رواية "فسوق" لعبده خال - دراسة نقدية

(ط3 - دار الساقى بلندن)

د. إبراهيم عوض

         (3- 3)

فإذا عدنا إلى المواضع التى حالف التوفيق المؤلف فيها فينبغى أن نشير كذلك إلى تلك الصفحات التى تسجل ما يدور بين ضابط التحقيق ورئيسه من حوار ومواقف تطلعنا على طريقة تفكير رجال الشرطة ونظرتهم إلى المتهمين، وبخاصة المتهمون الحركيون المسمَّوْن بـ"المتطرفين"، وكيف يتعاملون معهم، وأى شىء يخشَوْنه من قبلهم... وهلم جرا. ويجد القارئ مثالا على هذا فى ص149 فصاعدا. ولا يعيب السرد أو الحوار فى تلك الصفحات زوائد أو فتور أو بعد عن التقاط قسمات الواقع الحى فى علاقة الرئيس بمرؤوسيه فى أقسام الشرطة وطبيعة الحديث الذى يدور بينهما والجو الذى يظلل اجتماعاتهما. كذلك نطالع فى تلك الصفحات وصفا لطبيعة علاقة الشبان المنتمين إلى جماعات دينية بأهليهم، والخلافات الحادة التى يمكن أن تنشأ بينهم وبين أفراد أسرهم جراء تشددهم ورغبتهم فى ألا يَرَوْا حولهم فى بيوتهم خطأ يُرْتَكَب، غير واعين، لقلة خبرتهم واندفاعهم وجهلهم بالحياة، أن الضعف والخطأ لا يمكن أن يفارقا الطبيعة البشرية كما وضح القرآن الكريم والحديث الشريف. ومن هنا نجد بيوت بعض هؤلاء الشبان تتفجر كثيرا بالصراع الذى من هذا النوع. وهذا موجود فى الصفحات المشار إليها عند الحديث عن محمود حبيب جليلة، وكيف كانت أخواته البنات يضقن أشد الضيق بالتشدد المرهق الذى يمارسه أخوهن معهن ويردن أن يتصرفن بقدر من الحرية أكبر من المتاح لهن.
ومثل الصفحات الماضية الصفحات التى تبدأ من ص170 فصاعدا، وتسجل مواجهة هاتفية بين رئيس هيئة الأمر بالمعروف فى جدة وبين الضابط أيمن، الذى كان  يُؤْثِر حل الأمور بالحسنى مع من يضبطهم رجال الهيئة ويحولونهم إليه. وكان رأيه أن طريقتهم ينتج عنها من الضرر أضعاف ما يقصدونه من إصلاح. ويصور الحوار عقليتين مختلفتين ينظر صاحب كل منهما إلى الأمر من زاوية مناقضة للزاوية التى ينظر منها محاوره، ومن ثم لا يمكنهما الالتقاء على رأى واحد يتفقان عليه أو يتقاربان به. وتحتد نبراتهما فى الحوار: أيمن يحاول أن يلفت نظر المطوّع على الجانب الآخر من الهاتف إلى أنه هو أيضا قد درس الشريعة الإسلامية مثله ويعرف القيم الكريمة التى يعمل الشارع على تحقيقها، ورجل الهيئة يصر على أن واجب أيمن ينحصر فى تنفيذ ما يرسَل إليه من أوامر فحسب، وعليه أن يحتفظ لنفسه بآرائه لأنه لا يفهم شيئا فى العلم الشرعى. كل ذلك فى لغة حية موحية تصور العقليتين المتحاورتين تصويرا ماهرا أستغرب معه أن يكون صاحب هذا الفصل والفصول الأخرى التى أبديتُ إعجابى بها هو نفسه صاحب الفصول الأولى المتهافتة الركيكة المملة التى تُضْحِك الثكلى لما فيها من سذاجة وتخلف ظاهرين تماما. وهو أمر يحتاج إلى دراسة لجلاء سره!
وإلى القارئ بعض الصفحات المذكورة بدءا من ص171: "أحبا بعضهما منذ الطفولة، كان كل واحد منهما يحفر فى أعماق الآخر خدودا من الوله، وأنفاقا من الأحلام لحياة اتفقا على تأثيثها بالحب. وفى غفلة مباغتة قُوِّضَتْ حياتهما دفعة واحدة، وفقدا بعضهما فى مراهنة خاسرة أراد منها أبو البنت اكتساب وجاهة اجتماعية، وأنبوبا واسعا يضخ مالا بمصاهرة شخصية متنفذة فى المجتمع يكفى أن تشتهى لتغدو شهوتها أثرا بعد عين. انتقلت كتحفة باهظة الثمن لقصره الفخم. مَسَّها فى ليلة العرس، وبقيت بقيةَ الأعوام الأخرى محطةً لتجريب فحولة رخوة. وبمثابرة المحاولات المدعومة بأقراص التهيج الجنسى تنتج ثمرة تقوم بجمعها فى أحشائها، وتتخلص منها بعد معاناة طويلة. رحل من عمرها واحد وعشرون عاما. وقد حصدت أرضها الخصبة ثلاثة أبناء اختارتهم للسلوى، وكأجر مدفوع مقدما لحرمانها العاطفى. مل منها بعد أن وجد أرضا جديدة للحرث فتركها كالشاة المعلقة التى لم تذبح، ولم تنزل من سارية مذبحها.
التقيا فى أحد المراكز التجارية، وتبادلا أرقام الجوال سرا. وعرفت أنه تزوج أخيرا، ولديه طفلان لا يزالان فى مراحل طفولتهما الأولى. وبعد عدة اتصالات قررا أن يرى بعضهما بعضا. كان بينهما قرار أن ينفصل كل منهما عن حياته الزوجية، ويجتمعا مرة أخرى. بحثا فى تجوالهما عن مكان عام ينزلان به لتناول وجبة الغداء. وبسبب مراجعات طفيفة لاختيار المكان المناسب وجدا سيارة الهيئة تعترضهما، وتقودهما إلى مركزها بصحبة فريستين أخريين: واحدة بسبب التأخر عن أداء الصلاة، والثانية اشتباه فى كون الرجل مخنثا. أُبْقِيَتْ هاتان الفريستان فى المركز للتأكد من كون الرجل مخنثا. ولا أعرف كيف يمكن التأكد من هذه الحالة. وانتهت الأخرى بتعهدٍ بأداء الصلاة حالما يرتفع الأذان مباشرة. وتم تحويل الرجل والمرأة إلى مركز الشرطة لترحيلهما إلى السجن العام من خلال محضر أعده رئيس الهيئة بنفسه. وصلت بهما سيارة الهيئة إلى مركز الشرطة، وصادف وجود أيمن كضابط مناوب. دخل عليه موفَد الهيئة كمن حقق نصرا مجيدا:
- هذان الشخصان، قبحهما الله، متزوجان، ووجدناهما يهمان بارتكاب الفاحشة.
