، من الشعر بيتا بل بيتين أسوق لك الحكايتين التاليتين: فقد قدم رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ وعبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ العالمُ اليهودىُّ في نخلٍ له فأتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتباحث معه فى أشياء أعلن بعدها إيمانه به وبدينه، "ثمَّ قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اليهودَ قومٌ بُهْتٌ، وإنَّهم إن سَمِعوا بإيماني بك بَهَتُوني ووقَعُوا فيَّ، فأُحِبُّ أنِّي أبعَثُ إليهم. فبعَث، فجاؤوا فقال: ما عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ؟ قالوا: سَيِّدُنا وابنُ سيِّدِنا، وعالِمُنا وابنُ عالِمِنا، وخيرُنا وابنُ خيرِنا. فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أرأَيْتُم إنْ أسلَم أَتُسْلِمونَ؟ فقالوا: أعاذه اللهُ أنْ يقولَ ذلكَ! ما كان لِيَفْعَلَ. فقال: اخرُجْ يا ابنَ سَلَامٍ. فخرَج إليهم فقال: أشهَدُ ألا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ. فقالوا: بل هو شرُّنا وابنُ شرِّنا، وجاهِلُنا وابنُ جاهِلِنا. قال: ألَمْ أُخبِرْكَ يا رسولَ اللهِ أنهم قومٌ بُهْتٌ؟". وفى الحكاية الأخرى تقول أم المؤمنين اليهودية الأصل صفيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "جاء أبي وعمي من عندك يومًا, فقال أبي لعمِّي: ما تقولُ فيه؟ قال: أقول إنه النبيُّ الذي بشَّر به موسى. قال: فما ترى؟ قال: أرى مُعاداتَه أيامَ الحياةِ".
وأخيرا وليس آخرا فقد بعث النبى، وهو بالمدينة المنورة، إلى الملوك من حوله رسائل يدعوهم فيها إلى  الدخول فى الإسلام، فلماذا لم يكن ردهم عليه هو: كيف تظن أن بمستطاعك خداعنا والضحك علينا وإقناعنا بأنك نبى، ونحن وأنت نعرف جيدا أن رجال ديننا هم الذين علموك، فأخذتَ ما عَلَّمُوكَه ووَلَّفْتَ منه دينا حسبت أنه سوف يجوز علينا فنؤمن به؟ كما أن عشرات من صحابته صلى الله عليه وسلم كانوا قد هاجروا قبل ذلك بأعوام غير قليلة من مكة إلى الحبشة فرارا من الاذى والاضطهاد، فطاردهم القرشيون إلى  هناك، ولم يشاؤوا أن يتركوهم فى مهاجَرهم آمنين مطمئنين، وأرسلوا وراءهم مَنْ دَسَّ لهم عند النجاشى قائلا إن هؤلاء اللاجئين يقولون فى مريم وابنها قولا عظيما. فاستدعى الملك الحبشى الضيوف وسألهم، فقرأوا عليه صدر سورة "مريم"، وفيها أن عيسى مجرد عبد لله ونبى من أنبيائه. وتقول الرواية إنه لم يجد فى آيات القرآن ما يمكن أن يعترض عليه، أما القساوسة فقد هاجوا وماجوا. أليس من السخف الساخف أن يخرس كل أهل الكتاب فى عصر الرسول فلا يفتح أحدهم فمه بكلمة يبين بها أنه قد استقى دينه من كتبهم، ثم يأتى فى آخر الزمان مستشرق مجرى يعيش على بعد آلاف الأميال من بلاد العرب فى بيئة تختلف عن بيئة العرب وجيران العرب فيردد هذا التنطع الماسخ؟