- فى الشارع؟
- لا. كانا فى السيارة، وكانا يبحثان عن مكان لمزاولة الفاحشة.
- فى مكان خالٍ أو منزوٍ؟
- لا. كانا فى شارع التحلية.
- يعني: فى الشارع العام.
- نعم.
- وكيف عرفتما أنهما يريدان فعل الفاحشة؟
- امرأة متزوجة ورجل متزوج يخرجان معا ماذا يريدان غير الارتماء فى أحضان بعضهما؟
وقف مندوب الهيئة مطالبا المقدم أيمن بالتوقيع على استلام القضية لكى يمضى لشأن بيته، فتمهله واتصل مباشرة برئيس هيئة المركز:
- يا شيخ، وصلنى تقريركم بخصوص المرأة والرجل المتزوجين، وأرى يا شيخ أن سجنهما ينتج عنه ضرر فادح أكثر من ردعهما.
- هذا ليس من اختصاصك، والشارع هو الذى يحدد الضرر.
- ولكن يا شيخ...
كان صوته محملا بتشنج مرتفع:
- <!--[endif]--> أنت لست من جهة قضائية بل منفذا، وعليك أن تقوم بواجبك من غير تدخل!
- <!--[endif]--> ولكن ياشيخ.
جاء صوته زاجرا:
 قلت لك: نَفِّذْ!
تخلى المقدم أيمن عن هدوئه، وتساوت نبرات صوتيهما:
- <!--[endif]--> أريد أن أخبرك أننى درست القوانين وعلى دراية تامة بالتشريع الإسلامى.
قاطعه بحدة:
- <!--[endif]--> دع درايتك فى رأسك، ونفذ ما يصلك!
 - أنتم بهذا تتعسفون فى استخدام السلطة المخوَّلة لكم. عليك العودة إلى نظرية البراءة الأصلية، والتى تذهب إلى تأكيد أن كل الأعمال مباحة مالم يأتِ تحريمها فى القرآن من غير تأويل. فهل ورد فى القرآن شىء عن الاختلاء المحرم؟
- أوّلا أنت ليس لديك علم شرعى، ولست مخولا للفتوى. ثم هل نترك الناس حتى يمارسوا الرذيلة على مسمع ومرأى من بعضهم؟
- دَرْء الشبهات صيغة من صيغ الخوف التى أردتم بها إضعاف الدين وتحويله إلى جماعات تفتيش وتجسس. والأصل بالحديث الشريف: "كل أمتى معافًى إلا المجاهرين". فمتى ما حدثت المجاهرة فلك الحق أن تقوم بدورك. لكن ليس من حقك أن تتجسس على شخص لم تبدر منه فاحشة بينة. 
-  ووجودهما معا فى السيارة، أليس مجاهرة بالمعصية؟
-  السيارة كالبيت. فليس من حقك أن تدخلها إلا بإذن، وإن لم يؤذن لك فامض. لكنكم تحشرون أنفسكم فى كل شيء وتحولونه إلى فسوق وجريمة. وبهذا الفعل تحولون البلد إلى بؤر لفعل المنكرات، وتخلقون مجتمعا باطنيا يتحلل بسرية تامة. أنتم لا تجعلون الناس يعيشون بصورة سوية. ولو أراد هذان المتهمان فعل الرذيلة لتوجها إلى أقرب بيت ومارساها من غير أن تعلم. دعوا الناس فى المحكّ. فإتيان المنكر هو امتحان وتمحيص لينبلج الإيمان من الإدراك فى الوقوع من المعصية...".
وبالمثل يعجبنى فى الرواية دفاع السارد عن قيمة الحرية السياسية المختفية من حياة العرب والمسلمين منذ وقت بعيد، وإلى حد بعيد. كما تدعو الرواية إلى حرية البنت فى التزوج ممن تحبه ويحبها. وتدعو إلى حرية التصرف بعيدا عن أنوف رجال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتسخر منهم بكل سبيل وتندد بممارساتهم التعسفية وقسوتهم وكراهيتهم للتيسير ورفضهم حل المسائل بطريقة النصح والإرشاد بدلا من تصيد الأخطاء والمسارعة إلى التجريم والعقاب الشديد وتؤكد أنه ليس لهم من أدوات الإصلاح سوى البشت والمسواك حسبما جاء فى الرواية. وإلى جانب هذا تدعو الرواية إلى الحرية من التشدد الفقهى الذى يعمل على إبقاء المسلمين تحت ظروف الأوضاع القديمة التى مضت لحال سبيلها منذ زمن بعيد. وبالمناسبة فقد لاحظت فى هذا الجزء من الرواية بالذات تكرار كلمة "اجتثاث" على نحو لافت جدا، ومنه الحاجة إلى اجتثاث الأفكار والممارسات الخاطئة والسياسات الاستبدادية...
وفى الفصل التاسع والعشرين الذى يبدأ من ص200 نتعرف عن قرب إلى حياة شفيق صبى القبار والمعاناة الهائلة التى يعانيها جراء مهنته تلك، وكيف فقد أبويه وأخاه وأخته فى حادثة تصادم حافلة، فكفله عمه القبار وأخذه ليعيش معه فى الجبّان بين القبور والأموات وجثثهم، وغيَّر اسمه فصار يُدْعَى: شفيق بدلا من داود اسمه الأول، وكيف كان من فرط شعوره بالوحدة والضياع والهوان فى المجتمع يبحث عن أخ له ينزل عليه من السماء مع المطر حسبما أخبره عمه تخلصا مما سببه له من وجع دماغ فى هذا الموضوع، وكيف استخرج جثة طفل وليد حديث الدفن متصورا أنه أخوه قد بعثت به السماء مع المطر. فهذا الوصف من أروع ما قرأت. لقد تذكرت، وأنا أطالع هذا المشهد، مشهد هيثكليف فى "وَذَرِنْج هايتْس" للكاتبة البريطانية إميلى برونتى حين فتح بعد سنوات قبر كاثرين التى كان متدلها فى حبها إلى ما يقارب الجنون، ثم كشف غطاء التابوت فرآ وجهها على حاله كاملا قبل أن تهب الريح فتذروه أمامه فى الحال غبارا فى الهواء، فإذا بالوجه قد ضاع كأنه لم يكن! إنه لمنظر رهيب! لكن ثنائى على مشهد روايتنا الحالية لا يمنعنى من انتقاد العُوَار الفنى المتمثل فى اللغة العالية التى يستخدمها الصبى الأمى المتوحش، والتحليل العميق الذى يتناول به وصف مشاعره ويتدسس به إلى جذور كل شىء فى حياته مما لا يستطيعه أمثاله بأى حال. والآن مع النص البديع رغم ما فيه من عُوَار:
"أنتظر المطر بعكس انتظار الناس له. فكلما انتشرت الغيوم فى سماء المقبرة دغدغت مشاعرى فرحة عامرة. طوال لحظات انهماره أعلّق رأسى باتجاه منابت نزوله. أتابع كل قطرة عَلَّها تُسْقِط أخا أو أختا يشاركاننى حياتى الفارغة. لم تكن لدىَّ خبرة كافية بتوالد الحياة أو تكاثرها. ولا زال هذا الجانب قاصرا فى حياتى. كنت أظن أن الأولاد يأتون مع المطر. قلت لعمى:
- أريد أخا أو أختا ألعب معهما.
ضحك فى ظلمة غرفتنا الوحيدة:
-  عندما يأتى المطر ويلقى علينا بولد أو بنت سأجعله يؤاخيك!
وفى ليالى الأمطار أظل أبحث عن وليد يسقط علينا من السماء. ظل هذا اليقين إلى أن بلغتُ سنا متقدمة من عمرى. ودفعة واحدة سكب عمى كل خبرات الحياة فى أذنى، وعلمت أن الأولاد لا يأتون مع المطر كما كنت أتوهم. فى يوم ماطر لم تهدأ ثرثرته وقف رجل أمام بوابة المقبرة قبيل الغروب يحمل شيئا صغيرا ملفوفا بحرام ناصع البياض. كان وحيدا لا يجاوره سوى دموع اختلطت برذاذ المطر. لم يجرؤ على دخول المقبرة. دفع لعمى بورقةِ دَفْنٍ ممهورةٍ وورقة نقدية، وناوله تلك اللفافة:
- لا أقوى على دفن فلذة كبدى بيدى. تصرّف.
انشغلت يد عمى بدس الورقة النقدية من فئة الخمسمائة فى جيبه السفلى، وحمل اللفافة بيد واحدة، وتوجه مخترقا جريان ماء المطر المنحدر بين شقوق القبور، ومتخيرا فَجًّا قصيًّا من المقبرة. دفع بتلك اللفافة إليها، وعاد ضاحكا:
- ها هو المطر يسقط عليك بأخ صغير!
تنبعث رائحة الأرض المعكرة بأديم الموتى لتسكن تجاويف الأنف، وتعزف هسهسة الأشجار المحيطة بالأسوار المنخفضة لحنا موحشا. واستضاف ليل انتصفت ظلمته مطرا طرق المكان بفجيعة بحثا عن لحد يوارى به جثته بعد أن تخلت عنه السماء. كانت نافذتى تطل على صحن المقبرة، ويتراقص شىء من أقصاها يبين طفلا رسب فى أوحال المطر ويجلس لإزالة ما علق به. تلوّح يده الصغيرة وتدعونى إلى مشاركته عبثه أو تخليصه من وحل زائف. كان عمى يغطّ فى نومه بعد أن صر الخمسمائة ريال فى طرف مئزره، الذى لم يتخل عنه يوما... كان ينام كرجل أنهى عبادة طويلة، فأخذته سِنَة النوم راضيا مطمئنا لم يزعجه صرير باب يفتح، وتسلُّل خطوات حذرة إلى خارج الغرفة متجهة إلى فضاء الموت.
خرج الموتى من قبورهم يبللون عظامهم الجافة بمطرٍ ثَجَّاج. ومن بقى له جلدٌ نضحه بالماء المعكر، وانسل لمرقده هانئا. كانت خطواتى المتعثرة تقترب كثيرا من تلك اللفافة. ظهر طرف اللفافة فى لحد صغير وغير موارًى جيدا. نبشتُ مكانها على مهل، فانبعثت رائحة الأرض المخبأة. تنفس المكان عن أزهار ضحكة طفل لم يكمل رقصه فى منزلهم، وجاء إلى هنا ليغنى. سحبتُه من لفافته. جسد صغير مرتو بلطف. ووجهٌ أسدل عينيه، وغرق فى إغماضته. عَلِقَ بوجهه ترابٌ مُوحِلٌ. لم تكن زخات المطر كفيلة بتطهره من كل تلك الأوحال، فركضت به إلى صنبور استند على ظهر غرفتنا، وأغدقت عليه الماء. غسلته كما تُغْسَل الفاكهة، وعدت جذلا إلى غرفتنا. هززت عمى برفق:
- <!--[endif]-->ها هو أخى قد جاء مع المطر كما وعدتَنى!