وبعد فأين فى الكتاب المقدس مثلا وصف نعيم الجنة على النحو الذى ورد فى القرآن الكريم؟ الحق أن العهد القديم، وهو الجزء الأضخم جدا من ذلك الكتاب، لا يحتوى على شىء من هذا القبيل بتاتا. أما العهد الجديد فليس فيه إلا أن الناجين سوف يشربون من عصير الكرمة فى العالم الآخر، ولن يكون هناك زواج ولا نساء فى الملكوت. وأما فى القرآن فهناك أنهار اللبن والعسل والخمر التى لا فيها غَوْل ولا هم عنها يُنْزِفُون. كما أن فيه الكوثر، وهو ما هو؟ وهناك الحور العين، والظلال الوارفة، والأنهار التى تجرى من تحت أقدام ساكنى الجنان، والرضا الإلهى، والسكينة والأمان والسعادة، وفوق ذلك كله التنعم برؤية وجه الله، وغير ذلك. ونفس الشىء يقال عن جهنم. فالعهد القديم لا يتطرق إلى الكلام  بشأنها، أما المسيح فى الأناجيل فلا يشير إلا إلى الزمهرير واصطكاك الأسنان الذى ينتظر من حُرِمُوا دخول الملكوت، بخلاف القرآن المجيد، الذى فصَّل القول فى ألوان العذاب المعدة للكفار والعصاة المجرمين تفصيلا. كما يفصل القرآن الكلام عن الحساب الأخروى مما لا وجود له فى الكتاب المقدس. فكيف يقال إن محمدا قد اقتبس هذا كله من اليهود والنصارى؟ ثم أين نُلْفِى، فى كتب اليهود والنصارى أو غيرهم، العبادات والمواريث الإسلامية أو الحدود أو مبدأ التعزير أو القوانين المنظمة للحرب والقتال حسبما شرعها الإسلام؟
ثم ماذا نقول فى القساوسة والأحبار والمتحنفين العرب الذين أسلموا وأسلمت أسرهم معهم أو من بعدهم وآمنت بمحمد، الذى يتهمه جولدتسيهر بالأخذ عن أديانهم؟ وهذا مستمر على مدى التاريخ حتى الآن، وفى بلاد الغرب نفسه، رغم كل ما عليه المسلمون حاليا، سواء الباقون فى بلادهم أو المهاجرون إلى بلاد الغرب نفسه، من الضعف والهوان والتشرذم والتخلف مما لا يغرى أحدا باعتناق دينهم، بل بالعكس ينفّر الناس منه، ورغم الدعاوة المجرمة القاسية التى يقوم بها تلامذة جولدتسيهر ذاته من مستشرقين ومبشرين وإعلاميين وساسة وأساتذة جامعيين من الزراية على الإسلام واتهامه بكل الموبقات وتشويه صورته بكل سبيل كذبا وزيفا وتدليسا؟ إن دين محمد لا يزال حتى هذه اللحظة يسحر بجماله ونبله وروعته وصدقه وعمقه وإلهيته كثيرا من الساسة والرياضيين والعلماء والإعلاميين وأساتذة الجامعات ورجال الدين والناس العاديين فى بلاد الغرب، الغرب الذى كان إلى وقت قريب جدا يحتل بلاد الإسلام ويسوم أهلها سوء العذاب والهوان واللصوصية والاستبداد والقمع والاحتقار. فكيف يعلل جولدتسيهرنا ذلك؟
وبالمناسبة فليس فى الأناجيل كلها، فى ميدان التشريعات والأخلاق، شىء آخر غير موعظة الجبل، وهى تركز الكلام حول التسامح التام مع المعتدى عليك بل إتحافه بمزيد من التسامح بحيث إذا ضربك على خدك الأيمن فعليك أن تدير له الخد الأيسر أيضا. وفى هذه النقطة نجد للإسلام شخصيته المتميزة، فقد أجاز لأتباعه الرد على العدوان بمثله، مع تفضيل التسامح لمن يقدر عليه، فراعى الطبيعة البشرية وعمل فى ذات الوقت على الارتقاء بها ما أمكن دون أن يفكر فى تجاهلها وإلغائها حتى لا يصير الكلام فى التسامح مجرد حبر على ورق لا أحد يلتزم به كما هو الحال فى أتباع موعظة الجبل حسبما ترى أعيننا ويحدثنا التاريخ.

  • Currently 5/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
1 تصويتات / 111 مشاهدة
نشرت فى 13 فبراير 2016 بواسطة dribrahimawad

عدد زيارات الموقع

43,125