فزع كما لم أره من قبل، وعلق أذنى بيده، فسقط الطفل من بين يدى. سقط على غير استواء، فحمله عمى كيفما اتفق باحثا عن قبر تُغْلَق دفتاه، فلا أقوى على رفعهما. ودس الطفل هناك من غير لفافة تقيه البرد أو الأتربة! بعدها عرفت أن المطر لا يجلب أطفالا أو إخوة تكون مهمتهم مواساتى فى وحدتى، فخرجت خارج المقبرة أبحث عنهم بين أطفال الحى. إلا أن كل أولئك الأطفال يحمِّلوننى مسؤولية موارارة ذويهم وتغييبهم تحت الأرض. لم أكن أنمو كبقية الأطفال... جسد يكبر، وروح صغيرة ترفرف لا تعرف التحليق جيدا. تتهجى الحياة بعسر يعيق تواصلها مع مفرداتها، ومع ذلك تواصل تهجئتها أفعالا تُوصَف بالغباء حينا، وحينا بالعته. على فكرة: اسمى الحقيقى داود. سأورى لك سبب تغيير اسمى لاحقا أو الآن إن شئت: "الناعم" نبزة لعمى عثمان حصل عليها حينما دفن أحدَ الوزراء فبالغ فى الاعتناء فى إنزاله للقبر وبسط تحته ملاءتين وغطاه بملاءتين إضافيتين كيلا يصل إليه التراب، فأطلقوا عليه: "الناعم" سخرية به وبما فعله مع جثمان الوزير. وانتقلت هذه النبزة لى. وقد خشى علىَّ أن أموت مبكرا، فحينما قدمت إلى المقبرة كان لديه إيمان مطلق بأن الأطفال الذين يدخلون المقابر يموتون سريعا ما لم تُغَيَّر أسماؤهم، فأطلق علىَّ اسم "شفيق" تيمنا باسم أبيه، الذى هو جدى، ومات بعد أن تجاوز التسعين من عمره. كان عمى يحلم بأن أمد جذر العائلة الذى انقطع وبقى منه فرع وحيد اسمه "داود أو شفيق الناعم". لم ينتبه عمى إلى حكمة الحياة: حين يتغير اسمك تتغير أقدارك. فجدى ذو الأعوام التسعين أخذ كل نصيبى من الدنيا، وعندما وافقتُه بالاسم لم يعد لى شىء فى الدنيا. لقد أخذ ببطاقة اسمه كل شىء خلال عمره المديد! آه سأخبرك...".
ولكن بدءا من ص224 يلقانا فصلان يمتلئان بلون غريب جدا من الشذوذ الجنسى لم يسبق لى أن قرأت عن أحد فى بلاد العرب يمارسه، ألا وهو شذوذ النيكروفيليا. وقد أغرق المؤلف فى الغوص فى هذا النتن تفصيلا، وبدون أى داع. وكان يمكنه بل كان ينبغى أن يختصره ويكتفى بالخطوط العامة والإشارات بدلا من التفاصيل المقززة التى تدل على غرام بالقاذورات لدى من  يفعله ولدى من يستكثر من "اللغوصة" فيه. إنها الواقعية الطبيعية والخُرْئِيّة فى أبشع صورها، فضلا عن أن مثل ذلك القبار، بتوحشه وتخلفه العقلى، لا يمكنه، كما سبق أن قلنا، أن يتدسس إلى أعماق مشاعره بهذه السهولة والبساطة ولا أن يلتقط تلك الأحاسيس المعقدة التى يحاول المؤلف إيهامنا أنها قد مرت بنفسه. وقد وقع هذا فى الرواية حين اكتشف ضابط التحقيق أن القبار يخفى جثة جليلة فى الفريزر بغرفته ويستخرجها حين يكون وحده مخاطبا إياها وكأن صاحبتها حية، ويظل يخاطبها ويثرثر بحبه لها بينما الثلج يذوب عنها قليلا قليلا، ويلبسها ما اشتراه لها من ثياب جميلة غالية، كل ذلك والضابط ممسك بأعصابه وهو يشاهد القبار يعبث جنسيا بجثة القتيلة المجمدة، ثم يزيد فيعطيه الفرصة كاملة للكلام والفضفضة على راحته كأنهما صديقان لا ضابطٌ ومجرمٌ وضع يده عليه متلبسا بجريمته، متجاهلا أن مساعده الشرطى قد تركه وعَدَا بكل قواه خارج الجبّان يخبر الناس بالأمر، وأن الناس سوف تتقاطر حالا على المكان بحيث يمسى بقاؤه مع شفيق هناك دون أخذه إلى قسم الشرطة خطرا عليهما شديدا. وكأن هذا كله غير كاف فنرى المؤلف يضفى على شفيق علما تحريبيا وتفلسفا وحكمة لا يتمتع بها كثير جدا من المثقفين، وتذكِّرنا بحَىّ بن يقظان بطل رسالة ابن الطُّفَيْل المسماة باسم هذا البطل.
يقول شفيق: "لا أعرف أشياء كثيرة خارج المقبرة. أما داخلها فأعرف عن الموتى أمورا كثيرة: تنظيف القبور، لملمة العظام، توسيد الموتى، أنواع النمل القارض للجثث، وأنواع الأعشاب النابتة على حدبات القبور، سكون المقبرة، أنواع عصافيرها، حركة غربانها، فصيلة الحدءات التى تأتى فى مواسمها، معرفة أعمار الموتى من عظامهم. كنت مكتفيا بالموتى عمن سواهم، حتى أحببت جليلة. نسيتُ الدنيا وتذكرتُها. سعيتُ إلى الوصول إليها، وأخذتُ أقلّب حالى. ما الذى يمكن أن يجذبها إلىَّ؟ يبدو أنى كنت ميتا حقا! عرفت أن المال يقوّم اعوجاج المنكسرين، فانتباتنى حالة من الجشع بعد أن قمت بتنظيف قبرٍ وترحيل عظامه. كنت أجمع عظام أحد المتوفَّيْن حين عثرت على عمود ذهبى كان يوصل أعلى الفخذ بالساق، فاستللته وادخرته عَلِّى أجمع المال لتقويم اعوجاجى. من هنا حرصت على تقليب الموتى جيدا وفتح أفواههم. كان الذهب مخبأ فى جزء من أجزائهم. الأغنياء يظلون أغنياء حتى وهم داخل لحودهم: تركيبات، تلبيسات، تقويم الاعوجاجات، خواتم منسية. سلكت مسلكا آخر لجمع المال من خلال المبالغة بالعناية بالموتى الجدد، ورعاية قبور الأثرياء والتربص بذويهم حين يأتون لزيارة موتاهم، مبديا عناية فائقة بموتاهم. غدوت أبحث عن المال فى أكفان الموتى وقبورهم! هذا الجهد مُضْنٍ. فمن بين مئة قبر تجد شيئا مدسوسا فى جثةٍ عليك انتظارها حتى تتحلل. كنت أجد عنتا بالغا، فأقلعت عن هذا الجشع، وسعيت لاكتساب ود الأبرار من الأبناء الذين يحرصون على زيارة ذويهم وانتعاشهم برؤية الشجيرات تتراقص على قبور موتاهم. يدفعون كثيرا لتظل هذه الشجيرات خضراء. فغدت من مهام استثمارى إبقاء شجيرات تلك القبور خضراء على مدار العام حتى وإن لجأت للتدليس بوضع أشجار اشتريتها من الباعة الباكستانيين أضعها فى أوقات زيارة أولئك الأبناء.
حجبتْ عنى عيشتى داخل المقبرة كيف يعيش الناس. هنا أعرف الناس عرايا لا يملكون مقدرة أو إرادة. أقلّبهم كيف أشاء. أجهل أمورا كثيرة أخذت أتعلمها على كبر. أعيش بين العرى. كل شىء هنا يعود إلى أصله، إلى البداية الأولى. كل أولئك الذين يشيحون بوجههم عنى يأتون إلىَّ عراة. ساعتها لا يقدرون على هَشِّى أو هش النمل الباحث فى أجسادهم عن غذاء يواصل من خلاله الحياة... كما نأكل نؤكل. فبعد أن يُسْلَب الإنسان سر الحياة يعود صلصالا، جسدًا مُسَجًّى يتحلل إلى أتربة. ألملم عظامهم بعد مضى سنتين على دفنهم يكونون فيها عظاما نخرة. تُجْمَع عظامهم مجتمعة، وتذهب فى سيارة لتقذف بهم بعيدا. أُبْقِى على أعجازهم، وأدسها فى ركن قصى من القبر. كانت ترعبنى الجماجم المجوفة. جسدان لم أقرب من قبريهما بتاتا. فبعد دفنهما بعامين نزلت إلى قبريهما لجمع عظامهما وتهيئة قبريهما لإحلال موتى جدد. كان كل شىء  على حاله: الوجهان باسمان، وبدناهما لم تمسّا بتاتا. يومها عرفت أن هناك أناسا لا يقرضهم الموت. يَبْقَوْن أحياء فى قبورهم.
وتعلمت أيضا أن الأجساد الميتة تهرب بأبدانها حين تثلَّج أو تحنَّط. فجأة رغبتُ فى التحنيط. قضيتُ على قطة أزعجتنى بموائها المستمر ليلا، شققت بطنها وملأته ملحا وكافورا وأخطته بوتر رقيق، ووضعتها هنا فى هذه الغرفة المنسية من المقبرة. وبعد مرور خمسة أيام فاحت رائحتها. جاء النتن من رأسها، فأعدت التجربة مرة أخرى، وملأت فمها ملحا وكافورا. وبعد مضى شهر تهرَّأ جلدها ووزعت رائحتها. أقلعت عن التحنيط، وأخذت أبحث عن وسيلة لإبقاء الجسد متماسكا أطول فترة... أبقيت لحما وسمكا فى الفريزر لسنة كاملة، وحين أخرجته كان متماسكا. تركته يفتر، وأعدته للثلاجة، واستمر على حاله سنة أخرى. من هناك كنت أنتظر امرأة تكون لى لوحدى. ولم أكن أتصور بتاتا أن تستجيب جليلة لأمنيتى بهذه السرعة.
أول مرة احتويتها بين ذراعى يوم دفنها. كانت رطبة ناعمة. شممت رائحة العود ينبعث من ثنايا جسدها. لم أطق إغلاق قبرها. كان علىَّ إتمام مهمة الدفن. قمت بالعملية على خير وجه. وحين غادر المشيعون المقبرة فتحت قبرها على الفور. كنت عازما على أن تكون معى، ألا تغادرنى كما غادرتْنى حية. حملتُ جسدها وأودعتُه فى داخل الثلاجة. كان هاجسى أن أسكنها حتى أنها لم تحبنى، فروحها تلك غادرتها. احتجت إلى صندوق جسدها لأضع فيه روحى عَلِّى أمتزج بشىء من بقايا روحها فى هذا الصندوق. حبى لها يفوق أى شىء. جسدها لم يعد لأحد، وأنا أولى به من النمل والتراب. الآن لو حملتها لأبيها أو لأمها لرفضاه وولّيا منه رعبا. هذه الرائحة النتنة التى تنبعث من جسدها أَزْكَى الروائح على قلبى.
أحببتها منذ كانت طفلة، ولم أقدر على أن أقول لها: "أحبك". هذه الكلمة الصادقة السهلة لم تغادر فمى. فبعد تلك التحية الصباحية مُنِعْتُ من زيارتهم، ولم أجدها منفردة أبدا لأُسْمِعها استغاثة قلبى من حريق دمره حبها. نسيت شيئا مهما فى أداء هذه المهمة، هل تعرفه؟ آه! لا يفيد الندم. نسيت إغلاق قبرها. لم أكن أتوقع أن يأتى العم محسن بتلك السرعة. وانشغالى بتجميدها فوّت على إعادة دفتى قبرها إلى مكانهما. آه لو فعلتُ ذلك لما وجدتك تقف على رأسى هكذا. سأخبرك أمرا...
غرق فى صمته قليلا وتدفّق مرة أخرى كخرطوم عليه أن يضخ بما يكفى لإخماد حريقٍ مُسْتَعِرٍ:
الآن هى لى. أنا قبرها، وهى قبرى. فى زيارتى السابقة لها كان الليل يسير بطيئا وأنا أنتظر تفسخ الثلج من على جسدها. جاءنى خاطر... هل تعرف ما هو؟
توقف عن الحديث وأخذنا ننتبه: ضجيج مهول وطرق نعل وإضاءة منسكبة على موقعنا. ارتبك كثيرا، ووقف حائرا بين الجثة وبينى. تشجَّر الليل عن مَرَدَةٍ توالدوا من زوايا المقبرة. جاؤوا كالنمل القارض جثث الموتى يسبقهم دوى يصلنا كتقصُّف أشجار نخرة جرفها طوفان هائج وسعى إلى اجتثاث ما يصادفه. كان شفيق يحتضن جثة جليلة بلهفة صائحا:
- لا تخافى يا حبيبتى.
آآآآآآآه. لم يكن الوقت كافيا لتدبر الأم.
***
أفقتُ فى المستشفى، ووجدت زوجتى تجاورنى بدموعها ماسحة على رأسى، وهى تتلو المعوّذات. ربما كنت أهذى خلال فترة غيبوبتى التى استمرت ليومين. باقات الورود اصطفت فى غرفتى تحمل بطاقاتها أمنيات باردة بالشفاء العاجل. جميع الأصدقاء عادونى أثناء غيبوبتى كما أخبرتنى زوجتى. تخلى شخص غال عن الوقوف على حالتى. أيمن لم يعد هنا. كنت أعرف أن المطارات البعيدة تغيِّبه بعد أن حزم حقائبه، ولم يلتفت إلى حنينه الذى يجذبه إلى مرتع صباه وشبابه. قرر بإرادة حديدية ترك كل شىء خلفه ومضى مُخِبًّا مجيبًا نداءات المطارات لتُقِلّه المطارات إلى مكان يحقق حلمه فى ارتداء روب المحاماة. قرأت البطاقات المعلقة فى بوكيهات الورود. كلمات استهلاكية تناثرت كحبات البَرَد فى مدينة ثلجية. وكعادة فواز ترك جملة قصيرة وباترة أخذت تهوى فى أعماقى وتعيد كل مقولاته:
- أنت ضحية الاجتثاث. تَذَكَّرْ هذا جيدا.
 كان شيئا مروّعا ما حدث. غباء عطية أشعل المدينة وأخرجها من رقدتها حين تبادل الناس الخبر بواسطة الهواتف المحمولة. جاءت المدينة مجتمعة واستقرت على بوابة المقبرة. تنادَوْا من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ. ذلك الأحمق المدعو: عطية قلب الدنيا. خرج من المقبرة مذهولا ومعبأ بطاقة سخط لم يقدر على تبديده إلا بالصراخ وإخبار كل من يصادفه بما رأى. ذرف خبره فى مسامع الحى كأداةِ ثقبٍ قصرت صراخاته من إيصال فجيعته بتردى النفوس إلى درجة لا تصدق. كان غير قادر على التركيز. يريد إبلاغ الدنيا مجتمعة بهول ما رأى. هاتَفَ هيئةَ الأمر بالمعروف، الجهة التى يراها الأقدار على تقدير عمق الفساد والفسوق المستشرى فى البلد. وكمَنْ لم يشبع نهمه أمسك بكل مارٍّ بالحى وأخبره: "مجموعة من الكلاب يضاجعون الموتى". ركض إلى بيت محسن الوهيب مفجرا باب منزلهم بطرق عنيف، وصارخا بأهله: "ابنتكم لم تهرب. الكلب شفيق وضعها فى ثلاجة، ويخرجها ليضاجعها وهى ميتة". لم تُشْبِع الجملةُ السابقةُ تَهَيُّجَه، فاستحث اخوتها المصدومين بالخبر: "ليس هذا وحسب، بل أضاف لمهنته مهنة القوادة، فيجمع من الوافدين مبالغ مالية ليضاجعوها".
تدفق الناس كأمواج بحر تائه نسى موقعه، ودخل المدينة من غير معرفة مسبقة بشوارعها الرئيسية فأغرق كل الجهات. توافد الناس من كل الأزقة والشوارع الخلفية والرئيسية محيطين بالمقبرة إحاطة الماء بجزيرة، فانبعث لتجمعهم دوىٌّ لا يحدث إلا فى الكوارث الكبرى، ضجيج مهول مختلطا بالاستغفار والتكبير. شىء   يشبه حالة هروب مدنيين من جيش غاز، أو أشبه بزلزال حرض المدينة على الهرب إلى الساحات الخالية من العمران، أو كمن أيقن بقيام القيامة فتحرك للمحشر مختارا.
كنت مصغيا إليه وهو يروى تفاصيل عشقه لجليلة حين داهمنا الضجيج فجأة. وأضاءت المقبرة بكشافات من كل جانب. وللمرة الثانية يرتبك شفيق منذ أن اكتشفت حالته. خلع فستانها على عجل، وتحير بين ارتداء ثوبه وإعادة جثتها إلى داخل الثلاجة. حزم أمره بخطف جسدها المتخشب وضمه إلى صدره، ورَشْحُ الماء يتصبب من مفاصلها كينبوع سدت منافذ جريانه فتجمع فى طريق مسدود، وطفح يبلل سروال شفيق المخلخل على خاصرته. كانت مرمية بين يديه كالأميرة النائمة، التى نفث ساحر عبقرى سحره فى أوصالها. وتركها متخشبة تبحث عن قبلة تعيد لها الحياة. ثمة توهان يعصف بمخيلته فلا يستقر على حال. وكلما اقتربت الجلبة أبدى ضيقا وتبرما مما يحدث. تبزغ أخيلة من جهات متفرقة من المقبرة. تهبط كخيول فرت من قَصْوَرَه، مسلطة إضاءات كاشفة باتجاهنا، وأسوار المقبرة لا تمل من توالد بشر يهوون إلى داخلها وكأنهم فراشات قررت إطلاق أجنحتها للتحليق حول ضوء باهر لإطفائه، مقدسين المعركة الجهادية المقبلين عليها. وتنادوا مكبرين ومثيرين غبارا كثيفا علقت ذراته فى حزم الأضواء المبثوثة نحونا. ظل شفيق متشبثا بالجثة بين يديه:
- علىَّ أن أعيدها إلى داخل الثلاجة قبل أن يصل العفن إلى بقية جسدها...
 جلبة عظيمة تهز كيانه، وأضواء مسلطة من كل جهة تبهر مآقينا، فيهرب بعينيه فى حضن الجثة المبلل العارى. تراكض نحونا مجموعة رجال من هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وخلفهم مجموعة من العسكر، وهم يتصايحون:
- يا كفرة، لم تسلم نساء المسلمين منكم وهن أحياء حتى تتبعوهن موتى.
تأبطنى أحدهم بعنف، وجذب مسدسى من يدى. كان عطية يقف بينهم متلذذا بالمشهد. وحين وجدهم يمسكون بى صاح بهم:
- <!--[endif]-->هذا ضابط شرطة.
كنت مسلوبا تماما، وعطية يقذف الكلمات عشوائيا، ويشير صوب شفيق:
- هذا هو الكلب الذى يضاجع الموتى، وامتهن القوادة على جثث النساء المؤمنات.
شفيق لم يرتدِ ثوبه بعد. ظل بسرواله المخلخل على خاصرته، فأحاطوا به منتزعين الجثة من بين يديه، فتعرت تماما وسقطت على الأرض، فانكفأ عليها يسترها بالمئزر الذى سقط من وسطها. كانت الركلات تصله من كل جهة، فيزداد انكماشا وتكوما على الجثة. فصلوه عنها بالجذب، فأمسك بيدها لتنخلع بين يديه. أظنه أصيب بِلُوثَةٍ، كتلك اللُّوثَة التى داهمته حين أُلْقِى به طفلا بين جثث مهروسة ومقطعة الأوصال. كان يصرخ ويضم يد جليلة المخلوعة إلى صدره ويقبلها بينما كانت الصفعات تصله من كل جانب. رققتُ لحاله فأسرعت بالوقوف بينهم وبينه:
- هذه قضيتى، وأنا أتابعها من زمن.
زجرنى أحدهم بغلظة:
- ونحن تلقينا بلاغا، ووقفنا على الحالة بأنفسنا، فاتبعْنا إن شئت.
دفعونى من أمامهم وتحركوا يطوقونه من كل جهة. حاولت إيقافهم، فتدافعونى حتى خرجت من دائرتهم. تهاوى بين أيديهم، فسحلوه وأوقفوه على بوابة المقبرة التى أغلقت بأجساد غفيرة من البشر. ساعتها تخلت الأحذية عن أقدام أصحابها، واستقرت على هامة شفيق وكتفه وظهره. وكلما تملص من ضربة خاطفة وقع ضحية عشرات الصفعات المركزة. حرص على يد جليلة المخلوعة، فخبأها فى صدره، وضم يديه عليها، وحزمهن خشية أن تضيع منه. حاول الالتفات نحوى فلم يقدر، فقلب وضعه، وسار معكوسا صائحا بى:
- أعدها إلى الثلاجة قبل أن تتعفن....".
وفى نهاية الرواية نقرأ ما يلى، وقد ورد على لسان ضابط التحقيق فى وصفه لما وقع له بعد أن سقط تحت أقدام الجماهير التى اقتحمت غرفة شفيق كما رأينا: "حدثت همهمة صاخبة، فجرفتنى موجة عاتية من الأيدى. حشرونى بينهم كعلبة رديئة التصنيع عليهم إعطابها وإعادتها لخامتها الأولى قبل فوات الأوان. أحسست بالاختناق. فى البدء ركلتنى الأقدام، ثم سحقونى أسفلهم. كنت أسمع خشخشة عظامى وتقصُّف أضلعى تحت أقدام تخلت عن أحذيتها وتفرغت لهرسى. غاب صوتى، وبقيت أذناى متسعتين لسماع صرخات الظفر التى علت على صيحات الألم. آخر صوت سمعته واضحا كان صوت عطية وهو يصيح بصوت مرتفع:
- تنبّهوا! هذا ضابط شرطة!
دوار عنيف يلفنى، فتدور الدنيا: ضجيج، وصياح، وسحق، ووجوه تتميز بغيظها، تتقلب فى أنصاف دوائر، وهرس أقدام لجسد ملقى، والتحام نفذت منه يد ناعمة خُلِعَتْ من جسدها للتو، تفسخت فجأة، معلنة عن موتها برائحة نتنة، فتفور الدنيا بعاصفة من الضجيج. وأَسْقُط فى دوامتها. دوار، دوار عاصف، وأنجذب إلى القاع. ألمح الأوراق تتطاير، وفواز يقهقه، وأيمن يعيش فى مدينة تبعد آلاف الأميال يمتهن الغربة ويتدرب على حياة جديدة، والعميد إبراهيم العامر يفكر كيف يعيد صياغة محضر ناقص متهما إياى بالتقصير، ورسالة ساخرة وصلت متأخرة جدا تقول: أنت محقق فاشل. أعضاء الموتى لا تصلح لشىء بعد موتها. لم أشأ أن أصدمك باعتدادك بنفسك، هذه هى الحقيقة... ها هو سلمان الغلف يقتصّ من كل الذين سخروا منه داخل الجامعة ليلاحقنى بسخرية متأخرة.
ضجيج وهمهمة يواصلان نشر قحف جمجمتى. وفواز يمسك بالمنشار مقهقها، فتفر كل الفتيات الهاربات من مخيلتى وهن يبصقن أسفل أقدامهن. ومن بقيت منهن داخل سجنها تتدبر طريقة للخروج بنشر أطراف حديد نافذتها. وجليلة تقف أمام رجل الهيئة متوسلة. ومحمود يتلقى كما هائلا من الرصاص يخرم صدره قبل أن يحقق أمنيته بإسقاط الطواغيت داخل العرق وخارجه. وزوجتى تلوح بيدها. ويد جليلة أكملت الأقدام تشويهها بهرسها لتجاورنى نتفة من نتانة جسدها. والشجرة المباركة تفر من بين أغصانها عصافير ملونة. وعاشق وقاتل يتقاسمان المواقع بالقرعة: أحدهما يعيش، والآخر تجز رقبته. وجليلة تعود بفضيحة غير مباركة... جليلتان: إحداهما جُزَّتْ رقبتها بغير استواء، وأخرى خُلِعَت يدها وهُرِسَت تحت الأقدام. وزهير يمضغ أذن شفيق بتشفٍّ قبل أن يسحبه الشيك إلى داخل السجن. ومحسن الوهيب يصيح بصوت اختلطت نشوته بحنقه: كانت والله طاهرة. وحمق عطية يسيل كحبيبات بارود نُثِر بِنِيَّة التفجير. وشفيق يغيب فى بحر من الدماء، يتلاشى هناك كنقطة ابتعدت بإبحارها، ولم يعد يسمع نفيرها. وقرار المحكمة يعلَّق بالقرب من أهدابي: حكمنا بقتله تعزيرا. وتلك الجثة التى لم يحسن القصاص قص رقبتها تتأرجح بين يدى طفل، فأمسك بشعرها لتستقيم على جسدها. لمحت شفيق ينحدر كسيل دم، ويتدفق لمجاورة أسرته التى اختارها من بين القبور المتناثرة، فتنهض لاستقباله بتوسيع مواقعها. وجليلة تنهض من موتها خاسرة يدا خُلِعَتْ تذكرها بعاشق لم يرتض بعشيقة سواها، فاسترخت على أريكتها مرتدية فستانها الجديد منتظرة عودة عاشق، ومتزينة برائحتها النتنة منتظرة جزعة من عجزها عن فتح الباب لتستقبله كما فعل مع كل الموتى... وتغرق فى حسرتها: كيف لها أن تضم عاشقا يد واحدة؟ 
دوار يدور بى فى كل أرجاء الدنيا، دوار عنيف، واستغاثات واهنة لا تصل إلى تلك الأجساد الباحثة لأقدامها عن موضع جسدى، وصوت سيارة الإسعاف يلوب داخل المدينة، ولغة عربية مكسرة تتحطم فوق رأسى:
- لا يزال حيا.
سواد يكتنف المحيط الذى تجول فيه عيناى، وأنين منخفض، وأدعية ويد حانية تلامس شعرى. لمحت وجهها باكيا، وشعرها الكستنائى يتموج على جبينها، وعيناها مغروستين فى وجهي:
- خالد!
- ... .
        - أفق يا حبيبي...
كان شعرها كستنائيا تبقت منه شعرات فى لفافة الكفن. حين حملها بين ذراعيه تموج شعرها لأسفل قامته، شىء منه تسلل للآخرة...
- حبيبى، انهض.
كان جسدى مهشما: كسور مضاعفة استقرت بالترقوة والقفص الصدرى والحوض وعظمة الفخذ اليمنى والكاحل الأيسر، ورضوض عميقة فى الصدر والوجه والخاصرتين. يبدو أنى استلقيت على ظهرى تماما فيما كانت الأقدام تسلط بعضها بعضا لوَطْء جسد لم يكن منتصبا ذات يوم، فأرادت أن تسويه بالأرض وتفرد قامته كما يجب. زوجتى تحوطنى بذراعيها، فينتشر شذاها ويستقر فى قحف جمجمتى. وجليلة مقذوفة هناك تنتظر من غير استواء، وقد مدت يدها لعاشق عله يعود، وشىء من رائحة عفونتها يسرى بين أزقة ذلك الحى الذى ألف استنشاق روائح الموتى. كانت فى رقدتها غير المستوية. كانت تنتظره محاولة التغلب على حسرة أن تضمه بيد واحدة" (ص255 فصاعدا).
إن سرد الأحداث بهذا الشكل وباستخدام الفعل المضارع، الذى يصف الأحداث أثناء وقوعها، وفى نهاية الرواية حيث لا يوجد من يمكن أن يكون قد شاهد وسمع ما حدث أو قصه السارد عليه، ليس له من معنى سوى أن الضابط قام بسرد ما وقع له وهو فاقد للوعى أو أفاق لتوه وهو لا يزال يهذى. وهذه نقطة ضعف كبيرة تذكرنا بنهاية بعض الروايات حين يموت البطل السارد وحيدا ليس معه غيره، إذ السؤال هو: إذا كان البطل قد مات وحيدا فكيف وصل إلينا ما قاله أو فعله آنذاك؟
وفى نهاية الكلام نقول إن الرواية، كما اتضح لنا، فيها وفيها: فيها معايبها، وفيها حسناتها. بيد أن المعايب أكثر وأكبر، ويزيد هذه المعايب سوءا أن الرواية مبنية على شفا جرف هار. فالأساس الذى قامت عليه، وهو اختفاء جثة جليلة، أساس واه، إذ كان منطلق معظم أبطال الرواية أنها لم تمت بل دفنت دفنا صوريا ثم هربت من قبرها، مع أن الجميع قد رآها وهى مذبوحة وسال دمها فى الشوارع. كذلك فالسبب الذى اتضح أنه يقف وراء اختفاء جثتها غير مقنع، فمن أين للقبار تلك القدرة الذهنية والنفسية والعملية التى يفكر ويدبر بها تثليجها فى الفريزر، فضلا عن أن يخطط للاستمتاع بها نيكروفيليًّا، وهذا لون من الشذوذ لم أسمع بمن يمارسه فى شعوبنا؟ ولدىَّ هاجس بأن المؤلف قد قرأ شيئا مثل هذا فى رواية أجنبية، فقال فى نفسه: "فلنجعل لنا نيكروفيليا كما لهم نيكروفيليا" غير دار أن الذين يقلدون غيرهم لمجرد التقليد هم قوم يجهلون، وباطلٌ ما يعملون. وبمناسبة ما نحن فيه من هذا الشذوذ المقيِّئ هناك رواية ظهرت فى الآونة الأخيرة بعنوان "نيكروفيليا" بقلم شاب ممن كثروا هذه الأيام، وإن كنت لم أقرأها ولا أعرف ما فيها. وفوق ذلك فإن سرد الرواية بضمير المتكلم قد أخذها إلى طريق مسدود، إذ انتهت بتكسير عظام خالد ضابط التحقيق ودخوله فى ما يشبه الهلوسة، وهو ما لا يمكنه معه أن يحكى لنا ما حدث أصلا. فالمعروف أن سارد الرواية إنما يبدأ سردها بعد اكتمالها، وما دام قد وقف فى سرده عند الهلاوس التى انتابته فمعنى ذلك  أنه قص علينا ما عنده وهو تحت تأثير تلك الهلوسة. فهل ما قاله على مدار مائتين وأربعين صفحة يمكن أن يكون قد حكاه فى ظروف كهذه؟ إن هذا مستحيل كما نرى. أما بقية العيوب فلا داعى لإعادة القول فيها فقد أشبعنا ذلك من قبل سواء فيما يتعلق باللغة أو البناء أو الحوار أو الشخصيات أو الوقائع...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 519 مشاهدة
نشرت فى 14 ديسمبر 2015 بواسطة dribrahimawad

عدد زيارات الموقع

43,113